النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب التّهَجُّدِ
=
وجواب ثان؛ وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها
بشفاعة نبيه وجعل عزائمها خمسًا، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت
وألزمت متبرعة ما كانت أستعفت منه لم يستنكر ثبوته فرضًا عليهم. وقد
ذكر الله تعالى فريقًا من النصارى ابتدعوا رهبانية ﴿مَا كَثَبْتَهَا عَلَيْهِمْ﴾
ثم لامهم لما قصروا فيها في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:
٢٧] فخشي الشارع أن يكونوا مثلهم بقطع العمل شفقة على أمته.
وأجاب عن أمره أبا هريرة بالضحى والوصاية بها من وجهين:
أحدهما: أنه أفرده به وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة كمداومة أبي
هريرة عليه، فأمن الافتراض به.
قلتُ: لم يفرده به بل شاركه فيه أبو ذر وأبو الدرداء كما سلف.
والثاني: أن يكون أوصاه بالمداومة عليها بعد موته وَالقدر، وهو وقت
يؤمن فیه الافتراض.
قَالَ الداودي: وفي تخلفه؛ لئلا يفرض عليهم الفرار من قدر الله.
وفيه: صلاة النافلة جماعة، والجمع في المسجد ليلًا.
وقولها: (وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ سُبْحَةَ الضُّحَىْ قَظُ، وَإِنِّي
لِأُسَبِّحُهَا). كذا ثبت من حديث عروة عنها، والسبحة - بضم السين-
النافلة. وقيل: الصلاة. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ
[الصافات: ١٤٣] قَالَ المفسرون: من المصلين. وفي مسلم(١) عنها من
طريق عبد الله بن شقيق كما سلف: أكان رسول الله ولو يصلي
الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه(٢). وفيه عن معاذة عنها
(١) كتب فوقها في الأصل: (ت، س) أي: الترمذي والنسائي.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٧١٧) كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
من حديث قتادة وغيره: كان رسول الله له يصلي الضحى أربعًا ويزيد
ما شاء(١). وفي رواية: ما شاء الله(٢).
والمراد بالنفي في الأول في علمها، وإثباتها بسبب وهو المجيء من
السفر، فلا تعارض وقول النسائي: خالفها عروة وعبد الله بن سفيان.
وليس الأمر على ما ذهب إليه؛ لأن عروة إنما روى عنها نفي صلاة
الضحى لغير سبب. ورواية معاذة عنها أنه صلاها لسبب، وذلك إذا
قدم من سفر أو غيره كما سلف في الرواية الأخرى، نبه على ذلك
ابن التين.
وقَالَ ابن الجوزي: رواية إثباتها مقدمة على نفيها.
وقال ابن عبد البر(٣): وأما قولها: (مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَىْ قَظُ).
فهو: أن من علم من السنن علمًا خاصًا يؤخذ به عند بعض أهل
العلم دون بعضٍ، فليس لأحدٍ من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث
ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وإنما حصل المتأخرون على علم
ذلك منذ صار العلم في الكتب، وقد روي عن النبي وَلل آثار كثيرة
حسان في صلاة الضحى.
وذكر حديث أم هانئ، ثم ذكر طريقًا منه من حديث أبي الزبير عن
عكرمة بن خالد عن أم هانئ أنها قالت: قدم رسول الله ◌َفي مكة، فصلى
ثماني ركعات، فقلت: يا رسول الله، ما هُذِه الصلاة؟ قَالَ: ((صلاة
الضحى))(٤)، ثم قَالَ: ألا ترى أن أم هانئ قد علمت من صلاة
(١) (صحيح مسلم)) (٧١٩/ ٧٨) باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٧٩/٧١٩) باب: استحباب صلاة الضحى.
(٣) ((التمهيد)) ١٣٤/٨ - ١٤٥.
.(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ٢٢٦/٢ (١٨١٦).

٤٣
كتاب التَّهَجُدِ
=
الضحى ما جهلت عائشة؟ وأين أم هانئ في الفقه والعلم من عائشة.
ثم أورد أيضًا حديث أبي ذر: ((يصبح على كل سلامَى من ابن آدم
صدقة)) وفيه: ((ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) أخرجه
مسلم(١)، وأوصى أبا ذر وأبا الدرداء وأبا هريرة بركعتي الضحى(٢)،
ثم روى حديث معاذ بن أنس في ذلك، وإسناده لين ضعيف(٣)، من
حديث نعيم بن همار عنه (٤)، فهؤلاء كلهم قد عرفوا من صلاة
الضحى ما جهله غيرهم.
