النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
= كِتَابُ الجَنَائِزِ
زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ [إِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ] وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [٢٦٣٨، ٣٠٣٣،
٣٠٥٦، ٦١٧٤ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح: ٢١٨/٣]
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ: ابن زَيدِ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ
أَنَسِ هِ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ وََّ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌ََّ يَعُودُهُ،
فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ). فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ
وَّهُ. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَّرِ وَهْوَ يَقُولُ: ((الْحَمْدُ لله الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)).
[٥٦٥٧ - فتح: ٢١٩/٣]
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: سَمِعْتُ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي
مِنَ النِّسَاءِ. [٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧ - فتح: ٢١٩/٣]
١٣٥٨- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابن شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ
مَوْلُودٍ مُتَوَّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ
أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلَِّ عَلَيْهِ، وَلَا
يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴿ كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ
يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)). ثُمَّ
يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ.
[١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٢١٩/٣]
١٣٥٩- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عُه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا
يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ
بَهِيمَةً [جَمْعَاءَ]، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُزَيْرَةَ رضى الله
عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَّ ذَلِكَ الْذِيرُ
اُلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٢١٩/٣]

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ذكر فيه حديث عُمر في قصة ابن صيَّاد بطولِها.
وذكر حديث أنس: كان غلام يهودي يخدم النبي ◌َّقر، فمرض ..
وذكر الحديث.
وعن ابن عباس: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ،
وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.
وحديث أبي هريرة: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» .. الحديث
بطریقیه.
الشرح :
الكلام على ما ذكره البخاري رحمه الله واحدًا واحدًا، فإنه من
الأبواب التي تحتاج إلى إيضاح فلا تسأم من الطول، ولا شك أنه
يصلى على الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه.
قَالَ ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم
المسلمين في الصلاة عليه، ويباع على النصراني إن ملكه؛ لأن مالكًا
يقول: لو أسلم وقد عقل الإسلام ثم بلغ فرجع عنه أجبره عليه. قَالَ
أشهب: وإن لم يعقله لم أجبر الذمي على بيعه، ولا يؤخذ الصبي
بإسلامه إن بلغ(١).
وقد اختلف الناس في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:
أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن
وهب، وهي مقالة هؤلاء الجلة، ويصلى عليه إن مات على هذا.
وثانيها: يتبع أباه وإسلام أمه لا يُعدُّ به الولد مسلمًا، وهو قول مالك
في ((المدونة)).
(١) انظر: ((المدونة)) ٢٨٢/٣، ((النوادر والزيادات)) ٦٠٣/١.

٨٣
ـ كِتَابُ الجَنَائِزِ
ثالثها: يتبع أمه وإن أسلم أبوه وهي مقالة شاذة ليست في مذهب
مالك.
قال سحنون: إنما يكون إسلام [الوالد](١) إسلامًا له، ثم إذا لم يكن
معه أبوه فهو (٢) على دين أمه(٣). ويعضده حديث الباب: ((فأبواه يهودانه
وينصرانه)). فشرك بينهما في ذلك، فإذا انفرد أحدهما دخل في معنى
الحديث.
وقال ابن بطال: أجمع العلماء في الطفل الحربي يُسبى ومعه أبواه،
أن إسلام الأب إسلام له. واختلفوا فيما إذا أسلمت الأم، وحجة
مالك إجماع العلماء، أنه من دام مع أبويه لم يلحقه سباء فحكمه
حكم أبويه حَتَّى يبلغ، فكذلك إذا سُبي لا يغير السباء حكمه حَتَّى
يبلغ فيعبر عن نفسه، وكذلك إن مات لا يصلى عليه، وهو قول
الشعبي. قَالَ: واختلفوا إذا لم يكن معه أبوه ووقع في المقاسم
دونهما، ثم مات في ملك مشتريه، فقال مالك في ((المدونة)):
لا يصلى عليه إلا أن يجيب إلى الإسلام بأمر يعرف أنه عقله، وهو
المشهور من مذهبه، وعنه: إذا لم يكن معه أحد من آبائه ولم يبلغ أن
يتدين أو يدعى ونوى سيده الإسلام فإنه يصلى عليه وأحكامه أحكام
المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة، وهو قول ابن
الماجشون وابن دينار وأصبغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه
والأوزاعي والشافعي(٤).
(١) في الأصل: الولد، وما أثبتناه يقتضيه المعنى.
(٢) في الأصل: وهو، والصواب ما أثبتناه.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٦٠١/١.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٤١/٣-٣٤٢.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي ((شرح الهداية)) إذا سُبِيَ صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه
حتى يقر بالإسلام، وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في
إسلام الأم، والشافعي في إسلامه هو والولد: يتبع خير الأبوين دينًا.
والتبعية مراتب: أقواها: تبعية الأبوين ثم الدار، ثم الید.
