النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
ثانيها :
إرسال ابنته إليه عند موت ابنها له فوائد: الأولى: بركة موعظته
وشهوده .ثانيها: لما ترجو لنفسها من الصبر عند رؤيته . ثالثها: لئلا
یظن حاسد أنه ليس لها عنده كبير مكان.
ثالثها :
قولها: (إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ) تريد: قارب ذلك لا جرم، قَالَ ابن ناصر:
حضر. وفي رواية أخرى للبخاري: احتضر (١). وفي أخرى له: ابنتي قد
حضرت(٢). والابن لا أعلم أسمه، ومن خط الدمياطي اسمه علي،
والبنت اسمها: أميمة. وقيل: أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع(١).
ذكرها ابن بشكوال (٤).
رابعها :
قوله: (فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ) هو بضم الياء، وروي بفتحها. قَالَ ابن
التين: ولا وجه له إلا أن يريد: يقرأ عليك. فيحتمل أن يكون فعل ذلك؛
لشغل كان فيه؛ أو لئلا يرى ما يوجعه؛ لأنه كان بالمؤمنين رفيقًا، فكيف
بذريته؟! ولما يرى من وجع أمه، فلما عزمت عليه رأى إجابتها.
(١) ستأتي برقم (٦٦٥٥) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ
بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾.
(٢) ستأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أما أمامة فتوفيت بعد النبي ◌ّظهر في صحبة المغيرة بن
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان تزوجها علي قبله بوصاية فاطمة له بذلك،
وأما أميمة فلا أعلم بنتًا لزينب يقال لها أميمة.
(٤) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٣٠٥/١. وانظر: ((الفتح)) ١٥٦/٣، و((العمدة)» ٦/
٤٣٨.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
خامسها :
((إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى)) أي: له الخلق كله، وبيده الأمر كله،
وإليه يرجع الأمر كله، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ لأنه لما خلق
الدواة واللوح والقلم أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة،
لا معقب لحكمه.
سادسها :
قوله: (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا شَنٌّ) الشن: السقاء البالي، وضبطه بعضهم
بكسر الشين، وليس بشيء، وقعقعته: صوته عند التحريك، وذلك ما يكون
من المحتضر من تصعيد النفس، وفي رواية: كأنها شنة(١).
وقوله: ( ((هذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ)) ) وفي لفظ: ((فِي
قُلُوبٍ مَنْ شاءَ من عِبادٍه))(٢) وقد صح أن الله تعالى خلق مائة رحمة،
فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة، فبها يتراحمون
ويتعاطفون وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك
الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأظل بها الخلق، حَتَّى إن إبليس - رأس
الكفر - يطمع لما يرى من رحمة الله رَمن(٣).
سابعها :
قوله: (ورسول الله ◌َّر جالس على القبر). الظاهر -والله أعلم - أن
المراد: جالسٌ بجانبه، واستدل به ابن التين على إباحة الجلوس على
(١) ستأتي برقم (٧٤٤٨) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٥٦٥٥) كتاب: المرضى، باب: عيادة الصبيان.
سيأتي برقم (٦٠٠٠) كتاب: الأدب، باب: جعل الرحمة مائة جزء، ورواه مسلم
(٣)
(٢٧٥٢).

٥٢٣
=
كِتَابُ الجَنّائِزِ
=
القبر، وهو قول مالك(١)، وزيد بن ثابت وعلي، وقال ابن مسعود
وعطاء: لا تجلس عليه(٢). وبه قَالَ الشافعي والجمهور(٣) لقوله ◌َّ:
((لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها))(٤).
وقوله: ( («لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى
جلده خير له من أن يجلس على قبرٍ)) ) أخرجهما مسلم(٥) وظاهر إيراد
المحاملي وغيره(٦) -ولفظه: قال أصحابنا: تخصيص القبر مكروه
والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه- أنه حرام.
ونقله النووي في ((شرح مسلم)) عن الأصحاب(٧)، وتأوله مالك،
وخارجة بن زيد على الجلوس لقضاء الحاجة، وهو بعيد.
فرع:
لا يوطأ أيضًا إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا.
