النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
- كتاب الشّهْوِ
وروي ذلك عن علقمة وقتادة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو قول
الأوزاعي(١) وابن القاسم في ((المدونة)) والشافعي(٢).
وقالت أخرى: إذا فارقت أليته الأرض وإن لم يعتدل فلا يرجع
ويتمادى ويسجد قبل السلام. رواه ابن القاسم عن مالك في
((المجموعة))(٣).
وقالت ثالثة: يقعد وإن كان استتم قائمًا، روي ذلك عن النعمان بن
بشير والنخعي والحسن البصري إلا أن النخعي قَالَ: يجلس ما لم يفتتح
القراءة، وقال الحسن: ما لم يركع (٤).
وفي ((المدونة)) لابن القاسم قَالَ: إن أخطأ فرجع بعد أن قام سجد
بعد السلام. وقال أشهب وعلي بن زياد: قبل السلام؛ لأنه قد وجب عليه
السجود في حين قيامه، ورجوعه إلى الجلوس زيادة، وقال سحنون:
تبطل صلاته. قَالَ ابن القاسم: ولا يرجع إذا فارق الأرض ولم يستتم
قیامه، وخالفه ابن حبيب(٥).
وعلة الذين قالوا: يقعد وإن أستتم قائمًا القياس على إجماع الجميع
أن المصلي لو نسي الركوع من صلاته وسجد ثم ذكر وهو ساجد أن عليه
أن يقوم حَتَّى يركع، فكذلك حكمه إذا نسي قعودًا في موضع قيام حَتَّى
(١) رواه عن علقمة ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ (٤٤٨٨ - ٤٤٨٩) كتاب: الصلوات، باب:
من كان يقول: إذا لم يستقم قائمًا فليس عليه سهو. وذكرها جميعًا ابن المنذر في
((الأوسط)) ٢٩٠/٣ - ٢٩١.
(٢) ((المدونة)) ١٣٠/١، ((المجموع)) ٥٧/٤، ٦١.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٥٨/١.
(٤) ذكر هذِه الآثار ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٩٠/٣ - ٢٩١.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٥٨/١- ٣٥٩.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قام أن عليه أن يعود له إذا ذكره، والصواب كما قَالَ الطبري: قول من
قَالَ: إذا استوى قائمًا يمضي في صلاته ولا يقعد فإذا فرغ سجد للسهو
لحديث الباب أنه وَ هو حين اعتدل قائمًا لم يرجع إلى الجلوس بعد قيامه،
وقد روي عن عمر وابن مسعود ومعاوية وسعيد والمغيرة بن شعبة، وعقبة
بن عامر أنهم قاموا من اثنتين فلما ذكروا بعد القيام لم يجلسوا وقالوا : إن
النبي ◌َّ كان يفعل ذلك(١).
وفي قول أكثر العلماء أنه من رجع إلى الجلوس بعد قيامه من ثنتين
أنه لا تفسد صلاته إلا ما ذكر ابن أبي زيد عن سحنون أنه قَالَ: أفسد
الصلاة برجوعه(٢).
والصواب: قول الجماعة؛ لأن الأصل ما فعله، وترك الرجوع
رخصة ويبينه أن الجلسة الأولى لم تكن فريضة؛ لأنها لوكانت فريضة
لرجع، وقد سجد عنها فلم يقضها، والفرائض لا ينوب عنها سجود
ولا غيره، ولابد من قضائها في العمد والسهو.
وقد شذت فرقة فأوجبت الأولى فرضًا، وقالوا: هي مخصوصة من
بين سائر الصلاة أن ينوب عنها سجود السهو كالعرايا من المزابنة،
وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعًا، لا يقاس عليها شيء
من أعمال البر في الصلاة.
ومنهم من قَالَ: هي فرض. وأوجب الرجوع إليها ما لم يعمل
المصلي بعدها ما يمنعه من الرجوع إليها، وذلك عقد الركعة التي قام
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠- ٣٩١ (٤٤٩٢، ٤٤٩٨) كتاب: الصلوات، باب: ما
قالوا: فيما إذا نسي فقام في الركعتين ما يصنع. عن المغيرة وعقبة، وذكرها جميعًا
ابن المنذر في «الأوسط)» ٢٨٨/٣ - ٢٨٩.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٨/١.

