النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الإِسْتِشْقَاء
=
أحدهما :
حديث أبي الضحى -مسلم بن صبيح - عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّ﴿ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِذْبَارًا قَالَ: ((اللَّهُمَّ
... )) الحديث
ويأتي قريبًا في باب استشفاع المشركين بالمسلمين، وفي مواضع من
التفسير في سورة يوسف والروم والدخان(١). وأخرجه مسلم في التوبة
والترمذي والنسائي في التفسير (٢).
والكلام عليه من أوجه:
أحدها :
قوله: (كنا عند عبد الله) هو ابن مسعود، وجاء عنه: كنا جلوسًا
عنده، وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن
قاصًا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ
بأنفاس الكفار، وتأخذ المؤمن كهيئة الزكام فقال عبد الله -وجلس
وهو غضبان -: يا أيها الناس، اتقوا الله. من علم منكم شيئًا، فليقل
بما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل: الله أعلم. فإنه أعلم لأحدكم أن
يقول لما يعلم: الله أعلم، فإن الله قَالَ لنبيه: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ
(١) سيأتي برقم (١٠٢٠) كتاب: الاستسقاء، باب: إذا استشفع المشركون و (٤٦٩٣)
كتاب: التفسير، باب: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾. و (٤٧٧٤) باب:
سورة الروم. و (٤٨٢٢) باب: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابِ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
(٢) (صحيح مسلم)) (٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان. و((سنن
الترمذي)) (٣٢٥٤) باب: ومن سورة الدخان. والنسائي في ((الكبرى)) ٤٥٥/٦
(١١٤٨١) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾، وقال
الترمذي: حسن صحيح.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أَجْرِ وَمَا أَنَأْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ ﴾﴾ [ص: ٨٦] والمراد بالناس هنا: كفار قريش،
كما قاله ابن التين. وجاء في رواية: لما دعا قريشًا كذبوه، واستعصوا
عليه، فقال: ((اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف)) (١).
الثاني :
قوله: «اللهم سبعا کسیع یوسف» هذا إشارة إلى قوله تعالى:
يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ﴾ [يوسف: ٤٨] وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَابًا﴾.
[يوسف: ٤٧]
وفيه: جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيرهما. وإنما دعا
عليهم بالسبع إرادة بالإضعاف بالجوع عن طغيانهم؛ فإن نفس الجائع
أخشع لله، وأقرب إلى الانقياد والتذلل، نبه عليه المهلب، وأجاب
الله دعاء نبيه، فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء، حَتَّى أكلوا الجلود
والميتة والجيف، وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا في رد العذاب
عنهم.
وفيه: الدعاء على الظلمة بالهلاك.
والسَّنة -بفتح السين -: القحط والجدب قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ
ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] و((حصَّت)) - بالحاء والصاد
المهملتين- أي: استأصلت وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض،
والأحَصُّ: القليل الشعر، وحصَّ رحمه: قطعها.
ثالثها :
قوله: (فَيَنْظُرُ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَنظر الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ). قد فسر
ابن مسعود -فيما ذكره ابن الجوزي- الدخان في هذا الحديث بأنه كان
(١) سيأتي برقم (٤٨٢٣).

٢٢٣
- كتاب الإِسْتِسْقَاء
من شدة جوع أهل مكة كأن أحدهم يرى ما بينه وبين السماء، كهيئة
الدخان، وأنه يمور فأنكر أن يكون دخان يجيء قبل يوم القيامة،
وقال: أفيكشف عذاب الآخرة، يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِقُواْ
اُلْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥] (١) وقد ذهب إلى ما أنكره ابن مسعود
جماعة، وقالوا: إنه دخان يأتي قبل قيام الساعة، وهو مروي عن
علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن(٢)، وعن
حذيفة بن أَسِيد مرفوعًا: ((إن من اشراط الساعة دخانًّا يمكث في
الأرض أربعين يومًا))(٣) ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا
اُلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ [الدخان: ١٢] وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا
١٥
إِنَّكُمْ عَابِدُونَ
رابعها :
قوله: فأتاه أبو سفيان: هو صخر بن حرب والد معاوية، وكان إذ
ذاك كافرا؛ لأن هذه القضية كانت قبل الهجرة إلى المدينة.
وقوله: (وإن قومك). أي: قريش قد هلكوا أي: من القحط
والجدب وقوله: فذلك ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]
يعني: يوم بدر، وقال جماعة إنها يوم القيامة. وفي رواية أسباط عن
منصور، فدعا ◌َّ فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعًا (٤).
(١) ((زاد المسير)) ٧/ ٣٤٠.
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) ٢٢٧/١١-٢٢٨ (٣١٠٥٦-٣١٠٦٢).
(٣) رواه مسلم (٢٩٠١) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في الآيات التي تكون قبل
الساعة. والترمذي (٢١٨٣) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في الخسف. وابن ماجه
(٤٠٤١) كتاب: الفتن، باب: أشراط الساعة، والطبري في ((تفسيره)) ٣/ ١٧٢.
(٤) سيأتي برقم (١٠٢٠) كتاب: الاستسقاء، باب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين
عند القحط.