(١) برقم (٧٢٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
(٢) حديث أبي ذر رواه النسائي ٢١٧/٤ - ٢١٨، وأحمد ١٧٣/٥، وابن خزيمة
(١٠٨٣، ١٢٢١، ٢١٢٢).
وحديث أبي الدرداء رواه مسلم (٧٢٢).
وحديث أبي هريرة سيأتي برقم (١١٧٨)، ورواه مسلم (٧٢١).
(٣) حديث معاذ بن أنس لم يروه ابن عبد البر كما ذكر المصنف -رحمه الله- وإنما
علقه، فقال: وروى ابن وهب عن یحیی بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن
معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه أن رسول الله وَلاتز، قال: ((من قعد في مصلاه حين
ینصرف من الصبح حتى يسبح رکعتي الضحى، لا یقول إلا خيرًا، غفر له خطاياه
وإن كانت مثل زبد البحر)).
قلت: رواه مسندًا أبو داود (١٢٨٧)، والبيهقي ٤٩/٣ من طريق ابن وهب، به.
قال المنذري في ((المختصر)) ٨٤/٢: سهل بن معاذ ضعيف، والراوي عنه زبان
ضعيف أيضًا.
وضعف النووي الحديث في ((الخلاصة)) ٥٧١/١ (١٩٣٧)، والألباني في ((ضعيف
أبي داود» (٢٣٨).
(٤) هكذا سياق الكلام بالأصل، ويفهم منه أن نعيم بن همار روى عن معاذ بن أنس
حديثه هذا، وليس كذلك، ففي ((التمهيد)) ٨/ ١٤٢- وهو المصدر الذي ينقل منه
المصنف- ذكر ابن عبد البر حديثًا آخر في صلاة الضحى عن نعيم ابن همار مرفوعًا
بإسناده إليه.
وحديث نعيم بن همار رواه أبو داود (١٢٨٩)، ومن طريقه ابن عبد البر من طريق =

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذكر أيضًا حديث عتبان بن مالك أنه وتلفي صلى في بيته سبحة الضحى،
وقاموا وراءه فصلوا (١). ثم قَالَ: وقد كان الزهري يفتي بحديث عائشة
ويقول: إن رسول الله وسلم لم يصل الضحى قط، وإنما كان أصحاب
رسول الله ◌َي يصلونها بالهواجر، ولم يكن عبد الرحمن بن عوف وابن
مسعود وابن عمر يصلونها ولا يعرفونها. قَالَ ابن عمر: وإنما صلاة
القوم بالليل. وقال طاوس: أوَّل من صلاها الأعراب. وقال ابن عمر:
ما صلیتها منذ أسلمت. أخرجه عبد الرزاق (٢).
وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قَالَ: لقد قتل عثمان وما
أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها، وهذا نحو قول
عائشة.
ثم ذكر حديث معاذة عنها في صلاتها وقال: إنه منكر غير صحيح
عندي (٢). وهو مردود، وقد علمت أن مسلمًا أخرجه (٤).
وجمع النووي بين حديث إثباتها ونفيها أنه كان يصليها وقتًا؛
ويتركها وقتًا خشية الافتراض كما ذكرت عائشة، ويُتأول قولها: (ما
كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه): على أن معناه: ما رأيته -كما
قالت في الرواية الثانية- ما رأيته يصلي سبحة الضحى.
= مكحول عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار قال: سمعت رسول الله وَله يقول:
((يقول الله : يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره».
قال النووي في ((المجموع)» ٥٣١/٣، وفي ((الخلاصة)) ٥٦٩/١ (١٩٢٨): إسناده
صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١١٦٧).
(١) سلف برقم (٤٢٥)، ورواه مسلم (٢٦٣/٣٣).
(٢) ((المصنف)) ٨١/٣ (٤٨٧٩).
(٣) انتهى كلام ابن عبد البر بتصرف. ((التمهيد)) ١٣٤/٨ - ١٤٥.
(٤) مسلم (٧١٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى ..

٤٥
كتاب التَّهَجُّدِ
=
وسببه أنه ﴿ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر
من الأوقات، فإما مسافرٌ أو حاضر في المسجد أو غيره أو عند بعض
نسائه، ومتى يأتي يومها بعد تسعة، فيصبح قولها: (ما رأيته يصليها).
وتكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها.
أو المراد بها: يصليها ما يداوم عليها. فيكون نفيًا للمداومة
لا لأصلها - قَالَ -: وأما ما صح عن ابن عمر قَالَ في الضحى: هي
بدعة(١)، فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما
كانوا يفعلونه بدعة؛ لا أن أصلها في البيوت ونحوها. أو يقال: قوله:
بدعة. أي: المواظبة عليها؛ لأن الشارع لم يواظب عليها خشية أن
تفرض، وهذا في حقه.
وقد ثبت استحباب المحافظة عليها في حقنا بحديث أبي الدرداء
وأبي ذر وأبي هريرة (٢). ويقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل رسول الله
وَلي لها وأمره بها، وكيفما كان فالجمهور على استحبابها، ولربما نقل
التوقف فيها عن ابن عمر وابن مسعود (٣).
وذكر المنذري وجهًا آخر فقال: ويجمع بينهما بأنها أنكرت صلاة
الضحى المعهودة حينئذ عند الناس على الذي اختاره من السلف من
صلاتها ثماني ركعات، وأنه ◌َ ﴾ كان يصليها أربعًا ويزيد ما شاء،
فيصليها مرة ستًا ومرة ثمانيًا، وأقل ما تكون ركعتين، وقد رأى
جماعة صلاتها في بعض الأيام دون بعض؛ ليخالف بينها وبين الفرائض.
(١) سيأتي برقم (١٧٧٥)، ورواه مسلم (٢٢/١٢٥٥).
(٢) تقدم تخريجها قريبًا.
(٣) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٣٠/٥.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال عياض: إنه الأشبه عندي في الجمع(١).
وقال القرطبي: يحتمل أن يقال: إنما أنكرت عائشة الاجتماع لها
في المسجد -أي: وإنما سنتها البيت- وهو الذي قَالَ فيه عمر: بدعة.
قال: وقد روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم كانوا
لا يصلونها. قَالَ: وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تتخذ
سنة، أو يظن بعض الجهال وجوبها، ويحتمل أنها بدعة. أي: حسنة.
كما قَالَ في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة
أفضل من صلاة الضحى. وهذا منه نص على ما تأولناه.
قَالَ: وقول عائشة: (وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) بالسين المهملة والباء
الموحدة، وهي الرواية المشهورة، أي: لأفعلها (٢).
قلتُ: وفي ((الموطأ)) -كما عزاه ابن الأثير -: أنها كانت تصليها
ثماني ركعات، وروي عنها: لو نشر إليَّ أبواي من قبري ما تركتها(٣).
قَالَ: وقد وقع في ((الموطأ)): لأستحبها. من الاستحباب، والأول
أولى (٤).
ولعلها سمعت من النبي وَلهم الحض عليها، وأنه إنما تركها - يعني:
المداومة عليها- لأجل ما ذكرته قبل، وهذا يشكل على ما صححه
أصحابنا من أن الضحى كانت واجبة عليه وعلى أمته، ومن شأنه أنه
إذا عمل عملاً أثبته.
(١) «إكمال المعلم)) ٥٣/٣.
(٢) («المفهم)» ٣٥٦/٢ - ٣٥٧.
(٣) ((الموطأ)) ص١١٣، بلفظ: نشر لي.
(٤) هذا من تتمة كلام القرطبي في ((المفهم)) ٣٥٧/٢.

٤٧
== كتاب التَّهَجّدِ
فرع :
وأول وقتها ارتفاع الشمس، وآخره ما لم تزل الشمس، وأفضل
وقتها ربع النهار، كما قاله الغزالي في ((الإحياء)) (١)، والماوردي،
وهو حين ترمض الفصال، وعند الأكثرين: أكثرها ثمانية.
وقال الروياني والرافعي وغيرهما: أكثرها اثنتا عشرة ركعة(٢)، وفيه
حديث ضعيف(٣).
قَالَ المهلب(٤): في حديث عائشة أن قيام رمضان بإمام ومأمومين
سنة؛ لأنه ◌َّ﴾ صلى بصلاته ناس ائتموا به، وهذا خلاف من أزرى
فقال: سخره عمر ولم يثق إليه في مقالته ولا صدق؛ لأن الناس كانوا
يصلون لأنفسهم أفذاذًا، وإنما فعل عمر التخفيف عنهم فجمعهم على
قارئ واحد يكفيهم القراءة ويفرغهم للتدبر.
