النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ - كتاب التَّهَجُّدِ محمدًاً وَّله، وبمعنى القول: ﴿سَأَنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: سأقول مثل ما قال. والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل من مكارم الأخلاق إلى دنيها. أي: أقبل إلى دنيها ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى نزول الحكم، من ذلك قولهم: کنا في خیر وعدل حَتَّى نزل بنا بنو فلان. أي: حكمهم. وذلك كله متعارف عند أهل اللغة. وإذا كانت مشتركة المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني التي لا تقتضي له ما لا يليق بنعته من إيجاب حدث يحدث في ذاته، وهو إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف بالتذكير والتشبه الذي يلقى في قلوب أهل الخير منهم(١)، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة ووجدناه تعالى (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصواب والمأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش. ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم بل الله منزه عن ذلك. واما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته؛ فهذا غلط لوجوه. وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعًا؛ فیجاب أيضًا بوجوه: أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول؛ فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت. وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا. والملائكة لا يختص نزولها لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك: فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا. الثاني: إن في الحديث الصحيح: أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: ((لا أسأل = ١٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = = عن عبادي غيري))، ومعلوم أن هذا كلام الله الذى لا يقوله غيره. الثالث: أنه قال: ((ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذى يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر))، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إلا الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئًا من ذلك. الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه؛ وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين: ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل؟! ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل منه لا أمر ولا رحمة ولا غير ذلك؟! فبهت النافي وکان کبیرًا فیھم. الخامس؛ أنه قد روى في عدة أحاديث: ((ثم يعرج)) وفي لفظ ((ثم يصعد)). السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه ((يُنزل)) من الفعل الرباعي المتعدي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه ((ينزل)) من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديا ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه؟ من يستغفر فيغفر له؟ كما ثبت في ((الصحيحين))، ((وموطأ مالك)) و ((مسند أحمد بن حنبل))، وغير ذلك عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّر أنه قال: ((إذا أحب الله العبد نادی في السماء يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه؛ فیحبه جبريل؛ ثم ینادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم وضع له القبول في الأرض))، وقال في البغض مثل ذلك. فقد بين النبي ◌َّ ر الفرق بين نداء الله ونداء جبريل. فقال في نداء الله: ((يا جبريل! إني أحب فلانا فأحبه)). وقال في نداء جبريل: ((إن الله يجب فلانا فأحبوه))، وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا، بل وموجب جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتى باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان، إذا أمر غيره بالنداء- وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه، لم يكن هو المتكلم، فقال لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن المنادئ ينادي: معاشر الناس! أمر السلطان بكذا، أو رسم بكذا، لا يقول إني أنا أمرتكم بذلك . = ١٠٣ كتاب التَّهَجُّدِ = خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، ويحتمل أن يكون ذلك فعلًا يظهر بأمره فيضاف إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى الأمير في البلد، وإنما أمر بذلك فيضاف إليه الفعل كما مضى أنه عن أمره ظهر، إذا احتمل ذلك في اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا بهذا الدعاء والنداء فيضاف ذلك إلى الله. وحديث النسائي السالف يعضده، وقد سئل الأوزاعي عن معنى هذا الحديث فقال: يفعل الله ما يشاء، وهذه إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه ، وذكر حديث كاتب مالك عنه أنه قَالَ في هذا الخبر: ينزل أمره ورحمته، وقد رواه مطرف عنه أيضًا (١)، وأنكر بعض المتأخرين هذا اللفظ، فقال: كيف يفارقه أمره؟. وهذا كلام من أعتقد أنه ينزل أمره القديم، وليس كذلك، وإنما المراد ما أشرنا إليه، وهو ما يحدث عن أمره، قَالَ الإمام أبو بكر محمد بن فورك: روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله وَل بما يؤيد هذا التأويل، وهو بضم الياء من ينزل، وقد تقدم نقل ذلك عنه، فإذا كان ذلك محفوظًا فوجهه ظاهر(٢). = ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟! والمنادي كل ليلة يقول: ((من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) كما في ندائه لموسى التَّهُ: (إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة الذكري)، وقال: (إني أنا الله رب العالمين). ومعلوم أن الله لو أمر ملكًا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: ((من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟))، ولا يقول: ((لا أسأل عن عبادي غيري)). ((مجموع الفتاوى)) ٤١٥/٥- ٤١٨. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقل عن مالك رواية أنه تأول ((ينزل إلى السماء الدنيا)» أنه ينزل أمره. لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذاب باتفاقهم. وقد رويت من وجه آخر لكن في الإسناد مجهول. ((مجموع الفتاوى)) ٤٠٥/١٦. (٢) ((مشكل الحديث وبيانه)) ص ٢٢٠ وما قبله أيضًا هو من كلام ابن فورك. ١٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد سئل بعض العلماء عن حديث التنزيل، فقال: تفسيره قول إبراهيم حين أفل النجم: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْأَّفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فَطَلَبَ رَبًّا لا يجوز عليه الانتقال والحركات، ولا يتعاقب عليه النزول، وقد مدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه في كتابه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ اٌلْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فوصفه باليقين، وحكي عن بعض السلف في هذا الحديث وشبهه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها. وكان مكحول والزهري يقولان: أمرُّوا الأحاديث(١). وقال أبو عبد الله: نحن نروي هذِه الأحاديث ولا نرفع بها المعاني. وإلى نحو هذا نحى مالك في سؤال الاستواء على العرش (٢). وحمل الداودي مذهبه في هذا الحديث على نحو من ذلك وقال فيما تقدم عنه: نقله حبيب، وليس حبيب بالقوي (٣). وضعفه غيره أيضًا لكنا أسلفنا أنه لم ينفرد به. فصارت مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه ثلاثة: فرقة قائلة بالتأويل كما سلف محتجين بالحديث الآخر: ((إذا تقرب (١) رواه عن مكحول والزهري البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ٣٧٧/٢ (٩٤٥). (٢) روى البيهقي بسنده إلى عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ﴾﴾، كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه. قال: فأخرج الرجل. ((الأسماء والصفات)) ٣٠٤/٢ - ٣٠٥ (٨٦٦، ٨٦٧). (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، قال الذهبي في ((المغني)): قال أحمد: كان يكذب وقال أبو داود كان يضع الحديث، توفى سنة ٢١٨ روئ له بن ماجه. ١٠٥ - كتاب التَّهَجُّدِ إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة))(١). وفرقة قالت بالوقف عن جميعها. وفرقة قالت بالتأويل في بعضها. سئل مالك في ((العتبية)) عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش (٢): قال: لا