(١) انظر: ((التاج والإكليل)) ٧٤/٣، ((مواهب الجليل)) ٧٥/٣.
(٢) روى عنهما عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٥١٠/٣-٥١١ (٦٥٠٩)، (٦٥١٢-٦٥١٣)
كتاب: الجنائز، باب: المزابي والجلوس على القبر.
(٣) انظر: ((المجموع)) ٢٨٧/٥-٢٨٨، ((المغني)) ٤٤٠/٣.
(٤) مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد الغنوي.
(مسلم)) (٩٧١) في الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه.
(٥)
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: والشيخ في ((المهذب)) لكن الذي في ((الروضة))
مجزومًا به الكراهة وكذا في ((شرح المهذب)) في آخر باب الدفن ثم أعاد المسألة
في باب التعزية من الشرح المذكور وقال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه
ودوسه، وقال الشيخ في ((المهذب)) والمحاملي في ((المقنع)): لا يجوز. وقد نقل
التحريم في ((شرح مسلم)) عن أصحابنا. كما قاله الشيخ، وذكر الصيمري في ((شرح
الكفاية)) أنه لا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه، هذا لفظه.
بعض كلام المهمات .
(٧) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٧/ ٢٧-٢٨.

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثامنها :
(فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانٍ): هو بفتح الميم، قَالَ ابن التين: المشهور في
اللغة أن ماضيه: دمَع بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث العين، وذكر
أبو عبيدة لغة أخرى أن ماضيه: مكسور العين فيتعين الفتح في المستقبل،
وفعله ◌َّ هُذا دال على أن النهي عن البكاء إنما هو عن الصياح كما
سيأتي (١).
تاسعها :
فيه استحباب إدخال القبر الرجال ولو كان الميت امرأة؛ لأنه يحتاج
إلى قوة، وهم أحرى بذلك، وأيضًا لا يخشى عليهم انكشاف العورة،
وقد أمر الشارع أبا طلحة أن ينزل في القبر المذكور.
ومعنى: ((لَمْ يُقَارِفِ)) بالقاف السابقة ثم بالفاء اللاحقة في آخره،
وقد أسلفنا عن فليح أنه قَالَ في الأصل بعد هذا: أي: لم يذنب.
وقيل: لم يُجامِع أهله، وهو أظهر، وإنما أراد بعد الطهارة لما
يرجى في ذلك للمنزولة في قبرها، وعُلِّلَ أيضًا بأنه حينئذ يقرب
بالتلذذ بالنساء، والمدفونة أمرأة، فخاف عليه أن يذكّره الشيطان
ما كان فيه تلك الليلة، ويقال: إن تلك الليلة بات عثمان عند
بعض جواريه فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فمنعه من النزول في
قبرها؛ لأنه لم ينظر في نفسه انقطاع صهارته من سيد الخلق في
الصورة، ولا تألم لفراق زوجته، ولا استحب حكاية هذا، وهو من
حسن لطفه أنه لم يؤاخذ أحدًا بما فعل ولكن يعرض، وهكذا كان
دابه
(١) برقم (١٢٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت.

٥٢٥
- كِتَابُ الجَنَائِزِ
فرع :
لو تولى النساء حل ثيابها في القبر فحسن، نص عليه في ((الأم))(١).
العاشرة :
فيه دلالة على أنه ليس بذي محرم منها، وإن لم يكن ذو محرم
فيختار منهم من يدليها، قاله ابن التين، قَالَ: وقد يحتمل أن يكون
05* نزل في قبرها واستعان بمن دلاها معه.
الحادية عشرة :
حديث عمر وابنه: ((إن الميت يعذب ببكاء الحي)) وإنكار عائشة
بقولها: رحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله وَلي- بذلك، ولكنه
قَالَ: ((إن الله ليزيد الكافر ببكاء أهله عليه عذابًا)). وقالت: حسبكم
القرآن ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وفي لفظ قالت: فما قاله رسول الله وَ الل قط: ((إن الميت يعذب ببكاء
أهله)) ولكنه قَالَ: ((إِنَّ الكافر يزيده الله بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا))(٢). وفي لفظ
قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مُكَذّبين، ولكن السمع
يخطئ(٣). وفي لفظ: قَالَ ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك
لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَيه
بذلك(٤). وفي لفظٍ قالت: وَهَلَ ابن عمر، إنما قَالَ رسول الله وَلَّه :
(١) قال الشافعي رحمه الله: وإن ولي إخراجها من نعشها وحل عقد من الثياب إن كان
عليها وتعاهدها النساء فحسن، ((الأم)) ٢٤٥/١.
