النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب التّهَجَّدِ
=
وحديث أنس يأتي إن شاء الله في الصوم في باب ما يذكر من صومه
وإفطاره بالسند واللفظ(١).
وراويه عن حميد هو: محمد بن جعفر بن أبي كثير.
وسليمان هو: ابن بلال كما صرح به خلف، وأبو خالد هو: سليمان
بن حيان، وذكره المزي بلفظ: وقال سليمان، بدل: تابعه. نعم ذكره
بلفظ: وقال في الصوم كما سيأتي، وذكر أن في البخاري حديث أبي
خالد في الصلاة والصوم عن محمد - وهو ابن سلام- عن أبي خالد،
وذاك في الصوم فقط لا هنا فاعلمه.
وذكر الإسماعيلي أن القاضي أبا يوسف حدث عن محمد بن أبي
بكر، ثنا يحيى بن سعيد وحميد: سئل أنس عن صوم رسول الله (أَّے،
ثم قَالَ: وافقه المعتمر.
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على أن أعمال التطوع ليست منوطة
بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة والنشاط فيها، فكان وعَ ظله
ليس له في شهر من الشهور صيام معروف ولا فطر معروف، وكذا
صلاته كانت تختلف، تارة يصلي وتارة ينام، وذلك - والله أعلم-
بحسب التيسير.
نِّصْفَهُرَ﴾
وأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿قُّرِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٣)
[المزمل: ٢-٣] ففيها أقوال: منها أن قوله ﴿قُِّ الَّيْلَ﴾ ليس معناه
الفرض بدليل أن بعده ﴿نِصِفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿ أَوْ زِدْ﴾ [المزمل:
٣-٤] وليس كذا يكون الفرض، وإنما هو ندب وحض. وقيل: هو
حتم. ثالثها : أنه حتم وفرض عليه وحده. روي ذلك عن ابن عباس،
(١) برقم (١٩٧٢).

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
وحجة هذا القول الحديث السالف خشية الافتراض علینا(١)؛ فدل على
أنه لم يكن فرضًا علينا، ويجوز أن فُرض ثم نُسخ بقوله: ﴿فَثَابَ عَلَيْكُمْ﴾
[المزمل: ٢٠] وعلى هذا جماعة من العلماء.
روى النسائي(٢) من حديث عائشة: افتُّرِضَ القيام في أول هذِه
السورة على رسول الله وسل﴿ وعلى أصحابه حولًا حَتَّى انتفخت أقدامهم،
وأمسك الله خاتمتها أثني عشر شهرًا، ثم نزل التخفيف في آخرها،
فصار قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فريضة(٣)، وهو قول ابن عباس
ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة، فيما حكاه عنهم النحاس (٤).
وقال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو
قدر (حلب)(٥) شاة (٦)، وهذا أسلفناه فيما مضى(٧). قَالَ إسماعيل بن
إسحاق: أحسبهما قالا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَقْرَءُوا مَا تَتَرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: ٢٠] قَالَ الشافعي (٨): سمعت بعض العلماء يقول: إن الله
تعالى أنزل فرضًا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس فقال:
﴿وَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ ﴿ قُرِ الَّلَ إِلَّ قَلِيلًا ﴾ نِصْفَهُ﴾ الآية ثم نسخ هذا
بقوله: ﴿فَقْرَهُوا مَا تَبَشَرَ مِنْهُ﴾ ثم احتمل قوله ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَرَ مِنْهُ﴾ أن
يكون فرضًا ثابتًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾
(١) سلف برقم (١١٢٩) باب: تحريض النبي وَّر على صلاة الليل ..
(٢) ورد بهامش الأصل: وحديث عائشة في مسلم أيضًا.
(٣) ((المجتبى)) ١٩٩/٣ - ٢٠٠.
(٤) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ٢٢٠/١ - ٢٢١.
(٥) كُتبت في الهامش وكتب فوقه (سقط).
(٦) ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٢/ ٧٣ (٦٦٠٧، ٦٦٠٨) مَن كان يأمر بقيام الليل.
(٧) ورد بهامش الأصل: لكن لم يذكر قائله إلا هنا.
(٨) ((الأم)) ٥٩/١.

