النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
- كتاب صلاة الخوف
السري(١)، وأما السهيلي فقال: سنده ثابت.
الثالث: قَالَ ابن حزم: روينا عن الضحاك ومجاهد والحكم بن
عتيبة وإسحاق: أن تكبيرتين فقط تجزئان فى صلاة الخوف، وروینا
أيضًا عن الحكم ومجاهد تكبيرة واحدة تجزئ في صلاة الخوف.
قَالَ: وليس له أصل من كتاب ولا سنة(٢).
وعن إسحاق: إن لم يقدر على ركعة ربما صلى سجدة، وإن لم
يقدر فتكبيرة، وسيأتي قريبًا قول الأوزاعي ومن وافقه، وقول أنس في
تستر.
الرابع: القضاء في رواية ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام
كالحارس وحده، وفي رواية ابن مسعود القضاء متفرق على صفة
صلاتهم، وقد تأول حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود.
الخامس: قَالَ مالك في حديث (سهل بن سعد)(٣): هذا أحسن ما
سمعت في صلاة الخوف(٤)، وفي رواية: إنه أحب ما سمعت(٥)، ثم
رجع وقال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحبُّ إليَّ على حديث سهل(٦)
= الثقات، ضعيف في روايته من غير الثقات، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة،
فيما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء. وقال أبو زرعة:
بقية عجب إذا روى عن الثقات، فهو ثقة. انظر: ((تهذيب الكمال)» ١٩٢/٤.
(١) هو: عبد الحميد بن السري، قال أبو حاتم عنه: مجهول، من المجاهيل، والخبر
منكر، أنظر: ((الجرح والتعديل)) ١٤/٦ (٦٦)، ((الكامل)) لابن عدي ١٢/٧
(١٤٧٤)، و(لسان الميزان)) ٢٣١/٤ (٤٩٧٣).
(٢) ((المحلى)) ٤١/٥.
(٣) كذا بالأصل، ووقع في ((الموطأ)) ص ١٣٠ سهل بن أبي حثمة.
((الموطأ)) ٢٣٤/١ (٦٠٣) رواية أبي مصعب كتاب الجمعة، باب: صلاة الخوف.
(٤)
(٥)
وردت في راوية يحيى ١٣٢.
(٦) أنظر: ((المنتقى)) ٣٢٤/١.

٢٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ولم يذكر فيه سلام الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها، ولا ذكر سلامه والده
قبل أن تتم لانفسها، وذكر مالك ذلك في روايته عن يحيى بن سعيد،
والزيادة مقبولة.
سادسها: لا يعترض على بعض الأحاديث لمخالفة الأصول، فإن
الصلاة نفسها خرجت عنه للحاجة إليه.
سابعها: دل الدليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلا
بعد أنصراف الأولى، وقوله ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ
مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] دليلٌ على أن الطائفة الأولى تنصرف، فلم يبق
عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام، وقد يقال: إن معنى
﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ ما بقي من صلاتك ويقضون ما فاتهم، وقوله: ﴿فَإِذَا
قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ لا يقتضي قضاء الجميع معًا، وإنما هو إخبارٌ عما
أبيح لهم فعله بعدها من الذكر وغيره.
ثامنها: حديث جابر أخذ به الشافعي أيضًا: يصلي بكل طائفة
ركعتين بناءً على جواز صلاة الفرض خلف المتنفل، وهذا إذا كان
في سفر، ولم يُحفظ عن رسول الله وَلهم أنه صلى صلاة الخوف قط
في حضرٍ، ولم يكن له حرب في حضرٍ إلا يوم الخندق، ولم تكن
نزلت صلاة الخوف بعد.
ودفع مالك وأبو حنيفة هذا التأويل، وقال أصحابهما: إنه وصل ◌ّ كان
في حضرٍ ببطن نخل على باب المدينة ولم يكن مسافرًا؛ وإنما كان
خوف، فخرج منه محترسًا، ولم ينقل عنه سلام في ركعتين بهم،
وادَّعى ابن القصار خصوصية ذلك به على تقدير أن يكون سفرًا، وهو
بعیدٌ.