(٢) سيأتي هنا برقم (١٢٨٨) باب: قول النبي ◌َّطاهر: ((يعذب الميت ببعض بكاء أهله ..
(٣) رواه مسلم (٩٢٩) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٤) سيأتي برقم (١٢٨٨).

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
((إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن))(١). وذلك مثل
قوله: إن رسول الله وَر قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بدر من
المشركين فقال لهم: ((إنهم يسمعون ما أقول)) وقد وهل، وإنما قَالَ:
(إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)) حَتَّى نزلت ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ
اَلْمَوْنَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقولون
حين تبوءوا مقاعدهم من النار(٢). وفي لفظ: يغفر الله لأبي عبد
الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ(٣)، وكل هذِه
الألفاظ في الصحيح، وأجاب بعضهم بأن حديث عمر وابنه مجمل
فسرته عائشة.
وفيه نظرٌ من وجوه بيَّنها ابن الجوزي:
أحدها: أن الذي روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض
بينهما، لكل واحد منهما حكمه.
ثانيها: أنها أنكرت برأيها، وقول الشارع عند الصحة لا يلتفت معه
إلى رأي أحد.
ثالثها: أن ما ذكرته لا يحفظ عن غيرها، وحديث عمر محفوظ
عنه (٤) وعن ابنه(٥) والمغيرة(٦)، وهم أولى بالضبط.
وقد اختلف العلماء في معنى تعذيبه ببكاء أهله عليه على أقوال:
(١) سيأتي برقم (٣٩٧٨) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٧٩) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل.
(٣) رواه مسلم (٩٣٢) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهل عليه.
(٤) حديث الباب (١٢٨٦).
(٥) أحاديث الباب أيضًا (١٢٨٧ - ١٢٩٠).
(٦) يأتي برقم (١٢٩١)، ورواه مسلم (٩٣٣).

٥٢٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
أصحها: وهو تأويل الجمهور على أنه محمولٌ على من أوصى به،
كما كانت العرب تفعله؛ لأنه بسببه وهو منسوب إليه، وإليه ذهب
البخاري في قوله: إذا كان النوح من سنته- يعني: أنه يوصي بذلك-
أو من سببه بها على ما سلف، وهو قول الظاهر، وأنكروا قول عائشة
وأخذوا بالأحاديث السالفة.
ثانيها: أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويسوؤه إتيانه ما
يكره ربه، قَالَ القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، وفيه حديث قيلة
مطولاً، وفيه: ((والذي نفس محمد بيده، إن إحداكن لتبكي فتستعبر
إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم))(١).
قال الطبري: الدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من
الحي له لا تعذيب من الله ما رواه عوف عن خلاس بن عمرو، عن
أبي هريرة قَالَ: إنَّ أعمالكم تعرض على أقربائكم فإن رأوا خيرًا
فرحوا به، وإن رأوا شرًّا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم
من مات بعدهم، حَتَّى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟
ثالثها: كانوا يعددون في نواحهم جرائم الموتى ويظنونه محمودًا
كالقتل وشن الغارات، فهو يُعذب بما ينوحون به عليه، وقيل: يقال
للميت إذا ندبوه: أكنت كذاك؟ فذاك التوبيخ عذاب.
رابعها: إن قوله: ( ((ببكاء)) ) أي: عند بكاء أهله يعذب بذنبه، قَالَ
القاضي حسين: يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه، إن لم يبكوا عليه،
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٧١/٣ - ٣٧٢.
والحديث رواه ابن سعد ٣١٧/١ - ٣٢٠، والطبراني ٧/٢٥ (١) مطولًا.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/٦-١٢: رجاله ثقات. وحسن الحافظ إسناده في
((الفتح)) ١٥٥/٣.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فإذا بكوا وندبوا وناحوا عُذِّب بذنبه لفوات الشرط.