يتحدث به، وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به، وهو يرى ما فيه من التغرير؟! وحديث ((إن الله خلق آدم على صورته))(٣). وحديث الساق(٤). قَالَ ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله أن يتحدث بمثل هذا. قيل له: فالحديث الذي جاء: إن الله يضحك(٥). فلم يره من هذا وأجازه، وكذلك حديث النزول. ويحتمل أن يفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن حديث النزول والضحك صحيحان لا طعن فيهما، وحديث اهتزاز العرش قد سلف الإنكار له والمخالفة فيه من الصحابة. وحديث الصورة والساق ليس تبلغ أسانيدهما في الصحة درجة حديث النزول(٦). (١) يأتي برقم (٧٤٠٥) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُعَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. (٢) حديث اهتزاز العرش لموت سعد، يأتي برقم (٣٨٠٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب سعد بن معاذ. (٣) يأتي هذِه الحديث برقم (٣٣٢٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته. (٤) يشير إلى حديث أبي هريرة وأبي سعيد الطويل الآتي برقم (٧٤٣٩) وفيه: ((فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه: فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن .. )) الحديث. (٥) يأتي هذا الحديث برقم (٢٨٢٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم ثمَّ یسلم .. (٦) انظر: ((المنتقى)) ٣٥٧/١. ١٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - والثاني: أن التأويل في النزول أبين وأقرب، والعذر بسوء التأويل فيها أبعد، وبالله التوفيق. وفي الحديث أيضًا أن آخر الليل أفضل الدعاء والاستغفار، قَالَ [الذاريات: ١٨] وروى محارب بن تعالى: ﴿وَ بِالْأَسْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ دثار، عن عمه، أنه كان يأتي المسجد في السحر ويمر بدار ابن مسعود، فيسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي. فسئل ابن مسعود عن ذلك فقال: إن يعقوب الَُّ أخر نيته إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾(١). وروى الجريري أن داود سأل جبريل، أي الليل أسمع؟ فقال: لا أدري غير أن العرش يهتز في السحر(٢). وقوله: أسمع، يريد أنها أرفع للسمع، والمعنى أنها أولى بالدعاء وأرجى للاستجابة، وهذا كقول ضماد حين عرض عليه الشارع الإسلام فقال: سمعت كلامًا لم أسمع قط كلامًا أسمع منه(٣)، يريد أبلغ ولا أنجع في القلب(٤) (١) روى هذا الأثر سعيد بن منصور في ((سننه)) ٤١٠/٥ (١١٤٤). والطبري في «تفسيره)» ٧/ ٣٠٠ (١٩٨٧٦). والطبراني في ((الكبير) ١٠٤/٩ (٥٨٤٨). وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٨/٤ لأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ١٥٥/١٠ وقال: رواه الطبراني، وفيه: عبد الرحمن ابن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف. (٢) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٩١/٧ (٣٤٢٤٠). كتاب الزهد، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٠٣/٦. (٣) هذا الحديث رواه ((مسلم)) (٨٦٨) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (٤) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد التسعين كتبه مؤلفه سامحه الله. ١٠٧ كتاب التَّهَجُّدِ = ١٥ - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: قُمْ الآن. قَالَ: النَّبِيُّ وَهِ: ((صَدَقَ سَلْمَانُ)). ١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ. وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ وَه بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَلَهُ وَيَقُومُ آَخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ آغْتَسَلَ، وَإِلَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. [مسلم: ٩٣٧ - فتح: ٣٢/٣] وذكر حديث الأسود عن عائشة: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ .. الحديث. أما حديث سلمان فسيأتي في الصوم والأدب مسندًا(١). وقال الترمذي: حسن صحيح (٢). و(أبو الدرداء) اسمه: عویمر بن زيد. وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٣). قَالَ الإسماعيلي: هذا حديث يغلط في معناه الأسود، فإن