النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
أَبْوَابٌ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر (١)، وكذا قاله الشارع بمكة. وممن روي عنه أن
المكي يقصر بمنى ابن عمر، وسالم، والقاسم، وطاوس(٢)، وبه قَالَ
الأوزاعي، وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم
بمنى وعرفة من كان مقيمًا فيهما، واستدلوا بحديث حارثة ابن وهب
المذكور في الكتاب، وكانت دار حارثة بمكة، ولو لم يجز لأهل مكة
القصر بمنى لقَالَ حارثة: وأتممنا نحن، أو قَالَ لنا: أتموا؛ لأنه وَه
يلزمه البيان لأمته(٣)؛ ولأن عمل الحاج لا ينقضي في أقل من يوم
وليلة مع الانتقال اللازم، والمشي من موضع إلى موضع لا يجوز
الإخلال به، فجرى ذلك مجرى الشيء اللازم؛ ولأن من مكة إلى
عرفة، ثم إلى مكة بمقدار ما يقصر فيه الصلاة، ويلزمه بالدخول فيه
ملزمة القصر، ولا يلزم على هذا من يخرج من سفر بضعًا وعشرين
ميلًا؛ لأن رجوعه هناك ليس بلازم، ورجوعه إلى مكة في الحج
لازم؛ ولأنه عائد إلى الطواف، فصار لابد من نية الرجوع بخلاف
غيره من الأسفار. وهذا التعليل والذي قبله يخرج منه العَرَفيُّ.
وروى عيسى عن ابن القاسم في أهل منى وأهل عرفة يفيضون بقصر
العرفي، ويتم المنوي إلى منى؛ لأنه يرجع إلى وطنه بعد أن يفيض في
مسافة إتمام، بخلاف العرفي، فإنه يفيض من مكة إلى غير وطنه لإتمام
حجه، فإذا دفع من منى بعد انقضاء حجه لم يقصر إلى عرفة لما ذكرناه.
(١) رواه مالك ص ١١١، والبيهقي في ((معرفة السنن الآثار)) ٢٧٨/٤ (٦١٥٥) كتاب:
الصلاة، باب: صلاة المكي بمنى تمام غير قصر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٨/٢ (٨١٨٣ - ٨١٨٥) كتاب: الصلوات، باب: في أهل
مکة يقصرون إلى منى.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٦٨/٣ - ٦٩.

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
واختلف قول مالك، وابن القاسم في صلاة المكي بالمحصب، هل
يقصر؟ واختلافهما مبني على أن المحصب، هل هو مشروع، فمن
قَالَ أنه مشروع قصر(١).
وقال أكثر أهل العلم منهم عطاء، والزهري، وهو قول الثوري،
والكوفيين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور:
لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر(٢).
قالوا في قول عمر: يا أهل منى أتموا، وكذا قول الشارع أيضًا
ما أغنى أن يقول ذلك بمنی.
قَالَ الطحاوي: وليس الحج موجبًا للقصر؛ لأن أهل منى وعرفات
إذا كانوا حجاجًا أتموا وليس هو متعلقًا بالموضع، وإنما هو متعلق
بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون، ولما كان المقيم
لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج.
واختلف العلماء في المسافة التي يقصر فيها، فقال أبو حنيفة،
وأصحابه، والكوفيون، وروي عن ابن مسعود: أقلها ثلاثة أيام
ولياليهن سير الإبل ومشي الأقدام، وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر
الثالث. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية ابن سماعة عن
محمد، ولم يريدوا به السير ليلا ونهارًا؛ لأنهم جعلوا النهار للسير
والليل للاستراحة. ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن
يصل في يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ فقيل:
أحد وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر. وعليه الفتوى، وقيل:
(١) ((المنتقى)) ٢٦٤/١ - ٢٦٥.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٥٧/١.

٤٤٣
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
--
خمسة عشر ومدته ثلاثة أيام ولياليهن. وهو مذهب عثمان، وابن مسعود،
وحذيفة، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن بن
حي، وأبي قلابة، وشريك بن عبد الله، وابن جبير، وابن سيرين، ورواية
عن ابن عمر، واحتج لهم بحديث ابن عمر وأبي هريرة الآتي: ((لا تسافر
المرأة ثلاثًا))(١).
وقالوا: لما اختلفت الآثار والعلماء في المسافة التي تقصر فيها
الصلاة، وكان الأصل التمام، لم يجب أن ينتقل عنه إلا بيقين.
واليقين ما لا ينازع فيه، وذلك ثلاثة أيام.
والجواب أن الشارع قد ذكر اليوم والليلة ونص عليه، فهو أولى من
ذلك. والدليل إذا اجتمع مع النص قضي بالنص عليه.
وعن مالك: لا يقصر (٢) في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي
وهو ستة عشر فرسخًا. وهو قول أحمد(٣)، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل
ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة،
والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وذلك يومان، وهي
أربعة برد، وهذا هو المشهور عنه، وعن مالك أيضًا خمسة وأربعون
ميلًا. وعنه: أثنان وأربعون ميلًا. وأربعون. وستة وثلاثون ميلًا. عزاها
ابن حزم إلى رواية إسماعيل القاضي في ((مبسوطه))، قَالَ: وذا لأهل
مكة خاصة، ويقصر إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال(٤).
وقال ابن بطال: كان مالك يقول: يقصر في مسيرة يوم وليلة. ثم
رجع فقال: يقصر في أربعة برد. كقول ابن عمر، وابن عباس، وبه قَالَ
(١) برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم تقصير الصلاة.
(٢) ((المنتقى)) ٢٦٧/١.
(٤) ((المحلى)) ٥/٥.
(٣) انظر: ((المغني)) ١٠٦/٣.