٣٤٣
كتاب الشَّهْوِ
إليها برفع رأسه منها، وقولهم مردود بحديث الباب فلا معنى للخوض
فيه، وإنما ذكر ليعرف فساده.
ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أن من ترك الجلسة الأولى عامدًا
أن صلاته فاسدة، وعليه إعادتها، قالوا: وهي سنة على حالها فحكم
تركها عمدًا حكم الفرائض(١). ولا يسلم له هذا الإجماع، نعم
أجمعوا على أن الجلسة الأخيرة فريضة إلا ابن عُلَيَّة فقال: ليست
بفرض قياسًا على الجلسة الوسطى، واحتج بحديث الباب في القيام
من ثنتين، والجمهور حجة على من خالفهم على أنه يوجب فساد من
لم يأت بأعمال الصلاة كلها سننها وفرائضها، وقوله مردود بقوله،
ويرده أيضًا قوله وَله: ((وتحليلها التسليم)) (٢) والتسليم لا يكون
إلا بجلوس فسقط قوله(٣).
السابعة: قوله: (فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه) أي: قارب
قضاءها وأتى بجميعها غير السلام، ولو طال سجود السهو قبل
السلام، فهل يعاد له التشهد؟ فيه روايتان عن مالك:
أشهرهما: نعم، وإن انصرف عن صلاته فذكر سجدتي السهو قبل
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢١٤/٣.
(٢) رواه أبو داود (٦١) في الطهارة، باب فرض الوضوء، والترمذي (٣) في الطهارة،
باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا
الباب وأحسن، وابن ماجه (٢٧٥) في الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة
الطهور، وأحمد ١٢٣/١، والدارمي ٥٣٩/١- ٥٤٠ (٧١٤) كتاب: الطهارة،
باب: مفتاح الصلاة الطهارة، والحاكم ١٣٢/١ كتاب: الطهارة. من حديث علي،
وصححه الحاكم، وكذا الحافظ في ((الفتح)) ٣٢٢/٢، والنووي في ((المجموع))
٢٨٩/٣، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٥): إسناده حسن صحيح.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٢١٤/٣.

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
السلام بالقرب، قَالَ محمد: يسجدهما في موضع ذكر ذلك إلا في
الجمعة يتمها في المسجد، وإن أتم ذلك في غير المسجد لم تجزه
الجمعة(١).
قَالَ الشيخ أبو محمد: يريد إذا فاتتا قبل السلام؛ ووجهه أنه سجود
من صلاة الجمعة قبل التحلل منها، فلا يكون إلا في موضع الجمعة
لسجود الصلاة.
الثامنة: السجود في الزيادة لأحد معنيين؛ ليشفع ما قد زاد إن كان
زيادة كثيرة، كما سيأتي الحدیث فيه.
وإن كانت قليلة فالسجدتان ترغمان أنف الشيطان - كما نطق به
الحديث أيضًا(٢)- الذي أسهى واشتغل حَتَّى زاد فأغيظ الشيطان
بهما؛ لأن السجود هو الذي استحق إبليس بتركه العذاب في الآخرة
والخلود في النار، فلا أرغم له منه.
فرع:
سها في سجدتي السهو لا سهو عليه، قاله النخعي والحكم وحماد
ومغيرة وابن أبي ليلى والبتي والحسن (٣).
(١) ((النوادر والزيادات)) ٣٦٥/١، ((المنتقى)) ٨٤/١.
(٢) رواه مسلم (٥٧١)، وابن ماجه (١٢١٠).
(٣) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٣٨٩/١ (٤٤٧٠ - ٤٤٧٣) كتاب: الصلوات، باب:
في السهو في سجدة السهو، وانظر: ((الأوسط)» ٣٢٦/٣- ٣٢٧.

٣٤٥
كتاب الشَّهْوِ
٢ - باب إِذَا صَلَّى خَمْسًا
١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أبو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى الظُّهْرَ خْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ في
الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)). قَالَ: صَلَّيْتَ ◌َمْسَا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ.
[انظر: ٤٠١ - مسلم: ٥٧٢ - فتح: ٩٣/٣]
ذكر فيه حديث علقمة عن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ
خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)). قَالَ: صَلَّيْتَ
خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ.
هُذا الحديث تقدم في باب: ما جاء في القبلة(١)، وهذا الحديث
دال لمذهب مالك وأبي حنيفة، وقد تقدم من أدلة من رجح أنه قبل
السلام حديث أبي سعيد، وأن عطاء أرسله(٢).
وحديث ابن مسعود لا مزيد على إسناده في الجودة، وكذا ما في
معناه، والخبر السالف اضطرب في وصله وإرساله.
وحاصل المذاهب سبعة:
كله بعد السلام، قاله أبو حنيفة.
كله قبله، قاله الشافعي.
الزيادة بعد والنقص قبل.
وكذا إذا اجتمعا، قاله مالك.
المتيقن أنه نقص والسهو المشكوك فيه قبله، والمتيقن أنه زيادة بعد،
قاله ابن لبابة(٣)، وذكر الداودي نحوه عن مالك.
(١) برقم (٤٠٤) كتاب: الصلاة.
(٢) سبق تخريجه في حديث (١٢٢٥).
(٣) ((المنتقى)) ١٧٧/١.