٢٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه من الفوائد :
إجازة استشفاع المشركين بالمسلمين، والإجابة إذا رجي رجوعهم
إلى الحق، وقد ترجم عليه البخاري بذلك كما ستعلمه قريبًا. وكانت
هذه القصة والنبي وقيل بمكة قبل الهجرة كما سلف آنفًا.
وفيه: أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها أن
يرفق بهم ويأخذ عفوهم، ويدعو لهم بالصلاح، ويكف عن ثمارهم
وزرعهم، وإن أيس من إنابتهم فلا يدعو لهم بل عليهم، ولا بأس
حينئذٍ بقطع ثمارهم وزرعهم.
وقال المهلب: الدعاء على المشركين يختلف معناه، فإذا كانوا
منتهكين لحرم الدين وحرم أهله، فالدعاء عليهم واجب وعلى كل من
سار بسيرهم من أهل المعاصي في الانتهاك، فإن لم ينتهكوا حرم
الدين وأهله، وجب أن يُدعى لهم بالتوبة، كما قَالَ بَّه حين سُئل أن
يدعو على دوس: ((اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم)) (١) وقيل: إنما يجب
الدعاء على أهل المعاصي في حين انتهاكهم وأما عند إدبارهم
وتركهم، فيجب أن يُدعى لهم بالتوبة. ورُوي أن الصديق وزوجته كانا
يدعوان على ابنهما عبد الرحمن بالهلاك يوم بدر إذا حمل على
المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة.
وفيه أيضًا: إقرار الكفار بفضل نبينا، وقربه من ربه، والتشفع به،
وأن ذلك عادة من الله علموها، ولولاها ما لجأوا إليه في كشف الضر
عند إشرافهم على الهلاك، وذلك أدل دليل على معرفتهم بصدقه،
ولكن الحسد والأنفة الجاهلية حملتهم على معاندته ومعاداته
(١) سيأتي برقم (٦٣٩٧) كتاب: الدعوات، باب الدعاء للمشركين.

٢٢٥
= كتاب الإِسْتِسْقَاء
ومخالفته، لما سبق في أم الكتاب من كفرهم، أعاذنا الله تعالى من العناد
وغيره.
خامسها :
قوله: (وقد مضت البطشة يوم بدر). هذا على قول ابن مسعود وقد
مضت، وعلى قول الجماعة السالفة تكون يوم القيامة.
وقوله: (وقد مضت الدخان) هو مجاز على قول ابن مسعود،
واللزام: هو ما أصابهم من القتل يوم بدر، ذكره ابن أبي حاتم، عن
ابن مسعود، وأَبي ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك(١).
قَالَ القرطبي: وعلى هذا فالبطشة واللزام واحد، وإليه نحا ابن
مسعود(٢)، وهو قول أكثر الناس. وعن الحسن: إن اللزام يوم
القيامة، وعنه يكون موتًا، وعنه: يكون بذنبكم عذابًا لازمًا لكم(٣).
وفي رواية البرقاني قوله: فسوف يكون لزامًا يوم بدر (1).
وقال ابن العربي: قَالَ أبو عيسى: اللزام: يوم بدر، والذي عندي
أن المراد به الانتقام منهم بظهوره عليهم حَتَّى يؤمنوا أو يهلكوا.
قَالَ: وقال البخاري في حديث مسروق، عن عبد الله: أن
البطشة الكبرى يوم بدر وهو الصحيح أقوى من كلام أبي عيسى عن
(٥)
نفسه(٥).
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٧٤٦/٨ (١٥٥١٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في «تفسيره)) ١٦٨/٢، ١٦٩ (٢٨٠٣). وانظر: ((الجامع لأحكام
القرآن)) للقرطبي ٨٦/١٣.
(٣) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٧٤٦/٨ (١٥٥١٣).
(٤) رواه مسلم (٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان.
(٥) ((عارضة الأحوذي)) ١٣٥/١٢ -١٣٦.

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
.وفي ((الصحيح)) عن مسروق، عن عبد الله قَالَ: خمسٌ قد مضين:
الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر (١). وقوله: (وآية الروم)
تأتي في سورة الروم إن شاء الله وحاصلها أن المسلمين حين اقتتلت
فارس والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم أهل
كتاب، وكان كفار قريش يحبون ظهور فارس؛ لأنهم مجوس، وكفار
قريش عبدة أوثان، فتخاطر(٢) أبو بكر وأبو جهل في ذلك أي:
أخرجا سبقًا وجعلوا بينهم مدة بضع سنين.
فقال وَّم للصديق: ((إن البضع قد يكون إلى تسع- أو قَالَ: إلى سبع
فزد في المدة -أو- في الخطار)) ففعل، فغلبت الروم(٣) فقال تعالى:
﴿الَّ ٥ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾﴾. يعني: المدة الأولى قبل الخطار ثم
قَالَ: ﴿وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَيِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعٍ سِنِينَ﴾﴾ إلى قوله:
﴿يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤-٥] يعني: بغلبة الرومِ
(١) سيأتي برقم (٤٧٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. ورواه مسلم
(٢٧٩٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الدخان.
(٢) الخَطَرُ: السبق الذي يتراهن عليه. (العين)) ٢١٣/٤.
(٣) رواه ((الترمذي)) (٣١٩٣) كتاب: تفسير القرآن، باب: من سورة الروم، والنسائي
في ((الكبرى)» ٤٢٦/٦ (١١٣٨٩) كتاب: التفسير، باب: سورة الروم، والبخاري
في: ((خلق أفعال العباد)» ٣٨ (١١٥). وأحمد في ٢٧٦/١، ٣٠٤/١. والطبري في
((التفسير)) ١٦٣/١٠ (٢٧٨٦٥)، (٢٧٨٦٦) وابن أبي حاتم في ((التفسير))
٣٠٨٦/٩ (١٧٤٥٧) والحاكم. ٤١٠/٢ باب: تفسير سورة الروم، والبيهقي في
(دلائل النبوة)) ٢/ ٣٣٠-٣٣١ جماع أبواب المبعث، باب: ما جاء في آية الروم
وما ظهر فيها من الآيات كلهم عن ابن عباس.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)».

٢٢٧
كتاب الإِسْتِشْقَاء
-
فارسَ وربما أخذوا من الخطار، ويفرحون بالآية العظيمة التي لا يعلمها
إلا الله سبحانه خبَّرهم بما سيكون. قَالَ الشعبي: كان القمار في ذلك
الوقت حلالاً .
الحديث الثاني :
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ نَلِ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ .. )) الحديث.
وأخرجه أيضًا في التفسير في مواضع، وفي الجهاد والأدب
والإكراه (١)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٢).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة. صريح في الدعاء بعد ذلك.
وكذا جاء مصرحًا به في رواية: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))
(١) سبق برقم (٨٠٤) كتاب: الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد. وسيأتي في
(٢٩٣٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة.
و(٣٣٨٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف
وإخوته آيات للسائلين﴾.
و(٤٥٦٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿ليس لك من الأمر﴾.
و(٤٥٩٨) باب: قوله: ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾.
و (٦٢٠٠) كتاب: الأدب، باب: تسمية الوليد.
و(٦٣٩٣) كتاب: الدعوات، باب الدعاء على المشركين.
و (٦٩٤٠) كتاب: الإكراه.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٧٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع
الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، و((سنن النسائي)) ٢٠١/٢-٢٠٢ كتاب:
الافتتاح، باب: القنوت في صلاة الصبح.

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو قائم(١) وفي أخرى: من الركعة الثانية(٢)، وهو دال على أنه كان
في صلاة الصبح، ولهذا قَالَ أبو الزناد في آخره: وهذا كله في
الصبح. نعم جاء في أخرى أن ذلك كان في العشاء، وفي أخرى
الظهر والعشاء(٣).
ثانیھا :
عيَّاش بالمثناة تحت وبالشين المعجمة، واسم أبي ربيعة عمرو بن
المغيرة أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وكان إسلامه قبل دخول
رسول الله مدير دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة،
وهاجر إلى المدينة مع عمر، فقدم عليه أبو جهل والحارث ابنا
هشام، فذكر له أن أمه حلفت أن لا تدخل رأسها دهن، ولا تستظل،
حَتَّى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وقُتل يوم اليرموك،
وقيل: مات بمكة (٤).
وسلمة بن هشام هو ابن المغيرة (بن عم)(٥) خالد بن الوليد، أخو
أبي جهل، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة،
فأخذه أخوه أبو جهل فحبسه وضربه، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق،
(١) سبق برقم (٨٠٤) كتاب: الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد.
(٢) رواه النسائي ٢/ ٢٠١ كتاب: الافتتاح، باب: القنوت في صلاة الصبح. وابن
حبان ٣٢١/٥ (١٩٨٣) كتاب: الصلاة، فصل في القنوت. والبيهقي ١٩٧/٢
(٣٠٨٦) كتاب: الصلاة، باب: القنوت في الصلوات عند نزول النازلة.
(٣) سبق برقم (٧٩٧) كتاب: الأذان، باب: فضل اللهم ربنا ولك الحمد.
(٤) انظر: ((معجم الصحابة)) ٣٠٦/٢ (٨٤٦)، و((أسد الغابة)) ٢٢٠/٤ (٤١٣٩)،
و((الإصابة)) ٤٧/٣ (٦١٢٣).
(٥) في الأصل: بن عمر بن، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في مصادر
الترجمة.

٢٢٩
كتاب الإِسْتِشْقَاء
ولم يزل بها حَتَّى مات رسول الله وَّر، وقتل بمرج الصفر(١) في ربيع
الأول سنة أربع عشرة، وقيل: بأجنادين(٢).
والولید هو أخو خالد بن الوليد، أُسر یوم بدر كافرًا، فافتدى أسره
أخواه خالد وهشام بأربعة آلاف درهم، ولما افتدي خرجا به، فلما بلغا
ذا الحليفة أفلت، فأتى رسول الله وَير فأسلم، فقيل: هلا أسلمت قبل أن
تُقتدى؟ قَالَ: كرهت أن يُقال: جزعت من الأسر، فأخذ وخرجا به إلى
مكة وحبس ثم أفلت ولحق برسول الله وَلتر، وشهد عمرة القضية، وقيل:
لم يشهدها، وقيل: بل لما أفلت بمكة مشى على رجله، ومات عند بئر
أبي عنبة(٣).
ثالثها :
معنى ((اشدد وطأتك)) أي: اشدد بأسك وعقوبتك، وهو ما أصابهم
من الجوع والشدة وأصله: وطأ الرجل، وقوله: ((على مضر)) هم: أهل
مكة وما والاها، وقوله: ((كسني يوسف)) يعني: لا تنبت شيئًا، وقوله:
((كسني)) هذا على من جمع بالياء والنون. ومن قَالَ: سنون، ورفع النون
- فقيل وزنه فَعِيل، مثل مَكِيث وعَبِيد، وكسرت السين لكسرة ما بعدها.
قَالَ الأخفش: هو فِعْلين مثل غِسْلين، وهو جمع شاذ(٤).
(١) انظر: ((معجم الصحابة)) للبغوي ١٠١/٥.
(٢) أنظر: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٨٢/١ (٣٣٥)، و((أسد الغابة)) ٤٣٥/٢
(٢١٨٩)، و((الاستيعاب)) ٤٠٣/٢ (١٠٣٧).
(٣) انظر: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٨٨/٣-١٨٩ (١١٦٧)، و ((الاستيعاب))
١١٨/٤-١١٩ (٢٧٥٣)، و((أسد الغابة)) ٤٥٤/٥-٤٥٥ (٥٤٧٢)، و((الإصابة)»
٦٣٩/٣-٦٤٠ (٩١٥١).
(٤) انظر: ((لسان العرب)) ٢١٢٧/٤ مادة: سنه.

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: الدعاء على الظالم بالهلاك، وقد سلف. وللمستضعفين من
المؤمنين الذين سَمّى الرسول وأجمل في دعائه، ولأسرى المؤمنين
بالنجاة من أيدي العدو، وجواز الدعاء في الفرض بما ليس من
القرآن، وخالف في هذا الكوفيون(١). وقوله في غفار وأسلم، قَالَ
ذلك تفاؤلًا لهما من أسمائهما فألًا حسنًا، وكان يحبه.
وقال الخطابي: خص غفارًا -والله أعلم- بالمغفرة لمبادرتهم إلى
الإسلام، وحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم؛ لأن إسلامهم كان سلمًا
من غير (خوف)(٢)، ويقال: كان مع رسول الله وَّه يوم حنين من
أسلم أربعمائة، ومن غفار مثلها، وفي ذلك كله الدعاء بالمغفرة
للمؤمنين(٣).
(١) مذهب المالكية والشافعية أن المصلي يدعو في صلاته بما شاء سواء كان مما يوجد
في القرآن أم لا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يدعو إلا بما نُقل في الأثر.
انظر: ((الهداية)) ٥٦/١، ((عيون المجالس)) ٣١٩/١-٣٢٠، ((روضة الطالبين))
٢٦٥/١، ((الإفصاح)) ٣٢٤/١.
(٢) كذا بالأصل، والسياق يقتضي: حرب.
(٣) ((غريب الحديث)) ١٨٣/١.

٢٣١
كتاب الإِسْتِشقاء
٣- باب سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الإِسْتِسْقَاءَ إِذَا فَحَطُوا
١٠٠٨- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِغرٍ أَبِي طَالِبٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
[انظر: ١٠٠٩- فتح: ٤٩٤/٢]
١٠٠٩- وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالمَ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرٍ وَأَنَا
أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ◌َِّ يَسْتَشْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ. [انظر: ١٠٠٨ - فتح: ٤٩٤/٢]
١٠١٠- حَدَّثَنَا الْحْسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللهِ بنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ ﴾ كَانَ إِذَا فَحَطُوا اسْتَشْقَى بِالْعَبَّاسِ بِنِ عَبْدِ الْطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا
نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
[٣٧١٠- فتح: ٤٩٤/٢]
ذكر فيه حديث عبد الله بن دينار قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرٍ
أَبِي طَالِبٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: ثَّنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ◌َّهِ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ:
وَأَبْيَضَ .. البيت.
وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ.
وفي الأول أبو قتيبة، وهو: مسلم بن قتيبة الخراساني البصري،

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مات بعد المئتين(١)، وأبو طالب حضر استسقاء عبد المطلب والنبي
معه، كما ذكره الخطابي(٢) والسهيلي(٣) والتعليق المذكور أسنده ابن
ماجه، عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن
أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة(٤)، وفي لفظ: على
المنبر يستسقي(٥).
ثم ساق البخاري عن أنس: إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْد
الْمُطَّلِبِ ... الحديث.
وهو من أفراد البخاري عن الستة، وطوله الإسماعيلي، وجاء أنه
استسقى به عام الرمادة، واعترض الإسماعيلي فقال: ما رواه خارج
عن الترجمة إذ ليس فيه السؤال، تمحله ابن المنير فقال: فاعل
يستسقي الناسُ، وهو محذوف(٦)، وكذا قول عمر: (اللهم إنا كنا
نتوسل إليك بنبيك محمد)، دل أنهم كانوا يتوسلون وأن لعامة
المؤمنين مدخلًا في الاستسقاء.
قلتُ: ويؤخذ أيضًا من قوله على المنبر يستسقي، ومعلوم أنه
استسقى على المنبر لَمَّا سأله الأعرابي وقال: (هلكت الأموال .. )
الحديث. وهو صريح فيه وقت القحط، وقد بوب عليه البيهقي
(١) ورد بهامش الأصل: في ((الكاشف)) سنة مائتين.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢٤٣/٢.
(٣) (الروض الأنف)) ٣٠/٢.
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (١٢٧٢) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الدعاء في
الاستسقاء. وحسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)): (١٠٥٠).
(٥) رواه البيهقي ٣٥٢/٣ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الاستسقاء بمن ترجى بركة
دعائه.
(٦) ((المتواري)) ص١١٤.

٢٣٣
- كتاب الإِسْتِسْقَاء
بذلك(١)، وبوب على حديثي البخاري: الاستسقاء بمن يرجى بركة
دعائه(٢).
وعمر بن حمزة هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ابن أخي سالم
ابن عبد الله بن عمر، وأخرج له في ((الأدب)) أيضًا(٣)، وتكلم فيه أحمد
والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال: كان يُخطئ، وروى له مسلم،
وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال ابن عدي: هو ممن يُكْتَب
حديثه (٤).
والثِمَال -بكسر الثاء المثلثة: المعتمد والملجأ والكافي، وقيل: هو
المطعم في الشدة. وقوله: (عصمة للأرامل)، أي: ينلن ببركته وفضله ما
يقوم لهن مقام الأزواج. والأرامل يقع على الرجال والنساء، وقيل:
لا يقال: أرملة إلا في النساء، والصواب الأول، فقد صرح ابن
الأثير أن الأرامل في البيت المذكور المساكين رجالاً ونساءً، يُقال
لكل واحد منهما على انفراده أرامل، وهو بالنساء أخص وأكثر
(١) ((السنن الكبرى)) ٣٤٤/٣ كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: سؤال الناس الأمام
الاستسقاء إذا قحطوا.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٣٥٢/٣ كتاب: صلاة الاستسقاء.
(٣) ((الأدب المفرد)) (١٢٤٦، ١٢٦٣).
(٤) هو: عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري
المدني. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: أحاديثه مناكير. قال النسائي:
ضعيف. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: عمر بن حمزة أضعف من عمر
ابن محمد بن زید. استشهد به البخاري في «الصحیح» وروئ له في «الأدب» وروی
له الباقون سوى النسائي.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٤٨/٦ (١٩٨٤)، و((الكامل)) ٣٥/٦
(١١٩٢)، و((الجرح والتعديل)) ١٠٤/٦ (٥٥٠)، و((تهذيب الكمال)) ٣١١/٢١-
٣١٢ (١٤٢٢١) .