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الليث، والشافعي في أحد أقواله، وهو قول أحمد، وإسحاق. وروى
أشهب عن مالك فيمن خرج إلى ضيعته وهي رأس خمسة وأربعين ميلًا أنه
يقصر. وعن ابن القاسم فيمن قصر في ستة وثلاثين ميلًا لا يعيد. وقال
يحيى بن يعمر: يعيد أبدًا. وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت.
وقال ابن حبيب: يقصر في أربعين ميلًا، وهي قريب من أربعة برد(١).
وقال الأوزاعي: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ،
ونُقل عنه: اثنا عشر يومًا فما زاد. وقالت طائفة: يقصر في يومين. روي
عن ابن عمر، والحسن البصري(٢)، والزهري، وحكي مثله عن الشافعي.
وقال الأوزاعي: كان أنس يقصر في خمسة فراسخ، وذلك خمسة
عشر ميلاً.
وللشافعي سبعة نصوص في مسافة القصر: ثمانية وأربعون ميلًا،
ستة وأربعون ميلًا، أكثر من أربعين، أربعون، يومان، ليلة، ويوم
وليلة(٣).
قلتُ: الليلة بلا يوم(٤)، وحملت على شيء واحد. والأول هو
الأصح. وعن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره، حكاه في
((التمهيد)) عنه(٥). قال أبو حامد: حَتَّى لو خرج إلى بستان له خارج
البلد قصر (٦).
وذكر ابن حزم في «محلاه)) أنه لا يقصر في أقل من ميل عند
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧٨/٣.
(٢) ((المنتقى)) ٢٦٢/١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٣/٢ (٨١٢٤٩ كتاب: الصلوات، باب: في مسيرة كم يقصر
الصلاة.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما زاد الشيخ هُذِه الفائدة زيادة في الإيضاح.
(٦) انظر: ((المجموع)) ٢١٠/٤.
(٥) ((التمهيد)) ٣٨٦/٤.