وفي ((المغني)): لا يصلى على المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم،
أو يموت مشركا، فيكون ولده مسلمًا، أو يُسبى منفردًا، أو مع أحد أبويه
فإنه يصلى عليه.
وقال أبو ثور: إذا سبي مع أحد أبويه لا يصلى عليه إلا أن يسلم وفي
((الإشراف)) عنه: إذا أسر مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن
يختار الإسلام يصلى عليه.
وقوله: (وكان ابن عباس .. ) إلى آخره. قد أسنده بعد(١)، وهو مبني
على من قَالَ: إن إسلام العباس متأخر(٢)، وأما من قَالَ: إنه قديم قبل
الهجرة، فلا. وأمه أم الفضل لُبابة(٣).
قَالَ ابن سعد: أسلمت بعد خديجة(٤). وقال محمد بن عمر:
هاجرت إلى المدينة بعد إسلام زوجها.
وقوله: (وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) ولم يذكر قائله، وقد
أخرجه الدارقطني في النكاح من «سننه» بإسناد جيد من حديث عائذ
(١) سيأتي مسندًا برقم (١٣٥٧).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: أسلم قبل خيبر وكان يكتم إسلامه، ويقال:
( ... ) قبل بدر ( ... ).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن ( ... ) وابن سعد: هي أول امرأة أسلمت بعد
خديجة.
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٢٧٧/٨.

٨٥
ـ كِتَابُ الجَنَائِزِ
ابن عمرو المزني أن النبي ◌َّ﴿ قَالَ: ((الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى))(١) (٢).
وقصة ابن صياد ذكرها البخاري في مواضع أخر، منها: قَالَ: سالم
عن ابن عمر: فقام رسول الله وَّر في الناس فذكره. وفيه: ((أنه أعور وأن
الله ليس بأعور))(٣).
ومنها في الجهاد في باب: ما يجوز من الاحتيال، معلقًا عن
الليث(٤). ووصله الإسماعيلي من حديث ابن بكير وأبي صالح عنه.
ولمسلم قَالَ ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت، أنه أخبره بعض
الصحابة أنه وَ قَالَ يوم حذر الناس الدجال: ((أنه مكتوبٌ بين عينيه
كافِرٌ، يقرأه مَنْ كَرِهِ عملَهُ .. ))(٥). الحديث.
وله أيضًا من حديث أبي سعيد بنحوه(٦)، وللترمذي: فاحتبسه وهو
(١) (سنن الدار قطني)) ٢٥٢/٣ كتاب: النكاح، باب: المهر، والحديث حسنه الألباني
في ((الإرواء)) (١٢٦٨).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال المصنف في تخريج أحاديث الرافعي المسمى
بـ((خلاصة البدر المنير)) في حديث ((الإسلام يعلو ولا يعلى)): رواه الدارقطني في
((سننه)) من رواية عائذ بن عمرو المزني بإسناد واه، ولفظه ((الإسلام يعلو ولا
يعلى))، والطبراني في أصغر معاجمه وأبو نعيم والبيهقي في كتابيهما ((دلائل النبوة)
من رواية عمر بن الخطاب ولفظه: ((الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين الذي يعلو
ولا يعلى)) قاله الأعرابي في حديث طويل، وفي سنده محمد بن على بن الوليد
السلمي البصري. قال البيهقي: الحمل فيه على السلمي، قال الذهبي: صدق والله
البيهقي؛ فإنه خبر باطل. ثم عزاه المصنف إلى البخاري تعليقًا موقوفًا.اهـ. وانظر:
((خلاصة البدر المنير)) ٣٦٢/٢ - ٣٦٣.
(٣) سيأتي برقم (٦١٧٥) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل: أخسأ.
(٤) سيأتي برقم (٣٠٣٣).
(٥) (صحيح مسلم)) برقم (١٦٩) بعد حديث (٢٩٣١) كتاب: الفتن وأشراط الساعة،
باب: ذکر ابن صياد.
(٦) السابق برقم (٢٩٣٣) باب: ذكر الدجال وصفته.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
غلام يهودي له ذؤابة(١) وله من حديث أبي بكرة فيه وقال: غريب (٢).
وروي أنه كان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهر (٣). وروي
أنه ولد أعور مختتن(٤). ولنتكلم على مفرداته ومعانيه:
فالرهط: ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم أمرأة قاله
الجوهري(٥). وفي ((العين)): هو عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة. وبعض
يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر (٦). وعن
ثعلب: الرهط: الأب الأدنى. وفي ((المحكم)): الرهط لا واحد له من
لفظه(٧). وفي ((الجامع)): الرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما
جاوزوا ذلك. وكذا في ((الجمهرة))(٨).
والأُطُم - بضم الهمزة والطاء- بناء من حجارة موضوع كالقصر.
وقيل: هو الحصن. وجمعه آطام(٩).