٢٣
كتاب صلاة الخوف
ويرد دعوى الحضر، أن جابرًا ذكر في الحديث أنهم كانوا بذات
الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت.
وادَّعى الطحاوي أنه قد يجوز أن يكون ذلك منه والفريضة حينئذٍ
تصلى مرتين، وكان ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ(١).
تاسعها: روي عن جابر أنه ◌َّ صلى أيضًا، فركع في الصف
المتقدم ركعة كاملة، ثم تأخروا، ثم تقدم الآخرون فركع بهم ثانية
كذلك، فكانت لرسول الله ◌َ* ركعتين وللناس ركعة ركعة(٢)، ويجوز
أن تكون هذِه صفة أخرى، وقد أسلفنا عن أحمد أن أحاديث صلاة
الخوف صحاح كلها، وهو قول الطبري وطائفة من أهل الحديث.
العاشر: (الضرب) في الآية التي ذكرها البخاري (السفر). وهذه
الآيات نزلت في عسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أبو داود
والنسائي من حديث أبي عياش الزرقي السالف.
وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾﴾ [النساء: ١٠٢] أي: وليأخذ الباقون
أسلحتهم.
(١) (شرح معاني الآثار)) ٣١٦/١.
(٢) رواه النسائي ١٧٤/٣ - ١٧٥ كتاب: صلاة الخوف، وابن ماجه (١٢٦٠) كتاب:
إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الخوف، أحمد في ((المسند)) ٢٩٨/٣، وابن
أبي شيبة ٢١٦/٢ (٨٢٧٦) كتاب: الصلوات، باب: في صلاة الخوف كم هي؟،
وابن خزيمة ٢٩٥/٢ (١٣٤٧- ١٣٤٨) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن النبي
صلىُ هُذِه الصلاة بكل طائفة ركعة، وابن حبان ٧/ ١٢٠ (٢٨٦٩)، كتاب:
الصلاة، باب: ذكر وصف صلاة المرء في الخوف إذا أراد أن يصليها جماعة ركعة
واحدة، وأبو عوانة ٨٨/٢ (٢٤٢١)، والبيهقي ٢٦٣/٣ كتاب صلاة الخوف،
باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولم يقضوا وصححه الألباني في ((صحيح ابن
ماجه)) (١٠٤٢)، وفي ((صحيح أبو داود)) (١١٢٢).

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾) يحتمل أن يكون الجميع،
ويحتمل أن يكون لمن لم يصل.
الحادي عشر: الخلاف في صلاة الخوف في ثلاثة مواضع في جواز
فعلها الآن، وهل تفعل في الحضر؟ وفي صفتها. وقد عرفت ذلك،
وانفرد ابن الماجشون فمنعها في الحضر(١)؛ تمسكًا بظاهر: ﴿وَإِذَا
ضَرَيُِّّ فِ الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١].
الثاني عشر: قوله في الحديث: (فوازينا العدو). أي: حاذيناهم.
وفي ((الصحاح)): وقد آزَيْتُهُ إذا حاذيته، ولا تقل: وازَيته (٢). وأقره
ابن التين في ((شرحه)).
(١) انظر: ((الذخيرة)) ٤٣٧/٢.
(٢) ((الصحاح)) ٢٢٦٨/٦.