الأخبار الجياد: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وأمر بذلك من سأله(٤). وإنما كان يقوم آخره لأجل حديث النزول السالف، وهذا كان فعل السلف. (١) في الصوم برقم (١٩٦٨) باب: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع. وفي الأدب برقم (٦١٣٩) باب: صنع الطعام والتكلف للضيف. (٢) ((سنن الترمذي)) ٦٠٩/٤. (٣) برقم (٧٣٩) باب: صلاة الليل .. (٤) سلف من حديث عائشة برقم (٢٨٨) أنها قالت: كان النبي ◌َّ و إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ للصلاة. ١٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وروى الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري قَالَ: قَالَ عمر: الساعة التي تنامون فيها أعجب إليَّ من الساعة التي تقومون فيها(١). وقال ابن عباس في قيام رمضان: ما تتركون منه أفضل مما تقومون فيه (٢). وفيه: دلالة على أن في رجوعه من الصلاة إلى فراشه قد كان يطأ ويصبح جنبًا ثم يغتسل، وقد كان لا يفعل ذلك. قيل: وظاهره عدم وضوئه للنوم مع الجنابة. (١) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٧ (٧٧٠٧). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١٦٧/٢ (٧٧٠٧). ١٠٩ كتاب التّهَجُّدِ ١٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ وَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْهِ ١١٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ وَّرِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ټ یَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدِى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَزْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَزْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَتَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَتَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)). [انظر: ٢٠١٣، ٣٥٦٩، ١١٤٠ - مسلم: ٧٣٨ - فتح: ٣٣/٣] ١١٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ قَالَ: أَخْبَرَفٍ أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلاثُونَ أَوْ أَزْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٣٣/٣] ذكر فيه حديث عائشة: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَىْ إِخْدى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، يُصَلِّ أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ .. الحدیث. وحديثها أيضًا: مَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَهِ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رََعَ. الشرح : حديث عائشة الأول يأتي في الصوم وصفته وَليه (١)، وأخرجه مسلم (١) في الصوم برقم (٢٠١٣) باب: فضل مَن قام رمضان. وفي صفته ◌َّله برقم (٣٥٦٩) باب: كان النبي ◌َّ﴿ تنام عينه ولا ينام قلبه. ١١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أيضًا، وأبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: حسن صحيح (١). أخرجاه عن مالك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة عنها. قَالَ أبو عمر: وهكذا هو في ((الموطأ)) عند جماعة الرواة فيما علمت، ورواه محمد بن معاذ بن المستهل، عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب عن أبي سلمة، عنها. والصواب الأول(٢). وأخرجه البخاري في الاعتصام وصفته وكلهم من حديث سعيد بن ميناء عن جابر(٣). وحديثها الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقد أسلفنا اختلاف الآثار في عدد صلاته بَّه قريبًا. واختلف العلماء في عدد الصلاة في رمضان، فذكر ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم (ت. ق)(٥) بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ** كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر(٦)، وروي مثله عن عمر بن الخطاب وعليٍّ وأبي بن (١) مسلم برقم (٧٣٨) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي ◌َّر .. ، و[أبو داود برقم (١٣٤١) باب: في صلاة الليل، والترمذي برقم (٤٣٩) باب: ما جاء في وصف صلاة النبي وَ﴿﴿ بالليل، والنسائي ٢٣٤/٣ باب: كيف الوتر بثلاث؟]