وقوله: (أُظُم بني مغالة). كذا هو في الصحيح، وفي ((صحيح مسلم))
(١) ((سنن الترمذي)) برقم (٢٢٤٧) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد،
وقال: هذا حديث حسن.
(٢) ((سنن الترمذي)) برقم (٢٢٤٨) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد،
وضعفه الألباني في ((ضعيف الترمذي)».
(٣) روى ما يدل على ذلك أبو يعلى في («مسنده)) ٩٣/١٣ (٧١٦٣)، وابن حبان في
(صحيحه)) ١٤/ ٢٤٣ (٦٣٣٥) كتاب: التاريخ، باب: صفته 00 وأخباره، كلاهما
من حديث حليمة أم رسول الله واله.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٩٦/١١ (٢٠٨٣١).
(٥) ((الصحاح)) ١١٢٨/٣.
(٦) ((العين)) ١٩/٤.
(٧) ((المحكم)) ١٧٦/٤.
(٨) ((جمهرة اللغة)) ٧٦١/٢.
(٩) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٥٤/١، و((لسان العرب)) ٩٢/١.

٨٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
رواية الحلواني: أطم بني معاوية. وذكر الزبير بن أبي بكر: أن كل ما كان
عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد المدينة فهو لبني مغالة،
ومسجده 4* في بني مغالة، وما كان عن يسارك فلبني حديلة. وقال
بعضهم: بنو مغالة: حي من قضاعة، وبنو معاوية هم بنو حديلة،
وهي: امرأة نسبوا إليها أمرأة عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.
و(مَغَالة) بفتح الميم وبالغين المعجمة.
و(ابن صياد) يقال فيه: بالألف واللام أيضًا، كما قاله ابن الجوزي،
وابن صائد واسمه: صافٍ كقاضٍ. وقيل: عبد الله. وقال الواقدي: هو
من بني النجار. وقيل: من اليهود وكانوا حلفاء بني النجار، وابنه عمارة
(ت ق): شيخ مالك من خيار المسلمين، ولما دفعته بنو النجار عن
نسبهم حلف منهم تسعة وأربعون رجلًا، ورجل من بني ساعدة على
دفعه.
وقوله: ( (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟))). فيه: عرضُ الإسلام على
الصغير، واستدل به قوم على صحة إسلام الصبي، وكان قارب
الاحتلام، وهو مقصود البخاري في تبويبه: هل يعرض على الصبي
الإسلام؟ وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، خلافًا للشافعي؛ لعدم تكليفه،
ولا يرد على الشافعي صلاته قبل البلوغ كما ألزمه ابن العربي؛ لأنها
من باب التمرين وقد أمر الشارع بها.
واختلف المالكية في إسلام ابن الكافر وارتداد ابن المسلم هل يعتد
به أم لا؟ على قولين. واختار بعض المتأخرين منهم الاعتداد.
وقوله: (إنك نبي الأميين). قَالَ الرشاطي: الأميون مشركو العرب.
نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقيل: الأمية هي التي على أصل ولادات أمهاتها لم تتعلم الكتابة.
وقيل: نسبة إلى أم القرى.
وقوله: (فرفضه النبي وَل﴾). أي: تركه. كذا هو بالضاد المعجمة.
وفي رواية أخرى بالمهملة، وكذا هو بخط الدمياطي، وقال في
الحاشية: إنه كذا عند البخاري ومسلم.
قال عياض: وهي روايتنا عن الجماعة. وقال بعضهم: إنه الرفص
بالرجل مثل الرفس بالسين المهملة، فإن صح هذا فهو بمعناه قَالَ:
لكن لم أجد هذِه اللفظة في أصول اللغة(١).
قلتُ: لكنهما متقاربان، ووقع في رواية القاضي التميمي: فَرَضَّه
بضاد معجمة، وهو وهم. وفي رواية المروزي: فوقصه، بقاف وصاد
مهملة، قال: ولا وجه له.
قَالَ الخطابي: إنما هو فرصَّه -أي بتشديد الصاد المهملة، كذا
حدثونا من وجوه. وكذلك هو في رواية شعيب بعد هذا، إلا أنه
ضبطه بضاد معجمة، يريد أنه ضغطه حَتَّى ضم بعضه إلى بعض، ومنه
﴿يُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤](٢).
وقال المازري: أقرب منه أن يكون بالسين المهملة أي: ركله. أي:
ضربه برجل واحدة(٣).
فإن قلتَ: ما تَرْكه التَّ لابن صياد وقد ادعى النبوة؟
قلتُ لأوجهٍ:
أحدها: أنه من أهل الذمة.
(١) (إكمال المعلم)) ٨/ ٤٧٠.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٧٠٨/١ و((الغريب)) ٦٣٤/١.
(٣) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢/ ٤٤٤.