٤٤٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
الظاهرية. قَالَ: ولا يجوز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على من
سماه من هو حجة في اللغة سفرًا، فلم يحدد ذلك في أقل من ميل، وقد
روينا الميل عن ابن عمر، فإنه قَالَ: لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة(١)،
وروي عن ابن عمر خلاف ذلك(٢)، والمسألة محل بسطها الخلافيات،
وقد عقد لها البخاري بابًا ستمر به قريبًا - إن شاء الله- واحتجوا بحديث
أبي سعيد الخدري أنه ◌َّ﴿ سافر فرسخًا فقصر (٣)، ولا دلالة فيه؛ لأنه
ليس فيه أن سفره كان فرسخًا، ويجوز أن يكون فعل ذلك إشارة إلى
أنه لا يفتقر القصر إلى قطع جميع المسافة، بل بالشروع فيها.
وعبارة ابن بطال: حكى من لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر أنه
يجوز القصر في قليل السفر وكثيره إذا جاوز البنيان، ولو قصد إلى
بستانه، وحكوه عن علي (٤). وحجة مالك حديث: ((لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة)) (٥) فجعل اليوم
والليلة حكمًا خلاف الحضر، فعلمنا أنه الزمن الفاصل بين السفر
الذي يجوز فيه القصر، وبين ما لا يجوز(٦). ونقل القاضي أبو محمد
وغيره إجماع الصحابة على اعتبار مسافة، وإن اختلفوا في مقدارها،
(١) ((المحلى)) ١٩/٥ - ٢٠.
(٢) ابن أبي شيبة ٢٠٢/٢ - ٢٠٣ (٨١٢٠، ٨١٣٦)، ولفظه: أن ابن عمر خرج إلى
أرض له بذات النصب فقصر وهي ستة عشر فرسخًا.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٢/٢ (٨١١٣) كتاب: الصلوات، باب: في مسيرة كم يقصر
الصلاة.
(٤) رواه عنه ابن أبي شيبة ٢٠٦/٢ (٨١٦٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقصر
الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم يقصر الصلاة.
(٦) (شرح ابن بطال)) ٧٨/٣ - ٧٩.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فمن لم يعتبرها خرق الإجماع. والميل ونحوه لا مشقة في قطعه
فصار كالحضر.
واختلف العلماء سلفًا وخلفًا في إتمام الصلاة في السفر، فذهبت
طائفة إلى أن ذلك سنة. وروي عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص
أنهما كانا يتمان فيه، ذكره عطاء بن أبي رباح عنهما(١)، وعن حذيفة
مثله. وروي مثله عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود،
وعن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة (٢). وروى أبو مصعب عن مالك
قَالَ: قصر الصلاة في السفر سنة، وهو قول الشافعي إذا بلغ سفره
ثلاثة مراحل، وأبي ثور. وعن الشافعي قول: أنه مخير بينهما، غير
أن الإتمام أفضل. وذهب بعض أصحابه إلى أنه مخير، والقصر
أفضل(٣). قَالَ ابن القصار: وهذا اختيار الأبهري واختياري. وذهبت
طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان، روي ذلك عن عمر،
وابنه، وابن عباس، وهو قول الكوفيين، ومحمد بن سحنون. واختاره
إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك(٤).
واحتج الكوفيون بحديث عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر
والسفر. وقد سلف في أول كتاب الصلاة شيء من معنى ذلك(٥)،
ولا شك أن الفرض يأتي بمعنى لغير الإيجاب كما تقول: فرض
القاضي النفقة، إذا قدرها وبينها. ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ
(١) روى عنهم هُذِه الآثار البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٤/ ٢٦٤ (٦١٠٠-
٦١٠١) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر.
(٢) وهذا أحد قولي مالك، وروى أشهب عنه أنه فرض، أنظر: ((المنتقى)) ٢٦٠/١.
(٣) أنظر: ((البیان)) ٤٥٨/٢.
(٤) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٤٢٠/١، ((الأوسط)) ٣٣٩/٤.
(٥) برقم (٣٥٠) باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء.

أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
===
٤٤٧
تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي بين لكم كيف تكَفُّرون عنها في قول بعض
المفسرين.
وقال الطبري: يحتمل قول عائشة: فرضت ركعتين في السفر،
يعني: إن أختار المسافر ذلك، وإن اختار أربعًا. ونظير هذا التخيير
النفر الأول من منى فإنه مخير فيه. ولو كان فرض المسافر ركعتين
فقط لما جاز له جعلها أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن
يجعل صلاته مثنى وصلاة الفجر أربعًا.
وقد أتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا أئتم بمقيم في جزء من
صلاته أنه يلزمه الإتمام. فهذا يدل على أنه ليس فرضه ركعتين إلا على
التخيير. وقال: إن من أتم من المسافرين فالفرض أختار، وإن من قصر
فهو تمام فرضه.
واختلف الناس في وجه إتمام عثمان على أقوال:
أحدها: أنه أمير المؤمنين، فحيث كان في بلد فهو عمله. قاله أبو
الجهم، ووجهه أن للإمام تأثيرًا في حكم الإتمام كما له تأثير في
إقامة الجمعة إذا مر بقوم أنه يجمع بهم الجمعة. غير أن عثمان سار
مع الشارع إلى مكة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، ويخدش في ذلك
أن الشارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، نعم صح عنه أنه
كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله كما ستعلمه(١).
ثانيها: أنه أتخذ منى مسكنًا، فلذلك أتم. روى معمر، عن الزهري
(١) سيأتي برقم (١١٠١ - ١١٠٢) كتاب: تقصير الصلاة، باب: من لم يتطوع في
السفر وبر الصلاة وقبلها. مختصرًا، ورواه مسلم مطولًا برقم (٦٨٩) كتاب: صلاة
المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها.