٨٣
كتاب التَّهَجُّدِ
=
[الإسراء: ٧٩] فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين، فوجدنا
سنة رسول الله ◌َ أن لا واجب من الصلوات إلا الخمس.
قَالَ أبو عمر: قول بعض التابعين: قيام الليل فرضًا (١)، ولو كقدر
حلب شاة، قولٌ شاذ متروك؛ لإجماع العلماء أن قيام الليل نسخ
بقوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية (٢).
وقد أسلفنا أن الأصح عندنا نسخه في حقه وله.
ومعنى الآية السالفة: التقدير - والله أعلم - أنه منصوب بإضمار فعل
كأنه قَالَ تعالى: ﴿قُرِ أَلَيْلَ إلَّ فَلِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٢] فعلم تعالى أن هذا
الليل يختلف الناس في تقديره على قدر أفهامهم وطاقتهم على القيام،
فقال: أو أنقص من نصف الليل بعد إسقاط ذلك القليل قليلًا أو زد عليه،
وكان هذا تخييرًا من الله تعالى إرادة الرفق بخلقه والتوسعة عليهم،
﴿وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِتِلًا﴾: أقرأه على ترتيل، قاله مجاهد.
﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ حرامه وحلاله، قاله مجاهد، وقال الحسن: العمل به(٣).
﴿نَاشِئَةَ الَيَّلِ﴾ بعد النوم. أي: ابتداء عمله شيئًا بعد شيءٍ، وهو من
نشأ إذا ابتدأ، وقد سلف، وفيه ما فيه من الخلاف. ﴿أَشَدُّ وَطَا﴾: أمكن
موقعًا، وقد سلف ما فيه. قَالَ قتادة: أثبت في الخير وأشد في الحفظ
للتفرغ بالليل(٤). ومن قرأ: وظاً. فالمعنى: أشد مهادًا للتصرف في
التفكر والتدبر، قاله مجاهد(٥)، يواطئ السمع والبصر والقلب.
(١) فوقها في الأصل: كذا.
(٢) ((التمهيد)) ١٢٤/٨-١٢٥.
(٣) رواه عنه الطبري في ((نفسيره)) ١٢/ ٢٨١ (٣٥١٩٠).
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٨٣/١٢ (٣٥٢١٤، ٣٥٢١٥).
(٥) «تفسير الطبري)» ٢٨٤/١٢ (٣٥٢١٩ - ٣٥٢٢٣).

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أثبت للقراءة، قاله مجاهد. قَالَ بعضهم: ولهذا
المعنى فرض الله صلاة الليل بالساعات، جزءًا من الليل لا جزءًا من
القرآن، إرادة التنبيه على تفهمه وتدبره، والعمل بالقلب وأنه ليس بهَذِّ
الحروف وجريه على اللسان، وأن الثواب بمقدار تمام الساعات التي
يقرأ فيها.
﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ فراغًا وحقيقته لغة: التصرف والحركة.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿عَلِّمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ أي: لن
تطيقوه. وصحح ابن التين أنه منسوخ بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾
[المزمل: ٢٠].

٨٥
كتاب التّهَجَّدِ
=
١٢ - باب عَقْدِ الشّيْطَانِ
عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ
أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ،
فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى
أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)).
١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: ((أَمَّا
الذِي يُتْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ
المَكْتُوبَةِ)). [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٢٤/٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ
عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ
لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ أَسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ آنْحَلَّتْ
عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ
خَبِيثَ النَّفْسِ کَسْلَانَ».
وحديث سمرة بن جندب، عن النبي ◌َّ في الرؤيا: ((أَمَّا الذِي يُثْلَغُ
رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ(١) وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ».
الشرح:
حديث أبي هريرة يأتي إن شاء الله في صفة إبليس (٢)، وأخرجه مسلم
(١) ضبطها الناسخ بفتح وكسر الفاء الثانية، وكتب فوقها معًا.
(٢) برقم (٣٢٢٩) كتاب: بدء الخلق.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
(د. س) أيضًا(١)، والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز.