٨٩
كِتَابُ الجَنَائِرِ
=
ثانيها: أنه كان دون البلوغ، وهو ما اختاره عياض، فلم تجر عليه
الحدود(١).
ثالثها: أنه كان في أيام المهادنة مع اليهود. جزم به الخطابي(٢).
وقوله الكَيْ له: ( ((خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ)) ) أي: خلط عليه شيطانه ما
يلقي إليه من السمع مع ما يكذب إلى ذلك.
وقوله: ((إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِثًا)) فقال ابن صياد: هو الدُّخ. خبأت
مهموز وخباً بباء موحدة. وفي بعض النسخ ((خَبِيثًا)) بزيادة ياء مثناة تحت،
وهو ما في مسلم (٣). وكلاهما صحيح بمعنى: الشيء الغائب المستور.
واختلف في هذا المخبأ ما هو؟ فقال الأكثرون كما حكاه القرطبي:
إنه أضمر له في نفسه ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ تُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠](٤)،
قَالَ ابن التين: وهو ما عليه أهل اللغة. وقال الداودي: كان في يده
سورة الدخان مكتوبة فلما قَالَ: الدُّخ. وأصاب بعضًا قَالَ له: ((اخْسَأْ)).
والدَُّّ بفتح الدال وضمها، والمشهور في كتب اللغة والحديث كما
ذكره النووي الضم فقط(٥)، ولا يقدح في ذلك اقتصار ابن سيده وغيره
على الفتح(٦)، وقد اقتصر على الضم الجوهري(٧).
وقال القرطبي: وجدته ساكن الخاء مصححًا عليه، وكأنه الوقف.
قَالَ: وأما في الشعر:
(١) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٤٦٦-٤٦٧.
(٢) ((أعلام الحديث)) ١/ ٧١٠.
(٣) مسلم برقم (٢٩٢٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٤)
((المفهم)» ٧/ ٢٦٤.
(٥) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤٩/١٨.
(٦) قلت: بل الذي عن ابن سيده الوجهان -الفتح والضم- حيث قال: الدَّخُ والدُخُ:
الدخان. ثم قال: وحكاه ابن دريد بالضم فقط. انظر: ((المحكم)) ٣٦٦/٤.
(٧) ((الصحاح)) ٤٢٠/١.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عند رواق البيت يغشى الدُّنَّا
فمشدد الخاء، وكذلك قراءته في الحديث(١).
وقال صاحب (العين)): الدُُّّ: الدخان(٢). ولم يذكر ابن بطال غيره(٣).
وقَالَ الخطابي: لا معنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يخبأ في كف
أو كم، بل الدخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين. إلا أن يحمل قوله:
((خَبَأْتُ لَكَ خَبِيًا)) أي: أضمرت لك اسم الدخان فيجوز على الضمير.
وقد روي من حديث ابن عمر أنه وَّ أضمر هُذِه اللفظة في نفسه
فصادفه ابن صياد، وفعله رسول الله وَل﴿ ليختبر ما عنده.
وقال أبو موسى المديني في ((مغيثه)): وقيل: إن الدجال يقتله عيسى
بجبل الدخان، فيحتمل أن يكون أراده - قلتُ: وهو ما أورده أحمد في
(مسنده)) من حديث جابر مرفوعًا (٤)- قَالَ: والدّخُ: الدخان، وقال في
موضع آخر: الظل والنحاس (٥).
وقال صاحب ((المطالع)): الدخ لغة في الدخان لم يستطع ابن صياد
أن يتم الكلمة ولم يهتد من الآية إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان من
أختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن أو من هواجس النفس؛
ولهذا قَالَ له: ((اخسأ فلن تعدو قدرك)) يعني: قدر الكهان. وهي كلمة
زجر وطرد، وهي مهموزة تقول منه: خسأتُ الكلبَ، ومنه: قوله
تعالى: ﴿أَخْسَئُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ووقع في ((علوم الحاكم)): أنه الدخ بمعنى: الزخ. وهو الجماع وهو
عجيب.
(١) «المفهم)) ٢٦٤/٧ -٢٦٥.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٤٣/٣.
(٥) ((المسند)) ٣٦٧/٣ - ٣٦٨.
(٢) «العين)) ١٣٨/٤.
(٤) ((المجموع المغيث)) ٦٤٥/١.