٢٥
- كتاب صلاة الخوف
٢- باب صَلَاةِ الخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا
رَاجِلٌ : قَائِمٌ.
٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدِ القُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا
ابن جُرَنْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ تُجَاهِدٍ: إِذَا
اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابن عُمَّرَ، عَنِ النَّبِيِّ وََِّّ: ((وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا
قِيَامًا وَرُكْبَانًّا)). [انظر: ٩٤٢ - مسلم: ٨٣٩ - فتح: ٢/ ٤٣١]
ذكر فيه حديث ابن عمر نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ
ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا)).
الشرح :
هُذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وبه أخذ الأئمة مالك والثوري
والأوزاعي والشافعي وعامة الفقهاء(٢).
وقال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه، وقال جماعة من
الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماءً، وقد
سلف هذا.
ولا شك أن صلاة الخوف رجالًا وركبانًا إنما تكون إذا اشتد الخوف
واختلطوا في القتال، وتسمى: صلاة المسايفة، فيصلي إيماءً وكيف
تمكَّن، وممن قَالَ بذلك ابن عمر، ذكره عنه مالك في ((الموطأ)»(٣)،
وهو قول مجاهد وطاوس وإبراهيم والحسن والزهري وطائفة من
التابعين (٤).
(١) مسلم (٨٣٩).
(٢) أنظر: ((الأوسط)) ٣٩/٥.
(٣) ((الموطأ)) ص١٣٠ كتاب: الجمعة، باب: صلاة الخوف.
(٤) حكاها عنهم ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨/٥.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
روى ابن جريج عن مجاهد قَالَ: إذا اختلطوا فإنما هو الذكر
والإشارة بالرأس (١)، فمذهب مجاهد إجزاء الإيماء عند شدة القتال
كمذهب ابن عمر، وهو مذهب مالك والثوري والشافعي (٢).
وقول البخاري: (وزاد ابن عمر .. ) إلى آخره مراده: أنه رواه لا من
رأيه، وكذلك قَالَ مالك. قَالَ نافع: ولا أرىُ ذكر ذلك عبد الله إلا عن
رسول الله عَلٍ(٣).
ومراده بقوله: (وإن كانوا أكثر من ذلك) ما ذكره في ((الموطأ)) من
قوله: فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك. يعني: خوفًا لا يمكن معه
القيام في موضع، ولا إقامة صف، فليصلوا قيامًا على أقدامهم، كما
زاده في ((الموطأ))(٤)، يريد: أن ركوعهم وسجودهم إيماءً.
وقوله: (وركبانًا) يريد: على رواحلهم؛ لأن فرض النزول سقط.
قَالَ الشافعي في ذلك: لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة الخفيفة
ويطعن، وإن تابع الضرب أو الطعن أو عمل عملًا يطول بطلت
صلاته(٥).
وقال الطحاوي: وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على
دابته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول.
قَالَ: وذهب آخرون إلى أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلي، وإن
(١) روى عنه هذا الأثر البيهقي ٣/ ٢٥٥ كتاب: صلاة الخوف، باب: كيفية صلاة شدة
الخوف.
(٢) ذكر عنهم ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨/٥، ٣٩/٥.
(٣) (الموطأ)) ص١٣٠ كتاب: الجمعة، باب: صلاة الخوف.
(٤) السابق.
(٥) انظر: ((البيان)) ٥٢٨/٢.
١