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الكل سواء، قاله مالك في ((المجموعة)).
يسجد للنقص فقط دون زيادة، قاله علقمة والأسود.
إذا اجتمع سهو نقص وزيادة سجدهما، قاله الأوزاعي وعبد
العزيز(١).
واختلف العلماء فيمن قام إلى خامسة، فقالت طائفة بظاهر هذا
الحدیث: إن ذکر وهو في الخامسة قبل کمالها رجع وجلس وتشهد
وسلم، وإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الخامسة؛ فإنه يسلم ويسجد
للسهو وصلاته مجزية عنه، هذا قول عطاء والحسن والنخعي
والزهري(٢)، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبو ثور(٣).
وقال أبو حنيفة: إذا صلى الظهر خمسًا ساهيًا نظر؛ فإن لم يقعد في
الرابعة قدر التشهد فإن صلاة الفرض قد بطلت، ويضيف إلى الخامسة
سادسة، وتكون نافلة، ويعيد الفرض، وإن جلس في الرابعة مقدار
التشهد فصلاته مجزئة ويضيف إلى الخامسة سادسة، وتكون الخامسة
والسادسة نفلًا، وإن ذكر وهو في الخامسة قبل أن يسجد فيها
ولم يكن جلس في الرابعة رجع إليها فأتمها كما يقول، وسجد للسهو
بعد السلام(٤).
(١) هو ابن أبي سلمة كما في ((الأوسط)) ٣١٨/٣، ((النوادر والزيادات)) ٣٦٣/١.
(٢) ذكرها ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٩٣/٣ - ٢٩٤.
(٣) أنظر: ((المدونة)) ١٢٦/١، ((الأوسط)) ٢٩٣/٣ - ٢٩٤، ((المجموع)) ٧٤/٤،
«المغني)) ٤٢٨/٢- ٤٢٩.
(٤) انظر: ((الهداية)) ٨١/١.

٣٤٧
= كتاب السَّهُوٍ
ولا ينفك أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث عن أحد وجهين: إما
أن يكون * قعد في الرابعة قدر التشهد، فإذا سجد ولم يزد على
الخامسة سادسة أولم يقعد فإنه لم يعد الصلاة، وهم يقولون قد بطلت
صلاته، ولوكانت باطلة لم يسجد وَ لّ للسهو، ولأعاد الصلاة.
وعبارة شيخنا قطب الدين في تحرير مذهب أبي حنيفة: ذهب
أصحابه إلى أنه إن سها عن القعدة حَتَّى قام إلى الخامسة رجع إلى
القعدة ما لم يسجد للخامسة، وذلك لأنه لم يستحكم خروجه من
الفرض وألغى الخامسة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة
بدليل النهي، ويسجد للسهو لتأخير الواجب، وإذا قيد الخامسة
بسجدة استحكم دخوله في ركعة كاملة في النفل فخرج به عن الفرض
قبل تمامه فبطلت صلاته، وإن كان قعد في الرابعة مقدار التشهد ثم
سها وقام إلى الخامسة وقيدها بسجدة ضم إليها ركعة أخرى، وتمت
صلاته، وكانت الركعتان له نافلة ويسجد للسهو.
قالوا: وحديث ابن مسعود محمول عندهم على ما إذا قعد في
الرابعة مقدار التشهد، وذلك لأن الراوي قَالَ: صلى خمسًا. ولا ظهر
بدون ركنه وهو القعدة الأخيرة.
قَالَ السرخسي منهم :
وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذه القعدة الأولى، والصحيح
أنهما لا ينوبان عن سنة الظهر؛ لأن شروعه فيهما لم يكن عن قصد، وفي
صلاة العصر لا يضم إلى الخامسة ركعة أخرى بل يقطع التنفل بعد
الفرض (١).
(١) ((المبسوط)) ٢٢٨/١.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وروى هشام عن محمد أنه يضيف إليها ركعة أخرى، وكذا روى
الحسن عن أبي حنيفة(١)، وهو الصحيح؛ لأن الكراهة إنما تقع إذا
کان التنفل بعده عن قصد.
وفي ((قاضي خان)): إذا قام قدر التشهد، روى البلخي عن أصحابنا
أنه لا يتابعه القوم؛ لأنه أخطأ بيقين، ولكن ينتظرونه قعودًا حَتَّى يعود،
ويسلموا معه، فإن قيد الخامسة بالسجدة سلم القوم.
ثم الحديث دال لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور أن من
زاد في صلاته ركعة ناسيًا لا تبطل صلاته، بل إن علم بعد صلاته فقد
مضت صلاته صحيحة، ويسجد للسهو إن ذكر بعد السلام بقريب،
وإن طال فالأصح عندنا أنه لا يسجد، وإن ذكر قبل السلام عاد إلى
القعود، سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها، ويتشهد
ويسجد للسهو ویسلم.
والزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة، سواء قلتْ أو كثرت إذا
كانت من جنس الصلاة، فلو زاد ركوعًا أو سجودًا أو ركعة أو ركعات
كثيرة ساهيًا فصلاته صحيحة في كل ذلك، ويسجد للسهو استحبابًا
لا إيجابًا.
وحكى القاضي عياض عن مذهب مالك أنه إن زاد نصف الصلاة لم
تبطل صلاته بل هي صحيحة ويسجد للسهو، وإن زاد النصف فأكثر فمن
أصحابه من أبطلها، وهو قول مطرف وابن القاسم، ومنهم من قَالَ: إن
زاد ركعتين بطلت، وإن زاد ركعة فلا، وهو قول عبد الملك وغيره(٢).
(١) انظر: ((المحيط البرهاني)) ٣٢٠/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥٠٩/٢ - ٥١٠.