٩١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
-
وقوله: ( (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ)) ) أي: لست بنبي فلن تجاوز قدرك،
فإنما أنت كاهن ودجال. وقيل: أن تسبق قدر الله فيك وفي أمرك. قَالَ
ابن التين: ووقع هنا بغير واو. وقال القزاز: هي لغة لبعض العرب
يجزمون بلن مثل لم، وذكر أن بعض القراء قرأ ﴿لن يصبنا إلا ما
كتب الله لنا﴾ [التوبة: ٥١] وقال ابن الجوزي: لا تبلغ قدرك، أي:
تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، ولا من قبيل
الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله من شيء ألقاه
الشيطان إليه إما لكونه القليل تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه
الشيطان، وإما أن يكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء؛
لأنه إذا قضي القضاء في السماء تكلمت به الملائكة فاسترق الشيطان
السمع، وإما أن يكون التكليف حدث بعض أصحابه بما أضمر. ويدل
عليه قول ابن عمر: وخبأ له رسول الله وَّهِ ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
تُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
فالظاهر أنه أعلم الصحابة بما يخبأ له، أو أن يكون أعتمد ذلك؛
لأن الدخان يستر أعين الناظرين عن الشمس.
وقد روى الطبراني أنه وَلّ قَالَ لأصحابه: ((خبأت له سورة الدخان))
من حديث زيد بن حارثة(١)، وإنما فعل الشارع ذلك به؛ ليختبره على
طريقة الكهان كما سلف؛ وليبين للصحابة حاله وكذبه.
(١) رواه في ((الكبير)) ٨٨/٥ (٤٦٦٦)، و((الأوسط)) ١٦٤/٤ (٣٨٧٥)، وقال: لم يرو
هذا الحديث عن فرات القزاز إلا ابنه الحسن، ولا عن ابنه إلا ابنه زياد، تفرد به
إبراهيم بن عيسى التنوخي، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤/٨، وقال: رواه
البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه: زياد بن الحسن بن فرات ضعفه
أبو حاتم ووثقه ابن حبان.

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وقول عمر: (دعني أضرب عنقه). يعني: لما أدعى وظن أنه يجب
عليه.
وقوله وَله: ( ((إِنْ يَكُنْ هُو))). هو الصحيح وفي رواية: ((يَكُنْهُ)). وهذا
الضمير في ((يكنه)) هو خبرها، وقد وضع موضع المنفصل واسمها مستتر
فيها .
والمعنى: إن يكن هو الدجال الذي يقول: إنه رب فلن تسلط عليه؛
لأن له مدة سيبلغها، وإنما يقتله عيسى، ولا بد أن ينفذ فيه القضاء. ( ((وَإِنْ
لَمْ يَكُنْ هُو فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ))) يعني: لصغره، وهذا يدل على أنه ◌ِّل
لم يتضح له شيء من أمره هل هو الدجال أم لا؟
ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه، وأوجب الإيمان
بخروج الدجال الكذاب، وفي هذا دلالة على التثبت في أمر التهم، وأن
لا تستباح الدماء إلا بيقين، ولا شك في أن ابن صياد من الدجاجلة،
وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد
ولد له، وبأن الدجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما، فغير واضح،
وإن كان محمد بن جرير وغيره ذكروه في جملة الصحابة؛ لأنه وَزاله
إنما أخبر عن صفات الدجال وقت فتنته وخروجه.
ويؤكد أنه هو، أو دجال من الدجاجلة: قوله لرسول الله وكليقول :
أتشهد أني رسول الله، وأنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه یری عرشًا،
وأنه لا يكره أن يكون الدجال، وأنه يعرف موضعه الآن، ولا شك
أن من رضي لنفسه دعوى الإلهية وحالة الدجال فهو كافر، وقد صرح
به القرطبي (١).
(١) ((المفهم)) ٧/ ٢٧٠.

٩٣
= كِتَابُ الجَنَّائِزِ
وقال الخطابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره أي: هل هو
الدجال أم لا؟ فروي عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة،
وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حَتَّى رآه الناس، وقيل
لهم أشهدوا (١).
وكان ابن عمر(٢) وجابر (٣) يحلفان أنه الدجال، وكذا أبو ذر(٤).
فقيل لجابر: إنه أسلم قَالَ: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان
بالمدينة فقال: وإن دخل. قيل له: فإنه قد مات. قَالَ: وإن مات(٥).
لكن في أبي داود عن جابر قَالَ: فقدنا ابن صياد يوم الحرة (٦)، وهو
رد لمن قَالَ مات بالمدينة. وفي ((مسلم)): حلف عمر عند رسول الله
وَير أنه الدجال، فلم ينكره(٧).
(١) ((أعلام الحديث)) ١/ ٧١٠-٧١١.
(٢) رواه أبو داود (٤٣٣٠) كتاب: الملاحم، باب: في خبر ابن صائد. وأبو عوانة ١/
١٣٠ (٣٨٧) كتاب: الإيمان، باب: إثبات خازن النار. وأبو نعيم في ((المستخرج))
٢٣٧/١-٢٣٨ (٤٢٩) كتاب: الإيمان، باب: ذكر ما أُري من صفات الأنبياء
ونعوتهم.
(٣) سيأتي برقم (٧٣٥٥) كتاب: الاعتصام، باب: من رأى ترك النكير من النبي وَّلـ
حجة لا من غير الرسول.