٢٧
كتاب صلاة الخوف
كان راكبًا لا يمكنه النزول ولا يقاتل صلى؛ ويجوز أن يكون ◌َخلال يوم
الخندق لم يصل؛ لأن القتال عمل، والصلاة لا عمل فيها، ورد
الطحاوي القول الأول بأنه لو لم يكن صلى يوم الخندق؛ لأنها لم
تشرع إذ ذاك.
وروى ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد
الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قَالَ: صلى النبي ◌َّ الظهر
والعصر والمغرب يوم الخندق بعد المغرب بهوي من الليل كما كان
يصليها في وقتها (١)، وذلك قبل أن ينزل الله عليه في صلاة الخوف
﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكَبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩](٢).
قَالَ الطحاوي: وأخبر أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ ركبانا إنما
كان قبل أن يباح لهم ذلك، ثم أبيح بهذه الآية، فثبت بذلك أن الرجل إذا
كان في الخوف لا يمكنه النزول عن دابته أنَّ له أنْ يصلي عليها إيماءً،
وكذلك لو أن رجلا كان على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه
رجل بسيف فله أن يصلي قاعدًا إن كان يخاف ذلك في القيام ويومئ
إيماء، وهذا كله قول أبي حنيفة وصاحبيه(٣).
(١) رواه النسائي ١٧/٢ كتاب: الأذان، باب: الأذان للفائت من الصلوات، وأحمد
٢٥/٣، والشافعي في («مسنده) ١٩٦/١-١٩٧ (٥٥٣) كتاب: الصلاة، باب: في
قضاء الفوائت، وابن أبي شيبة ٤١٦/١ (٤٧٨٠) كتاب: الصلوات، باب: في
الرجل يتشاغل في الحرب أو نحو، كيف يصلي، الدارمي في ((مسنده» ٢/ ٩٥٤
(١٥٦٥) كتاب: الصلاة، باب: الحبس عن الصلاة، وابن خزيمة في (صحيحه))
٩٩/٢ (٩٩٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر فوت الصلوات والسنة في قضائها،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٢١/١.
(٢) (شرح معاني الآثار)) ٣٢١/١.
(٣) أنظر التخريج قبل السابق.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ في ((المدونة)): حيث توجهت به (١)، وكان أحبَّ إليه إن أمن أن
يعيد في الوقت، ولم يره كالعدو.
وقال المغيرة: هما سواء، ويعيد الخائف من العدو في الوقت. وقال
ابن المنذر: وكل ما فعله المصلي في حال شدة الخوف مما لا يقدر على
غيره، فالصلاة مجزئة عنه قياسًا على ما وضع عنه من القيام والركوع
والسجود لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو، وهذا أشبه بظاهر الكتاب
والسنة مع موافقته للنظر (٢).
وروي عن ابن زياد عن مالك فيمن خاف أن ينزل عن دابته من
لصوص أو سباع، فإنه يصلي عليها الفريضة حيثما توجهت به ويومئ،
وقاله أشهب(٣).
وقال ابن التين: الخوف ضربان:
يمكن فيه إقامة الصف لكن يخاف من ظهور العدو بالاشتغال
بالصلاة، ولا يخلو أن يرجو أن يأمن في الوقت، فهذا ينتظر أن يأمن
أو لا يرجو، فيصلي صلاة الخوف.
ولا يمكن معه إقامة الصف، ولا استدبار مثل المنهزم المطلوب،
فهذا يصلي كيف أمكنه راجلًا وراكبًا؛ للآية لأنه لم يقدر على أكثر
من ذلك، فلم يلزمه غيره.
فرع: ما سلف إذا كان مطلوبًا، فإن كان طالبًا فقال ابن عبد الحكم:
لا يصلي إلا بالأرض صلاة الآمن.
(١) أنظر: ((المدونة)) ١٥٠/١.
(٢) انظر: ((الأوسط)) ٣٨/٥.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٨٤/١.

٢٩
كتاب صلاة الخوف
وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك، كذا نقل أبو الوليد عن ابن
عبد الحكم (١)، ونقل غير واحد عنه أن صلاته بالأرض أولى منها على
الدواب.
(١) ((المنتقى)) ٣٢٥/١.

٣٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣- باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا في صَلَاةِ الخَوْفِ
٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ قَالَ: حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ حَزْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ
النَّبِيُّ وََّ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ
وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَّتِ الطَّائِفَةُ
الأُخْرِى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ، ولكن يَخْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
[فتح: ٤٣٣/٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ نَّهِ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ
وَكَبَّرُوا مَعَهُ .. الحديث.
وهو من أفراده، وفي رواية أنها كانت بذي قرد(١).
وفي آخره: وَالنَّاسُ كُلَّهُمْ فِي صَلَاةٍ، ولكن يَخْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وهذا إذا كان العدو بينه وبين القبلة، فيصف الناس صفين، فيركع
بالصف الذي يليه ويسجد معه، والصف الثاني قائم يحرس، فإذا قام من
سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الأول فركع تَليل بهم
وأكمل الركعة، وهم كلهم في صلاة.
وقد روي الحديث من طريق آخر عن ابن عباس أنه ويقول صلى بهم
صلاة الخوف بذي قرد والمشركون بينه وبين القبلة(٢)، وقد روى نحوه
أبو عياش الزرقي وجابر بن عبد الله مرفوعًا (٣)، وبه قَالَ ابن عباس: إذا
كان العدو في القبلة أن يصلي على هذِه الصفة(٤). وهو مذهب ابن أبي
(١) ستأتي برقم (٤١٢٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع.
(٢) رواه البخاري معلقًا عقب الرواية (٤١٢٥).
(٣) سبق تخريجهما.
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣١٩/١-٣٢٠.