واحتج قوم من الفقهاء بقعوده وَله عن الخروج إلى أصحابه الليلة
الثالثة أو الرابعة وقالوا: إن صلاة رمضان في البيت أفضل للمنفرد من
فعلها في المسجد. منهم مالك وأبو يوسف والشافعي(٥)، وقال
«إحياء علوم الدين)) ١/ ٢٦٠.
(١)
(٢)
((العزيز)) للرافعي ١٣٠/٢.
روى الترمذي (٤٧٣)، وابن ماجه (١٣٨٠) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
(٣)
وقال: من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له قصرًا من ذهب في الجنة.
وهو حديث ضعيف -كما ذكر المصنف- وضعفه النووي في ((الخلاصة)) ١/ ٥٧١
(١٩٣٨)، والألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٢٩١)، وفي ((ضعيف الجامع))
(٥٦٥٨).
كما في ((شرح ابن بطال)) ١١٩/٣.
(٤)
(٥) ((المدونة)) ١٩٣/١، ((الأم)) ١٢٥/١ وهو القول القديم للشافعي والمذهب على
خلافه.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع
الناس، وأنا أفعل ذلك، وما قام ◌َّه إلا في بيته(١). وذكر ابن أبي
شيبة عن ابن عمر وسالم وعلقمة والأسود أنهم كانوا لا يقومون مع
الناس في رمضان (٢). وقال الحسن البصري: لأن تفوه بالقرآن أحبُّ
إليك من أن يفاه عليك(٣).
ومن الحجة لهم أيضًا حديث زيد بن ثابت أنه وَ لفر حين لم يخرج
إليهم قَالَ لهم: ((إني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا أيها الناس في
بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) أخرجه
مسلم(٤)، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد لاسيما
مع رسول الله وَّ في مسجده.
وخالفهم آخرون فقالوا: صلاتها في الجماعة أفضل. قَالَ الليث: لو
أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم وأهليهم حَتَّى تترك المساجد حَتَّى لا
يقوم (أحد)(٥) فيها، لكان ينبغي أن يخرجوا إلى المسجد حَتَّى يقوموا
فيه (٦). لأن قيام الليل في رمضان الأمر الذي لا ينبغي تركه، وهو مما
سن الفاروق للمسلمين وجمعهم عليه. وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله
ابن السائب قَالَ: كنت أصلي بالناس في رمضان، فبينما أنا أصلي
سمعت تكبير عمر على باب المسجد، قدم معتمرًا، فدخل فصلى
(١) انظر: ((التمهيد)) ٩٨/٤.
(٢) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٦٨/٢ (٧٧١٣ - ٧٧١٤، ٧٧١٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٦٨/٢ (٧٧١٨).
(٤) برقم (٧٨١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته
وجوازها في المسجد.
(٥) من ابن بطال ١١٩/٣.
(٦) عزاه لليث ابن قدامة في ((المغني)) ٤٢٦/١.

٤٩
كتاب التَّهَجُّدِ
=
خلفي. وكان ابن سيرين يصلي مع الجماعة، وكان طاوس يصلي لنفسه
ويركع ويسجد معهم(١).
وقال أحمد: كان جابر يصليها في جماعة(٢). وروي عن علي وابن
مسعود مثل ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وممن قَالَ: إن
الجماعة أفضل عيسى بن أبان والمزني وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي
عمران.
واحتج أحمد في ذلك بحديث أبي ذر أنه وَلّ خرج لما بقي من
الشهر سبع فصلى بهم حَتَّى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بنا
السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حَتَّى مضى شطر الليل،
فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا. فقال: ((إن القوم إذا صلوا مع الإمام
حَتَّى ينصرف كتب قيام تلك الليلة)) ثم خرج السابعة وخرجنا،
وخرج بأهله حَتَّى خشينا أن يفوتنا الفلاح، وهو السحور. أخرجه
.(٣)
ابن أبي شيبة(٣).
وكل من أختار الانفراد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا ينقطع
معه القيام في المسجد، كما نبه عليه الطحاوي(٤)، فأما الذي ينقطع
منه ذلك فلا.
(١) ((المصنف)) ١٦٨/٢ - ١٦٩ (٧٧١٩ - ٧٧٢١).
(٣) ((المصنف)) ١٦٦/٢ (٧٦٩٤).
(٢)
آنظر: ((المغني)) ٦٠٥/٢.