٣٤٩
كتاب الشَّهْوِ
=
وقال ابن قدامة: متى قام إلى خامسة في الرباعية أو إلى رابعة في
المغرب أو إلى ثالثة في الصبح لزمه الرجوع متى ما ذكر فيجلس، فإن
كان قد تشهد عقب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو وسلم، وإن
كان ما تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم، وذكر قول أبي حنيفة، وقال:
ونحوه قَالَ حماد بن أبي سليمان، قَالَ: وقال قتادة والأوزاعي فيمن
صلى المغرب أربعًا: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان تطوعًا؛
لقوله * في حديث أبي سعيد: (ثم يسجد سجدتين قبل أن
يسلم))(١)، ((وإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى
إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان))، أخرجه مسلم (٢)، وفي أبي داود
وابن ماجه: ((كانت الركعة له نافلة وسجدتان))(٣)، ولنا حديث ابن
مسعود، يعني هذا. ثم قَالَ: والظاهر أنه وَ﴿ لم يجلس عقب
الأربعة؛ لأنه لم ينفل، ولأنه قام إلى خامسة معتقدًا أنه قام عن ثالثة،
ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى، وحديث أبي
سعيد حجة عليهم أيضًا، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل
بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها ولم يضم
إليها ركعة أخرى(٤).
ثم في بعض طرق هذا الحديث فقال: أزيد في الصلاة شيء؟ فقال:
((إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسي
(١) سبق تخريجه.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة.
(٣) ((سنن أبي داود)) برقم (١٠٢٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا شك في الثنتين
والثلاث ... ، ((سنن ابن ماجه)) برقم (١٢١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء
فیمن شك في صلاته.
(٤) ((المغني)) ٤٢٨/٢ - ٤٣٠ بتصرف.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس)). ثم تحول رسول الله وَ الر فسجد(١).
وهو مما يستشكل ظاهره؛ لأن ظاهره أنه ◌َ﴿ قَالَ لهم هذا الكلام
بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص قبل أن يسجد للسهو، ثم بعد أن قاله سجد
للسهو، ومتى ذكر كذلك فالحكم أنه يسجد ولا يتكلم، ولا يأتي بمناف
للصلاة، والجواب عنه من أوجه:
أحدها: أن (ثُمَّ) هنا ليست لحقيقة الترتيب، وإنما هي لعطف جملة
على جملة، وليس معناه أن التحويل والسجود كان بعد الكلام، بل إنما
كانا قبله.
ويؤيده أنه جاء في حديث ابن مسعود هذا: فزاد أو نقص، فلما سلم
قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قَالَ: ((وما ذاك؟)) قالوا:
صلیت كذا وكذا، فثنی رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتین ثم سلم،
ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به،
ولكن إنما أنا بشر)) الحديث(٢).
وهي صريحة أن التحول والسجود كان قبل الكلام فتحمل الثانية
عليها جمعًا بين الروايتين، وحمل الثانية على الأولى أولى من
عكسه؛ لأن الأولى على وفق القواعد.
ثانيها: أن يكون هذا قبل تحريم الكلام.
ثالثها: أنه وإن كان عامدًا بعد السلام لا يضره، وهو أحد وجهي
أصحابنا، أنه إذا سجد لا يصير عائدًا إلى الصلاة حَتَّى لو أحدث فيه
لا تبطل صلاته، والأصح: نعم.
(١) رواه مسلم (٥٧٢/ ٩٤).
(٢) سلف برقم (٤٠١).