(٤) أخرجه أحمد ١٤٨/٥، وابن شَبَّة في (أخبار المدينة)) ٤٠١/٢-٤٠٢، والبزار ٩/
٣٩٥-٣٩٦ (٣٩٨٣)، والطبراني في ((الأوسط)) ٢٤٢/٨ (٨٥٢٠)، وقال الهيثمي
في ((مجمع الزوائد)) ٢/٨: رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال
أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة.
(٥) هو جزء من حديث رواه أبو داود (٤٣٢٨) باب خبر الجساسة. وضعف الألباني
إسناده.
(٦) ((سنن أبي داود)) (٤٣٣٢)، باب: في خبر ابن الصائد، وقال الألباني في ((صحيح
أبي داود»: صحيح الإسناد.
(٧) ((صحيح مسلم)) (٢٩٢٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي ((الفتوح)) لسيف: لما نزل النعمان على السوس أعياهم
حصارها فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب، إن مما عهد علماؤنا
وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال، فإن كان فيكم فستفتحونها
وإن لم يكن فيكم فلا قَالَ: وَصَافَّ ابن صياد في جند النعمان، فأتى
باب السوس غضبانًا فدقه برجله. وقال: أنفتح فتقطعت السلاسل
وتكسرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل الناس.
قَالَ ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة
ولا عينه طافية، ولا وجدت فيه علامة.
وقوله: (يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد).
أي: يطلب أن يأتيه من حيث لا يعلم فيسمع ما يقول في خلوته، وبهذه
اللفظة ساغ للبخاري إدخال هذا الحديث في باب: شهادة المختبئ من
الشهادات(١) - وهي بكسر التاء- أي: مستغفلا ليسمع من كلامه شيئًا
ليعلم به حاله أهو كاهن أو ساحر، وهي في مذهب مالك جائزة إذا
لم يكن المقر خائفًا ولا ضعيفًا ولا مختدعًا.
وقوله: (وهو مضطجع في قطيفة). هي: كساء له خمل، والجمع
قطائف، وقطف(٢). وفعله ذلك يحتمل أن يكون حين يأتيه شيطانه،
وأن يفعله احتيالًا وكذبًا وتشبهًا بما فعله الشارع حين أتاه الوحي.
وقوله: (له فيها رمزة أو زمرة. وقال شعيب في حديثه: فرضَّه رمرمة
أو زمزمة(٣) وقال إسحاق وعقيل: رمرمة. وقال معمر: رمزة). وهذا
(١) سيأتي برقم (٢٦٣٨) كتاب: الشهادات.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ١٤١٧/٤، ((لسان العرب)) ٣٦٨١/٦.
(٣) سيأتي موصولًا برقم (٦١٧٣ - ٦١٧٤) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل
اخسأ.

٩٥
= ڪِتَّابُ الجَنَائِزِ
اختلاف وشك في ضبط ذلك.
قَالَ صاحب ((المطالع)): رمرمة أو رمزة كذا للبخاري. وعند أبي ذر
زمرة. وقال شعيب: رمزة، وهذا خلاف ما أسلفناه عن البخاري.
وعند بعض رواة مسلم: زمرة، وفي رواية شعيب: رمرمة أو زمزمة،
وكذا هو في البخاري كما سلف، وكذا للنسفي قَالَ: ومعنى هذِه الألفاظ
كلها متقارب. قَالَ الخطابي: الرمرمة: تحريك الشفتين بالكلام. قَالَ:
فالمرمة: الشفة (١).
وقال غيره: هو كلام العلوج، وهو صوت من الخياشم والحلق
لا يتحرك فيه اللسان والشفتان. والرمزة: صوت خفي، كلام لا يفهم،
وقد يقال له: الهينمة. وأما الزمرة -بتقديم الزاي- فمن داخل الفم.
وقال صاحب ((العين)): الزمزمة: أصوات العلوج عند الأكل(٢)،
والزمزمة من الرعد ما لم يفصح، ولم يذكر ابن بطال سواه(٣).
وقال عياض: جمهور رواة مسلم بالمعجمتين، وأنه في بعضها براء
أولًا وزاي آخرًا وحذف الميم الثانية، وهو: صوت خفي لا يكاد يفهم
أولا يفهم (٤).
وقوله: (فثار ابن صياد). أي: رجع عما كان متماديًا على قوله، كذا
هو بخط الدمياطي فثار، وشرحه ابن التين على أنه فئاب بالباء، ثم قَالَ:
وفي رواية أبي ذر: فثار، أي: وثب.
وقوله: ( ((لو تركته بيَّن)) ) يقول لو وقف عليه من يتفهم كلامه لتبين
من قوله ذلك الزمزمة، فيعرف ما يدعي من الكذب، إن كان الذي يقول
في وقته ذلك هو الذي أظهر من دعواه أنه رسول الله.