وحديث سمرة مختصر من حديث طويل يأتي بطوله آواخر الجنائز(٢)،
وأخرجه النسائي(٣)، وأخرج مسلم منه وأبو داود والترمذي قطعة (٤)،
وكرر البخاري هذِه القطعة في التفسير في سورة التوبة في قوله:
﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾(٥) [التوبة: ١٠٢] وفي أحاديث الأنبياء(٦)
والتعبير(٧)، وأخرجه مختصرًا ومطولًا في الجنائز(٨)، وبدء الخلق(٩)،
والبيوع(١٠)، والجهاد(١١)، والأدب(١٢).
و(أبو رجاء) هو: عمران العطاردي.
وإسماعيل هو: ابن علية.
و(مؤمل) (في د س) شيخ البخاري هو: ابن هشام أبو هاشم ختن
إسماعيل بن علية، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين(١٣).
(١) برقم (٦٧٦) باب: ما روي فيمن نام الليل.
(٢) برقم (١٣٨٦) باب: ما قيل في أولاد المشركين.
((السنن الكبرى» ٣٥٨/٦ (١١٢٢٦) كتاب: التفسير.
(٣)
برقم (٢٢٧٥) كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي وَ لـ
(٤)
(٥)
برقم (٤٦٧٤).
برقم (٣٣٥٤) باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾.
(٦)
(٧) برقم (٧٠٤٩) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٨) برقم (١٣٨٦).
(٩) برقم (٣٢٣٦) باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(١٠) برقم (٢٠٨٥) باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه.
(١١) برقم (٢٧٩١) باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.
(١٢) برقم (٦٠٩٦) باب: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهُ﴾.
(١٣) مؤمل هذا: قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه أبو داود والنسائي وابن حبان.
وانظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٧٥/٨ (١٧١٤). و((الثقات)) ١٨٨/٩.
و (تهذيب الكمال» ١٨٦/٢٩ (٦٣٢٣).

٨٧
كتاب التَّهَجُّدِ
=
إذا تقرر؛ ذلك فالكلام على الحديث الأول من وجوه:
أحدها :
التبويب ليس مطابقًا لما أورده من الحديث، فإن ظاهره أنه يعقد
على رأس من يصلي ومن لم يصل، وهذا الاعتراض للمازري،
ويتأول كلام البخاري على إرادة استدامة العقد إنما يكون على من
ترك الصلاة، وجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعقد عليه لزوال
أثره(١).
فإن قلت: فالصديق وأبو هريرة كانا يوتران أول الليل وينامان آخره.
قيل: أراد الذي ينام ولا نية له في القيام، وأما من صلى من النافلة
ما قدر له ونام بنية القيام فلا يدخل في ذلك؛ بدليل قوله وَلا ير: ((ما من
امرئٍ يكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان
نومه صلاة»(٢) ذكره ابن التین.
الثاني:
القافية: مؤخر الرأس، وقافية كل شيء آخره. ومنه: قافية الشِّعْر.
وقال ابن الأثير: القافية: القفا، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل:
وسطه(٣). وقال ابن حبيب: وسطه وأعلاه وأعلى الجسد.
(١) ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري ٢٢٢/١.
(٢) رواه أبو داود (١٣١٤) كتاب: الصلاة، باب: مَنْ نوى القيام فنام، والنسائي ٣/
٢٥٧، من كان له صلاة بالليل فغلبه عليه النوم، وفي ٢٥٨/٣، وأحمد في
(مسنده) ٦٣/٦، ٦/ ٧٢، ومالك في ((الموطأ)) ص ٩٣ كتاب: الصلاة، باب: ما
جاء في صلاة الليل من حديث عائشة. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» ٥٪
٥٩ (١١٨٧).
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٩٤/٤.
.

٨٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الثالث:
يحتمل أن يكون هذا العقد حقيقًا بمعنى السحر للإنسان ومنعه من
القيام؛ فيعمل فيمن خذل ويصرف عمن وفق، قَالَ تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ
التَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾﴾ فشبه تعالى فعل الشيطان بفعل الساحر الذي
يأخذ خيطًا ويعقد عليه عقدة ويتكلم عليه فيتأثر المسحور عند ذلك.
وقيل: من عقد القلب وتصميمه. فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن
عليك ليلًا طويلًا فيتأخر عن القيام.