والحديث رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي ٨٣/٣ - ٨٤،
وابن ماجه (١٣٢٧).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٢٤٥)، وفي («الإرواء)) (٤٤٧).
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣١٤/١.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ: وقد أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام
رمضان، فصار هذا القيام واجبًا على الكفاية، فمن فعله كان أفضل
ممن أنفرد، كالفروض التي على الكفاية، أما الذين لا يصبرون ولا
يقوون على القيام فالأفضل لهم حضورها؛ ليسمعوا القرآن وتحصل
لهم الصلاة، ويقيموا السُّنَّة التي قد صارت علمًا. ذكره ابن القصار،
وهو مقالة عندنا.
وفي حديث أم سلمة وعلي -السالفين أول الباب- دلالة على فضل
صلاة الليل، وإنباه النائمين من الأهل والقرابة؛ لأنه سي أيقظ لها عليًّا
وابنته من نومهما؛ حثًّا لها على ذلك في وقت جعله الله لخلقه سكنًا لما
علم عظم ثواب الله تعالى عليها، وشرفت عنده منازل أصحابها اختار
لهم إحراز فضلها على السكون والدعة، وأيقظهن ليخبرهن بما أُنزل؛
ليزدادوا خشوعًا؛ وليصلوا ليلًا. قالت عائشة: وإذا أراد أن يوتر أيقظني (١).
وفيه: السمر بالعلم.
وفي حديث عليٍّ رجوع المرء عما ندب إليه إذا لم يوجب ذلك، وأنه
ليس للعالم والإمام أن يشد. في النوافل.
وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) كلام صحيح قنع به بَّهُ من العذر في
النافلة، ولا يعذر بمثل هذا في الفرض.
وقوله: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) هو كقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ
بنفسك(٢). وهو معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]
(١) سلف برقم (٥١٢) باب: الصلاة خلف النائم.
(٢) رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب
تعجيل قضائها.

٥١
كتاب التّهَجُّدِ
-
الآية. أي أن نفس النائم ممسكة بيد الله، وأن التي في اليقظة مرسلة إلى
جسدها غير خارجة من قدرة الله، فقنع وّ ر بذلك وانصرف.
وأما ضربه فخذه وقوله: (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾﴾ [الكهف:
٥٤] فإنه ظن أنه أحرجهم وندم على إنباههم، وكذلك لا يحرج الناس إذا
حضوا على النوافل ولا يضيق عليهم، وإنما يذكروا في ذلك ويشار
علیهم.
وقوله: ( ((مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَ ومِنَ الخَزَائِنِ)) ) قاله لما أعلمه
ربه تعالى بوحيه بأنه يفتح على أمته من الغنى والخزائن، وعرفه أن الفتن
مقرونة بها بعده مخوفة على من فتحت عليه، ولذلك آثر كثير من السلف
القلة على الغنى خوف التعرض لفتنة المال، وقد استعاذ الشارع وتلقى من
فتنته كما استعاذ من فتنة الفقر.
وقوله: ( ((وصَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ)) ) أزواجه. يعني: من يوقظهن
لصلاة الليل، وهو دال على أن الصلاة تنجي من شر الفتن ويعتصم
بها من المحن.
وقوله: ( ((كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ))) يريد: كاسية بالثياب
الواصفة لأجسامهن لغير أزواجهن، ومن يحرم عليه النظر إلى ذلك
منهن، وهن عاريات في الحقيقة، فربما عوقبت في الآخرة بالتعري
الذي كانت إليه مائلة في الدنيا مباهية بحسنها، فعرف بَ ر أن الصلاة
تعصم من شر ذلك، وقد فسر مالك أنهن لابسات رقيق الثياب، وقد
يحتمل - كما قَالَ ابن بطال- أن يريد ◌َله بذلك النهي عن لبس رقيق
الثياب واصفًا كان أو غير واصف خشية الفتنة(١).
(١) (شرح ابن بطال)) ١١٧/٣.

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال ابن التين: يحتمل وجهين: أن تكون ناعمة في الدنيا عجلت
لها جنتها وتكون عارية يوم القيامة في الموقف والنار -أو في الموقف-
ثم تصير إلى رحمة الله، وأن تكون كاسية عند نفسها عارية عند الناس
للباسها ما يصف، كالغلائل ونحوها، وما يشف كالثوب الرقيق
الصفر يلصق بالبدن فلا يخفي عن الناظر شيء، وهي عارية لظهور
محاسنها، وقيل: كاسيات من النعم عاريات من الشكر. وقيل: إنهن
يكشفن بعض أجسادهن، ويشددن الخمر من ورائهن فتنكشف
صدورهن فكن كالعاريات، ولا تستر جميع أجسادهن، وقد بسطنا
الكلام على هذا في كتاب العلم، وأعدناه لطول العهد به، وسيأتي
لنا عودة إلى هذا في باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه،
من كتاب الفتن(١).