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ: إنما فعل ذلك؛ لأنه أزمع على المقام بعد الحج. ذكره أبو داود.
وروى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه - وقد عمل الحارث
لعمر بن الخطاب- قَالَ: صلى بنا عثمان أربعًا، فلما سلم أقبل على
الناس فقال: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله،وَل في ((من تأهل
لبلدة فهو من أهلها فَلْيصل أربعة))، وعزاه ابن التين إلى رواية ابن
سنجر: أن عثمان صلى بمنى أربعًا فأنكروا عليه فقال: يا أيها الناس
إني لما قدمت تأهلت بها، إني سمعت رسول الله صل* يقول: ((إذا
تأهل الرجل ببلد، فليصل بهم صلاة المقيم)) وهذا منقطع، أخرجه
البيهقي من حديث عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف عن ابن أبي ذئاب،
عن أبيه قَالَ: صلى عثمان(١) (٢).
وقال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن الزهري قَالَ:
بلغني أن عثمان إنما صلى أربعًا - يعني: بمنى- لأنه أزمع أن
يقيم بعد الحج، وهذا يرده أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث
. (٣)
لا يجوز (٣).
وقال ابن التين: لا يمنع ذلك إذ [عرض] له أمر أوجب مقامه أربعة
أيام لضرورة. وقد قَالَ مالك في ((العتبية)) فيمن يقيم بمنى ليخف الناس:
يتم. في أحد قوليه، ومثل هذا الجواب أن أهله كانوا معه بمكة. ويرده أن
الشارع كان يسافر بزوجاته، وکن معه بمكة، ومع ذلك يقصر، ومثله إنما
أتم لأنه أقام بمكة قبل مخرجه إلى منى مدة توجب الإتمام. واعتقد أن
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وبهذه الطريق أخرجه الإمام أحمد في ((المسند))
فقال: حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم - ثنا عكرمة بن إبراهيم فساقه.
(٢) ((معرفة السنن الآثار)) ٢٦٣/٤ (٦٠٩٩) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر.
(٣) ((المحلى)) ٢٧٠/٤.

٤٤٩
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
=
مسافة الخروج إلى عرفة إذا انفصلت عما قبلها من السفر لا توجب
القصر.
ولا شك أن عثمان لا يتعمد مخالفة الشارع لغير معنى، ومثله أنه
كان له بمنى أرض فكأنه كالمقيم، وهذا فيه بعد، إذ لم يقل أحد: إن
المسافر إذا مر بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل أن حكمه
حکم المقیم.
ثالثها: ما رواه أيوب، عن الزهري أن الأعراب كثروا في ذلك العام
فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع، ذكره أبو داود(١). وقال البيهقي في
((المعرفة)): قد روينا بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه،
عن عثمان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال: أيها الناس، إن
القصر سنة رسول الله وَّله، وسنة صاحبيه، ولكنه حدث قيام من الناس
فخفت أن يستنوا(٢). وقال ابن جريج: إن أعرابيًّا ناداه في منى فقال: يا
أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام الأول صليتها ركعتين،
فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان، وهذا يرده أن
الشارع كان أولى بذلك ولم يفعله(٣).
رابعها: أنه تأول أن القصر رخصة غير واجب، وأخذ بالأكمل
الأتم، وتأول أن الشارع قصد بقصره التخفيف كالفطر ويؤيده ما رواه
الطحاوي، عن عائشة: قصر النبي ◌َ وأتم في السفر (٤)، وكان
(١) (سنن أبي داود)) برقم (١٩٦٤) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى، قال
الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (١٧١٣): إسناده حسن لغيره، وقد قواه
الحافظ.
(معرفة السنن والآثار)) ٢٦٣/٤ (٦٠٩٧) كتاب: الصلاة، باب: الإتمام في السفر.
(٢)
رواه عبد الرزاق ٥١٨/٢ (٤٢٧٧) كتاب: الصلاة، باب: السفر.
(٣)
((شرح معاني الآثار)) ٤١٥/١.
(٤)

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة، وعائشة، وعثمان يتمون، وكذا
تأولت عائشة(١).
قَالَ القرطبي: وهذا هو الوجه(٢)، وفيه نظر، فحديث البخاري
الآتي عن ابن عمر في باب من لم يتطوع في السفر: صحبت رسول
الله * فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر،
وعثمان كذلك(٣). ورواه مسلم بلفظ: صحبت رسول الله صلّ في
السفر فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد
على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حَتَّى
قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حَتَّى قبضه الله (٤).
فهذا دال على أن عثمان صلى ركعتين إلى أن قبض إلا أن يؤول في
أواخر أمره، أو المراد: صحبه في سائر أسفاره غير منى؛ لأن إتمامه
إنما كان بها على ما فسره عمران بن حصين.
وفي ((الموطأ)) عن ابن عمر أنه كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا(٥).
والإمام ذكر أنه عثمان، فتأول ابن عمر أن عثمان لم يره مقامًا يبيح القصر
على ما تقدم.
وروى أبو داود من حديث معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله
صلى أربعًا، قَالَ: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟ قَالَ:
الخلاف شر (٦).
(١) انظر: ((المصنف)) ٢٠٥/٢ (٨١٥١)، ٢٠٨/٢ (٨١٨٩)، و((الأوسط)) لابن المنذر
٤/ ٣٣٥.
(٢) («المفهم)) ٣٢٧/٢.
(٣) يأتي برقم (١١٠٢).
(٤) مسلم (٦٨٩)، كتاب الصلاة، باب: صلاة المسافرين وقصرها.
(٥) ((الموطأ)) ص ١١١.
(٦) ((سنن أبي داود)) برقم (١٩٦٠) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى.

٤٥١
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
وذكر أبو داود عن الزهري قَالَ: لما أتخذ عثمان الأموال بالطائف
وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا(١).
واسترجاع ابن مسعود لما رأى عثمان أتم خلاف ما عهد من الشارع
وصاحبيه دليل على إنكاره في خلاف الأفضل فقط؛ إذ لو أعتقد أن فرضه
القصر لم يصح أن يصليها خلفه ولم يجز له أن يتم، ولا سكتت الصحابة
من غير نکیر.
وزعم الداودي أن ابن مسعود كان يرى القصر فرضًا. قَالَ أبو
سليمان: من أجل الأسوة، يريد إذا لم يتأس بفعله رَ * وصاحبيه،
فلأجل ذلك استرجع. وهذا يرد ما أوله أنه صلى أربعًا، وقال: الخلاف
شر، فلو كان يعتقد القصر فرضًا لكان الخلاف شرًا لا خيرًا(٢).
والظاهر في ذلك إنما قَالَ ذلك لأنه رأى أن الخلاف على الإمام فيما
سبيله التخيير والإباحة شر، وهو ما أبداه ابن بطال(٣).
وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران أنه سأل سعيد بن المسيب
عن الصلاة في السفر. فقال: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا (٤). وذكر
عن أبي قلابة أنه قَالَ: إن صليت في السفر ركعتين فالسنة، وإن صليت
أربعًا فالسنة(٥). ولما ذكر ابن بطال مقالة الزهري، وابن جريج،
ومعمر، وما رواه عبد الله بن الحارث قَالَ: هَذِه الوجوه كلها ليست
(١) ((سنن أبي داود)) برقم (١٩٦٣) كتاب: المناسك، باب: الصلاة بمنى، وضعفه
الألباني في ((ضعيف أبي داود)» (٣٣٨).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١/ ٦٢٧.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٧٣/٣.
(٤) ((المصنف)) ٢٠٩/٢ (٨١٩٢) كتاب: الصلوات، باب: في المسافر إن شاء صلى
ركعتين وإن شاء أربعًا.
(٥) (المصنف)) ٢٠٨/٢ (٨١٨٨) كتاب: الصلوات، باب: في المسافر إن شاء صلى
ركعتين وإن شاء أربعًا.

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بشيء (١). قَالَ الطحاوي: وذلك لأن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل
في زمن الشارع فلم يتم بهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما
لم يخفه الشارع؛ لأنه بهم رءوف رحيم (٢).
قَالَ غيره: ألا ترى أن الجمعة لماكان فرضها ركعتين لم يعدل عنها،
وكان يحضرها الغوغاء والوفود، وقد يجوزوا أن صلاة الجمعة في كل
يوم رکعتان.
وأما ما ذكر عنه أنه أزمع على المقام بعد الحج فليس بشيء؛ لأن
المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة، وهذا أسلفته. وصح عن
عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج
من مكة؛ خشية أن يرجع في هجرته التي هاجرها لله. وما ذكر عنه أنه
أتخذ أهلًا بمكة، فالشارع كان في غزواته وحجه وأسفاره كلها يسافر
بأهله بعد أن يقرع بينهن(٣)، وكان أولى أن يتأول ذلك ويفعله، فلم
يفعله وقصر. وكذا ما تأولوا في إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين
فحيث ما حلَّت فهو بيتها، وهذا في الضعف مثل الأول. ألا ترى أنه
وَ ل/ كان أبًا للمؤمنين، وهو أولى بهم من عائشة، ولم يتأول ذلك.
قَالَ ابن بطال (٤): والوجه الصحيح في ذلك -والله أعلم - أن عثمان
وعائشة إنما أتما في السفر؛ لأنهما اعتقدا في قصره وَيقر أنه لما خير بين
القصر والإتمام أختار الأيسر من ذلك على أمته، وقد قالت عائشة:
ما خير رسول الله ( في أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧١/٣ - ٧٢.
(٢) (شرح معاني الآثار)) ٤٢٦/١.
(٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث عائشة الآتي برقم (٢٥٩٣)، ورواه مسلم
(١٤٦٣).
(٤) (شرح ابن بطال)) ٧٢/٣- ٧٣.