. (٢) ((التمهيد)) ٦٩/٢١. (٣) برقم (٣٥٦٩) باب: كان النبي ◌ّ 3 تنام عينه ولا ينام قلبه، وبرقم (٧٢٨١) باب: الاقتداء بسنن رسول الله وَله. (٤) برقم (٧٣١) باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا .. (٥) ورد في هامش الأصل: إبراهيم (ت. ق) هذا جد ابن أبي شيبة المكنى بأبي شيبة ضعيف تركه غير واحد. قال الذهبي في ((الكاشف)) ترك حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه وقال يزيد بن هارون في كاتبه ما قضى على الناس في زمانه أعدل منه توفي سنة ١٦٩. (ت ق). (٦) ((المصنف)) ١٦٦/٢ (٧٦٩١) كم يصلي في رمضان من ركعة. ١١١ == كتاب التَّهَجُّدِ كعب(١)، وبه قَالَ الكوفيون والشافعي وأحمد (٢)، إلا أن إبراهيم هذا هو جد ابن شيبة، وهو ضعيف فلا حجة في حديثه، والمعروف القيام بعشرين ركعة في رمضان عن عمر وعليٍّ، قاله ابن بطال(٣) ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء، ونقله ابن رشد عن داود(٤). وقال عطاء: أدركت الناس يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة، الوتر منها ثلاثًا (٥). وروى ابن مهدي عن داود بن قيس قَالَ: أدركت الناس في المدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًّا وثلاثين ركعة، ويُوتَرُ بثلاث(٦). وهو قول مالك وأهل المدينة(٧)، وجعله الشافعي خاصًّا بأهل المدينة؛ لشرفهم وفضل مهاجرهم. ونقل ابن رشد عن ابن القاسم عن مالك: الوتر بركعة (٨). وحكي [أن](٩) الأسود بن يزيد، كان يقوم بأربعين ركعة ویوتر بسبع. وقول عائشة: (يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا) قد أسلفنا في أبواب الوتر أن ذلك مرتب على قوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) لأنه مفسر وقاض على المجمل، وقد جاء بيان هذا في بعض طرق هذا (١) ((المصنف)) ١٦٥/٢ (٧٦٨٠ - ٧٦٨١، ٧٦٨٣). (٢) انظر: ((المبسوط)) ١٤٤/٢، ((الأم)) ١٢٥/١، ((المغني)) ٦٠٤/٢. (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٤١/٣. (٤) ((بداية المجتهد)» ٤٠٠/١. (٥) رواه عن عطاء ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥ (٧٦٨٨). (٦) روى هذا الأثر ابن أبي شيبة ١٦٦/٢ (٧٦٨٨). (٧) ((المدونة)) ١٩٣/١، ((المعونة)) ١٥٠/١. (٨) وهي روايتان عن ابن القاسم انظر: ((المنتقى)) ٢٢٣/١. (٩) زيادة يقتضيها السياق ليست في الأصول. ١١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الحديث، روى ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة بالوتر يسلم بين كل ركعتين(١): فإن قلت: إذا كان يفصل بالسلام فما الحكمة في الجمع؟ قلتُ: لينبه على أن صفتهما وطولهما من جنس واحد وأن الآخر بعدها ليست من جنسها وإن كانت أخذت من الحسن والطول حظها. وقيل في قولها : (يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلاثًا). أي : أنه کان ینام بینھن. وروي نحوه عن ابن عباس، وفيه دلالة على جواز فعل ذلك، بل هو عند أبي حنيفة: أفضل التطوع أن يصلي أربعًا بتسليمة (٢). واحتج من قَالَ ذلك بحديث الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى، عن أم سلمة أنها وصفت صلاته وَّيه بالليل وقراءته فقالت: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى، ثم يقوم فيوتر(٣). (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ٥١٢/١ (١٦٤٩). (٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٢٩٤/١، ((تبيين الحقائق)) ١٧٢/١. (٣) رواه أبو داود (١٤٦٦) باب: استحباب الترتيل في القراءة، والترمذي (٢٩٢٣) باب: ما جاء كيف كان قراءة النبي وَّير؟ والنسائي في ((المجتبى)) ١٨١/٢، ٣/ ٢١٤، وأحمد في («مسنده» ٢٩٤/٦، و٦/ ٣٠٠. وابن خزيمة في ((صحيحه)) ٢/ ١٨٨ (١١٥٨) باب: الترتل بالقراءة في صلاة الليل. والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٢٠١، وفي ((شرح مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ١٩٨/٨ (٥٨٤٧). وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وَلتر) ٣/ ١٤١ (٥٥٤) نعت قراءة النبي ◌َّ. والحاكم في ((المستدرك)) ٣٠٩/١، ٣١٠ كتاب: صلاة التطوع. كلهم من طريق الليث عن عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة عن یعلى أنه سأل أم سلمة. الحدیث. قال أبو