وقوله في أوله: ( ((سُبْحَانَ اللهِ))) هو تعظيم لما رأى، وتنبيه أن من
سمعه إذا صيح به التفت، ومعنى: ((سُبْحَانَ اللهِ)): تنزيهه وبراءته من
السوء، وقد سلف.
(١) انظر ما سيأتي برقم (٧٠٦٨ - ٧٠٦٩).

٥٣
كتاب التَّهَجُّدِ
=
٦ - باب قِيَامِ النّبِيّ
حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ
منذالله
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ.
﴿أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: أَنْشَقَّتْ.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ: حَدَّثَنَا مِشْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ .
يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ وَِّ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ،
فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)). [٤٨٣٦، ٦٤٧١ - مسلم: ٢٨١٩ - فتح: ١٤/٣]
ثم ذكر فيه حديث المغيرة: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ وَِّ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ
قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)).
هذا الحديث ذكره في التفسير(١) كما ستعلمه إن شاء الله(٢).
وقوله: (حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ) يقال: ورم يرم: إذا ربا، وهو فعل يفعل
من نادر الكلام، وشاذة كما قاله ابن التين(٣).
وفيه: أنه كان يفعل من العبادة ما ينهى عنه أمته؛ لعلمه بقوة نفسه؛
ولما لا يخشى عليه من الملول في ذلك.
وقوله: (فیقال له): أي: ألا ترفق بنفسك؟ وقد روي أنه قيل له:
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورً)).
وفيه: أن السجود والصلاة شكر النعم.
قَالَ المهلب: وفيه: أَخْذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن
(١) فوقها في الأصل: في سورة الفتح.
(٢) برقم (٤٨٣٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وفوق لفظ الجلالة في الأصل: من طريقيه.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال ابن دريد في ((الجمهرة)) حين ذكر الماضي والمضارع
والمصدر وهذا من الشاذ.

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أضر ذلك ببدنه؛ لأنه حلال، وله أن يأخذ بالرخصة، ويكلف نفسه
ما عفت له به وسمحت.
قَالَ: إلا أن الأخذ بالشدة أفضل، ألا ترى قوله أي في الجواب:
((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)) فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟ فمن
وفق للأخذ بالشدة فله في الشارع أفضل الأسوة، وإنما ألزم الأنبياء
والصالحون أنفسهم شدة الخوف، وإن كانوا قد آمنوا لعلمهم بعظيم
نعم الله تعالى عليهم، وأنه بدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا
مجهودهم في شكره تعالى بأكثر مما افترض عليهم فاستقلوا ذلك،
ولهذا المعنى قَالَ طلق بن حبيب: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم
بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا
تائبين(١)، وهذا كله مفهوم من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
اٌلْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨](٢).
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ص١٠١ (٣٠٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٦٥/٣.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٤ من تجزئة المصنف.

=
كتاب التّهَجُّدِ
٧ - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما
أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَِّ قَالَ لَهُ: ((أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صَلَةُ دَاوُدَ العَيْهِ، وَأَحَبُّ
الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ
يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا)). [١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨،
٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ١٦/٣]
١١٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، سَمِعْتُ أَبِي
قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى
النَّبِيِّ نََّ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
حَذَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ
الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى. [٦٤٦١، ٦٤٦٢ - مسلم: ٧٤١ - فتح: ٣ /١٦]
١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ قَالَ: ذَكَّرَ أَبي،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّ نَائِمًا.
تَغْنِي: النَّبِيَّ ◌ََّ. [مسلم: ٧٤٢ - فتح: ١٦/٣]
ذكر فيه حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ لَهُ: ((أَحَبُّ
الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَّامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ
نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلْنَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَضَّومُ يَوْمًّا وَيُفْطِرُ يَوْمًا)).