(١) ((أعلام الحديث))١/ ٧٠٨.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٤٣/٣.
(٢) «العين)) ٣٥٤/٧.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٤٦٨-٤٦٩.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
وأما حديث أنس في الغلام اليهودي(١) فيأتي في الطب(٢)، وفيه
عرض الإسلام على الصبي، كما ترجم له، وإنما دعاه إليه بحضرة
أبيه؛ لأن الله تعالى أخذ عليه فرض التبليغ لعباده ولا يخافُ في الله
لومة لائم، وتعذيب من لم يسلم إذا عقل الكفر، لقوله: ( ((الْحَمْدُ لله
الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)) ).
وأثر ابن عباس بعده فيه عبيد الله الراوي، عن ابن عباس، وهو ابن
أبي یزید.
فصل :
وأما قوله: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابن شِهَابٍ: يُصَلَّى
عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفَّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِظْرَةِ
الإِسْلَام .. إلى قوله: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ
سَقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النبيِّهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ .. ))
الحديث، وهذا منقطع؛ لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة شيئًا
ولا أدركه، والبخاري لم يذكره للاحتجاج، إنما ذكر الزهري مسندًا
بعلو، واعتماده على سنده الثاني عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، وإن كان نازلًا فهو متصل بذلك، وكذا ذكره في ذكر
أولاد المشركين، وفي سورة الروم من التفسير(٣).
(١) بهامش الأصل: واسم الغلام عبد القدوس كذا أوله ابن بشكوال في ((مبهماته)).
(٢) سيأتي برقم (٥٦٥٧) باب: عيادة المشرك.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٣٨٥) باب: ذكر أولاد المشركين، وبرقم (٤٧٧٥) باب: ﴿لَا
تّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.

٩٧
- كِتَابُ الجَنَائِزِ
قَالَ أبو عمر: وروي من وجوهٍ صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة
وغيره(١). وقول ابن شهاب: (وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ). يريد لزنا، وهو قول
جميع الفقهاء إلا قتادة فانفرد فقال: لا يصلى عليه(٢).
وقوله: (يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً) وهو قول مالك وغيره
أنه إن أسلم أبوه تبعه(٣).
وقوله: (إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ) الاستهلال: الصياح والبكاء.
وإذا استهل صلِّي عليه عندنا(٤) لحديث ابن عباس مرفوعًا: ((إذا استهل
السقط صلِّي عليه وورث))(٥).
ورواه الترمذي من حديث جابر، وصوب وقفه(٦).
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط(٧).
وحكي عن سعيد بن جبير: لا يصلى عليه ما لم يبلغ(٨).
(١) ((التمهيد)) ٣٤٩/٦.
(٢) رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) ٥٣٤/٣ (٦٦١٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة
على ولد الزنا والمرجوم.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) ٤٠٦/٨.
(٤) أنظر: ((البيان)) ٧٧/٣.
(٥) حديث ابن عباس رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤٠٣/٥، وابن عدي في
((الكامل)) ٢٠/٥، وذكره ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) ١١٤/٢، وقال: وقواه
ابن طاهر في ((الذخيرة))، وذكره أيضًا في ((الدراية)) ٢٣٥/١، وقال: وإسناده
حسن. أهـ، وللحديث شواهد عن جابر وأبي هريرة.
(٦) ((سنن الترمذي)) (١٠٣٢) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على
الجنين حتى يستهل.
(٧) انظر: ((الأوسط)) ٤٠٣/٥.
(٨) روى ذلك ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١١/٣ (١١٥٩٨) كتاب: الجنائز، باب: من
قال: لا يصلى على السقط حتى يستهل صارخًا.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قَالَ ابن حزم: ورويناه أيضًا عن سويد بن غفلة(١). وعند المالكية
لا يصلى عليه ما لم تعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ وفي العطاس
والحركة الكثيرة والرضاع اليسير، قولان للمالكية(٢).
أما الرضاع المتحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ.
وعن الليث وابن وهب وأبي حنيفة والشافعي: أن الحركة والرضاع
والعطاس استهلال(٣). وعن بعض المالكية: أن البول والحدث حياة.
وفي شرح ((الهداية)): إذا استهل المولود سمي وغسل وصُلَّي عليه،
وكذا إذا استهل ثم مات لحينه، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث
ولا يورث ولا يسمى. وعند الطحاوي: أن الجنين الميت يغسل ولم
يحك خلافًا. وعن محمد في سقط أستبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط
ولا یصلی علیه.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد صُلّي عليه، وإن خرج أقله لم
يُصَلْ عليه. وعن ابن عمر، أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل، وبه قَالَ ابن
سيرين وابن المسيب(٤) وأحمد وإسحاق.
وقال العبدري: إن کان له دون أربعة أشهر لم يُصَلْ علیه بلا خلاف،
يعني بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند
جمهور العلماء.
(١) «المحلى)) ١٦٠/٥.
(٢) انظر: ((مواهب الجليل)) ٧١/٣.
(٣) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٣١١/١، (النوادر والزيادات)) ٥٩٧/١، ((روضة الطالبين))
١١٧/٢.
(٤) روىُ هُذِه الآثار عبد الرزاق ٥٣١/٣ (٦٦٠٠-٦٦٠١) كتاب: الجنائز، باب:
الصلاة على الصغير والسقط وميراثه، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٠/٣-١١
(١١٥٨٤، ١١٥٩١، ١١٥٩٤-١١٥٩٥) كتاب الجنائز، باب: من قال: يُصلى
على السقط، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٥/ ٤٠٣ -٤٠٦.

٩٩
كِتَابُ الجَنَائِزِ
وقال أحمد وداود: يُصلَّى عليه(١). وقال ابن بطال: أتفق جمهور
الفقهاء على أنه لا يُصَلّى عليه حَتَّى يستهل، قَالَ: وهو قول مالك
والكوفيين والأوزاعي والشافعي، وهو الصواب؛ لأن من لم يَسْتهل
لم تصح له حياة، ولا يقال فيه إنه ولد على الفطرة، وإنما سن الشارع
الصلاة على من مات ممن تقدمت له حياة، لا من لم تصح له حياة(٢).
فصل :
وقوله: ( (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ .. ))) الحديث. الفطرة في
كلام العرب تنصرف على وجوه: منها: الجبلة، وزكاة الفطر، والخلقة
يقال: فطر الله الخلق أي: خلقهم. وقيل: أبتداء الخلق المراد بالحديث.
وهي في الشرع: الحالة التي خلقوا عليها من الإيمان. فالمعنى: على
الفطرة التي خلق عليها من الإيمان.
وقال الأوزاعي وغيره: تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
ءَدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
قَالَ ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلمًا يذهب إلى أنه مخصوص،
فمعنى الحديث على هذا: يولد على العهد الذي أخذه عليه. وقيل :
معناه يولد على الفطرة السلمية والطبع المتهيئ لقبول الدين لو تُرك.
وقيل: على فطرة الله.
وقال محمد بن الحسن: كان هذا في أول الإسلام قبل نزول
الفرائض وأمر المسلمين بالجهاد(٣).
قَالَ أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات
(١) أنظر: ((المغني)) ٤٥٨/٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٤٢/٣.
(٣) نقله عنه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) ٢٢١/١.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قبل أن يهوده أبواه لم يتوارثا؛ لأنه مسلم وهذا كافر(١)، وهذا ليس ببين
لأن بنفس تمام الولادة يسري إليه هذا الحكم، ويرد عليه أيضًا أنه
لا يجوز أن يكون منسوخًا؛ لأنه خبر ولا يكون كما قَالَ ابن المبارك،
وإنما أشكل معنى الحديث، لأنهم تأولوا الفطرة بالإسلام، وإنما هي
ابتداء الخلق. وقيل: نسخه قوله: ((الله أعلمُ بما كانُوا عامِلين))(٢)
وقيل: نسخه سبيهم مع آبائهم. وقال ابن عبد البر: اختلفوا في معناه،
فقالت طائفة: ليس عامًا، ومعناه: إن كل من ولد على الفطرة، وكان
له أبوان على غير الإسلام هوَّداه أو نصراه.
قالوا: وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين
مولودون على الفطرة بين الأبوين الكافرين، وكذلك من لم يولد عليها
وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره، وإن كانا يهوديين
فهو يهودي ويرثهما ويرثانه، وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين
حتى يعبر عنه لسانه ویبلغ الحنث، فیکون له حكم نفسه حينئذ لا حكم
أبويه، واحتج القائلون بهذه المقالة بحديث أبي بن كعب، قَالَ النبي
وَر: ((الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا))(٣).
(١) المصدر السابق.
(٢) سيأتي برقم (١٣٨٤): باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٣) رواه مسلم (٢٦٦١) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولد يولد على الفطرة،
وأبو داود (٤٧٠٥) كتاب: السنة، باب: في القدر، والطيالسي ٤٣٥/١ (٥٤٠)،
وابن أبي عاصم في ((السنة)) ٨٥/١- ٨٦، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) كما
في ((تحفة الأخيار)) ٤١٩/٨ (٦٠٩٦) كتاب: التفسير، بيان مشكل ما روي عن
رسول الله ﴿ مما قد اختلف القراءة فيه، والشاشي في ((مسنده) ٣٠٩/٣-٣١٠
(١٤١٢- ١٤١٣)، وابن حبان ١٠٨/١٤ (٦٢٢١): كتاب: التاريخ، باب: بدء
الخلق، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) ٦٦٥/٤ (١٠٧٥).