عیسی: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث لیث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة أن النبي ◌َّ- كان يُقطّع = ١١٣ - كتاب التَّهَجُّدِ وقولها: (أتنام قبل أن توتر؟) كأنها توهمت أن الوتر إثر الصلاة على ما شاهدته من أبيها؛ لأنه كان يوتر إثرها، فلما رأت منه خلاف ذلك سألته عن ذلك فأخبرها أن عينيه تنامان ولا ينام قلبه -أي: عن مراعاة الوقت- وليس ذلك لأبيها، وهذه من أعلى مراتب الأنبياء، ولذلك قَالَ ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. لأنهم يفارقون سائر البشر في نوم القلب، ويساوونهم في نوم العين، وكان يغط ثم يصلي. قَالَ عكرمة: كان محفوظًا، وإنَّما كان يتوضأ من الانتباه من النوم وإن كان لا يتوضأ بعد نومه؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولا يبعد أن يتوضأ إذا غامر قلبه النوم واستولى عليه، وذلك في النادر، كنومه في الوادي إلى أن طلعت الشمس، ليسنَّ لأمته أن الصلاة لا يسقطها خروج الوقت وإن كان معلومًا بنوم أو نسيان. وفي حديث عائشة الآتي: قيامه وَلقر بالليل، ومعنى قيامه عند الركوع؛ لئلا يخلي نفسه من فضل القيام في آخر الركعة، وليكون انحطاطه إلى الركوع والسجود من قيام إذ هو أبلغ وأشد في التذلل والخشوع. وفيه: دليل للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: رمضان. بغير = قراءته. وحديث الليث أصح ا.هـ وقال أبو عبد الله الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)»: ٨٥/١٠ (٢٦٠): إسناده ضعيف؛ يعلى بن مملك مجهول. قلت: رواية ابن جريج التي أشار إليها الترمذي أخرجها في ((سننه)) (٢٩٢٧)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) ٣٨/٣ (٤٧٠٩)، وابن حبان في ((صحيحه)) ٣٦٦/٦ (٢٦٣٩). ١١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إضافته إلى شهر، وإنما سألها أبو سلمة عن صلاته في رمضان ليقف على حقيقة ركعاته. وفيه: أن تطويل القراءة في القيام وتحسين الركوع والسجود أكثر من تكثير الركوع والسجود. وعكست طائفة، وفصلت أخرى فقالت: تطويل القيام في الليل أفضل وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل. ومذهب الشافعي أن تطويل القيام أفضل(١). وفيه: جواز الركعة الواحدة بعضها قيامًا وبعضها قعودًا، وهو مذهبنا ومالك وأبي حنيفة وعامة العلماء(٢)، وسواء قام ثم قعد أو عكس، ومنعه بعض السلف. وعن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأشهب: لا تجزئه. وقولها: من صلاة الليل جالسًا. اختلف في كيفية الجلوس في الصلاة، فعن أبي حنيفة: يقعد في حال القراءة كما يقعد في سائر الصلاة، وإن شاء تربع وإن شاء احتبى. وعن أبي يوسف: يحتبي. وعنه: يتربع إن شاء. وعن محمد: يتربع. وعن زفر: يقعد كما (يقعد)(٣) في التشهد. وعن أبي حنيفة في صلاة الليل: يتربع من أول الصلاة إلى آخرها. وقال أبو يوسف: إن جاء في وقت الركوع والسجود يقعد كما يقعد في تشهد المكتوبة. وعن أبي يوسف: يركع متربعًا، وإذا أراد الركوع ثنى رجله اليسرى وافترشها (٤)، وهو مخير بين أن يركع من قعود وبين أن يقوم عند آخر قراءته. (١) انظر: (معرفة السنن والآثار)) ٤٢/٤، ((المجموع)» ٢٣٨/٣. (٢) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٣٢/٤، ((المدونة)) ٧٩/١ - ٨٠، ((المبسوط)) ١/ ٢٠٨، ((المغنى)) ٢ /٥٦٧- ٥٦٨. (٣) من (ج). (٤) انظر: ((البناية)) ٦٤٩/٢. ١١٥ كتاب التَّهَجُّدِ = قَالَ في ((المغني)): فإن الأمرين جميعًا جاء عن رسول الله وَّةٍ على ما روته عائشة عنه (١). والإقعاء مكروه، والافتراش عندنا أفضل من التربع على أظهر أقوال الشافعي(٢). ثالثها: ینصب ركبته الیمنی كالقارئ بين يدي المقرئ. وعند مالك: يتربع. كما ذكره القرافي في ((الذخيرة))(٣)، وقال في ((المغني)) عن أحمد: يقعد متربعًا في حال القيام ويثني رجليه في الركوع والسجود (٤)، ثم القعود في حقه بغير كالقيام في حال القدرة وغيرها تشريفًا له وتخصيصًا. (١) ((المغنى)) ٥٦٩/٢. (٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٣٥/١. (٣) («الذخيرة)) ١٦٣/٢. (٤) ((المغني)) ٢ /٥٦٩ .. ١١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٧ - باب فَضْلِ الصلاة عند الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الوُضُوءِ بِاللّيْلِ وَالنَّهَارِ ١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبَو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُزْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: ((يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلِ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَقَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ)). قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَزْجَىَ عِنْدِي أَّ لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَّهَارٍ إِلَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الظُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ((دَقَّ نَعْلَيْكَ)) يَغْنِي: تَخْرِيكَ. [مسلم: ٢٤٥٨ - فتح: ٣٤/٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رسول الله وَّهِ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: ((يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلِ عَمِلْتَهُ .. )) الحديث. أخرجه النسائي(١)، كما نبه عليه ابن عساكر، وأهمله الطرقي، وذكر أبو مسعود والطرقي أن مسلمًا أخرجه في الفضائل، وكذا ذكره الحميدي في المتفق عليه في مسند أبي هريرة (٢). واسم أبي أمامة: حماد بن أسامة. وأبو حيان اسمه: يحيى بن سعيد بن حيان التيمي. واسم أبي زرعة: هَرِمْ بن عمرو بن جرير بن عبد الله. قوله: ((بأرجى عمل عملته)) أي: لأنه قد يعمل في السر ما لا يعلمه وَل*، وإنما رجى بلال ذلك لما علم أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان. وفيه: سؤال الصالحين عما يهديهم الله إليه من الأعمال المقتدى بهم فیھا ویتمثل رجاء برکتها. (١) في ((السنن الكبرى)) ٦٤/٥ (٨٢٣٦). (٢) ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ١٦٤/٣ (٢٣٨٧). ١١٧ - كتاب التَّهَجُّدِ و(دفَّ نعليك)) بالفاء المشددة. أي: تحريك نعليك كما هو في بعض نسخ البخاري، والدف: الحركة الخفيفة . -وهو بفتح الدال المهملة- وحكى أبو موسى المديني في ((مغيثه)) إعجامها. قَالَ صاحب ((العين)): دف الطائر؛ إذا حرك جناحيه، ورجلاه في الأرض(١). وقال ابن التين: دوي نعلك: حفيفهما، وما يسمع من صوتهما، والدف: السير السريع. وفي رواية ابن السكن: ((دوي نعليك)) -بضم الدال المهملة- وهو الصوت، وعند الإسماعيلي: ((حفيف نعليك)). وللحاكم: ((خشخشتك أمامي))(٢). وقوله: ( (بين يدي في الجنة)) ) أي: أنه رأه بموضع بين يديه، كأن بلالًا تقدمه. وفي الحديث دليل على أن الله تعالى يعظم المجازاة على ما يسر به العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد. وقد استحب ذلك العلماء - أعني: أعمال البر - ليدخرها، ومن ذلك ما وقع لبلال، فإنه لم يعلم به الشارع حَتَّى أخبره. وفيه: فضيلة الوضوء والصلاة عقبها؛ لئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده، وإنما فعل ذلك بلال؛ لأنه علم أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان كما سلف، فلازم. وقوله: (لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت). قد يستدل به من يرى أن كل صلاة لها سبب تصلى، وإن كان وقت الكراهة، والطهور هنا يحتمل الأمرين: الغسل والوضوء. (١) ((العين)) ١١/٨. (٢) ((المستدرك)) ٣١٣/١ كتاب: صلاة التطوع، وفي ٢٨٥/٣ كتاب: معرفة الصحابة. ١١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ في العِبَادَةِ ١١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَغْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَإِذَا حَبْلٌ ◌َمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: ((مَا هذا الحَبْلُ؟)). قَالُوا: هذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)). [مسلم: ٧٨٤ - فتح: ٣٦/٣] ١١٥١ - قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي أَمْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَّيَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَقَالَ: ((مَنْ هذِهِ؟)). قُلْتُ: فُلَانَةُ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ. فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ: ((مَهْ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)). [انظر: ٤٣ - مسلم: ٧٨٥ - فتح: ٣٦/٣] ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَلِّ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ .. الحديث. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ(١)، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ .. الحديث. أما حديث أنس فأخرجه مسلم في الصلاة(٢)، وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وأغرب الحميدي فذكره في أفراد البخاري (٣). (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري، فإذا قال البخاري: قال فلان، أو قال لي فلان وما أشبه ذلك فكان المسند إليه القيل فإن قيل بدله حدثنا لكن الغالب استعمال ذلك في المذاكرة، وقيل: قال لي فلان أرفع من قال فلان. (٢) برقم (٧٨٤) باب: أمر مَن نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن .. (٣) ((الجمع بين الصحيحين)) ٦٣٠/٢ (٢٠٧٧). ١١٩ كتاب التَّهَجُّدِ = وشيخ البخاري فيه: أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج. وزينب هذِه هي ابنة جحش، كما جاء في رواية أبي بكر بن أبي شيبة وغيره(١). وفي أبي داود: حمنة بنت جحش(٢). وقال ابن الجوزي في حديث: فقالوا فلانة تصلي: هي حمنة. وقيل: أختها زينب أم المؤمنين. وقيل: ميمونة بنت الحارث. وذكر في ((الموطأ)» أنها الحولاء بنت تويت(٣). وأما حديث عائشة فقد سلف مسندًا في باب: أحب الدين إلى الله أدومه من كتاب الإيمان من حديث يحيى بن سعيد عن هشام(٤)، ورواه أبو نعيم من حديث محمد بن غالب، عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، وقال في آخره: ورواه - يعني: البخاري - وقال: قَالَ عبد الله بن مسلمة، وأسنده الإسماعيلي من طريق يونس، عن ابن وهب، عن مالك. ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة(٥). وفيه: الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] والله أرحم بالعبد من نفسه. (١) قال الحافظ ابن حجر: جزم كثير من الشراح تبعًا للخطيب في ((مبهماته)) بأنها بنت جحش أم المؤمنين، ولم أرذلك في شيء من الطرق صريحًا. ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكني لم أر في ((مسنده)) و((مصنفه)) زيادة على قوله: ((قالوا لزينب)) أخرجه عن إسماعيل بن علية عن عبد العزيز ا.هـ ((الفتح)) ٣٦/٣. (٢) في (سنن أبي داود)) برقم (١٣١٢) باب: النعاس في الصلاة. (٣) ((الموطأ)) ص٩٣ باب: ما جاء في صلاة الليل. (٤) حديث (٤٣). (٥) برقم (٧٨٥) باب: أمر مَن نعس في صلاته. ١٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفيه: الأمر بالإقْبَال عليها بنشاط، وإذا فتر فليقعد حَتَّى يذهب الفتور، وإزالة المنكر باليد لمن تمكن منه، وجواز التنفل في المسجد وذلك لأنها كانت تصليها فيه فلم ينكر عليها، وكراهية الاعتماد على الشيء في الصلاة، ويأتي إن شاء الله في باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة (١)، من كره ذلك ومن أجازه، وإنما كره التشديد في العبادة، خشية الفتور والملالة، وقد قَالَ الشارع: (خير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل))(٢) وقَالَ الرب جل جلاله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [البقرة: ٧٨] فكره الإفراط في العبادة؛ لئلا ينقطع عنها المرء فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه للرب جل جلاله وتطوع به. وقوله: (فذكر من صلاتها) هو من قول عروة أو من رواة الحديث، وهو تفسير لقول عائشة: لا تنام الليل. ووصفتها بالامتناع من النوم؛ لأنه دأب الصالحين. واختلف قول مالك فيمن يحيي الليل كله، فكرهه مرة، وهو مذهب الشافعي، وفي الشارع أسوة حسنة، كان يصلي أدنى من ثلثي الليل ونصفه، ثم رجع فقال: لا بأس به ما لم يضر بصلاة الصبح(٣). وقوله: ( ((لا يمل حَتَّى تملوا)) ) أي: لا يمل من الثواب حَتَّى تملوا أنتم من العمل الذي هو شأنكم. ومعنى الملل من الله: ترك الإعطاء. ومعناه هنا: السآمة. إلا أنه لما كان الأمر من الترك وصف تركه (١) انظر ما سيأتي برقم (١١٩٨). (٢) يأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه. (٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٢٦/١، ((التهذيب)) ٢٣٥/٢، ((البيان)) ٢٨٢/٢.