٢٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
استعمالا، والواحد أرمل وأرملة، وهو من مات زوجه، وسواء كانا
غنيين أو فقيرين(١).
وقوله: (كان إذا قحطوا) قَحَط -بفتح القاف والحاء، ويضم القاف
مع كسر الحاء- أي: أبطأ عنهم الغيث.
وقوله: (حَتَّى يجيش كل ميزاب)، هو بالجيم، جاش البحر إذا
هاج، وجاشت القدر جيشانًا إذا غلت، وجاش الوادي والشيء إذا
ملئ وتحرك، فكأنه استعار ذلك للميزاب لتحرك الماء فيه عند كثرة
المطر وانصبابه، وقيل: يُروى بالجيم والحاء، كذا رأيته بخط الدمياطي.
وفيه: أن أبا طالب كان يعرف نبوة رسول الله بَّه قبل أن يُبعَث، بما
أخبره مخبر، أو بما وصى به عبد المطلب مما سمع عبد المطلب من
سيف بن ذي يزن. واستسقاء عمر بالعباس فللرحم التي كانت بينه
وبين رسول الله وَّر، وأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه ويتوصل إلى
من أمر بصلة الأرحام، بما وصلوه من رحم العباس، وأن يكون ذلك
السبب إلى رحمة الله.
وذكر الماوردي في ((الأحكام السلطانية)) عن أنس، أن أعرابيًا رأى
رسول الله وَ ل فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي
يغط، ثم أنشده:
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
أتيناك والعذراء يُدمی لبانها
من الجوع ضعفًا ما يمر وما يحلى
وألقى بكفيه الصبي استكانة
سوى الحنظل العامي(٢) والعلهز الغسل
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٦٦/٢.
(٢) في الأصل: العاهي، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج، والحنظل
العامي: الذي له عام.

٢٣٥
كتاب الإِسْتِشقَاء
وليست لنا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام ◌َلو يجر رداءه حَتَّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
((اللهم اسقنا.)) الحديث، وفيه فضحك حَتَّى بدت نواجذه، ثم قَالَ: (الله
دَرُّ أبي طالب، لو كان حاضرًا لقرت عيناه (مِن الذي أنشدنا)(١) من شعره))
فقَالَ علي: (يا)(٢) رسول الله: كأنك أردت قوله: وأبيض .. البيت.
فهم عنده في نعمة فواضل
يلوذ به الهُلاك من آل هاشم
ولما نناضل دونه ونقاتل
كذبتم وبيت الله يبزى محمدًا
و(نذهل)(٣) عن أبنائنا والحوائل
وننصره حَتَّى نصرع حوله
فقال ◌َ: ((أجل)). فقام رجل من بني كنانة فأنشده:
سُقينا بوجه النبي المطر
لك الحمد، والحمد ممن شكر
وأشخص معها إليه البصر
دعا الله خالقه دعوة
وأسرع حَتَّى رأينا الدرَر
فلم يك إلا كإلقاء الرِّدا
.. القصيدة.
ثم قَالَ رسول الله وَالر: ((إن يكن شاعر أحسن، فقد أحسنت))(٤).
فرع: الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع متوقف على إذن الإمام؛
لما في الخروج بغير إذنه من الافتيات، وهذه سنن الأمم السالفة،
قَالَ تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ أَسْتَسْقَلُهُ قَوْمُهُ﴾ [الأعراف ١٦٠]
وأما الدعاء في أعقاب الصلوات في الاستسقاء فجائز بغير إذنه.
(١) كذا بالأصل، وفي مصادر التخريج: من ينشدنا شعره.
(٢) ساقطة من الأصل، ويقتضيها السياق.
(٣) في الأصل: نذهب، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٤٦٨/٤-٤٧٠، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٤١/٦ -
١٤٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦٣/٢٢ - ٦٥.

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الإِسْتِسْقَاءِ
١٠١١- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ بَّرِ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ.
[انظر: ١٠٠٥- مسلم: ٨٩٤ - فتح: ٢ /٤٩٧]
١٠١٢- حَدَّثَنَا عَلىَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ أَنَّهُ
سَمِعَ عَبَّدَ بْنَ تَمِيمٌ يُحَدِّثُ أَبَاهُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنٍ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َُّ خَرَجَ إِلَى
الْصَلَّى فَاسْتَشْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ:
كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَّانِ. وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ، لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ
عَاصِمِ الْمَازِنُّ، مَازِنُ الأَنَّصَارِ. [فتح: ٤٩٧/٢]
ذكر فيه حديث عَبَّاد بن تميم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَه
· اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ.
ومن حديث عباد أيضًا، عن عمه عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ خَرَجَ
إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ. وَلَكِنَّهُ
وَهْمٌ؛ لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الْمَازِيُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ.
أي: وصاحب الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن
الحارث بن الخزرج بن حارثة، فهما وإن جمعهما حسبهما الأكبر
الخزرج؛ بن حارثة فقد افترقا في بطنيهما كما افترقا في جديهما؛
لأن صاحب النداء بطنه بنو الحارث بن الخزرج، وصاحب الاستسقاء
والوضوء بطنه من بني مازن بن النجار بن عمرو بن الخزرج؛ لأنه
عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن
غنم بن مازن.

٢٣٧
كتاب الإِسْتِشْقَاء
وكالذي قَالَ ابن عيينة: إن صاحب حديث الاستسقاء هو صاحب
حديث الأذان. وقع في ((مسند أبي داود الطيالسي)) وغيره(١) وهو غلط
على ما بيناه.
وروى مسلم لمحمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذه العمومة
لعباد من جهة الأم؛ لأنه عباد بن تميم بن غَزِيَّة بن عمرو بن عطية بن
خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، فتميم أخو
عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول لأمه أم عمارة
نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول. وقد نبهنا في أول
كتاب الاستسقاء(٢) أن هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع
من هذا الباب وغيره، وأنه أخرجه باقي الستة أيضًا، قَالَ الترمذي:
وفي الباب عن ابن عباس(٣) وأبي هريرة وأنس وأبي اللحم(٤).
أما حكم الباب، فتحويل الرداء سنة عند الجمهور، وانفرد أبو حنيفة
فأنكره(٥)، ووافقه ابن سلَّام من قدماء العلماء بالأندلس(٦)، والسنة
قاضية عليه، والحكمة فيه التفاؤل بتغيير الحال إلى الخصب والسعة،
فإنه كان يعجبه الفأل الحسن إذا سمع من القول، فكيف من الفعل؟
وقد جاء مصرحًا به في الدارقطني، من حديث جعفر بن محمد، عن
(١) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ٤٢٣/٢-٤٢٤ (١١٩٥ - ١١٩٩).
(٢)
سبق برقم (١٠٠٥) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء.
(٣)
فوقها في الأصل: أبو داود والنسائي.
(٤) ((سنن الترمذي)) عقب الرواية (٥٥٦) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في صلاة
الاستسقاء.
(٥) انظر ((الهداية)) ١ /٩٥.
(٦) هو صعصعة بن سلام كما في ((إكمال المعلم)) ٣١٤/٣، وانظر: ((المفهم))
٥٤٠/٢.

٢٣٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أبيه: أن رسول الله ◌َّله استسقى وحَوّل رداءه؛ ليتحول القحط (١).
قَالَ ابن العربي: وهذا أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل فإن
من شرطه أن لا يكون بقصد، وإنما قيل له: حَوِّل رداءك فيتحول حالك،
لا يُقال: إن ذلك لعل رداءه سقط ففعله؛ لأن الراوي أعرف بالحال(٢)،
وخالفه ابن بطال فقال: فيه دلالة على استعمال الفأل في الأمور، وإن لم
يقع بالموافقة، ووقع استعمالا(٣)، واختلف العلماء، هل يفعل من معه
مثل الإمام؟ فذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى إلحاقهم
به (٤). وفي ((مسند أحمد)) من حديث عبد الله بن زيد أنه وصل * حول
رداءه، فقلبه ظهرا لبطنٍ، وحوَّل الناس معه(٥)، ولمشاركتهم له في
المعنى الذي شُرع له التحويل.
وأَبْعَدَ النُّجْعَةَ بعضُهم، فاحتج بحديث: ((إنما جُعل الإِمام ليُؤْتَم
به))(٦) فما فعله الإمام واجب على المأموم فعله، ذكره ابن بطال(٧).
وقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد بن عبد الحكم، وابن وهب:
ينفرد به(٨). وعن مالك: إذا حوّل حوّل الناس قعودا(٩)، وليس ذلك
(١) ((سنن الدارقطني)) ٦٦/٢ كتاب: الاستسقاء.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٣٣/٣.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣/ ١٠.
(٤) انظر: ((المدونة)) / ١٥٣، ((الأم)) ٢٢٢/١، «الأوسط)) ٣٢٣/٤، ((المغني)) ٣٤١/٣.
(٥)
«المسند» ٤١/٤.
(٦) سبق برقم (٧٢٢) كتاب: الأذان، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة. ورواه
مسلم (٤١٤) كتاب: الصلاة، باب أتمام المأموم بالإمام.
(٧)
((شرح ابن بطال)) ٣/ ١٠.
(٨) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٣/١، ((النوادر)) ٥١٣/١، ((إكمال المعلم)»
٣١٥/٣.
(٩) ((الموطأ)» ص١٣٥.

٢٣٩
كتاب الإِسْتِسْقَاء
على النساء؛ خوف التكشف، قاله ابن الماجشون(١)، وقيل: يحول
الناس قيامًا كالإمام، وبه قَالَ محمد بن الحسن، واختلف قول
الشافعي في تنكيسه، وأصح قوليه: استحبابه، فيجعل أعلاه أسفله
(٢)
وعكسه(٢).
وقد أخرجه أبو داود والنسائي (اهتمامًا منه)(٣)، وصححه ابن حبان
والحاكم(٤)، وروى ابن عبد الحكم عن مالك(٥): أنه إذا فرغ من الخطبة
استقبل وحول رداءه، ما على ظهره منه يلي السماء، وما كان يلي السماء
على ظهره (٦)، وبه قَالَ أحمد، وأبو ثور(٧)، وخير ابن الجلاب بين
التحويل والتنكيس (٨).
فائدة: نقل ابن بزيزة عن أهل الآثار أن رداءه وَلو كان طوله أربعة
أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر كان يلبسه يوم الجمعة والعيد،
وعن الواقدي: كان برده طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من
نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر كان
يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويان(٩).
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٤/١، ((الذخيرة)) ٤٣٤/٢.
(٢) ((الأم)) ٢٢٢/١، ((البيان)) ٦٨٣/٢، ((المجموع)) ٨٤/٥.
(٣)
كذا بالأصل.
(٤) ((سنن أبي داود)) (١١٦١) كتاب: الاستسقاء. و((سنن النسائي)) ١٥٧/٣ كتاب:
الاستسقاء، باب: متى يحول الإمام ردائه. و((صحيح ابن حبان)) ١١٦/٧ (٢٨٦٥)
كتاب: الصلاة، باب: صلاة الاستسقاء. و((المستدرك)) ١/ ٣٢٦ كتاب: الاستسقاء.
(٥)
((النوادر والزيادات)) ٥١٣/١.
(٦)
((الموطأ)) ٢٣٩/١ (٦٠٨) باب: العمل في الاستسقاء.
(٧)
انظر: ((المغنى)) ٣/ ٣٤٠.
((التفريع)) ٢٣٩/١.
(٨)
(٩) أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) ٢٢٥/١.

٢٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
خاتمة :
في الحديث الخروج إلى الصحراء للاستسقاء؛ لأنه أبلغ في الافتقار
والتواضع، وأوسع للناس.
وذكر ابن الأثير فرقًا بين رواية: خرج رسول الله وَطلال يستسقي،
وخرج إلى المصلى، فاستسقى؛ لأن الأولى أبلغ لفظًا من الثانية؛
لأن يستسقي في موضع نصب على الحال من خرج أي: خرج
مستسقيًا، فكان الاستسقاء لها لازمًا حال خروجه، وليس كذلك
قوله: خرج فاستسقى؛ لأنه معطوف على خرج بالفاء، وليس حالًا،
فكان الاستسقاء في هذا مرتبًا على الخروج بخلاف تلك، فإنه كان
ممتزجاً به دالا على أن نيته في الخروج كان له وإن كانت الأخرى
كذلك إلا أن اللفظ لا يدل عليه، ثم ذكر سؤالا، وأجاب عنه،
ولا طائل تحته(١).
فرع :
يكون التحويل عند استقبال القبلة، ويستقبلها بعد صدر الخطبة
الثانية، قال أصحابنا: نحو ثلثها، كما نقله النووي عنهم في ((شرح
مسلم))(٢)، وعن ((الكافي)) للزبيري: إذا بلغ نصفها، وقال الروياني في
(بحره)): إذا فرغ من الاستغفار، وقال ابن التين: قلب الرداء لا يكون
إلا عند استقبال القبلة، قَالَ: واختلف قول مالك متى يستقبل القبلة
ويحول رداءه؟ فروى عنه ابن القاسم: إذا فرغ من الخطبة، ورُوي
عنه: في أثناء الخطبة، ويدعو ثم يستقبل الناس، ويتم الخطبة،
(١) ((الشافي في شرح مسند الشافعي) لابن الأثير ٣٣١/٢-٣٣٢.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ١٨٨/٦.