وحديث مسروق: قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ
وَهُ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَّى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، قَالَ: أنا أَبُو الأَخْوَصِ - واسمه سلَّام بن
سليم الحنفي، مات هو ومالك، وحماد بن زيد، وخالد الطحان سنة
سبع وسبعين ومائة- عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلتُ: والصارخ: الديك.
حديث عائشة قالت: ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا، يعني: النبي
الشرح :
أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم(١)، والأربعة أيضًا
مختصرًا أو مطولًا. وكرره البخاري قريبًا(٢).
وفي الصوم في مواضع ستة (٣)، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين(٤)،
والنكاح(٥)، والأدب(٦)، وفضائل القرآن (٧)، والاستئذان(٨).
وذكر عبد الحق في ((أحكامه)) أن عطاء رواه عن عبد الله بن عمرو،
وهو خطأ، بينهما السائب بن فروخ كما أخرجه مسلم(٩).
(١) (صحيح مسلم)) (١١٥٩) في الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.
(٢) برقم (١٩٧٤) باب: حق الضيف في الصوم.
ثم إن الناسخ زاد سطرًا؛ كتب في أوله (زائد) وفي نهايته إلى، وتعني أنها زيادة
ونصها (في باب حق الضيف: حدثنا إسحاق بن راهويه كما صرح به أبو نعيم،
وقال الجياني: لم ينسبه أبو نصر من شيوخنا).
قلت: سيأتي تعليق المصنف هذا هناك.
(٣) برقم (١٩٧٥) باب: حق الجسم في الصوم، و(١٩٧٦) باب: صوم الدهر،
و(١٩٧٧) باب: حق الأهل في الصوم، و(١٩٧٨) باب: صوم يوم وإفطار يوم،
و(١٩٧٩، ١٩٨٠) باب: صوم داود القّه.
(٤) برقم (٣٤١٨ - ٣٤١٩) باب: قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾، و(٣٤٢٠) باب:
أحب الصلاة إلى الله صلاة داود الشريفة.
برقم (٥١٩٩) باب: لزوجك عليك حق.
(٥)
(٦)
برقم (٦١٣٤) باب: حق الضيف.
برقم (٥٠٥٢ - ٥٠٥٤) باب: في كم يقرأ القرآن.
(٧)
(٨) برقم (٦٢٧٧) باب: مَن أُلقي له وسادة.
(٩) مسلم (١٨٦/١١٥٩).

٥٧
كتاب التّهَجُّدِ
=
وعطاء هذا هو ابن أبي رباح، صرح به المزي، وذكر الطرقي أنه ابن
السائب.
وروى البزار منه: ((وكان لا يفر إذا لاقى)) من حديث الحجاج بن
أرطاة، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو (١)، كذا أخرجه الطبراني من
طريق حجاج، عن عطاء، ومن طريق الأوزاعي، عن عطاء، عنه (٢).
قَالَ القرطبي: ظن من لا بصيرة عنده: إنه حديث مضطرب، وليس
كذلك، فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته،
وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف وتناقض، بل يرجع اختلافه إلى
أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره(٣).
وحديث عائشة الأول أخرجه أيضًا في الرقاق (٤). وأخرجه مسلم (د)
أيضًا (٥).
و(أشعث) في إسناده هو أبي الشعثاء سليم بن أسود.
وشيخ البخاري فيه (محمد) قد أسلفنا أنه ابن سلام، وكذا نسبه ابن
السکن.
قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي ذر، عن أبي أحمد الحموي: حَدَّثَنَا
محمد بن سالم.
وقال أبو الوليد الباجي: محمد بن سالم ذكر البخاري، وساق
الحديث: حَدَّثَنَا محمد بن سالم -وعلى سالم علامة الحموي- قَالَ:
(١) ((البحر الزخار)) ٣٧٩/٦ (٢٣٩٧).
(٢) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٩٥/٣ وقال: رواه الطبراني في الكبير.
(٣) ((المفهم)) ٢٢٤/٣.
(٤) برقم (٦٤٦١ - ٦٤٦٢) باب: القصد والمداومة على العمل.
(٥) برقم (٧٤١) باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي تَالعقار ..

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وسألت عنه أبا ذر فقال: أراه ابن سلام، وسها فيه أبو محمد الحموي.
ولا أعلم في طبقة شيوخ البخاري محمد بن سالم.
ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، ثنا خلف بن
هشام، ثنا أبو الأحوص، عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، أو
الأسود قَالَ: سألت عائشة .. الحديث. ثم قَالَ: لم يذكر البخاري بعدُ
أشعث في هذا الوجه.