٣٥١
كتاب الشَّهْوِ
=
وقولهم: أزيد في الصلاة؟ سؤال من جوز النسخ على ما ثبت من
العبادة، ويدل على هذا أنهم كانوا يتوقعونه.
وقوله: ((وما ذاك؟)) سؤال من لم يَشْعر ما وقع منه، ولا يقين عنده
ولا غلبة ظن .
وقال ابن حبان: إخبار ذي اليدين أن الشارع تكلم على أن الصلاة
قد تمت، وذو اليدين توهم أن الصلاة ردت إلى الفريضة الأولى فتكلم
على أنه في غير صلاة، وأن صلاته قد تمت، فلما أستثبت ول # أصحابه،
كان من أستثباته على يقين أنه قد أتمها، وجواب الصحابة له؛ لأنه كان
من الواجب الإجابة عليهم، وإن كانوا في الصلاة، فأما اليوم فالوحي قد
أنقطع وأقرت الفرائض، فإن تكلم الإمام، وعنده أن الصلاة قد تمت بعد
السلام لم تبطل، وإن سأل المأمومين فأجأبوه بطلت، وإن سأل بعض
المأمومين الإمام عن ذلك بطلت صلاته، والعلة في سهو الشارع
التعلم (١).
والله الهادي إلى الصواب.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٤٠٦/٦ - ٤٠٧ كتاب: الصلاة، باب: سجود السهو.

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٣ - بابٍ إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أو في ثَلاَثٍ،
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلاَةِ أو أَطْوَلَ
١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِرَاهِيمَ، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ آَبي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌ََّ الظَّهْرَ أو العَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَّهُ
ذُوالْيَدَيْنِ: الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللهَ، أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ لِأَضْحَابِهِ: ((أَحَقٌّ مَا
يَقُولُ؟)). قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ. قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ
عُزوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنٍ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ بَّهِ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٩٦/٣]
ذكر فيه حديث أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رسول الله وَيه
الظُّهْرَ أو العَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُوالْيَدَيْنِ .. الحديث.
وقد سلف في باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس(١).
وأخرجه أيضًا النسائي، وقال: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث:
ثم سجد سجدتين غير سعد بن إبراهيم، يعني: الراوي عن أبي سلمة(٢).
قَالَ البيهقي: ويحيى بن أبي كثير لم يحفظ سجدتي السهو عن أبي
سلمة، وإنما حفظهما عن ضمضم بن جوشن، عن أبي هريرة، وقد
حفظهما سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولم يحفظهما الزهري
لا عن أبي سلمة، ولا عن جماعة حدثوه بهذِه القصة عن أبي
هريرة(٣). ثم ذكر اختلافًا فيه عنه.
(١) برقم (٧١٤) كتاب: الأذان.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٩٩/١ - ٢٠٠ (٥٦٠) كتاب السهو، باب: ذكر اختلاف ألفاظ
الناقلين ..
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٥٨/٢ كتاب: الصلاة، باب: الكلام في الصلاة.

