النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ - كِتَابُ الجَنَّائِزِ ٨٨- باب عَذَابِ القَيْ مِنَ الغِيبَةِ وَالْبَوْلِ ١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ نُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسِ، قَالَ ابنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما: مَرَّ النَّبِيُّ وَلَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ - ثُمَّ قَالَ :- بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)). قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَىْ قَبْرِ، ثُمَّ قَالَ: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)). [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٢٤٢/٣] ذكر فيه حديث ابن عباس: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َِّ عَلَى قَبْرَيْنِ .. الحديث. وقد سلف قريبًا، ولم يذكر فيه الغيبة، إنما ذكر النميمة(١)؛ لأن من ينم عنه يغتابه، ويقال: إنهما أختان لا تفارق إحداهما الأخرى، وقد سلف ذلك أيضًا. (١) برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر. ١٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٨٩- باب المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُه بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ١٣٧٩ - حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّرِ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الَّارِ [فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ]، فَيُقَالُ: هذا مَقْعَدُلَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [٣٢٤٠، ٦٥١٥ - مسلم: ٢٨٦٦ - فتح: ٢٤٣/٣] ذكر فيه حديث ابن عمر: أنَّ النَّبِي وَلِ قَالَ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هذا مَفْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). الشرح : العرض لا يكون إلا على حيٍّ، وهو دال على إحيائه ومنه: ((ليسمع قرع نعالهم)) وفيه دلالة على بقاء الأرواح؛ لأنها التي يعرض عليها، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: كل غداة وكل عشية، وذلك لا يكون إلا بإحياء جزء منه، فإنا نشاهد الميت ميتًا بالغداة والعشي، وذلك يمنع إحياء جميعه، وإعادة جسمه، ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه، وتصح مخاطبته والعرض عليه، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: غداة واحدة يكون العرض فيها، ذكره ابن التين. وقوله: ((مقعده))) يحتمل أن يريد مقعده من الجنة، وقد سلف ذلك مفصلًا في حديث أنس، ويكون معنى: (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ)) أي: أنه مقعدك لا تصل إلیه حَتَّى يبعثك الله. ١٦٣ كِتَابُ الجَنّائِزِ = ونقل ابن بطال عن بعضهم أن معنى العرض هنا: الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى، وأريد بالتكرير بالغداة والعشي تذكارهم بذلك، ولسنا نشك أن الأجسام بعد الموت والمساءلة هي في الذهاب وأكل التراب والفناء، ولا يعرض شيءٌ على فانٍ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة، وذلك أن الأرواح لا تفنى وإنما هي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار (١). ونقل عن القاضي أبي الطيب أتفاق المسلمين أنه لا غدو ولا عشاء في الآخرة، وإنما هو في الدنيا، فهم معروضون بعد مماتهم على النار، وقيل: يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب، فمن عرض عليه النار غدوًّا وعشيًّا أحرى أن يسمع الكلام . قال ابن عبد البر: وقد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك؛ لأن الأحاديث في ذلك أثبت نقلًا، قَالَ: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها؛ لأنها لا تفارق أفنية القبور، بل هي كما قَالَ مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت، وعن مجاهد: الأرواح على القبور سبعة أيام، من يوم دفن الميت لا تفارق(٢). وقال الداودي: ومما يدل على حياة الروح والنفس وأنهما لا يفنيان قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢] والإمساك لا يقع (٣) على الفاني (٣). (١) (شرح ابن بطال)) ٣٦٥/٣. (٢) «الاستذكار)) ٣٥٤/٨-٣٥٥. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٦٥/٣. ١٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحكى القرطبي أن العرض مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله أن ينجيه من النار، وأما من أبعد الله عليه وعيده من المخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فله مقعدان يراهما جميعًا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبیحًا وحسنًا. قَالَ: وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة: كل من يدخلها كيف كان، ويجوز أن یکون ترد إليه الروح كما ترد عند المسألة، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم كأن روحه تنعم أو تعذب وحده لا يحس بشيء من ذلك(١). وقوله: ((حَتَّى يبعثك الله يوم القيامة))) هو تأكيد أعني: يوم القيامة، وزاد ابن القاسم: ((حَتَّى يبعثك الله إليه)) وكذا رواه ابن بكير، قال أبو عمر: ويحتمل أن تكون الهاء في قوله: ((إليه)) راجعة إلى الله تعالى، فإن إليه المصير، وكونها عائدة إلى المقعد الذي تصير إليه أشبه (٢) بدلالة حديث أبي هريرة: ((فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إلى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: أَنْظُرْ إِلَى مَا وَقَاَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ في الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيها فَيُقَالُ لَهُ: هذا مَفْعَدُكَ))(٣). (١) انظر: ((المفهم)) ١٤٤/٧-١٤٥. (٢) ((الاستذكار)) ٣٤٨/٨، ٣٤٩. (٣) رواه ابن ماجه (٤٢٦٨) كتاب: الزهد، باب: ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في «صحيح ابن ما جه)». ١٦٥ كِتَابُ الجَنَائِزِ = ٩٠- باب كَلَامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ ١٣٨٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ ◌َ﴾ِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ)). [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٢٤٤/٣] ذكر فيه حديث أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: ((إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ .. الحديث. وقد سلف في باب حمل الجنازة بفوائده(١). وقد جاءت آثار تدل على معرفته من يحمله ويدخله في قبره ومن يغسله، أخرجه الطبري من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وعن مجاهد: إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله وعند حمله وحتى يصل إلى قبره. وإنما ترجم البخاري بكلام الميت عليها، وذكر حديثًا يدل أن الجنازة: الميت؛ لأنه من أئمة اللغة العارفين بها، فإنها بالفتح: الميت، وبالكسر: السرير، فأراد الميت على السرير(٢). (١) برقم (١٣١٤). (٢) انظر: ((الصحاح)) ٣/ ٨٧٠، و((لسان العرب)) ٦٩٩/٢. ١٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩١- باب مَا قِيلَ في أَوْلَادِ المُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَ﴾ِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: (مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ كن لَّهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ)). ١٣٨١- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ضُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)). [انظر: ١٢٤٨ - فتح: ٢٤٤/٣] ١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنٍ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ ◌َُه قَالَ: لَا تُؤُنّيَّ إِبْرَاهِيمُ الَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ)). [٣٢٥٥، ٦١٩٥ - فتح: ٣/ ٢٤٤] ثم ذكر حديث أنس: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَّهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)). وحديث البراء: قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ له رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ). الشرح: أما حديث أبي هريرة فقد سلف في أوائل الجنائز. لكن بلفظ آخر كما أوضحناه هناك في باب: من مات له ولد فاحتسبه(١)، وعَزَاهُ المزي في «أطرافه)) إلى أنس بلفظ ليس هو هنا، ولا في ذاك الموضع، فليحمل على المعنى، وهذا لفظه: حديث: ((ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد .. ))(٢) الحديث. أخرجه البخاري في (١) برقم (١٢٥١). (٢) ((تحفة الأشراف)) ٢٧٢/١ (١٠٠٥). ١٦٧ = كِتَابُ الجَنَائِزِ الجنائز (١)، وحديث البراء أخرجه(٢). إذا عرفتَ ذلك فالكلامُ عليه من أوجه: أحدها : الثلاثة داخلة في حيز الكثرة، وقد يصاب المؤمن فيكون في إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة، ولا يصبر لتردادها عليه، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب صبره أولى بجزيل الثواب، والولد من أجَلِّ ما يسر به الإنسان، لقد يرضى أن يفديه بنفسه، هذا هو المعهود في الناس والبهائم، فلذلك قصد الشارع إلى إعلاء المصائب والحض على الصبر عليها، وقد روي عنه وَّرُ أنه قَالَ: (لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا له جُنَّةً مِنَ النَّارِ)»(٣) ومعنى الحسبة: الصبر لما ينزل به، والاستسلام لقضاء الله عليه، فإذا طابت نفسه على الرضا عن الله في فعله أستكمل جزيل الأجر. وقد جاء أنه ليس شيء من الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله في جميع النوازل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿رَّضَِ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] يريد: رضي أعمالهم، ورضوا عنه بما أجرى عليهم من قضائه وما أجزل لهم من عطائه. ثانیھا : معنى: ((لم يبلغوا الحنث)): لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام (١) سلف برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب. (٢) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر. (٣) رواه مالك في ((موطئه)) من حديث أبي النضر السَّلَميص ١٦٢ (٣٩) كتاب: الجنائز، باب: الحسبة بالمصيبة بالولد وغيره، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)» ١٨٥/٤ (٢١٦٦). ١٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = بالأعمال، والحنث: الذنب العظيم. ثالثها : حديث أنس دال قاطع أن أولاد المسلمين في الجنة لابد، لا يجوز أن يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم، ويشهد لصحة هذا قوله في ابنه إبراهيم: ((إن له مرضعًا في الجنة)) وعلى هذا القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين في الجنة، إلا المجبرة فإنهم عندهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة، ذكر للتنبيه على وهمه وغلطه(١). رابعها : بوب البخاري على أولاد المسلمين، ولم يذكر حديثًا فيهم، وأجيب بأنه إذا رحم الآباء بهم فالأبناء أولى، وحديث إبراهيم يرده، وهو ظاهر في التبويب. خامسها : ((إن له مرضعًا في الجنة)) أي: من يتم رضاعه، يقال: أمرأة مرضع بغير هاء كحائض، وقد أرضعت فهي مرضعة، إذا بنيته من الفعل، وروي مَرضَعا - بفتح الميم - أي: رضاعا. (١) هُذا القول فيه نظر فقد قال ابن عبد البر رحمه الله: وقد ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، ((التمهيد)) ١١١/١٨ - ١١٢. ١٦٩ كِتَابُ الجَنَائِزِ - ٩٢- باب مَا قِيلَ في أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ ١٣٨٣- حَدَّثَنَا حِبَّنُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). [٦٥٩٧ - مسلم: ٢٦٦٠ - فتح: ٢٤٥/٣] ١٣٨٤- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ بِّهِ عَنْ ذَرَارِيٌّ المشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). [٦٥٩٨، ٦٦٠٠ - مسلم: ٢٦٥٩ - فتح: ٢٤٥/٣] ١٣٨٥- حَذَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرى فِيهَا جَدْعَاءَ؟)). [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٢٤٥/٣] ذكر فيه حديث ابن عباس: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). وحديث أبي هريرة: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). وحديثه أيضا: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، .. الحديث. الشرح: الحديث الأخير سلف قريبًا واضحًا. وقد اختلف العلماء في أولاد المشركين على أقوال : أحدها: أنهم من أهل الجنة(١)؛ لأنهم وُلدوا على الفطرة. قَالَ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: كونهم في الجنة قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم. ١٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. ومعنى: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) أي: قد علم أنهم لا يعملون شيئًا ولا يرجعون في وقت يعملون فيه، وهذا هو المختار(١). ثانيها: أنهم خدمة أهل الجنة(٢). ثالثها: أنهم من أهل النار؛ لحديث الذراري يصابون في شن الغارة: ((هم من آبائهم))(٣). وجوابه أن ذلك في أمر الدنيا أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والإغارة لا قود فيهم ولا دية، وقد نهى رسول الله وَّليه عن قتل النساء والصبيان في الحرب. (١) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: قولهم في الحديث قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم. (٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: وقد رأيت في ((جامع سفيان الثوري)) جمع الدولابي، قال الدولابي: حدثنا محمد بن خلف، ثنا قبيصة، عن سفيان، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: سئل النبي ◌َّر عن ذراري المشركين، قال: ((هم خدام أهل الجنة)) وهو مذهب سفيان. [وقد بقي] على المصنف مع ما ذكره خمسة أقوال أخر، وهي: الإمساك في المسألة نفيًا وإثباتًا وجعل هذا مما استأثر الله بعلمه وهذا غير القول بأنهم مردودون إلى محض المشيئة غير الوقف في أمرهم لما يحكم لهم بجنة، ولا بنار. هذان قولان. الثالث: أنهم في منزلة بين الجنة والنار، فليس لهم إيمان يدخلون به الجنة، وليس لهم أعمال توجب دخولهم النار. الرابع: أن علمهم وعلم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا ينفردون عنهم بحكم في الدارين. والفرق بين هذا وبين الثالث في كلام المصنف أنهم في النار. أن صاحب هذا المذهب الرابع يجعلهم تبعًا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موتهم يحكم لأطفالهم بالنار وصاحب القول الثالث يقول: هم في النار سواء أسلم الأبوان أو لا. الخامس: أنهم يصيرون ترابًا حكاه أرباب المقالات عن علية بن أشرس. (٣) سيأتي برقم (٣٠١٢، ٣٠١٣) كتاب: الجهاد، باب: أهل الدار يبيتون، ورواه مسلم أيضًا برقم (١٧٤٥) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتل النساء ... ، من حديث الصعب بن جثامة. ١٧١ ـ كِتَابُ الجَنَائِزِ رابعها: إن الله يبعثهم ومن مات في الفترة، والصم والبكم والمجانين، وتؤجج لهم نار، ثم يُبعث إليهم رسول، يأمرهم باقتحامها فمن علم الله أنه لو وهبه عقلًا في الدنيا أطاعه، دخلها ولا تضره ويدخل الجنة، ومن علم أنه لو وهبه عقلًا لم يدخلها فيدخل النار. قَالَ ابن بطال: هو قول لا يصح؛ لأن الآثار الواردة بذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة (١). وقَالَ الداودي: وهذا لا يصح في العقل والاعتبار لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية. فجعلهم من أصحاب الجحيم، ولو كان لهم موضع يرجى لهم فيه، لم ينه عن الاستغفار لهم، وهذا الاستدلال غير صحيح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه إنما نُهي عن الاستغفار لعبد الله بن أبي، ومن هو مثله، ولم ينه عن الاستغفار لولدانهم. خامسها: الوقف في أمرهم؛ لأنه رَِّ قَالَ: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). ونقل ابن بطال عن أكثر العلماء أنهم في المشيئة، وتأولوا (٣)﴾ [المدثر: ٣٩] أنهم أطفال قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَضْحَبَ أَلْيَِّينِ المؤمنين، وقيل: هم أصحاب الملائكة. وقد رتب بعض العلماء هذه الأحاديث الأربعة بحيث لا يختلف منها حديث مع الآخر. فقال: أصلها حديث التأجيج. قَالَ: فمن دخل النار كان من خدمة أهل الجنة، وكان الله أعلم بما سيعمل لو أحياه حين يبلغ التكليف، وإن لم يدخلها كان في النار (٢)، وهو الحديث الآخر: ((هم من آبائهم)). (١) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٤/٣. (٢) (شرح ابن بطال)) ٣٧٣/٣-٣٧٤. ١٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فتتفق هذِه الأحاديث الأربعة(١). وقوله: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) أخبر بعلم الشيء لو وجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ﴾ [الأنعام: ٢٨] ولم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة، لأن المرء لا يجازى بما لا يفعل، ولا خلاف أن من نوى شرب خمر ولم يفعل أنه لا يقام عليه بذلك حكم، فالصغير أبین؛ لأنه لم يكن منه فعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين، ((الله أعلم بما يعملون لو عاشوا)))(٢). وعن ابن القاسم في ولد المسلم يولد مخبولًا، أو يصيبه ذلك قبل بلوغه قَالَ: ما سمعت فيه شيئًا، غير أن الله تعالى قَالَ: (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم)(٣) الآية [الطور: ٢١] فأرجو أن يكونوا معهم. (١) قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: إذا مات غير المكلف بين والدین كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله وَ لقر أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار. وقد صحت الأحاديث عن النبي ◌َّ في امتحان أهل الفترة يوم القيامة. وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعًا، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه ((طريق الهجرتين)) تحت عنوان طبقات المكلفين. ((مجموع فتاوى ومقالات متنوعة)) ١٦٣/٣-١٦٤. (٢) في الأصل: تقديم: (أعلم) على: (الله). (٣) هَذِه قراءة أبي عمرو. ١٧٣ كِتَابُ الجَنَائِزِ وأما من أصيب بعد الحلم. قَالَ ابن التين: سمعت بعض أهل العلم والفضل أنه يطبع على عمله كمن مات، ومن كتاب آخر أن المجنون والمخبول والمعتوه يصلى عليهم (١). وقال ابن بطال: يحتمل قوله: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). وجوهًا من التأويل : أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة. ثانيها: أي: على أي دين كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، وأما إذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له. ثالثها: أنه مجمل يفسره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قَالَ: حكمهم حكم آبائهم، فهو مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤](٢). (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٦٠٧/١. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٣/٣. ١٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩٣- باب ١٣٨٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بنُ حَازِم، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((مَنْ رَأْىُ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟)). قَالَ: فَإِنْ رَأَىْ أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: ((هَلْ رَأُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟)). قُلْنَا: لَا. قَالَ: ((لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَ جَانِي إِلَي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌّ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلَّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ - قَالَ بَغْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ- يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلَّوبَ فِي شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هذا؟ قَالَا: أَنْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ مُضْطَجِع عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرِ - أَوْ صَخْرَةٍ- فَيَشْدَخُ بِهِ رَّأْسَهُ، فَإِذَاً ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَّهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَي هذا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَا: أَنْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَُّّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا فترتْ أَرْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَا: أَنْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَم، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ [قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَاَزِّمٍ: وَعَلَى شَطِّ النهر] رَجُلٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هذا؟ قَالَا: أَنْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَنْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدًا پِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِ دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، ١٧٥ كِتَابُ الجَنَّائِزِ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَغُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ الَيْهِ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكَ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى التِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةٍ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكَائِلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالَا: ذَكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اُسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ)). [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٢٥١/٣] ذكر فيه حديث سمرة بن جندب قال: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((مَنْ رَأْ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ .. )) الحديث، وفيه: (لَكِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ .. )) فقصَّها بطولها، ويأتي في التعبير آخر الكتاب(١)، وساقه عقب ما قيل في أولاد المشركين؛ لأنه ذكر في الرؤيا: وفي أصل الروضة شيخ وصبيان، وأما الشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والولدان حوله فأولاد الناس. وذكر في التعبير: ((وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)). قَالَ بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قَالَ: ((وأولاد المشركين)» وهذِه حجة قاطعة، وكذا رواية البخاري: ((والصبيان حوله أولاد الناس)). لأن هذا اللفظ يقتضي عمومه لجميع (١) سيأتي برقم (٧٠٤٧) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. ١٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الناس مؤمنهم وكافرهم، وقد أسلفنا أن هذا القول هو المختار. وقال ابن بطال: إنه أصح ما في الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار(١). والكلوب في الحديث -ويقال: الكلَّاب -: المنشال وهي: حديدة ينشل بها اللحم من القدر، قاله الجوهري (٢). وعبارة ابن بطال: هو خشبة في رأسها عقافة(٣). وقوله: ((تدهدَه))) أي: تدحرج. والفِهْر: الحجر ملء الكف. والصخرة: الحجر العظيمة. قال يعقوب، تسكن الخاء وتفتح. وقوله: ((فَانْطَلَقْتُ إِلَي ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ))) هو بإسكان القاف، أي: فتح. وضبطه بعضهم هنا بفتحها، وأنكره بعض أهل اللغة. وقوله: ((فإذا فترت ارْتَفَعُوا))) كذا وقع في رواية الشيخ أبي الحسن: ((فترت)) ولأبي ذر ((أفترت))، وصوابه كما قَالَ ابن التين: قترت - بالقاف- ومعناه: ارتفعت. أي: لهبت وارتفع فوارها؛ لأن القتر: الغبار. قَالَ الجوهري: قَتَر اللحم يقتِر - بالكسر- إذا ارتفع قُتاره، وقتِر بالكسر لغة فيه(٤)، وأما فترت - بالفاء- فما علمت له وجهًا؛ لأن بعده: ((فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا)) ومعنى خمدت وفترت -بالفاء- واحد. وأما ((أفترت)) فذكره الهروي وقال: هو مثل فترت. وقوله: ((حَتَّى كاد يخرجوا))) هو منصوب بتقدير أن، وقد روي بإثباتها. (١) (شرح ابن بطال)) ٣٧٣/٣. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٧٤/٣. (٢) ((الصحاح)) ٢١٤/١. (٤) ((الصحاح)) ٧٨٥/٢. ١٧٧ - كِتَابُ الجَنَّائِزِ وقوله: ((وعلى وسط النهر))) كذا في رواية، وفي أخرى، وهي ما في التعبير: ((شط النهر)) وهو: الوجه. وقوله: ((وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ))) يريد: الذين هم في علم الله من أهل السعادة من أولاد المسلمين. قاله أبو عبد الملك، وقد أسلفنا ما يرده. وقوله: (وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ رجل عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَفعَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ))) كذا هنا، وفي التعبير: ((فإنه الرجل يأخذُ القرآن فيرفضه وينام عن الصَّلاةِ المكتوبة)». ١٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩٤- باب مَوْتٍ يَوْمِ الاثْنَيْنِ ١٣٨٧- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﴿ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ◌َلِّ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَتْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُقّ رَسُولُ اللهِ وَِّ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الأَثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمِ هذا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الأَثْنَيْنِ. قَالَ: أَزْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَغْفَرَانٍ فَقَالَ: أَغْسِلُوا تَوِي هذا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ تَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونٍ فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هذا خَلَقٌ! قَالَ: إِنَّ الَحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٢٥٢/٣] ذكر فيه حديث عائشة قالت: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: فِي كَمْ كَقَّتْهُمُ النَّبِيَّ وَّهِ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ .. إلى آخره. سؤال أبي بكر لعائشة؛ لأنها أعلم الناس بموته؛ لأنه مات في بيتها، وسألها ليستعد كفنه ويجري ذلك على اختياره من الاقتداء بالشارع. وقولها: في يوم الإثنين. كان ذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، لإحدى عشرة سنة من الهجرة، وفيه نُبِّئ وولد وقدم المدينة، وكان يصوم الإثنين والخميس؛ لأنهما يوما رفع الأعمال ومحط الأثقال(١)، على أنه ورد في الموت ليلة الجمعة (١) يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أسامة بن زيد برقم (٢٤٣٦) كتاب: الصوم، باب: في صوم الإثنين والخميس والنسائي ٢٠١/٤-٢٠٢ كتاب: الصيام، وابن خزيمة في (صحيحه)) ٢٩٩/٣ (٢١١٩) كتاب: الصيام، باب: في استحباب صوم يوم الإثنين والخميس، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (٢١٠٥). ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة (٧٤٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الإثنين والخميس. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. ١٧٩ كِتَابُ الجَنَّائِزِ = ويومها من حديث عمرو بن العاصي مرفوعًا: ((مَنْ ماتَ يومَ الجمعةِ أو ليلتها وقاه الله فتَّان القَبْرِ))(١) وقال أبو عبيدة بن عقبة: من مات يوم الجمعة أمن فتنة القبر. فقال القاسم بن محمد: صدق أبو عبيدة. واستفهام الصديق إنما هو ليتثبت، ولم يكن ليخفى عنه يوم وفاته، وقد يحتمل أن لا يعلم ما كفن فيه؛ لأن قومه ولوا أمره، ويحتمل أن يفعله أيضًا ليتثبت، ورجاء أن يتوفى في يوم وفاة الرسول؛ لفضل ذلك اليوم، فقبضه الله تعالى في الليلة التي تليه؛ لأنه تال لرسوله. قَالَ علي: سبق رسول الله بٍَّ وصلى أبو بكر وصلى عمر. ولا زال التبرك بالسلف مطلوب، وموافقتهم في المحيا والممات مرغوب، وقد كان ابن عمر شديد الأتباع حَتَّى يقف مرة ويدور بناقته أخرى في مكان وقوفه ودوران ناقته(٢)، وما أحسنه من أتباع(٣). (١) لم أقف عليه من حديث عمرو بن العاص بل وجدته من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه الترمذي (١٠٧٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٦٩/٣ (٥٥٩٦) كتاب: الجمعة، باب: من مات يوم الجمعة، أحمد ١٦٩/٢، ١٧٦، ٢٢٠. قال الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٨٥٨): حسن. (٢) انظر: ((التمهيد)) ٢٣/١٠. (٣) هُذا القول فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن التبرك بالسلف الصالح لا يجوز لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، فإن التبرك بغير النبي ◌ُّه بعد موته لم يثبت، كما قال الشاطبي رحمه الله، وقد ترك وتلقي بعده أبا بكر وعمر وهما خير هذه الأمة وخير ممن يوصف الناس بعدهم بالأولياء، ولم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح أن متبركًا تبرك به على النحو الذي يفعله العامة في المشايخ من لمس الجسد والثياب، فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء أهـ وقال ابن رجب رحمه الله: وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي ◌َّ، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم. أهـ = ١٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == (الاعتصام)) ٩/٢، ((الحكم الجديرة بالإذاعة)) ص٥٥. = الوجه الثاني: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكان ابن عمر يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ◌َّ﴾ وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه، ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر. ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به. وذلك؛ لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده - مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب: كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعروف بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي ◌َّ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم أتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض. فلما كان النبي ټګ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه؛ لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورته الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي وَّر في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. =