الرابع:
فسر بعضهم العقد الثلاث؛ وقال: هي الأكل والشرب والنوم،
ألا ترى أنه من أكثر الأكل والشرب كثر نومه لذلك، واستبعد لقوله :
((إذا هو نام)) فجعل العقد حينئذٍ، والظاهر أنه مَثَلٌ واستعارة من عقد
بني آدم وليس بذلك العقد نفسها، ولكن لما كان بنو آدم يمنعون
بعقدهم ذلك بصرف من يحاول فيما عقده كان هذا مثله من الشيطان
للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما يجب من ذكر الله والصلاة.
الخامس:
إنما خص العقد بالثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في
السحر، فإن أتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم تنتقضٍ
النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع، نبه عليه القرطبي (١).
السادس :
قوله: ( ((يَضْرِبُ مكان كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ)) ) يريد:
يضرب بالرقاد. ومنه ﴿فَضَرَيْنَا عَلَىّ ءَاذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١]
(١) ((المفهم)) ٤٠٩/٢.

٨٩
كتاب التّهَجُّدِ
=
معناه: أن ذلك مقصود الشيطان بذلك العقد، ويعني بقوله: ((عَلَيْكَ لَيْلٌ
طَوِيلٌ فَارْقُدْ)) تسويفه بالقيام والإلباس عليه في بقية الليل من الطول ما له
فيه فسحة.
وقوله: ( (لَيْلٌ طَوِيلٌ)) ) رفع على الابتداء أو على الفاعل بإضمار
فعل أي: بقي عليك.
وقال القرطبي في رواية مسلم: وروايتنا الصحيحة: ((ليل طويل))
على الابتداء والخبر، ووقع في بعض الروايات: عليك ليلًا طويلًا،
على الإغراء. والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور
من حيث أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: ((فَارْقُدْ))،
وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد،
وحينئذٍ يكون قوله: فارقد ضائعًا(١).
السابع:
قوله: ( ((فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ)) ) فيه - كما قَالَ
أبو عمر -: أن الذكر يطرد الشيطان وكذا الوضوء والصلاة، قَالَ:
ويحتمل أن يكون الذكر: الوضوء والصلاة لما فيهما من معنى الذكر
يختص بهما الفضل في طرد الشيطان(٢).
قلتُ: بعيد؛ فقد غاير بينه وبينها، ویحتمل أن تكون كذلك سائر
أعمال البر.
الثامن :
قوله: (((فَإِنْ تَوَضَّأَ أَنْحَلَّتْ عُقْدَةٌ)) ) فيه ما قلناه.
(١) ((المفهم)) ٤٠٩/٢.
(٢) ((التمهيد)) ٤٥/١٩ - ٤٦.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: ( (فَإِنْ صَلَّى أَنْحَلَّتْ عُقْدَه)) ) هو بالجمع، وفي بدء الخلق
زيادة: ((كلها)» (١) وروي في غيره بالإفراد.
قَالَ صاحب ((المطالع)): اختلف في الأخير منها فقط، فوقع في
((الموطأ)) لابن وضاح بالجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما
صحيح، والجمع أوجه وقد جاء في مسلم في الأولى: ((عُقْدَةٌ)) وفي
الثانية: ((عقدتان)) وفي الثالثة: ((انحلت العقد))(٢).
التاسع :
المراد بالصلاة هنا: الفريضة، قاله ابن التين، قَالَ: وقيل: النافلة،
واحتج له بالحديث الذي بعد هذا: ((بال الشيطان في أذنه))(٣).
ومعنى: ( ((أصبح نشيطًا طيب النفس)) ) للسرور بما وفقه الله له من
الطاعة ووعده به من ثوابه، مع ما يبارك في نفسه، وتصرفه في كل أموره
مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه.
وقوله: ( ((وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)) ) وذلك لما عليه من
عقد الشيطان، وآثار تثبيطه واستيلائه ولم يزل عنه.
قال أبو عمر: وزعم قوم أن في هذا الحديث ما يعارض الحديث
الآخر: ((لا يقولن أحدكم خبثت نفسي))(٤) لقوله: ((خَبِيثَ النَّفْسِ))
(١) تأتي برقم (٣٢٦٩) باب: صفة إبليس وجنوده.
(٢)
مسلم (٧٧٦).