خامسها: أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب،
صححه الشيخ أبو حامد(١).
سادسها: أنه مخصوص بشخص بعينه، ذكره القاضي أبو بكر بن
الطيب احتمالاً، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره،
وهو إجماع للآية السالفة ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾﴾ [الأنعام: ١٦٤] وكل
حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه: البكاء الذي يتبعه الندب
والنياحة عند العلماء، فإنه إذًا يسمى بكاء؛ لأن الندب على الميت
كالبكاء عليه، فإن البكاء بالمد: الصوت. وبالقصر: الدمع، كما نص
عليه أهل اللغة: الخليل والأزهري والجوهري وغيرهم(٢).
والإشكال في تعذيب الحي بذلك للنهي عنه، وأما تعذيب الميت
فقد علمت ما فيه، وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن معظم
عذاب المعذب في قبره يكون عند نزوله لَحْدَهُ، وما ذهبت إليه عائشة
أشبه بدلائل الكتاب، وما زِيدَ في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب
غيره؛ لأنه إذا بكي عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب
بذلك، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها، فإنما
يعذب بفعله لا ببكاء أهله عليه، هذا معنى قول عائشة: إن الله يزيد
الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وهو موافق لقوله تعالى ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىَ﴾. وقد اختلف في معنى هذه الآية، فقيل: إنه المذنب
(١) انظر: ((أسنى المطالب)) ٣٣٦/١.
(٢) ((العين)) ٤١٧/٥ - ٤١٨، ((تهذيب اللغة)) ٣٧٩/١، ((الصحاح)) ٢٢٨٤/٦.
وانظر: ((المجمل)) ١٣٢/١، و(لسان العرب)) ٣٣٧/١.

٥٢٩
كِتَابُ الجَنَّائِزِ
-
لا يؤخذ غيره بذنبه. وقيل: لا يعمل المرء بالإثم اقتداء بغيره كما قَالَ
الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمَّتِ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وإذا أول الحديث
السالف، خرج عن معنى ما أنكرته (١)، ولكن تأويل عمر في قوله
لصهيب: أتبكي عليَّ؟ ثم ذكر الحديث يدل على أن الحديث محمول
على ظاهره لا كما فهمت عائشة، على أن الداودي قَالَ: قول
عائشة: إن الله ليزيد الكافر. إلى آخره ردًّا لقولها: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ وما أرى هذا محفوظًا عنها، وقول ابن عباس: الله أضحك
وأبكى، يعني: أنه لم يذكر ذلك إلا بحق، وأنه أذن في الجميل منه،
فلا يعذب على ما أذن فيه، ويؤيد ذلك قوله: ((إنما هي رَحْمَةٌ يضعهَا
اللهُ فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ)(٢).
(١) ((أعلام الحديث)) ٦٨٣/١-٦٨٤، و((معالم السنن)) ٢٦٣/١-٢٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلع رابعًا كتبه مؤلفه غفر الله له.

٥٣٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٣- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ
وَقَالَ عُمَرُ ﴾: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ
نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ.
وَالنَّقْعُ: التّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، (وَاللَّقْلَقَةُ) (١): الصَّوْتُ.
١٢٩١- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ
﴿ُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بَّهِ يَقُولُ: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ
كَذَبَ عَلَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((مَنْ نِيحَ
عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). [مسلم: ٤، ٩٢٣ - فتح: ١٦٠/٣]
١٢٩٢- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((الْمَيِّتُ
يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ)). تَابَعَهُ عَبْدُ الأَغْلَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعٍ، حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ، عَنْ شُغْبَةَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيَّ عَلَيْهِ)).
[انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣ /١٦١]
وذكر فيه حديث المُغِيرَةِ: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ
عَلَيْهِ)).
وحديث شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيبِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ
أَبِيهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِیجَ
عَلَيْهِ)). تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى: تَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، ثَنَا شعبة، ثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ
آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ).
(١) في الأصل: القلقة.

٥٣١
كِتَابُ الجَنّائِزِ
الشرح :
أما تعليق عمر فأسنده البيهقي من حديث الأعمش عن شقيق قَالَ:
لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة من آل المغيرة يبكين عليه. فقيل
لعمر: أرسل إليهن فانههن. فقال عمر: ما عليهن أن يهرقن دموعهن
على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة (١).
وأمَّا قوله: (والنقع: التراب على الرأس)(٢). فهو أحد الأقوال فيه،
وقال ابن فارس: النقع: الصراخ. ويقال: هو النقيع. والنقع: الغبار(٣)،
وقال الهروي: إنه رفع الصوت واللقلقة، كأنها حكاية الأصوات إذا
كثرت (٤). قَالَ شِمْر في قوله: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، أي: شق
الجيوب، وقال الإسماعيلي: النقع هنا: الصوت العالي، واللقلقة:
حكاية ترديد النواحة.
وقال صاحب ((المطالع))(٥): النقع: الصوت بالبكاء. قَالَ: وبهذا
فسره البخاري. وهو غريب، فالذي فسره ما قدمناه عنه. وقال
الأزهري: هو صوت لذم الخدود إذا ضربت(٦). وقال في ((المحكم)):
إنه الصراخ(٧). ويقال: هو النقيع. وقيل: وضعهن على رءوسهن النقع،
وهو الغبار. وهو موافق لتفسير البخاري.
(١) ((السنن الكبرى)) ٧١/٤ كتاب: الجنائز، باب: سياق أخبار تدل على جواز البكاء
بعد الموت. ورواه أيضًا الحاكم ٢٩٧/٣ وغيرهما. وصححه الحافظ كما في
((الفتوحات الربانية)) ١٠٥/٤.
(٢) ((لسان العرب)) ٨/ ٤٥٢٧-٤٥٢٨.
(٣) ((المجمل)) ٨٨٣/٢.
(٤) ((غريب الحديث)) ٤١/٢.
(٥) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ذكر صاحب ((المطالع)) التفسيرين: الأول وهذا،
وعزاهما إلى البخاري.
(٦) (تهذيب اللغة)) ٣٦٤٩/٤ - ٣٦٥١.
(٧) ((المحكم)) ١٣٤/١ - ١٣٥.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الكسائي: هو صنعة الطعام في المآتم. قَالَ أبو عبيد: النقيعة:
طعام القدوم من السفر لا هذا (١). وقال الجوهري: النقيع: الصراخ.
ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع(٢). وفي ((الموعَب)): نقع الصارخ
بصوته، وأنقع إذا تابعه. وفي ((الموعَب)) و((الجمهرة))(٣): إنه الصوت
واختلاطه في حرب أو غيرها. فتحصلنا على ثلاثة أقوال فيه.
وأما قوله: (واللقلقة: الصوت)(٤). فهو كما قَالَ، وقد أسلفنا كلام
الهروي فيه، وكذا كلام الإسماعيلي. وقال القزاز: هو تتابع الصوت كما
تفعل النساء في المآتم، وهو شدة الصوت. وقال ابن سيده عن ابن
الأعرابي: تقطيع الصوت. وقيل: الجلبة (٥).
قَالَ الداودي: لما قَالَ عمر: دعهن یبکین على أبي سليمان- يعني:
خالدًا- قَالَ له طلحة: أما الآن تقول هذا، وأما في حياته فبعته بالرسن،
وما مثلك ومثله إلا كما قَالَ الأول:
لألفينك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادا
وذلك أن عمر حين قتل خالد قومًا ممن كان أرتد ثم تاب ولم ير أن
توبته تنفعه(٦). فأراد عمر أبا بكر على أن يقيد منه، فأبى عليه، فلما أكثر
عليه قَالَ له: ليس ذلك عليك منه، تأول فأخطأ. ووداهم أبو بكر، فأراد
عمر أبا بكر على عزل خالد من الشام وقال له: إنه جعل يعطي المال ذا
(١) ((غريب الحديث)) ٤٠/٢.
(٢) ((الصحاح)١٢٩٢/٣.
(٣) ((الجمهرة)) لابن دريد ٩٤٣/٢.
(٤) ((الصحاح)) ٤/ ١٥٥٠ و((لسان العرب)» ٧/ ٤٠٦٣.
(٥) ((المحكم)) ٦/ ٨٥.
(٦) انظر ما سيأتي برقم (٤٣٣٩).