وفي رواية أبي داود: كان إذا سمع الصراخ قام فصلى(١).
وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن عبدان، عن ابن المبارك، عن
شعبة. والذي في البخاري عبدان، عن أبيه، عن شعبة، فاعلمه. وحديثها
الآخر أخرجه مسلم(٢).
إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليها من أوجه :
أحدها :
قوله: ( ((أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ)) ) يريد لمن عدا النبي
وَّه؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ ﴿ قُ الَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ [المزمل:
١- ٢]. الآيات وقد سلف أن هذا الأفضل لمن قسم الليل أسداسًا.
وفي (كتاب المحاملي)): وإن صلى بعض الليل، فأي وقت أفضل؟
فيه قولان:
أحدهما : أن يصلي جوف الليل.
والثاني : وقت السحر؛ ليصلي صلاة الفجر وهو غريب.
وقوله: ( ((وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كان يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ
(١) (سنن أبي داود)) (١٣١٧) باب: وقت قيام النبي ◌َّ من الليل.
(٢) برقم (٧٤٢) باب: صلاة الليل، وعدد ركعات النبي ◌َّر في الليل.

٥٩
كتاب التَّهَجُّدِ
=
يَوْمًا)) ) ظاهره أنه أفضل من صوم الدهر عند عدم التضرر، وقد صرح به
بعض أصحابنا، ولا شك أن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة، بل به
وبالحج والجهاد وغير ذلك.
فإذا استفرغ جهده في الصوم خاصة أنقطعت قربه، وبطلت سائر
العبادات، فأمر أن یستبقي قوته لها.
وبين ذلك في الحديث الآخر في قصة داود: ((وكان لا يفر إذا
لاقي))(١).
وبين ذلك لعبد الله بن عمرو فقال: إنك إذا قمت الليل - يريد كله -
هجمت له العين، ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر(٢)، وقيل:
النهي لمن صام الأيام المنهي عنها، وقيل في قوله: (لا أفضل من ذلك)
بالنسبة إلى المخاطب لما علم من حاله ومنتهى قوته، وأن ما هو أكثر من
ذلك يضعفه عن فرائضه، ويقعد به عن حقوق نفسه.
الثاني :
وجه ترجمة البخاري من هذا الحديث: نوم داود السدس الأخير،
وقام ثلثه، وهو الوقت الذي ينادى فيه: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟
هل من تائب؟(٣) ونومه السدس الأخير؛ ليستريح من نصب القيام
السابق.
ووجه كونها أحب؛ لأنها أرفق على النفس وأبعد من الملل المؤدي
إلى الترك، والله يحب أن يديم فضله ويوالي نعمه أبدا، وقد قَالَ وَلِ هِ:
(١) يأتي برقم (١٩٧٩) كتاب: الصوم، باب: صوم داود القفيها.
(٢) الموضع السابق.
(٣) يأتي برقم (١١٤٥) أبواب: التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل.

٦٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
((إن الله لا يمل حَتَّى تملوا))(١) يعني: أنه لا يقطع المجازاة على العبادة
حَتَّى تقطعوا العمل، فأخرج لفظ المجازاة بلفظ الفعل؛ لأن الملل غير
جائز على الرب جل جلاله، ولا من صفاته، ووجه كون أحب العمل إليه
الدائم؛ لأن مع الدوام على العمل القليل يكون العمل كثيرًا، وإذا تكلف
المشقة في العمل أنقطع عنه وتركه فكان أقل.
الثالث:
قولها: (كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) هو نحو من قول ابن عباس :
نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، كذا قاله ابن التين.
وقال ابن بطال: هُذا في حدود الثلث الآخر لتحري وقت نزول
الرب تعالى: أي أمره (٢).
وقولها : (مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) أي: مضطجعًا على جنبه؛
لأنها قالت في حديث آخر: فإن كنت يقظانة حَدَّثَني وإلا اضطجع حَتَّى
يأتيه المنادي للصلاة (٣)؛ فتحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام،
ولما يستقبله من طول صلاة الصبح؛ ولذلك كان ينام عند السحر.
وهذا كان يفعله ◌َل# في الليالي الطوال وفي غير رمضان؛ لأنه قد
ثبت عنه تأخير السحور على ما يأتي في الباب بعده.
(١) يأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٢٣/٣.
(٣) يأتي برقم (١١٦١) باب: مَن تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع.