النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
= كتاب الكسوف
الحسن، عن أبي بكرة - واسمه نفيع بن الحارث- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ
اللهِ وَلَُّ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث.
ويأتي في الباب مكررًا، وفي اللباس أيضًا (١)، وترجمة الحسن عن
أبي بكرة من أفراد البخاري، وأخرجه النسائي في الصلاة والتفسير(٢).
قَالَ الدارقطني: مرسل، إنما يرويه الأحنف عنه(٣)؛ ولما أورده
الترمذي من طريق، طاوس عن ابن عباس مرفوعًا أنه حكي في
کسوف .. الحدیث.
قَالَ: وفي الباب عن عليّ، وعائشة، وعبد الله بن عمر، والنعمان
ابن بشير (د. س.ق) والمغيرة، وأبي مسعود، وأبي بكرة، وسمرة بن
جندب، وابن مسعود، وأسماء ابنة أبي بكر، وابن عمر، وقبيصة -
يعني: ابن مخارق الهلالي - وجابر بن عبد الله، وأبي موسى، وعبد
الرحمن بن سمرة، وأبي بن كعب(٤).
وقال ابن العربي: روى الكسوف عن رسول الله وَله سبعة عشر(٥)
رجلًا(٦).
(١) سيأتي برقم (١٠٤٨) كتاب: الكسوف، باب: قول النبي ◌َطاهر: ((يخوف الله عباده
بالكسوف)». و (١٠٦٢)، و (١٠٦٣)، وبرقم (٥٧٨٥) كتاب: اللباس، باب: من
جر إزاره من غير خيلاء.
(٢) ((سنن النسائي)) ١٤٦/٣، وفي ((الكبرى)) ٤٥٢/٦ (١١٤٧١) كتاب: التفسير،
باب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرَّ﴾.
(٣) ((الإلزامات والتتبع)) ص٢٢٣.
(٤) ((سنن الترمذي)) عقب حديث (٥٦٠) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة
الكسوف.
(٥) كذا بالأصل، وجاء في ((عارضة الأحوذي)) ٣٥/٣: تسعة عشر.
(٦) ((العارضة)) ٣٥/٣.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قلتُ: وهم ما في الترمذي.
وقال المنذري: رواه تسعة عشر نفسًا. وذكر الطرقي أنه رواه
أبو هريرة، وأنس، وأم سلمة، وسهل بن سعد، وجرهد.
وذكر غيره حذيفة، وسلمة بن الأكوع، وسعد بن أم عبد الرحمن،
وحسان بن ثابت.
إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
قوله: (فانكسفت الشمس) كذا هو بالكاف، وقد رواه جماعة من
الصحابة بذلك، وآخرون بالخاء، وآخرون بهما، وهما بمعنى واحد،
وهو تغيرها ونقصان ضوئها كما سلف.
ومن أنكر (انكسف)، وأن صوابه (کسف)، غَلِطَ، فالحديث مصرح
به في مواضع.
وفي الكسوف فوائد أبداها ابن الجوزي: ظهور التصرف في الشمس
والقمر، وتبيين قبح شأن من يعبدهما، وإزعاج القلوب الساكنة
للغفلة عن مسكن الذهول، وليرى الناس أنموذج ما سيجري في
القيامة من قوله: ﴿وَخَسَفَ اَلْقَمَرُ ﴿ وَحمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾﴾ [القيامة:
٨-٩] وأنهما يوجدان على حال التمام فيركسان، ثم يلطف بهما
فيعادان إلى ما كانا عليه، فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء
العفو، وأن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له، وأن الصلوات
المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لهم فيها ولا وجود
هيبة، فأتى بهذه الآية، وسنت لها الصلاة؛ ليفعلوا صلاة على
انزعاج وهيبة.

٣٠٣
كتاب الكسوف
ثانیھا :
قوله: ( ((لا ينكسفان لموت أحد))) وفي النسائي: ((ولكن يخوف الله
به عباده))(١). وفي رواية: وثاب الناس إليه، فصلى ركعتين بهم(٢)، وفي
أخرى: وذلك أن ابنا للنبي (وَّومات، يقال له: إبراهيم ١١، وللدار قطني:
((ولكن الله تعالى إذا تجلّى لبشر من خلقه، خشع له، فإذا كسف واحد
منهما فصلوا وادعوا)) (4)، وللبيهقي: صلى ركعتين مثل صلاتكم هذِه
في كسوف الشمس والقمر(٥).
ثالثها :
قوله: (فصلى بنا ركعتين) يستدل به من يقول: إن صلاة كسوف
الشمس ركعتان كصلاة النافلة، فإن إطلاقه في الحديث يقتضي ذلك.
وفي رواية في هذا الحديث: كصلاتكم أو مثل صلاتكم(٦).
وكذا قوله: كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة (٧). وفي أخرى:
كأحدث صلاة الصبح، وهي ركعتان(٨). وهو ما اقتضاه كلام أصحابنا،
أنه لو صلاها كهيئة سنة الظهر ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان
(١) ((سنن النسائي)) ١٢٤/٣ كتاب: الكسوف، باب: كسوف الشمس والقمر.
(٢) ((سنن النسائي)) ١٤٦/٣ في الكسوف. وصححه الألباني في ((صحيح النسائي).
(٣) رواه ابن حزم في ((المحلى)) ٩٥/٥.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ٦٤/٢ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخوف.
(٥) ((السنن الكبرى)) ٣٣٧/٣-٣٣٨ كتاب: صلاة الخسوف، باب: الصلاة في
خسوف القمر.
(٦) رواها النسائي في ((الكبرى)) ٥٧٨/١ (١٨٧٧) كتاب: كسوف الشمس والقمر،
باب: نوع آخر من صلاة الكسوف.
(٧) رواها أبو داود (١١٨٥) كتاب: الاستسقاء، باب: من قال: أربع ركعات. وضعفه
الألباني في ((ضعيف أبي داود)» (٢١٧).
(٨) رواها ابن حبان ٨٤/٧-٨٥ (٢٨٤٢) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
تاركًا للأفضل، وصرح به الجرجاني في ((تحريره))، وخالف القاضي على
ما نقله محكي عنه فمنع.
وقال ابن بطال: سنة صلاة الكسوف أن تصلى ركعتين في جماعة،
هذا قول جمهور الفقهاء إلا أن في حديث عائشة وغيرها في كل ركعة
(ركوعان)(١)، وهي زيادة يجب قبولها، منهم مالك، والشافعي،
وأحمد، وأبو ثور على حديث ابن عباس، وعائشة، وابن عمر.
قَالَ: وخالف في ذلك الكوفيون، وقالوا: إنها ركعتان كصلاة
الصبح. ولما مر حديث الباب حجة لهم؛ لأنه مجمل لا ذكر فيه
لصفة الصلاة، وإنما قَالَ فيه: فصلى ركعتين(٢).
وبين غيره مذهب الكوفيين فقال: هو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه
والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير(٣).
ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس(٤) ، واستدل لهم بغير ما حديث
فيه: فصلى ركعتين.
حديث قبيصة، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم(٥)، وحديث
(١) في الأصل: ركوعين والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣١/٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣١/٣، ((الأصل)) ٤٤٣/١، ((عارضة الأحوذي)) ٣٥/٣، ((الأم))
٢١٤/١، ((المغني)) ٣٢٣/٣.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣١/٣.
(٤) ((المصنف)) ٢١٩/٢ (٨٣٠٠ - ٨٣٠٧).
(٥) أبو داود (١١٨٥ - ١١٨٦)، ((المستدرك)) ٣٣٣/١. قال الحاكم: حديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث ريحان بن
سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر، عن
قبيصة وحديث يرويه موسى بن إسماعيل عن وهيب لا يعلله حديث ريحان وعباد.
وخالفه الذهبي وأعله. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)» (٢١٧ - ٢١٨).

٣٠٥
كتاب الكسوف
النعمان(١)، وعبد الله بن عمرو (٢).
قَالَ ابن حزم: وأخذ به طائفة من السلف منهم عبد الله بن الزبير(٣).
وذكر ابن عبد البر أنه روي نحو قول العراقيين في صلاة الكسوف
من حديث أبي بكرة، وسمرة، وعبد الله بن عمر، وقبيصة، والنعمان،
وعبد الرحمن بن سمرة، وقال: الأحاديث في هذا الوجه في بعضها
أضطراب، والمصير إلى حديث ابن عباس وعائشة أولى؛ لأنهما
أصح ما روي في هذا الباب(٤) ثم أطال بفوائد.
وأجاب ابن التين بأن يكون سكت عن بيان الركعتين أو فعله مرة،
وذكر عن علي أنه فعله بالكوفة، وقال: إنما أوِّل بعد النبي ◌َّر، فقال
بعض أهل الحديث: إن ذلك كله كان مرات وإنما كان يتحرى التجلي.
(١) رواه أبو داود (١١٩٣) كتاب: الصلاة، باب: من قال يركع ركعتين. باب: كيف
صلاة الكسوف. والنسائي ١٤١/٣، ١٤٢ كتاب: الكسوف باب: نوع آخر؛ وابن
ماجه (١٢٦٢) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة
الكسوف؛ وأحمد في ((المسند)» ٢٦٧/٤، ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٧، والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) ١/ ٣٣٠ كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف كيف هي؟
والحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٣٣٢ كتاب: الكسوف؛ والبيهقي في ((السنن الكبرى))
٣٣٢/٣، ٣٣٤ (٦٣٣٥- ٦٣٣٧) كتاب: صلاة الخسوف، باب: من صلى في
الخسوف ركعتين؛ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٢١٩) وقال: هذا إسناد منقطع.
(٢) رواه أبو داود (١١٩٤) كتاب: الصلاة، باب: من قال: يركع ركعتين؛ والنسائي
١٣٧/٣ كتاب: الكسوف، باب: نوع آخر. و ١٤٩/٣ كتاب: الكسوف، باب:
القول في السجود في صلاة الكسوف، وأحمد في ((المسند)) ١٥٩/٢، وابن حبان
في (صحيحه)) و ٧٩/٧ (٢٨٣٨) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الكسوف،
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)» (١٠٧٩)
(٣) ((المحلى)) ٩٥/٥.
(٤) ((التمهيد)) ٢٩٠/٥ - ٢٩١.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها :
فيه: تطويل صلاة الكسوف إلى الأنجلاء؛ عملًا بقوله: ((حَتَّى
يكشف ما بكم)) فإن ظن قرب الأنجلاء فلا يبتدئ بأخرى، وعليهم
الدعاء والتضرع إلى الآنجلاء.
خامسها :
في قوله أيضًا: (حَتَّى يكشف ما بكم)) أنه لا ينبغي قطعها حَتَّى
تنجلي، كذا استدل به قوم، فيقال لهم: قد جاء في أوله: ((فصلوا
وادعوا حَتَّى يكشف ما بكم)). وفي رواية: ((فافزعوا إلى ذكر الله،
ودعائه واستغفاره))(١) فأمر بالدعاء والاستغفار عندهما، كما أمر
بالصلاة، فدل ذلك أنه لم يرد عند الكسوف والصلاة خاصة، ولكن
أريد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار
وغيره.
واختلف بعض أصحاب مالك إن تجلت الشمس قبل فراغ الصلاة،
فقال أصبغ: يتمها على ما بقي من سنتها حَتَّى يفرغ منها، ولا ينصرف
إلا على شفع. وقال سحنون: يصلي ركعة واحدة وسجدتين ثم ينصرف،
ولا يصلي باقي الصلاة على سنة الخسوف(٢).
سادسها :
في قوله: ((فقام يجر رداءه)) ما كان عليه من خوف الله تعالى والبدار
إلى طاعته، ألا ترى أنه قام إلى الصلاة فزعًا، وجر رداءه شغلًا بما نزل.
وهذا يدل أن جر الثوب لا يذم إلا ممن قصد ذلك واعتمده.
(١) سيأتي برقم (١٠٥٩) كتاب: كسوف، باب: الذكر في الكسوف.
(٢) انظر: ((المنتقى)) ٣٢٧/١.

٣٠٧
كتاب الكسوف
=
وفيه: إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقادهم أن الشمس
تكسف لموت الرجل من عظمائهم، فأعلمهم أنها لا تنكسف لموت
أحد ولا لحياته، وإنما هو تخويف وتحذير.
وفيه: رد على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحد، وأنه
توجب تغيرات في العالم. وفيه: أن من تأول شيئًا يرى أنه صواب
وأخطأ ولم يخرج إلى بدعة ليس بآئم.
وفيه: أنه لا ينبغي السكوت عن الخطأ.
وفي قوله: ((فإذا رأيتموهما فصلوا)) دلالة أن تجمع في صلاة خسوف
الشمس كما تجمع في القمر، وروي ذلك عن ابن عباس، وعثمان بن
عفان، والليث، وعمر بن عبد العزيز، وبه قَالَ النخعي، وعطاء،
والحسن، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل
الحديث(١) عملًا بهذا الحديث. وقالوا: قد عرفنا كيف الصلاة في
أحدهما، فكان ذلك دليلًا على الصلاة عند الأخرى.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ليس في خسوف القمر جماعة،
وإنما يصلونها في البيوت فرادى غير مجتمعين(٢).
واستدلوا بأنه لم يجتمع فيه كما في الشمس، وقد قَالَ: ((أفضل
صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (٣) وحملوا قوله: ((فافزعوا إلى
الصلاة)) أي: جماعة في الكسوف، وفرادى في الخسوف. قَالَ مالك:
(١) أنظر: ((حلية العلماء)) ٢٦٩/٢، ((روضة الطالبين)) ٨٥/٢، ((الإعلام)) ٢٧٤/٤،
((المستوعب)) ٧٦/٣، ((المغني)) ٣٢٢/٣.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٢/١، ((المبسوط)) ٧٦/١، ((بدائع الصنائع))
٢٨٢/١، ((المدونة)) ١٥٢/١، ((التفريع)) ٢٣٧/١، ((المعونة)) ١٨٤/١.
(٣) سبق برقم (٧٣١) كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل.

٣٠٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنه وَلهو جمع لكسوف القمر، ولا نقل عن أحد
من الأئمة بعده وَّ أنه جمع فيه (١). قَالَ المهلب: ويمكن أن يكون تركه
-والله أعلم- رحمة للمؤمنين؛ لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيحطمهم الناس
ويسرقونهم. يدل على ذلك قوله وَلقر لأم سلمة - ليلة نزول التوبة على
كعب بن مالك وصاحبيه- قالت لهم: ألا أبشر الناس، فقال ◌َله :
((أخشى أن يحطمكم الناس))(٢)؛ وفي حديث آخر: ((أخشى أن يمنع
الناس نومهم))(٣). وقد قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ الَّتْلَ وَالنَّهَارَ
لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ جعل السكون في الليل من النعم التي عددها على
عباده، وقد سمي ذلك رحمة.
وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى، وقال: خسوف القمر
يتفق ليلًا فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناس نيامًا، فيثقل عليهم
الخروج لها، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس؛ لأنه يدرك
الناس مستيقظين متصرفين ولا يضر اجتماعهم كالعيدين والجمعة
والاستسقاء(٤).
قلتُ: وصلى ابن عباس بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين، ثم
قَالَ: إنما صليت لأني رأيت رسول الله وَّلم يصلي. رواه الشافعي في
((مسنده))(٥)، وذكره ابن التين بلفظ: أنه صلى في خسوف القمر، ثم
خطب وقال: يا أيها الناس، إني لم أبتدع هذِه الصلاة بدعة، وإنما
(١) ((المدونة)) ١٥٣/١.
(٢) سيأتي برقم (٤٦٧٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ
◌ُلِّقُواْ﴾.
(٣) رواه الدارقطني ٦٤/٢ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٤٩/٣ - ٥٠.
(٥) (مسند الشافعي)) ١٦٣/١ - ١٦٤ (٤٧٦).

٣٠٩
كتاب الكسوف
فعلت كما رأيت رسول الله سي فعل. وقد علمنا أنه صلاها في جماعة
لقوله: (خطب) لأن الفرد لا يخطب.
وروى الدارقطني، عن عروة، عن عائشة أنه ◌َل # كان يصلي في
كسوف الشمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، ويقرأ في
الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بياسين(١) فيه إسحاق بن
راشد، وهو من رجال البخاري والأربعة صدوق. وروى الدارقطني
أيضًا من حديث ابن عباس أنه ◌َ ر صلى في كسوف القمر والشمس
ثماني ركعات في أربع سجدات(٢)، وروى ابن عبد البر من حديث
أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي أنه سي﴿ قَالَ: ((إذا أنكسفت الشمس أو
القمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها مكتوبة))(٣). وقوله هنا: ((فإذا
رأيتموهما فصلوا)) يعني: آية الشمس والقمر، وفي رواية: ((فإذا
رأيتموها)) يعني: الآية (٤).
الحديث الثاني :
حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
قَيْسِ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ
يَنْكَّسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آَيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلَّوا)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(٥)، ويأتي في بدء الخلق (٦).
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ٦٤ كتاب: العيدين، باب: صفة صلاة الخسوف.
(٣) رواه في (التمهيد)) ٣٠٥/٣، ورواه أيضًا أبو داود (١١١٨) وتقدم تخريجه قريبًا.
(٤) ستأتي برقم (١٠٤٢) كتاب: الكسوف، باب: الصلاة في كسوف الشمس.
برقم (٩١١) صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة.
(٦) برقم (٣٢٠٤) باب: صفة الشمس والقمر.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
و(أبو مسعود): هو عقبة بن عمرو.
و(قيس) هو ابن أبي حازم تابعي، و(إسماعيل) هو ابن أبي خالد.
و(إبراهيم) ثقة مات سنة ثمان وسبعين ومائة.
وشيخ البخاري (شهاب بن عباد) ثقة، أخرج له مسلم أيضًا، مات
سنة أربع وعشرين ومائتين(١). ولهم شهاب بن عباد آخر، روى له
البخاري في ((الأدب)) خارج ((الصحيح))(٢).
و(الآية): العلامة، ويحتمل هنا أن المراد: من آياته التي يستدل بها
على الوحدانية، والعظمة، والقدرة، أو أنهما من علامات تخويفه
وتحذيره وسطوته، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾
[الإسراء: ٥٩].
الحديث الثالث :
حديث ابن عمر مرفوعًا: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ .. ))
الحديث. ويأتي في بدء الخلق(٣)، وأخرجه مسلم أيضًا (٤).
(١) هو: شهاب بن عباد العبدي، أبو عمر الكوفي. قال أحمد بن عبد الله العجلي:
كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة رضى. وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات)).
انظر: ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٣٥/٤ (٢٦٣٧)، ((معرفة الثقات)) ٤٦١/١
(٧٤٠)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦٣/٤ (١٥٨٩)، ((تهذيب الكمال)» ٥٧٣/١٢-٥٧٥
(٢٧٧٧).
(٢) هو: شهاب بن عباد العبدي العصري البصري، والد هود بن شهاب. ذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
روى له البخاري في كتاب ((الأدب)).
انظر: ترجمته في: ((التاريخ الكبير)» ٢٣٤/٤ (٢٦٣٥)، ((الجرح والتعديل)) ٤/
٣٦١ (١٥٨٢)، ((تهذيب الكمال)) ٥٧٥/١٢ - ٥٧٦ (٢٧٧٨).
(٣) سيأتي برقم (٣٢٠١) باب: صفة الشمس والقمر.
(٤) برقم (٩١٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف.

٣١١
كتاب الكسوف
الحديث الرابع :
حديث المغيرة قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ ... الحديث وأخرجه مسلم
والنسائي أيضًا (١)، ويأتي قريبًا(٢).
(١) مسلم برقم (٩١٥) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف.
(٢) برقم (١٠٦٠) كتاب: الكسوف، باب: الدعاء في الخسوف.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢ - باب الصَّدَقَةِ في الكُسُوفِ
١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ
وَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ وَهُوَ
دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ.
الشُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ أَنْصَرَفَ وَقَدِ أَنْجَلَتِ
الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلَِكَ
فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا)). ثُمَّ قَالَ: ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، والله مَا مِنْ أَحَدٍ
أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، والله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)). [١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٤،
١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤، ٥٢٢١، ٦٦٣١ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٥٢٩/٢]
ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ
وَ لحر .. الحديث.
وأخرجه مسلم والأربعة(١)، ووصف صلاة الكسوف: في كل ركعة
قيامان وقراءتان وركوعان، والسجدتان على حالهما، وبه قَالَ الشافعي،
وهو مروي عن مالك والليث وأحمد وأبي ثور، وأكثر أهل الحجاز(٢)،
وهو كذلك في حديث ابن عباس الآتي في صلاتها جماعة(٣)، وحديث
(١) ((صحيح مسلم)) (٩٠١) كتاب: صلاة الكسوف، باب: صلاة الكسوف.
(٢) انظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ١٧٦/١، ((الذخيرة)) ٤٢٩/٢، ((الأوسط)) ٣٠٠/٥،
((حلية العلماء)) ٢٦٧/٢، ((إحكام الأحكام)) ص٣٥٩، ((المستوعب)) ٧٤/٣،
«المغني» ٣٢٣/٣.
(٣) سيأتي برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف جماعة.

٣١٣
= كتاب الكسوف
عبد الله بن عمرو الآتي في طول السجود فيه(١).
قَالَ أبو عمر: وحديث عائشة أثبت حديث وأصحه. قَالَ ابن التين:
ورواية ابن عباس أيضًا كذلك.
قولها: (فأطال القيام) أي: لطول القراءة. وفي حديث ابن عباس
نحوًا من سورة البقرة، وفسره ابن شهاب بعد هذا فقال: فاقترا قراءة
طويلة.
فرع :
تستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية
والرابعة فيقرأ بها أيضًا عندنا، وعند مالك يقرأ السورة، وفي الفاتحة
قولان: قَالَ مالك: نعم، وقال ابن مسلمة: لا(٢).
وقولها: (وهو دون القيام الأول) أراد به أن القيام الأول أطول من
الثاني في الركعة الأولى، وأراد أن القيام في الثانية دون القيام الأول في
الأولى، والركوع الأول فيها دون الركوع الأول في الأولى، وأراد
بقوله: (في القيام الثاني) في الثانية أنه دون القيام الأول فيها،
وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها، قَالَ أبو عمر: وقد
قيل غير هذا، وهذا أصح ما قيل في ذلك عندي -والله أعلم- لتكون
الركعتان معتدلتين في أنفسهما، فكما ينقص القيام الثاني في الركعة
الأولى عن القيام الأول فيها، والركوع الثاني من الأول أيضًا عن
الركوع الأول فيها نفسها، فكذلك تكون الركعة الثانية ينقص قيامها
الثاني عن قيامها الأول إلى آخره، ثم قَالَ: وجائز على القياس أن
(١) سيأتي برقم (١٠٥١) كتاب: الكسوف، باب: طول السجود في الكسوف.
(٢) انظر: ((المعونة)) ١٨١/١، ((المنتقى)) ٣٢٦/١، ((الوسيط)) ٣٤٠/١، ((حلية
العلماء)» ٢٦٧/٢-٢٦٨.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
يكون القيام الأول في الثانية مثل القيام الثاني في الأولى، وجائز أن
یکون دونه(١).
وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من
الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع
الثاني من الثانية أقصر من الأول منها من الثانية، واختلفوا في القيام
الأول والركوع الأول من الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني
والركوع الثاني من الركعة الأولى؟ ويكون هذا معنى قوله: (وهو دون
القيام الأول ودون الركوع الأول) أم يكونان سواء؟ ويكون قوله: دون
القيام أو الركوع الأول، أي: أول قيام وأول ركوع.
وقولها: (ثم ركع فأطال الركوع) يعني : أنه خالف به عادته في سائر
الصلوات كما في القيام(٢)، قَالَ مالك: ويكون ركوعه نحوًا من قيامه
وقراءته(٣).
وقولها (ثم سجد فأطال السجود) هو ظاهر في تطويله.
قَالَ أبو عمر عن مالك: لم أسمع أن السجود يطول في صلاة
الكسوف(٤)، وهو مذهب الشافعي.
رأت فرقة من أهل الحديث تطويل السجود في ذلك.
قلتُ: وجمهور أصحابنا على أنه لا يطول بل يقتصر على قدره في
سائر الصلوات. وقال المحققون منهم: يستحب إطالته نحو الركوع الذي
قبله، وهو المنصوص في البويطي(٥)، وهو الصحيح للأحاديث الصريحة
(١) ((التمهيد)) ٢٨٩/٥.
(٢) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٩٩/٦.
(٣) انظر: ((التمهيد)) ٢٨٩/٥.
(٥) انظر: ((روضة الطالبين)) ٨٤/٢.
(٤) ((التمهيد)) ٢٨٩/٥.

٣١٥
كتاب الكسوف
الصحيحة في ذلك، والخلاف عند المالكية: فاستحبه ابن القاسم، وقال
مالك وابن حبيب: لا(١).
وقولها: (فخطب الناس) صريح في استحبابها، وبه قَالَ الجمهور،
منهم الشافعي، وإسحاق، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث(٢)،
وتكونان بعد الصلاة. وخالف الأئمة الثلاثة فقالوا: لا يشرع لها
الخطبة(٣)، ووافقنا أحمد في رواية (٤)، وأغرب ابن التين فعزاه إلى
أبي حنيفة أيضًا، والحديث رواه مالك، وخالفه؛ لأنه لم يشتهر.
وأغرب ابن قدامة فقال: الشارع أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير
والصدقة، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، ولأنها
صلاة يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، قَالَ: وإنما جعلت
بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر
ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة(٥)، وكله غريب منه عجيب،
وأبعد منه من قَالَ: خطب ◌َّهِ بعدها، لا لها؛ ليردهم عن قولهم: إن
الشمس كسفت لموت إبراهيم وكذا قول ابن التين، يريد أتى بكلام
على نظم الخطب، فيه ذكر الله ووعظ للناس، وليس بخطبتين يرقى
لهما المنبر، ويجلس في أولهما وبينهما.
وقوله: (((وتصدقوا))) فيه: استحبابها في هذه الحالة، وهو ما ترجم له.
وفيه: الأمر بالدعاء والتضرع في التوبة والمغفرة وصرف البلاء،
(١) انظر: ((التفريع)) ٢٣٦/١، ((المنتقى)) ٣٢٧/١.
(٢) ((الأم)) ٢١٧/١، ((الأوسط)) ٣٠٨/٥، ((الحاوي)) ٥٠٧/٢، ((المهذب)) ٤٠٢/١.
(٣) انظر: ((الهداية)) ٢٩٥/١، ((بدائع الصنائع)) ٢٨٢/١، ((التفريع)) ٢٣٦/١، ((الاستذكار))
٤١٨/٢، ((بداية المجتهد)) ٤٠٦/١، ((المستوعب)) ٧٨/٣، ((الكافى)) ٥٣٠/١.
(٤) انظر: ((الفروع)) ١٥١/٢، ((شرح الزركشي)) ٥٠٤/١، ((المبدع» ١٩٧/٢.
(٥) («المغني)) ٣٢٨/٣.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأمر بالتكبير؛ لأنه يتقرب به إليه، ويستدفع به سطوته، وأمرهم
بالصدقة؛ لأنها من أقرب الأعمال التي يمكن استعجالها. وأما الصوم
والحج والجهاد فتأخر أمرها.
وقولها: (ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى) يعني:
من التعبير بالتكرار والتطويل.
وقولها: (ثم أنصرف) يعني: من الصلاة (وقد أنجلت الشمس). وفي
((الموطأ)): تجلت(١) فيحتمل أن انصرافه كان عند التجلي، وهي السنة،
فإن أتم الصلاة قبل الأنجلاء فلا تعاد، ولكن يصلي إن شاء لنفسه
ركعتين، ويحتمل أن يريد أنصرف وقد كانت تجلت.
وقوله: ( ((ما من أحد أغير من الله)) ) وفي مسلم: ((إن من أحد أغير
من الله))(٢) بكسر همزة (إن) وإسكان النون، وهو بمعنى: ما من أحد
أغير من الله، وعلى هذا ((أغير)) بالنصب خبر إن النافية، فإنها تعمل
عمل ما عند الحجازيين، وعلى التميمية هو مرفوع على أنه خبر
المبتدأ الذي هو («أحد)»، ومعناه: ليس أحد أمنع من المعاصي من
الله، ولا أشد له كراهية لها منه تعالى.
وفيه: عظة الناس عند الآيات، وأمرهم بأعمال البر، ونهيهم عن
المعاصي، وتذكرهم نعمات الله.
وأن الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقم وترفع العذاب،
ألا ترى قوله عليه للنساء: ((تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار))(٣).
(١) ((الموطأ)» ص١٣٢.
(٢) (صحيح مسلم)) (٩٠١) كتاب: صلاة الكسوف، باب: صلاة الكسوف.
(٣) سيأتي برقم (١٤٦٢) في الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب. ورواه مسلم (٨٠)
كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. عن أبي سعيد.

٣١٧
كتاب الكسوف
وفيه: الإعلام بأنه ليس أحد أغير من الله، وإذا كان الواحد منا يغار
أن يرى عبده أو أمته، وليس أحد أغير منه، فيجب أن يحذر عقوبته في
مواقعة الزنا، وأقسم على ذلك للتأكيد، وناداهم (يا أمة محمد)) على
معنى الإشفاق عليهم، كما يخاطب الرجل ولده: يا بني.
وقوله: ( ((لو تعلمون ما أعلم ... ))) إلى آخره يريد أنه خصه وَّيقول بعلم
لا يعلمه غيره، فلعله أن يكون ما رآه في عرض الحائط من النار، ورأى
منها منظرًا شديدًا لو علمت أمته من ذلك ما علم لكان ضحكهم قليلًا
وبكاؤهم كثيرًا؛ إشفاقًا وخوفًا.
ثم حديث الباب دال على أن في كل ركعة يكرر القيام والركوع
-كما سلف- وصح في مسلم في كل ركعة ثلاث ركوعات(١)، وصح فيه
أربعة (٢)، وروى أبو داود والحاكم: خمسة (٣)، وقيل: إن روايات
الركوعين أصح وأشهر.
قال ابن العربي(٤): لا خلاف أن صلاة الكسوف ركعتان في
الأصل، ولكن اختلفت الروايات هل كل ركعة من ركعة أو ركعتين
(١) (صحيح مسلم)) (٩٠٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي وَلـ
في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.
(٢) (صحيح مسلم)) (٩٠٨) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ذكر من قال: إنه ركع ثمان
رکعات في أربع سجدات.
(٣) أبو داود (١١٨٢) كتاب: الصلاة، باب: من قال: أربع ركعات، والحاكم في ١/
٣٣٣ كتاب: الكسوف، باب: في كل ركعة خمسة ركوعات وسجدتان، وقال:
الشيخان قد هجرا أبا جعفر الرازي ولم يخرجا عنه وحاله عند سائر الأئمة أحسن
الحال وهذا الحديث فيه ألفاظ ورواته صادقون، وتعقبه الذهبي بقوله: خبر منكر،
وعبد الله بن أبي جعفر ليس بشيء، وأبوه فيه لين، والحديث ضعفه الألباني في
(ضعيف أبي داود)) (٢١٤)، وفي ((الإرواء)) (٦٦١).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) ٤٠/٣.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو من ركعات؟ ففي رواية عائشة في الترمذي: ثلاثًا في واحدة(١)، قَالَ:
وكذا في مسلم عن جابر (٢).
وقال ابن قدامة: مقتضى مذهب أحمد جواز صلاتها على كل صفة، إلا أن
اختیاره من ذلك رکعتان في کل رکوع. قال أحمد: وروی ابن عباس، وعائشة في
صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات، وأما علي فيقول: ست ركعات
وأربع سجدات، وكذا حذيفة، وهذا قول إسحاق، وابن المنذر(٣)، وبعض
أهل العلم. قَالَ: وتجوز على كل صفة صح أنه ژ فعلها، وقد روي عن
عائشة وابن عباس أنه وُّ صلى ست ركعات وأربع سجدات(٤).
فائدة: قَالَ المهلب في الحديث: إن أكثر ما يهدد ◌ّ* في ذلك
بالكسوف إنما كان من أجل الغناء، وذلك عظيم في عهد النبوة وطراوة
الشريعة، فلذلك قَالَمَ ﴿ هذا القول في قوله: ((والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)» دليل على أنهم كانوا مقبلين على اللهو
واللعب، وكذلك كانت عادة الأنصار قديمًا، يحبون الغناء واللهو
والضحك. ألا ترى قوله وي ليه لعائشة وإقبالها من عرس: ((هل عندكم
لهو؟ فإن الأنصار تحب اللهو))(٥) فدل على أن أتباع اللهو من الذنوب
التي توعد عليها بالآيات. شهد بذلك حديث المعازف والقيان(٦).
(١) رواه الترمذي برقم (٥٦٠) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف. من
رواية ابن عباس وليس عائشة. وأما حديث عائشة فرواه مسلم برقم (٩٠١) .
(٢) برقم (٩٠٤) كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ◌َّ في صلاة الكسوف.
(٣) أنظر: ((الأوسط)) ٣٠١/٥، وأنظر: ((عارضة الأحوذي)) ٤٠/٣.
(٤) ((الأوسط)) ٣٠٣/٥-٣٠٤.
(٥) سيأتي برقم (٥١٦٢) كتاب: النكاح، باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها.
(٦) سيأتي برقم (٥٥٩٠) كتاب: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه
بغير اسمه، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٤/٣.

٣١٩
= كتاب الكسوف
٣ - باب النِّدَاءِ بِالصَّلاَةُ جَامِعَةٌ في الكُسُوفِ
١٠٤٥ - حَذَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَجْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ
سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلََّمِ الَحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ أَبِ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ:
لَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نََّ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ. [١٠٥١ -
مسلم: ٩١٠ - فتح: ٥٣٣/٢]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَهِ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ.
هذا الحديث يأتي بزيادة قريبًا في باب طول السجود فيه (١).
وأخرجه مسلم أيضًا، والنسائي(٢) وقال: روي عن أبي حفصة أيضًا
مولى عائشة عنها وأخرجه أيضًا(٣).
والبخاري رواه عن إسحاق، وذكر الجياني أن في الكسوف (٤)،
والوكالة(٥)، والأيمان والنذور(٦)، وعمرة الحديبية(٧): إسحاق عن
يحيى بن صالح، لم ينسبه أحد من شيوخه فيما بلغه، ويشبه أن يكون
ابن منصور كما ذكره مسلم (٨) في كتابه حديثًا خرجه به البخاري في
(١) سيأتي برقم (١٠٥١).
(٢) (صحيح مسلم)) (٩١٠) كتاب: الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف.
(سنن النسائي)) ١٣٦/٣ كتاب: الكسوف، باب: كيف صلاة الكسوف.
(٣) (سنن النسائي)) ١٣٧/٣.
(٤) سيأتي برقم (١٠٤٥).
(٥) سيأتي برقم (٢٣١٢).
سيأتي برقم (٦٦٢٦).
(٦)
(٧) سيأتي برقم (٤١٧١)
(٨) مسلم (١٥٩٤).

بـ
٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الوكالة(١). وكما أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)). قَالَ: رواه عن
إسحاق، عن یحیی، فلم یبین.
وذكر المزي في ترجمة إسحاق بن منصور علامة مسلم، وأنه روى
عن يحيى بن صالح الوحاظي، فلم يعلم للبخاري، فلم يذكر في ترجمة
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه روى عن يحيى بن صالح(٢).
وذكر في ترجمة يحيى بن صالح أن إسحاق بن منصور الكوسج روی
له مسلم، وأن إسحاق غير منسوب، روى له البخاري(٣).
قَالَ: ويقال: إنه الكوسج، ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي
مشدد اللام فيهما. وقد نص عليه الجياني، وهو ثقة، مات سنة أربع
وستين ومائة.
والحبشي نسبة إلى بلاد الحبش كما نقله الجياني عن عبد الغني.
وقال ابن معين: الحبش حي من حمير. وقال بعضهم: الحُبشي -بضم
الحاء وإسكان الباء- وكذا قيده الأصيلي وغيره في ((الجامع))، يقال:
حَبش وحُبش، وعَرب وعُرب، وعَجم وعُجم.
وهذا أيضًا ذكره صاحب ((المطالع))، وذكر أن كذا ضبطه الأصيلي
مرة وأبو ذر، وكذا قَالَ ابن التين: ضبط في بعض الكتب بالفتح، وفي
بعضها بالضم، وهو ما رويناه في رواية الشيخ أبي الحسن. قَالَ: قيل:
(١) هو ما سيأتي برقم (٢٣١٢).
وانظر: ((تقييد المهمل)) للجياني ٩٦٨/٣ -٩٦٩.
وقد نص الجياني على ذلك في ((تقييد المهمل)) ٢٣١/١-٢٣٢.
وانظر أيضًا: ((التقييد)) ٢٩٢/٢.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٤٧٤/٢ ترجمة (٣٨٣).
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٣٧٥/٣١ ترجمة (٦٨٤٦).