٥٣٣
كِتَابُ الجَنَائِزِ
الشرف وذا البلاء، فاکتب إلیه أن لا ینفق درهمًا إلا بإذنك، فقال أبو بكر:
ما كنت لأفعل ذلك به وهو بإزاء العدو. فلم يزل به عمر حَتَّى كتب إليه
بذلك، فكتب إليه: ما أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو، فجئ على عملك
بمن بدا لك. فقال أبو بكر: من يعذرني من عمر، من يقوم لي مقام
خالد؟ فقال عمر: أنا، ولا أنفق من المال درهمًا إلا بإذنك. فأمره
بالخروج، فلما فرغ من جهازه قَالَ بعض من لا ينفس على عمر:
عمدت إلى رجل كفاك أكثر أمرك تغيبه عن وجهك. فقال: صدقت قل
له: أقم فقد بدا لنا، فقال: سمعًا وطاعةً. فلم يلبث أن توفي أبو بكر،
فقال عمر: كذبت الله، أنْ أشرتُ على أبي بكر برأي أخالفه فكتب إلى
خالدٍ: أن لا تنفق من المال إلا بإذني، فكتب إليه لا أطيق ذلك وأنا
بإزاء العدو فجئ على عملك بمن بدا لك. فعزله وأمَّر أبا عبيدة مكانه.
فإن قلت: نهى عمر صهيبًا عن بكائه عليه فيما مضى، وهنا لم ينه
عنه. قلتُ: لأن صهيبًا بكى عمر بندب وصياح، فقال: واصاحباه
واأخاه. فنهاه لأجل ذلك. وحديث المغيرة: ((من نيح عليه)) إلى آخره
أخرجه مسلم بزيادة عن علي بن ربيعة قَالَ: أول من نيح عليه بالكوفة
قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلقه
فذكره(١). وحديث عمر أخرجه مسلم أيضًا(٢).
أما حكم الباب: فالنوح حرام بالإجماع؛ لأنه جاهلي وكان وَلّ
يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن(٣).
(١) ((صحيح مسلم)) (٩٣٣) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٧/٩٢٧).
(٣) دل على ذلك حديث يأتي برقم (١٣٠٦) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح
والبكاء والزجر عن ذلك.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي الباب عن أربعة عشر صحابيًّا في لعن فاعله والوعيد والتبرؤ:
ابن مسعود (خ(١)، م(٢))، وأبي موسى (خ(٣)، م(٤)) وأم عطية
(خ، م)(٥) وعبد الله بن معقل بن مقرن تابعي وأبي مالك الأشعري
(م)(٦) وأبي هريرة وأم سلمة (م)(٧)
وابن عباس في (ت)(٨) ومعاوية وأبي سعيد (د)(٩) وأبي أمامة
(ق)(١٠) وعلي وجابر وقيس بن عاصم (ت)، وجنادة بن مالك(١١).
وأما حديث: يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في
الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم فقال: ((إلا آل فلان))(١٢) فجوابه: إما
(١) سيأتي برقم (١٢٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٠٣) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق
الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية.
(٣) سبق برقم (١٢٩٠) كتاب: الجنائز، باب: قول النبي ويتر: ((يعذب الميت ببعض
بكاء أهله عليه)).
(٤) ((صحيح مسلم)) (١٩/٩٢٧) كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
(٥) سيأتي برقم (١٣٠٦) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن
ذلك، و((صحيح مسلم)) (٩٣٦) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة.
(٦)
((صحيح مسلم)) (٩٣٤).
وجدته من حديث أم سلمة فقط في ((صحيح مسلم)) (٩٢٢) كتاب: الجنائز، باب:
(٧)
البكاء على الميت.
(سنن الترمذي)) عقب الرواية (١٠٠٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة
(٨)
في البكاء على الميت.
(٩) (سنن أبي أود)) (٣١٢٨) كتاب: الجنائز، باب: في النوح.
(١٠) ((سنن ابن ماجه)) (١٥٨٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ضرب الخدود وشق
الجیوب.
(١١) ((سن الترمذي) (١٠٠٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كراهية النوح.
(١٢) ((صحيح مسلم)) (٩٣٧) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة.