٤٥٣
أَثْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
إثمًا (١)، فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة، وتركا الرخصة، إذ
كان ذاك مباحًا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله فيه. ويدل على
ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان، ثم صلى خلفه وأتم،
فكلم في ذلك، فقال: الخلاف شر(٢)، وسلف ما فيه ووجهه.
فصل :
(وقول حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ وَّهِ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنَّى
رَكْعَتَيْنٍ). يريد أنه قصر من غير خوف كما هو مذهب الجمهور، وكما
هو ثابت في ((صحيح مسلم)) من حديث يعلى عن عمر(٣).
وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: فأتموا.
فقالوا: إن رسول الله ﴿ كان يصلي ركعتين. فقالت: إنه كان في
خوف، فهل تخافون أنتم؟(٤) وحديث حارثة يرده.
وقوله: (فَلَيْتَ حَِّ مِنْ أَرْبَعِ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانٍ). يريد: إني صليت
أربعًا وتكلفتها، فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. هذا تأويل أبي عبد
الملك. وقال الداودي نحوه، قَالَ: إنما خشي ابن مسعود أن لا
تجزئ الأربع فاعلها، وفعلها مع عثمان كراهية الخلاف كما سبق،
ومخبر بما في نفسه.
(١) سيأتي برقم (٣٥٦٠) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ◌َّر ورواه مسلم
(٢٣٢٧).
(٢) رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٢٦٠/٤ (٦٠٧٧) كتاب: الصلاة، باب:
الإتمام في السفر .
(٣) (صحيح مسلم)) برقم (٦٨٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين
وقصرها.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٤٦/٤ (١٠٣٢٢).

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣- باب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ◌َهِ فِي حَجَّتِهِ؟
١٠٨٥- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَذَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
أَبِ العَالِيَةِ البَرَّاءِ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َلَهُ وَأَضْحَابُهُ
لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَّهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّ مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءُ،
عَنْ جَابِرٍ. [١٥٦٤، ٣٨٣٢ - مسلم: ١٢٤٠ - فتح: ٥٦٥/٢]
ذكر فيه عن أبي العالية - واسمه: زياد بن فيروز البرَّاء؛ لبريه النبل.
وقال ابن التين: لبريه القصب. وقيل: النبل- عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ بِّهِ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ،
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ.
الشرح :
حديث ابن عباس هذا أخرجه مسلم(١). وحديث عطاء - هو ابن أبي
رباح - يأتي في الحج (٢) - إن شاء الله- وهو حديث أنس السالف الذي
فيه: عشرة أيام(٣). وقال في كتاب المغازي، باب: إقامة المهاجر بمكة
بعد قضاء نسكه. وذكر فيه عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل السائب ابن
أخت نمر: ما سمعت في سكنى مكة؟ قَالَ: سمعت العلاء بن
الحضرمي، قَالَ رسول الله وَلّ: ((ثلاثة للمهاجر بعد الصدر)) (٤).
وقال أحمد بن حنبل: قدم النبي ◌ُّر مكة صبح رابعة من ذي
الحجة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وهو في ذلك كله
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٤٠) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج.
(٢) برقم (١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها.
(٣) سلف برقم (١٠٨١) كتاب: تقصير الصلاة، باب: ما جاء في التقصير.
(٤) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء
نسكه.

٤٥٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
يقصر الصلاة، ثم خرج يوم التروية إلى منى، وهو الثامن، فلم يزل
مسافرًا في المناسك إلى أن تم حجه. فجعل أحمد بن حنبل أربعة
أيام يقصر فيها الصلاة إذا نوى إقامتها، وإن نوى أكثر من ذلك فهو
حضر يتم فيه الصلاة. واستدل بحديث ابن عباس هذا(١)، وقد سلف
ما فيه من المذاهب، وأقوال أصحابنا في باب: ما جاء في التقصير(٢).
وقال ابن أبي صفرة: هذا الحديث يدل على أنه من أقام عشرين
صلاة يقصر؛ لأنه ◌َّ- صلى في الرابع الظهر والعصر إلى صبح الثامن
ولم يتم، وهو حجة على ابن الماجشون، وسحنون في قولهما أنه من
أقام عشرين صلاة أنه يتم(٣).
وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور إلى أنه من عزم على إقامة أربعة
أيام بلياليها أنه يتم الصلاة ولا يقصر(٤).
وروي مثله عن عمر، وعثمان، وحجة هذِه المقالة حديث العلاء بن
الحضرمي السالف، أنه جعل للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا ثم يصدر.
وذلك أن الله تعالى حرم على المهاجرين الإقامة بمكة، ولا تستوطن، ثم
أباح الثلاث بعد قضاء النسك فتبين أن أيام مكثه هي سفر لا إقامة، إذ لو
كان فوق الثلاث سفرًا لما منعهم من ذلك، فدل أنه إقامة ووجب أن
تكون الثلاث فصلا بين السفر والإقامة، ولا وجه لمن أعتبر مقامه ولايه
من حين دخوله مكة إلى خروجه إلى منى، ولا إلى صدره إلى
المدينة؛ لأن مكة ليست له بدار إقامة، ولا لأحد من المهاجرين؛
(١) انظر: ((المغني)) ١٥٠/٣.
(٢) يراجع شرح حديثي (١٠٨٠ - ١٠٨١).
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٣٠/١.
(٤) ((المدونة)) ١١٦/١-١١٧، ((الأم)) ١٦٤/١، ((الأوسط)» ٣٥٧/٤.