٣٥٣
كتاب الشَّهْوِ
وقوله في آخر الحديث: (قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى
مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،
وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رسول الله (وَلِهِ).
قَالَ أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا غندر عن شعبة عن سعد. فذكره(١).
وقال أبو نعيم: رواه -يعني: البخاري- عن آدم عن شعبة، وزاد:
قَالَ سعد: ورأيت عروة ... إلى آخره.
وأورده الإسماعيلي من طريق معاذ ويحيى، عن شعبة، ثنا سعد بن
إبراهيم: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة .. الحديث. ثم قَالَ في آخره:
رواه غندر: فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين. لم يقل: ثم
سلم ثم سجد. ثم قَالَ: لم يتضمن هذا الحديث ما ذكره في الترجمة،
وخرج ما ذكره من ترجمة هذا الباب في الباب الذي يليه.
وكذا قَالَ ابن التين: لم يأت في الحديث بشيء مما يشهد السلام من
ثلاث، وقد قَالَ سحنون: إنما يجوز ذلك لمن سلم من ثنتين على مثل
خبر ذي اليدين، وكذا قوله: فسجد مثل سجود الصلاة أو أطول. لم يأت
فيه بشيء، لكن في الباب الذي بعده: فسجد مثل سجوده أو أطول.
وذكر السلام من الثلاث مسلمٌ من حديث عمران في حديث
ذي اليدين (٢)، فأشار إليه في الترجمة كما فعل في باب: إذا
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. لم يذكره كذلك وإنما أشار
إليه فیها.
(١) ((المصنف)) ٣٩٢/١ (٤٥١١) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا: فيه إذا انصرف
وقد نقص من صلاته وتكلم.
(٢) ((صحيح مسلم)) برقم (٥٧٤) في المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (الظهر أو العصر). بَيَّنَ في ((الموطأ)) أنها العصر(١)، وفي
البخاري في كتاب: الأدب أنها الظهر(٢)، وفي رواية: إحدى صلاتي
العشي (٣).
وفي كتاب أبي الوليد: إحدى صلاتي العشاء. ولعله غلط من
الكاتب.
وقوله: (فقال له ذو اليدين) اسمه الخرباق، وقد سلف(٤)، وهذا
على باب الإنكار لفعله مع أنه شرع الشرائع، وعنه يؤخذ، إلا أنه
جوز عليه النسيان، وجوز أن يكون حدث فيها تقصير، فطلب منه بيان
ذلك، فصادف سؤاله من رسول الله و # يقينًا أن صلاته كملت أو
شگا في ذلك.
وقوله: فقال: ((أحق ما يقول؟)) يحتمل أن يقوله وهو متيقن كمال
صلاته فيستشهد على رد قول ذي اليدين بقولهم، وتبين هذا بقوله في
الخبر الآخر: ((كل ذلك لم يكن))(٥). تيقنا منه لكمال صلاته، ولو
شك في تمامها لأخذ من الإتيان بما شك فيه، فلما أخبروه بتصديق
قول ذي اليدين طرأ عليه الشك فأخذ في التمام.
ويحتمل أن يقوله وهو شاك في تمامها بقول ذي اليدين، فأراد
اليقين، وجاز له الكلام مع الشك؛ لأنه تيقن كمالها وحدوث الشك
(١) ((الموطأ)) ص٧٩.
(٢) سيأتي برقم (٦٥٠١) كتاب الأدب، باب ما يجوز من ذكر الناس ..
(٣) سلفت برقم (٤٨٢)، ورواها مسلم (٥٧٣).
(٤) جاء مصرحًا باسمه هكذا في حديث عمران بن حصين عند مسلم (٥٧٤)، وأبي
داود (١٠١٨).
(٥) رواه مسلم (٩٩/٥٧٣) كتاب: المساجد، باب: في الصلاة والسجود له.

٣٥٥
- كتاب الشّهْوِ
بعده، فوجب الرجوع إليها، وهذا أصل مختلف فيه للمالكية يرد
لأصحابهم مسائل منه اختلفوا فيها.
قَالَ ابن حبيب: إذا سلم الإمام على يقين ثم شك بنى على يقينه،
وإن سأل من خلفه فأخبروه أنه لم يتم فقد أحسن، وليتم ما بقي وتجزئهم.
ولوكان الفذ سلم من أثتين على يقين ثم شك، فقال أصبغ: لا يسأل
من خلفه، فإن فعل فقد أخطأ، بخلاف الإمام الذي يلزمه الرجوع إلى
یقین من معه(١).
فهذِه المسألة مبنية على أن الشك بعد السلام على اليقين مؤثر
يوجب الرجوع إلى الصلاة، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك كمن شك داخل
الصلاة؛ لأنه لو شك ذا قبل السلام لم يجز له أن يسأل أحدًا، فإن
فعل أستأنف، قاله ابن حبيب(٢). وكذا لو سلم على شك ثم سألهم.
وقيل: يجزئه(٣).
وقوله: (فصلى ركعتين أخراوتين). كذا وقع في أكثر الروايات،
وصوابه: أخرتين. وكذا وقع في بعضها، نبه علیه ابن التين.
فرع في التكبير للرجوع: قَالَ ابن نافع: إن لم يكبر بطلت صلاته؛
لأنه خرج منها بالسلام.
وقال ابن القاسم عن مالك: كل من جاز له البناء بعد الانصراف
لقرب ذلك فليراجع بإحرام.
ومتى يكبر؟ قَالَ ابن القاسم: يكبر ثم يجلس. وقال غيره: يحرم
(١) ((النوادر والزيادات)) ٣٨٦/١- ٣٨٧.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٣٨٧/١.
(٣) أنظر: ((الذخيرة)) ٣١٩/٢ - ٣٢٠

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وهو جالس، فإن لم يدخل بإحرام ففي الفساد قولان، قَالَ الأصيلي:
ورجوعه بنية يجزئه عن أبتداء الإحرام كما فعل الشارع.
تنبيه :
نقل ابن التين عن القاضي أنه قَالَ في ((إشرافه)): اجتمع على الشارع
أشياء من السهو: كلامه، وسلامه من اثنتين، واستثباته، فسجد لهنّ
سجودًا واحدًا فصار فيه حجة إذا وجب عليه سجود يكفيه سجدتان
وإن كثر، وقال الأوزاعي وعبد العزيز: إذا وجب عليه سجود قبل
وسجود بعد سجدهما جميعًا.
ثم ما ترجم به البخاري رد على أهل الظاهر في قولهم: إنه لا يسجد
أحد من السهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها الشارع: وهو
السلام من ثنتين على حديث ذي اليدين، والقيام من ثنتين على
حديث ابن بحينة إلا أنه يجعل السجود في ذلك بعد السلام، أو من
صلى الظهر خمسًا على حديث ابن مسعود، وفي البناء على اليقين
على حديث أبي سعيد الخدري، وفي التحري على حديث ابن مسعود.
وجماعة الفقهاء يقولون: إن من سلم في ثلاث ركعات أو قام في
ثلاث، أو نقص من صلاته ماله بال، أو زاد فيها فعليه سجود السهو؛
لأنه وَ علم الناس في السلام من ثنتين والقيام منها وزيادة خامسة،
وفي البناء على اليقين والتحري سجود؛ ليستعملوا ذلك في كل سهو
یکون في معناه.
واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث ابن مسعود: أنه رَِّ قَالَ: ((إذا شك
أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين))(١)
(١) سلف برقم (٤٠١) كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.

٣٥٧
كتاب الشَّهْوِ
=
فأمر الشارع بالسجود لكل سهوٍ، وهو عام إلا أن يقوم دليل.
وفي قصة ذي الیدین من الفقه: أن الیقین لا یجب تركه بالشك حتَّى
يأتي بيقين يزيله، ألا ترى أن ذا اليدين كان على يقين من أن فرض
صلاتهم تلك أربع ركعات، فلما أتى بها على غير تمامها، وأمكن
القصر من جهة الوحي، وأمكن النسيان لزمه أن يسبقهم حَتَّى يصيره
إلى يقين يقطع به الشك.
وفيه أيضًا: أن من سلم ساهيًا في صلاته وتكلم وهو يظن أنه قد
أتمها، فإنه لا يضره ذلك ويبني على صلاته.
واختلف قول مالك كيف (يرجع)(١) المصلي إلى إصلاح صلاته؟
فقال في ((المدونة)): كل من رجع لإصلاح ما بقي عليه من صلاته
فليرجع بإحرام. وقال في رواية ابن وهب: إنه إن لم يكبر فلا يضره
ذلك مع إمام كان أو وحده. وقال ابن نافع: إن لم يدخل بإحرام
أفسد صلاته على نفسه وعلى من خلفه إن كان إمامًا.
وقال الأصيلي: رواية ابن وهب هي القياس؛ لأن رجوعه إلى
صلاته بنية تجزئه من ابتداء إحرام كما فعل الشارع، وهذا أسلفناه
عنه. وقال غيره: إن لم يكبر في رجوعه لا شيء عليه، ثم هو حجة
للشافعي ومالك في عدم إبطال الصلاة بالكلام ناسيًا -خلافًا لأبي
حنيفة وأصحابه- والثوري والنخعي وقتادة (٢).
(١) في الأصل: رجع، والمثبت هو اللائق بالسياق.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٧٠/١، ((عيون المجالس)) ٣٢٢/١- ٣٢٣،
((المجموع) ٤ /١٧.
وقول النخعي وقتادة رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٣٣٠/٢ - ٣٣١ (٣٥٧١،
٣٥٧٣).

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وابن وهب وابن كنانة المالكيان قالا : إنما كان حديث ذي اليدين
في بدء الإسلام، ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم(١)، والعمد لمصلحة
الصلاة يبطلها عندنا، خلافًا لمالك(٢).
وقال الأوزاعي: إن تكلم لغرض يجب عليه لم تفسد صلاته، وإن
كان لغير ذلك فسدت والفرض عليه رد السلام، أو أن يرى أعمى يقع في
بئر فينهاه(٣).
(١) انظر: ((الاستذكار)) ٣١٨/٤- ٣١٩.
(٢) انظر: ((عيون المجالس)) ٣٢٣/١، ((المجموع)) ١٧/٤.
(٣) انظر: ((الأوسط)) ٢٣٤/٣، ((عيون المجالس)) ٣٢٤/١.

٣٥٩
كتاب الشَّهْوِ
=
٤ - باب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَ السَّهُوِ
وَسَلَّمَ أَنَسِّ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: لاَ يَتَشَهَّدُ.
[فتح: ٩٧/٣]
١٢٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبي
تَمِيمَةَ السَّخْتِيَاِيٌّ، عَنْ تُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ و ◌َّه
انْصَرَفَ مِنِ آَثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُوالْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟)). فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَصَلَّى
أَثْنَتَيْنِ أُخْرَبَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أو أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ. [انظر: ٤٨٢ -
مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٩٨/٣]
حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قال:
قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فِي سَجْدَتَي السَّهْو تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وذکر فيه حديث أبي هريرة في قصة ذي الیدین. ثم ذکر عن حَمَّادٍ،
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فِي سَجْدَتَي السَّهْو تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ
فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الشرح:
حديث أبي هريرة سلف في باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول
الناس(١). وباب: تشبيك الأصابع في المسجد(٢).
وأما أثر أنس والحسن فأخرجهما ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي،
عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن وأنس: أنهما سجدا
سجدتي السهو بعد السلام ثم قاما ولم يسلما(٣).
(١) سلف برقم (٧١٥).
(٢) سلف برقم (٤٨٢) كتاب: الصلاة.
(٣) ((المصنف)) ٣٨٧/١ (٤٤٤٤) كتاب: الصلوات، باب: في السلام في سجدتي =

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ: وحديث ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب أن أنس بن مالك
قعد في الركعة الثالثة فسبحوا به، فقام وأتمهن أربعًا، فلما سلم سجد
سجدتين، ثم أقبل على القوم بوجهه وقال: افعلوا هكذا(١).
ونقل ابن قدامة وابن بطال وابن عبد البر وغيرهم(٢)، عن أنس
والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد، ولا تسليم.
وتعليق قتادة يرسخ ما نقله هؤلاء، وقد سلفت روايته عن شيخه
کذلك.
وحماد في الأخير هو: ابن زید.
ورواه عن حماد أبو الربيع أيضًا، وفي حديثه: لم أحفظ فيه عن أبي
هريرة شيئًا، وأحب إليَّ أن يتشهد (٣).
واختلف العلماء في سجدتي السهو: هل فيهما تشهد وسلام؟ وقد
ورد وجود ذلك وعدمه في بعض الأحاديث، فقالت طائفة: لا فيهما.
وقالت أخرى: نعم فيهما. وقالت ثالثة: لا تشهد فيهما، وفيهما السلام.
وقد أسلفنا ذلك قبل: إذا صلى خمسًا. وقال بالثاني ابن مسعود
والنخعي والحكم، ورواه عن قتادة واستحسن ذلك الليث(٤)، وقاله
= السهو قبل السلام أو بعده.
(١) ((المصنف)) ٣٩٠/١ (٤٤٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: في كل
سھو سجدتان.
(شرح ابن بطال)) ٢٢٣/٣، ((التمهيد)» ٢٠٧/١٠، ((المغنى)) ٤٣١/٢.
(٢)
رواه البيهقي ٣٥٥/٢ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يتشهد بعد سجدتي السهو
(٣)
ثم يسلم.
(٤) رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود والنخعي والحكم ٣٨٨/١ (٤٤٥٨، ٤٤٦٠،
٤٤٦٦) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا: فيهما تشهد أم لا؟ ومن قال: لا يسلم
فيهما. وذكرها جميعًا ابن المنذر في (الأوسط)) ٣١٥/٣.