٥٣٥
كِتَابُ الجَنّائِزِ
=
الخصوصية بها أو كان قبل تحريمها، وهو فاسد، أو يكون قوله: ((إلا آل
فلان» إعادة لكلامها على وجه الإنكار.
والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه
نوح، وأنه جائز بدونه، فقد أباح عمر لهن البكاء بدونه.
وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه يُعذب بما نيح عليه. فدل أن
البكاء بدونه لا عذاب فيه. وحديث جابر الآتي في الباب بعده دال
له؛ لأن زوجته بكت عليه بحضرته. ولم يزد على أكثر من تسليتها
بقوله: ((إنَّ الملائكة تظله بأجنحتها حتَّی رفع))(١) فسلاًها عن حزنها
عليه بكرامة الله تعالى له، ولم يقل لها: إنه يعذب ببكائك عليه.
وحديث: ( ((من كذب عليَّ متعمدًا))). إلى آخره سلف أول
الكتاب(٢) بشرحه مبسوطًا، والكذب حقيقة: الإخبار بالشيء على ما
ليس هو به. وشرطت المعتزلة فيه العمدية. والخطاب دال على أن من
الكذب ما لم يتعمده قائله ويقع عليه اسم كاذب فهو رد عليهم.
(١) حديث (١٢٩٣).
(٢) برقم (١١٠) كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي.

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٤ - باب
١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثُلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ
بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَرَ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانٍ قَوْمِي،
ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَتَهَانٍِ قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ،
فَقَالَ: ((مَنْ هذِه؟)). فَقَالُوا: ابنةُ عَمْرٍو - أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو - قَالَ: ((فَلِمَ تَبْكِي؟ - أَوْ لَا
تَبْكِي - فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)). [انظر: ١٢٤٤ - مسلم:
٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١٦٣]
كذا ذكره من غير ترجمة، وأسقط التبويبَ كلُّ مَنْ شَرَحَه.
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن ابن المُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أَحُدٍ .. الحديث. سلف في باب: الدخول على الميت بعد
الموت(١).
وقوله: ( ((فِلِمَ تبكي)) أو ((لا تبكي))) قَالَ الداودي: هو شك من
الراوي.
وقوله: ( ((فلِم تبكي))) يدل على أنها غائبة؛ لأنه لو خاطبها لقال:
تبکین.
وقوله: أو ((لا تبكي)) يدل على أنها مخاطبة؛ لأن الياء لا تثبت مع
النهي في الغائبة إلا على بعد، وفي الحديث السالف: ((تبكين)) أو
((لا تبكين))(٢).
(١) برقم (١٢٤٤) كتاب: الجنائز.
(٢) حديث (١٢٤٤).

٥٣٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
٣٥- باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقِّ الجُيُوبَ
١٢٩٤- حَذَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدُ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَهِ قَالُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَيْسَ مِنَّ مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ
الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ)). [١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/
١٦٣ ]
ذكر فيه حديث عبد الله، يعني: ابن مسعود: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ
الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ)).
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا(١)، وترجم عليه أيضًا: ليس منا من
ضرب الخدود(٢). وما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية(٣).
ومعنى ( «ليس منا)) ): ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدینا ،
وليس المراد به الخروج من الدين جملة، إذ المعاصي لا يكفر بها عند
أهل السنة، اللهم إلا أن يعتقد حلَّ ذلك، وأما سفيان الثوري فقال
بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في
الانزجار كما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من فعل كذا.
وخصَّ الخدود بالضربِ دون سائرِ الأعضاءِ؛ لأنه الواقع منهنَّ عند
المصيبة، ولأن أشرف ما في الإنسان الوجه فلا يجوز امتهانه وإهانته
بضرب ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أُمِر الضارب باتقاء الوجه(٤).
(١) (صحيح مسلم)) (١٠٣) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق
الجيوب.
(٢) يأتي الحديث تحته برقم (١٢٩٧).
(٣) يأتي الحديث تحته برقم (١٢٩٨).
(٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه.
يأتي برقم (٢٥٥٩)، ورواه مسلم (٢٦١٢).

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والخدود: جمعُ خدٍّ، وليس للإنسان إلا خدَّان، وهذا من باب قوله
تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] ولما تضمن ضرب الخدود عدم
الرضا بالقضاء والقدر، ووجود الجزع، وعدم الصبر وضرب الوجه
الذي نهي عن ضربه من غير اقتران مصيبة كان فعله حرامًا مؤكد
التحريم. والجيوب: جمع جيب، وهو: ما يشق من الثوب، ليدخل
فيه الرأس، وحرم لما فيه من إظهار السخط وإضاعة المال.
والجاهلية: ما قبل الإسلام، والمراد بدعواها هنا: ما كانت تفعله
عند الموت برفع الصوت ويدخل ذلك تحت الصالقة.
وفي حديث آخر: ((ودعا بالويل والثبور))(١) فتبين بذلك أنه من دعاء
الجاهلية. وفي رواية لمسلم ((أو)) في الموضعين(٢) وتحمل رواية الواو
عليها.
قَالَ الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ﴾ [الممتحنة:
١٢] قال: لا ينحن، ولا يشققن، ولا يخمشن وجهًا، ولا ينشرن
شعرًا، ولا يدعون ویلاً.
وقد نسخ الله تعالى ذلك بشريعة الإسلام وأمر بالاقتصاد في الحزن
والفرح وترك الغلو في ذلك، وحَض على الصبر عند المصائب
(١) رواه ابن ماجه (١٥٨٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن ضرب
الخدود، وابن حبان في ((صحيحه)) ٤٢٧/٧-٤٢٨ (٣١٥٦) كتاب: الجنائز،
باب: فصل في النياحة ونحوها، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٨٦/٢
(١١٣٤٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى عنه مما يصنع على الميت.
وقال البوصيري في ((الزوائد)) ص٢٣١ (٥٣٦): له شاهد في الصحيح، وصححه
الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٢٨٩).
(٢) (صحيح مسلم)) (١٠٣/ ١٦٥) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق
الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية.

٥٣٩
كِتَابُ الجَنَائِزِ
واحتساب أجرها على الله وتفويض الأمور كلها إليه. فقَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ
إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٦، ١٥٧] فحق
على كل مسلم مؤمن أن لا يحزن على ما فات، وأن يحمل نفسه
على الصبر إلى الممات، لينال أرفع الدرجات، وهي الصلاة
والرحمة والهدئ، فهي هداية لمن اهتدى.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٦- باب رَشَاءِ النَّبِيُّ ◌َّ سَعْدَ ابن خَوْلَةَ
١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ ﴿ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ
مِنْ وَجَعِ أَشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِّ قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَّا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُِّي إِلاَّ ابنةُ،
أَفَأْتَصَدَّقُّ بِثُلُثَى مَالٍ؟ قَالَ: (لَا)). فَقُلْتُ: بِالشَّطَرِ؟ فَقَالَ: ((لَ)) ثُمَّ قَالَ: ((القُّلُثُ
وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ- إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً
يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى
مَا تَجْعَلُ فِي فِي آمْرَأَتِكَ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: ((إِنَّكَ
لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحًا إِلَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ
تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي
هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لكن البَائِسُ سَعْدُ ابن خَوْلَةً)) يَرْثِي لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَلَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةً. [انظر: ٥٦- مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ١٦٤/٣]
ذكر فيه حديث سعد بن أبي وقاص قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ،وَهِ يَعُودُنِي
عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث في آخره: لكن البَائِسُ سَعْدُ ابن خَوْلَةَ)) يَرْئِي
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع عشرة من ((صحيحه))(١)
(١) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة،
ولكل امرئ ما نوى، سيأتي برقم (٢٧٤٢) كتاب: الوصايا، باب: أن يترك ورثته
أغنياء، خير من أن يتكففوا الناس.
وبرقم (٢٧٤٤)، وبرقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قوله: ((اللهم
أمض لأصحابي هجرتهم))، وبرقم (٤٤٠٩) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع.
وبرقم (٥٣٥٤) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل وبرقم (٥٦٥٩)
كتاب: المرضى، باب: موضع اليد على المريض، وبرقم (٥٦٦٨) كتاب:
المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول إن وجع، وبرقم (٦٣٧٣) كتاب : =