٤٥٦
1
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لأنه ◌َ و لم يزل مسافرًا منذ خرج من المدينة، وقصر بذي الحليفة إلى أن
أنصرف إلى المدينة، ولم ينو في شيء من ذلك إقامة.
وادعى ابن بطال أن أصح الأقوال في المسألة قول مالك، ومن
وافقه، وبيان ذلك من حديث ابن عباس مع الحديث الذي جاء أن
يوم عرفة كان يوم الجمعة، أن مقامه بمكة في حجته كانت عشرة أيام
كما قَالَ أنس في حديثه. وذلك أنه يَّر قدم مكة صبح رابع ذي
الحجة، وكان يوم الأحد، صلى الصبح بذي طوى، واستهل ذو
الحجة ذلك العام ليلة الخميس، فأقام بمكة يوم الأحد إلى ليلة
الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس إلى منى، فأقام بها باقي
نهاره وليلة الجمعة، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات، أي: بعد
الزوال، وخطبته بنمرة بقرب عرفات، وبقي بها إلى الغروب، ثم
أفاض ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلى الصبح، ثم
أفاض بها قبل طلوع شمس يوم السبت، وهو يوم الأضحى والنفر
إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوة، ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم
فطاف بالبيت قبل الزوال، ثم رجع في يومه ذلك إلى منى، فأقام بها
باقي يوم السبت، والأحد والاثنين والثلاثاء، ثم أفاض بعد ظهر
الثلاثاء وهو آخر أيام التشريق إلى المحصب، فصلى به الظهر، وبات
فيه ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة أعمر عائشة من التنعيم، ثم طاف
طواف الوداع سحرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وهو صبيحة
رابع عشرة، فأقام عشرة أيام كما سلف من حديث أنس، ثم نهض
إلى المدينة، وكان خروجه من المدينة إلى مكة يوم السبت لأربع بقين
من ذي القعدة، وصلى الظهر بذي الحليفة، وأحرم بإثرها، وهذا كله
مستنبط من قوله: (قدم النبي ◌َّ﴾ وأصحابه لصبح رابعة من ذي
الحجة)، ومن الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم جمعة، وفيه

٤٥٧
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
==
نزلت: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٣]. قلتُ: والدليل من
القرآن أعتبار مقالة الشافعي ومن وافقه أن الله تعالى نقل المسافر من
الصوم إلى الفطر في سفر يوم، فكذا القصر.
فصل: قوله: (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً)، إنما كان ذلك خاصة لهم
في ذلك العام عملًا بقوله: ألنا ولمن بعدنا؟ قَالَ: ((بل لكم خاصة))(٢)
وهُذِه المتعة التي كان عمر ينهى عنها ويضرب عليها؛ لأنه وَ ل﴿ قَالَ:
(هي لكم خاصة)). وتعلق قوم بإجازة ذلك ولم يبلغهم الخصوص.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧٦/٣، ٧٧.
(٢) رواه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائى فى ((المجتبى)) ١٧٩/٥ كتاب: مناسك الحج،
باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وفي ((الكبرى)) ٣٦٧/٢
(٣٧٩٠)، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: من قال: كان فسخ الحج
لهم خاصة، وأحمد في ((مسنده) ٤٦٩/٣، والدارمي في ((سننه)) ١١٧٧/٢
(١٨٩٧) من كتاب: المناسك، باب: في فسخ الحج، وابن أبي عاصم في
(الآحاد والمثاني)) ٣٤٢/٢ (١١١١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/
١٩٤، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٧٧/١، والطبراني ٣٧٠/١ (١١٣٨)،
والدار قطني في «سننه)) ٢٤١/٢ (٢٤)، والحاكم ٥١٧/٣ كتاب: معرفة الصحابة،
وابن حزم في ((حجة الوداع)) ص٣٦٢ (٤١٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٥٪
٤١ كتاب: الحج، باب: من أحرم بنسك فأراد أن يفسخه، وابن عبد البر في
((التمهيد)» ٣٥٧/٨، ٣٦٢/٢٣، وابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف))
١٢٧/٢-١٢٨ (١٢٤٣)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢١٦/٥.
قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ٢/ ١٩٢: حديث لا يكتب اهـ وقال: قال عبد الله بن
أحمد: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، يعني: قوله: لنا
خاصة قال: لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده
بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت اهـ، وقال أيضًا في ٢/
١٩٣: فنحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله
وهو غلط عليه اهـ، وقال الألباني في (ضعيف أبي داود)) ١٥٤/١٠ (٣١٥):
إسناده ضعيف؛ الحارث بن بلال مجهول.