(٣) حديث (١١٤٤).
(٤) يأتي برقم (٦١٧٩) كتاب: الأدب، باب: لا يقال: خبثت نفسي. ورد في هامش
الأصل ما نصه: الظاهر أن الشارع إنما نهى عن أن يقول الإنسان خثبت نفسي لما
فيه من ذكر الخبث كأنه كرهه، وأما قوله هنا: ((وإلا أصبح خبيث النفس كسلان))
يدل على جواز استعمال هذا اللفظ مع الكراهة.

٩١
كتاب التَّهَجُّدِ
سند
وليس كذلك لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهية
لتلك الكلمة وتشاؤمًا بها إذا أضافها الإنسان إلى نفسه، فإن الخبث:
الفسق، قَالَ تعالى: ﴿الْخَيْئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، والحديث
الثاني: ((أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)) ذمَّا لفعله وعيبًا له، ولكل واحد من
الخبرين وجه فلا معنى للتعارض، فالنهي منصب أن يقول هذا اللفظ
عن نفسه، وهذا إخبار عن صفة غيره(١).
العاشر :
ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة، وهي الذكر
والوضوء والصلاة فهو داخل فیمن یصبح خبيث النفس كسلان.
قَالَ المهلب: قد فسر الشارع معنى العقد وهو: ((عليك ليل طويل
فارقد))، فكأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ إلى حزبه، فينعقد في نفسه
أنه بقي من الليل بقية طويلة حَتَّى يروم بذلك إتلاف ساعات ليله وتفويت
حزبه فإذا ذكر الله انحلت عقدة أي: علم أنه قد مر من الليل طويل، وأنه
لم يبق منه طويل، فإذا قام وتوضأ استبان له ذلك أيضًا، وانحل ما كان
عقد في نفسه من الغرور والاستدراج، فإذا صلى واستقبل القبلة، أنحلت
الثالثة؛ لأنه لم يصغ إلى قوله، ويئس الشيطان منه، ولما كان مؤخر
الرأس فيه العقل(٢) والفهم، فعقده فيه إثباته في فهمه أنه بقي عليه ليل
طويل، فيصبح نشيطًا طيب النفس؛ لأنه مسرور بما قدم مستبشرٌ بما
وعده ربه من الثواب والغفران، وإلا أصبح مهمومًا بجواز كيد
الشيطان عليه، وكسلان بتثبيط الشيطان له عما كان اعتاده من فعل الخير.
(١) ((التمهيد)» ٤٧/١٩.
(٢) ورد في هامش الأصل: هذا على قول من يقول: إن العقل في الرأس ومذهب
الشافعي أنه في القلب وفيه قول ثالث.

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وأما الحديث الثاني: فـ ((يثلغ)) بمثناة تحت مضمومة ثم مثلثة ثم لام
ثم غين معجمة أي: يشدخ، والشدخ: فضخ الشيء الرطب بالشيء
اليابس، ومعنى: ((يرفضه)): يتركه، وهو بفتح الفاء وكسرها كما ذكره
ابن التين عن الضبط وعن أهل اللغة أي يترك تلاوته حَتَّى ينساه أو
يترك العمل به.
وعبارة ابن بطال: يترك حفظه والعمل بمعانيه، قَالَ: فأما إذا ترك
حفظ حروفه وعمل بمعانيه فليس برافض له، قد أتى في الحديث «أنه
يحشر يوم القيامة أجدم))(١) أي: مقطوع الحجة، والرافض له يثلغ
رأسه كما سلف، وذلك لعقد الشيطان فيه، فوقعت العقوبة في موضع
المعصية.
وقوله: ( (يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ)) ) يعني: لخروج وقتها وفواته،
وهذا إنما يتوجه إلى تضييع صلاة الصبح وحدها لأنها التي تبطل بالنوم،
وهي التي أكد الله المحافظة عليها، وفيها تجتمع الملائكة. وسائر
الصلوات إذا ضيعت فحملها محملها، لكن لهذه الفضل. ا.هـ (٢)
وفي رواية: ((فأتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على
(١) روى أبو داود (١٤٧٤) عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من أمرئ
يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله ( يوم القيامة أجدم))، ورواه أيضًا عبد الرزاق في
((مصنفه)) ٣٦٥/٣ (٥٩٨٩) كتاب: فضائل القرآن، باب: تعاهد القرآن ونسيانه،
وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٢٧٣/١ (٣٠٧). والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/٦
(٥٣٩١)، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) ١١٠/١ (٨٥)، كلهم من
طريق يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائدة عن سعد بن عبادة به، قال الألباني:
إسناده ضعيف، يزيد ضعيف، وعيسى مجهول، ولم يسمع من ابن عبادة،
((ضعيف أبي داود)) ٨٦/١٠ (٢٦١).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٣٥/٣.

٩٣
= كتاب التّهَجُّدِ
رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه
ليأخذه فلا يرجع إلى هذِه حَتَّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو فعاد إليه
فضربه»(١).
واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في هذا الباب،
وليس رفض القرآن: ترك الصلاة بالليل، وهو عجيب منه، فسيأتي في
الحديث في الجنائز: ((والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمه الله القرآن
فنام عنه بالليل حَتَّى نسيه، ولم يعمل به بالنهار، يفعل به إلى يوم
القيامة))(٢).
*
* *
باب
كذا في أصول البخاري، وفي أصل(٣) ابن بطال:
(١) يأتي برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٢) السابق.
(٣) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي وعليها: نفسه.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ(١)
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبي
وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى
أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: ((بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ)). [٣٢٧٠ - مسلم: ٧٧٤ -
فتح: ٢٨/٣]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ: قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ
نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: ((بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ)).
وسيأتي في باب: صفة إبليس إن شاء الله، وفيه: ((أو في أذنيه))(٢)،
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا(٣).
وهو على ظاهره إذ لا إحالة فيه ويفعل ذلك استهانة به، وبه صرح
الداودي وعياض(٤) وغيرهما.
ويحتمل أن يكون تمثيلًا له ضرب له حين غفل عن الصلاة كمن ثقل
سمعه وبطل حسه؛ لوقوع البول الضار في أذنه بقول الراجز:
بال سهیل في الفضیخ ففسد.
وليس لسهيل بول، وإنما هو نجم يطلع فيفسد الفضيخ بعده، وإذا
أراد غير البول منه فلا ينكر إن كانت هذه الصفة. قَالَه الخطابي(٥).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٦/٣، وانظر ((اليونينية)) ٢/ ٥٢.
(٢) يأتي برقم (٣٢٧٠) كتاب: بدء الخلق.
(٣) (صحيح مسلم)) (٤٧٤) باب: ما روي فیمن نام الليل أجمع حتى أصبح،
و((المجتبي)) ٢٠٤/٣، الترغيب في قيام الليل، و((سنن ابن ماجه)) (١٣٣٠) باب:
ما جاء في قيام الليل.
((إكمال المعلم)) ١٣٩/٣.
(٤)
(٥) ((أعلام الحديث)) ٦٣٦/١.

٩٥
كتاب التَّهَجُّدِ
يسـ
وخص البول في الذكر إبلاغًا في التنجيس، وخص الأذن؛ لأنها
حاسة الانتباه، والمهلب (والطحاوي)(١) نحى إلى هذا فقالا: هذا
على سبيل الإغياء من تحكم الشيطان في العقد على رأسه بالنوم الطويل.
قَالَ ابن مسعود: كفى المرء من الشر أن يبول الشيطان في أذنه (٢).
فمن نام الليل كله، ولم يستيقظ عند الأذان، ولا تذكر، فالشيطان سد
ببوله أذنيه، وأي استهانة أعظم من هذِه حيث صيَّره كنيفًا معدًّا
للقاذورات، نسأل الله السلامة.
(١) كذا في الأصل، وتشابكت حروفه ولعله كذلك، حتى بدت كأنها شطب ثناهما في
قوله (فقالا). الآتية.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٢٥/٧ (٣٤٥٤٤) كتاب: الزهد.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤- باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وقَالَ تعالى: ﴿ كَنُوْ قَلِيلًا مِنَ الَّتْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ أَيْ: يَنَامُونَ.
١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً
وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارََ
وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)). [٦٣٢١،
٧٤٩٤ - مسلم: ٧٥٨ - فتح: ٢٩/٣]
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((يُنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَلَكَ
وَتَعَالَىْ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِ فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)).
الشرح:
الهجوع: نوم الليل خاصة. وقيل في معنى الآية: قل ليلة تمر عليهم
لم يصيبوا فيها خيرًا.
وقوله: (أَيْ: يَنَامُونَ). هو ما فسره به جماعات. قَالَ إبراهيم: قليلًا
ما ينامون(١). وقال الضحاك: قليلًا من الناس(٢). وقال أنس: يصلون
طويلًا ما ينامون. وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة.
فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها،
وهو قول أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية. وعلى قول
الضحاك هذا الصنف قليل من الناس.
(١) الطبري في ((تفسيره)) ٤٥٤/١١ (٣٢١٢٥).
(٢) المصدر السابق ٤٥٤/١١ (٣٢١٢٨، ٣٢١٢٥).

٩٧
كتاب التَّمَجُدِ
=
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم(١) والأربعة، ويأتي في الدعوات
والتوحيد (٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عليٍّ وابن مسعود وجبير
بن مطعم ورفاعة الجهني وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص(٣).
وقال الطرقي: في الباب: (ورافع بن عرابة)(٤) وابن عباس وجابر بن
عبد الله وعمرو بن عنبسة وأبي موسى. وقال ابن الجوزي: حديث
النزول رواه جماعة منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود والنواس بن
سمعان وأبو ثعلبة الخشني وعائشة في آخرين. وعدد بعض من أسلفناه.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
الحديث ليس فيه ذكر الصلاة لكنها محل الدعاء والاستغفار
والسؤال، وترجم له في الدعاء باب: الدعاء نصف الليل(٥). ومراده:
النصف الأخير. فإنه قَالَ: حين يبقى ثلث الليل الآخر.
ثانيها :
قوله: ( ((يُنْزِلُ)) ) هو بضم أوله، من أنزل. قَالَ ابن فورك: ضبط لنا
بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله وَلافيه، بضم الياء من ينزل،
وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين(٦). وكذا قَالَ
(١) ((صحيح مسلم)) (٧٥٨) باب: الترغيب في الدعاء ..
(٢) يأتي برقم (٦٣٢١) باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤) باب: قول الله تعالى:
﴿يُرِيِّدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللهِ﴾.
(٣) ((سنن الترمذي)) ٣٠٨/٢.
(٤) كذا في الأصل ولعله رفاعة بن عرابة.
(٥)
يأتي برقم (٦٣٢١).
(٦) «مشکل الحدیث وبيانه» ص ٢٢٠.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٤١٧/٥: وحرَّف بعضهم لفظ =

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف.
أي: يُنزل الله ملكًا. قَالَ: والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من
حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله وَّ: ((إن الله
-رَّ- يمهل حَتَّى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من
داع فيستجاب له)) الحديث(١). وصححه عبد الحق(٢).
الثالث:
جاء هنا: ((حين يبقى ثلث الليل الآخر)).
= الحديث فرواه يُنزل من الفعل الرباعي المتعدي.اهـ وسيأتي لاحقًّا تعليق حول
المسألة عمومًا.
(١) ((المفهم)) ٣٨٦/٢ - ٣٨٧.
والحديث في ((السنن الكبرى» ١٢٤/٦ (١٠٣١٦).
(٢) ((الأحكام الوسطى)) ٢/ ٥٢.
قلت: وأبدع شيخ الإسلام في الرد على من احتج بهذا الحديث فقال: من روى
عن النبي ◌َّهو أن المنادي يقول ذلك، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله وَ ظاهر، فإنه
مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف، فاسد
في المعقول، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم ينزل بالضم.
اهـ (مجموع الفتاوى)) ٣٧٢/٥.
وقال في ٣٨٤/٥: حديث موضوع. قلت: يعني بهذا اللفظ. وقال: فإن قيل: فقد
روي أنه يأمر مناديًا فينادي، قيل: هذا ليس في الصحيح فإن صح أمكن الجمع بين
الخبرين بأن ينادي هو ويأمر مناديًا ينادي، أما أن يعارض بهذا النقل الصحيح
المستفيض الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول مع أنه صريح
في أن الله تعالى هو الذي يقول: ((من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من
يستغفرني فأغفر له؟)) فلا يجوز. اهـ ((مجموع الفتاوى)) ٣١١/١٢.