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب في كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟
وَسَمَّى النّبِيُّ ◌َّ السفرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً
وَكَانَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ،
وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا.
١٠٨٦- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِنِرَاهِيمَ الَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((لَا تُسَافِرٍ
المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم)). [١٠٨٧ - مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٥٦٥/٢]
١٠٨٧- حَدَّثَنَا مُسَنَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَىٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم)).
تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابنِ المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ.
[انظر: ١٠٨٦- مسلم: ١٣٣٨ - فتح: ٥٦٦/٢]
١٠٨٨- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المقْبُرِيُّ، عَنْ
أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ
باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ)). تَابَعَهُ يَخْيَى بْنُ
أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه. [مسلم: ١٣٣٩-
فتح: ٥٦٦/٢]
ثم ساق بإسناده حديث ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَالَ: ((لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم)).
وعنه: ((لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّ ومَعَها ذو مَحْرَمٍ))
ذكر الأول من حديث أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن
عمر. والثاني عن يحيى -هو القطان- عن عبيد الله به -ثم قَالَ: تابعه
أحمد عن ابن المبارك، عن عبيد الله به.

٤٥٩
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
=
ثم ساق حديث: سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة: ((لَا يَحِلُّ
لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا
حُرْمَةٌ)). تابعه يحيى بن أبي كثير وسهيل ومالك، عن المقبري، عن
أبي هريرة.
الشرح:
أما قوله: (وسمى النبي ◌َِّ السفر يومًا وَلَيْلَة)، مراده ما أخرجه في
الباب من حديث أبي هريرة: ((أن تسافر مسيرة يوم وليلة)) وأما أثر ابن
عمر وابن عباس فرواهما البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح، أن
عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين، ويفطران في
أربعة برد فما فوق ذلك. رواه من طريق الشافعي وابن بكير، عن
مالك، عن نافع، عن سالم، أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر
الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة
برد. ومن طريقيهما، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه
أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قَالَ مالك: وذلك
نحو من أربعة برد(١).
وذكره ابن حزم فقال: وعن معمر أخبرني أيوب عن نافع أن ابن عمر
كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. قَالَ: وهذا فيما اختلف فيه على
ابن عمر(٢). وروى ابن أبي شيبة ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن
سالم أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر
فرسخًا(٣). وروى بإسناده إلى ابن بكير، ثنا مالك أنه بلغه أن ابن عباس
(١) (سنن البيهقي الكبرى)) ١٣٦/٣ - ١٣٧.
(٢) ((المحلى)) ٥/٥.
(٣) ((المصنف)) ٢٠٣/٢ (٨١٣٦). ورواه الشافعي كما في ((المسند)) ١٨٥/١ (٥٢٨).

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
كان يقصر الصلاة فيما بين مكة والطائف، وفيما بين مكة وجُدَّة (١)،
وفيما بين مكة وعسفان. قَالَ مالك: وذلك أربعة برد(٢). وروي أيضًا
عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه،
وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله ﴿ ﴿ قَالَ: ((يا أهل
مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى
عسفان))(٣). قَالَ البيهقي: وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش
لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن
ذلك من قول ابن عباس(٤).
(١) (جُدَّة) بلدة على ساحل بحر اليمن، بينها وبين مكة ثلاث ليال. أنظر ((معجم
البلدان)» ٢ /١١٤.
(٢) انظر: ((الموطأ)) ص ١١٠. ورواه البيهقي ١٣٧/٣ من طريق ابن بكير عن مالك،
به. وانظر: ((الإرواء)) (٥٦٨).
(٣) حديث رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٩٦/١١ - ٩٧ (١١١٦٢)، والدار قطني
٣٨٧/١، والبيهقي ١٣٧/٣ - ١٣٨، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ١/ ٤٩٣ (٧٦١)
من هذا الطريق.
(٤) ((سنن البيهقي)) ١٣٨/٣.
وضعفه أيضًا في ((المعرفة) ٢٤٩/٤ ونقل عن أحمد قال: وقد روي حديث ابن
عباس مرفوعًا، وليس بشيء.
وضعفه ابن الجوزي في ((التحقيق)). وعبد الحق في «أحكامه)) ٢/ ٤٠. وقال النووي
في ((المجموع)) ٢١٣/٤، وفي ((الخلاصة)) ٧٣١/٢ (٢٥٥٧): ضعيف جدًا،
وصحح وقفه على ابن عباس.
وضعفه الحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في ((الإرشاد)) ١٨٢/١. والمصنف
-رحمه الله- في ((البدر المنير)) ٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣. وقال في ((الخلاصة)) ١/ ٢٠٢:
إسناده ضعيف، والصحيح أنه موقوف علی ابن عباس.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٦٦/٢، وفي ((التلخيص)) ٤٦/٢، وفي ((تغليق التعليق))
٤١٦/٢، وفي ((بلوغ المرام)) (٤٦٥): إسناده ضعيف.
=