والحديث أورده الألباني في ((الضعيفة)) (٣٨٩٧) وصدر كلامه بقوله: منكر بهذا
السياق، ثم ذهب يضعفه فأجاد والله وأفاد بما لا تراه في مكان آخر، فبلغ في
الكلام عليه ثلاث عشرة صفحة.

٩٩
كتاب التّهَجُّدِ
=
وكذا أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع من ((صحيحه))(١)، وأخرجه
مسلم بألفاظ :
أحدها: هذا.
ثانيها: ((حين يمضي ثلث الليل الأول))(٢).
ثالثها: ((لشطر الليل - أو ثلث الليل- الآخر))(٣).
وذكر الترمذي أن الرواية الأولى أصح الروايات(٤)، وصححها
أيضًا غيره، فذكر القاضي عياض(6) أن النزول عند مضي الثلث
الأول. و((من يدعوني .. )) إلى آخره في الثلث الآخر. وقال: يحتمل
الشارع أعلم بالأول فأخبر به ثم بالثاني فأخبر به، فسمع أبو هريرة
الخبرين فنقلهما، وأبو سعيد خبر الثلث الأول فأخبر به مع أبي
هريرة. وقال ابن حبان في (صحيحه)): صح ((حين يمضي شطر الليل
أو ثلثاه))، و((حين يبقى ثلث الليل الآخر))، و((حتى يذهب ثلث الليل
الأول))، فيحتمل أنه في بعض الليالي: حين يبقى ثلث الليل الآخر،
وفي بعضها حين يبقى ثلث الليل الأول(٦).
قلتُ: ويجوز - والله أعلم - أن يكون ابتداء الأمر من أول الثلث
الثاني إلى الثالث.
(١) هذا الموضع، وبرقم (٦٣٢١) الدعوات، باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤)
كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ الَّهَ﴾.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٦٩/٧٥٨) باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ..
(٣) ((مسلم)) (٧٥٨/ ١٧١).
(٤) ((سنن الترمذي)) ٣٠٩/٢.
(٥) ((إكمال المعلم)» ١١١/٣.
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٣/ ٢٠٢.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم أعلم أن صفات القديم(١) جل جلاله إما أن يكون استحقها لنفسه
أو لصفة قامت به أو لفعل يفعله، ولا يطلق شيء من الألفاظ في أوصافه
وأسمائه المتفرعة عما تقدم إلا بتوقيف كتاب أو سنة أو اتفاق الأمة دون
قياس، فلا مجال له فيها، وقل ما يرد من مثل هذه الأخبار من مثل هذا
اللفظ -أعني: ينزل- إلا ونظيره في القرآن. قَالَ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ
[الفجر: ٢٢] و﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
وَالْمَلَكُ صَفَّا صَقًّاً (َا﴾
فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله: ﴿فَنَ اَللَّهُ بُنْيَنَهُمْ مِنَ
اٌلْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وأهل البدع يحملونها إذا وردت في القرآن على
التأويل (الصحيح)(٢)، ويأتون من جمل الأخبار على مثل ذلك جحدًا
منهم لسنة المصطفى وَلهر، واستخفافًا بذوي النهى الناقلين، ﴿وَيَأْنى
اَللَّهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز
عليه الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك
إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليق
بنعته وصفته تعالى، فالنزول لغة يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى
الانتقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والإعلام:
(1)﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: أعلم به الروح الأمين
﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ
(١) ليست من أسمائه أنه (القديم) وكما هو معلوم متقرر أن أسماء الله تعالى وصفاته
لأنه لفظ التنزيل.
توقيفية، فكان الأولى أن يقول:
قال (شارح الطحاوية)) ص٦٧: وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله (القديم)
وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى، فإن (القديم) في لغة العرب التي نزل بها
القرآن هو المتقدم على غيره .. ولم يستعمل إلا في المتقدم على غيره لا فيما يسبقه
عدم .. (شرح الطحاوية)) لابن أبي العز ص ١٦٧.
(٢) في (ج): الصريح.