٣١
= كتاب صلاة الخوف
ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعي نحوه.
وقال الطحاوي: وذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة
فالصلاة هكذا، وإن كان في غيرها فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره.
قَالَ: وبهذا تتفق الأحاديث.
قَالَ: وليس هذا بخلاف التنزيل؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله
تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]
إذا كان العدو في غير القبلة، ثم أوحي إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة
إذا كانوا في القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران(١).
وترك مالك وأبو حنيفة(٢) العمل بهذا الحديث لمخالفته القرآن،
وهو قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى) الآية، والقرآن يدل على ما
جاءت به الروايات في صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره من دخول
الطائفة الثانية في الركعة الثانية، ولم يكونوا صلوا قبل ذلك.
وقال أشهب وسحنون: إذا كان العدو في القبلة لا أحبُّ أن يصلى
بالجيش أجمع؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه، ويصلى بطائفتين
سنة صلاة الخوف (٣).
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٣١٩/١.
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٣١٩/١.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٨٤/١.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤- باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ
[وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى
الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ أَمْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى
الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا.
فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنٍ،
لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ.
وَقَالَ أَنَسٌ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةٍ حِصْنٍ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةٍ
الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ أُشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ،
فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي
مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ
الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا].
٩٤٥ - حَدَّثْنَا يَخْیَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِیعُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكِ، عَنْ نَجْیَی بْنِ أَبِي
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ
كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَضْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((وَأَنَا والله مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ)). قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ،
وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الَغْرِبَ بَعْدَهَا. [انظر: ٥٩٦ - مسلم:
٦٣١ - فتح: ٤٣٤/٢]
وَقَالَ الأَّوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى
الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً. إلى أن قال: وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ
أَنَسُِّ: حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنٍ تُسْتَرَ .. إلى آخره.
ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ
يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ .. الحديث.

٣٣
- كتاب صلاة الخوف
وقد سلف في مواضع منها: باب: من صلى بالناس جماعة بعد
ذهاب الوقت(١).
وشيخ البخاري فيه: يحيى. قَالَ الجياني(٢)، نسبه ابن السكن:
يحيى بن موسى الحداني. ونسبه أبو ذر عن المستملي: يحيى بن
جعفر البلخي. وروى الكلاباذي أن يحيى بن موسى ويحيى بن جعفر
يرويان جميعًا عن وكيع في الجنائز، وبخط الدمياطي الحافظ هو:
خت. وقيل: خت أبوه موسى، مات سنة تسع(٣) وثلاثين (٤).
إذا عرفت ذلك، فالصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، فهي
صلاة حال المسايفة والقتال، الذي تقدم ذكرها في باب صلاة
الخوف رجالًا وركبانًا(٥).
وحديث جابر هو حجة الأوزاعي ومكحول أن من لم يقدر على
الإيماء أخَخَّر الصلاة حتى يصليها كاملة، ولا يجزئ عنها تسبيح ولا
تهليل؛ لأنه وهو قد أخّرها يوم الخندق، وإن كان ذلك قبل نزول صلاة
الخوف، فإن فيه من الاستدلال أن الله تعالى لم يعب تأخيره لها لما
كان فيه من شغل الحرب، فكذا الحال التي هي أشد من ذلك؛ إلا أنه
اُستدلالٌ ضعيفٌ من أجل أن سُنَّة صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل
ذلك، فأما قول الأوزاعي: فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فقد
(٢) ((تقييد المهمل)) ١٠٥٩/٣.
(١) برقم (٥٩٦) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٣) ورد في هامش الأصل: في ((الكاشف)) ٢٤٠.
(٤) يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم الحداني، أبو زكريا البلخي السختياني
المعروف، وثقة أبو زرعة والنسائي، قال محمد بن إسحاق الثقفي: ثقة مأمون،
وقال الدارقطني: كان من الثقات، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أنظر:
«الكاشف)» (٦٢٥٤).
(٥) سلف برقم (٩٤٣) كتاب: صلاة الخوف.

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
روي مثله عن الحسن البصري وقتادة، وهو قول مكحول(١).
وعن الحسن أن الإمام يصلي ركعتين والمأموم ركعة، فلعله اختلف
قوله فيه، أو تكون صلاة المسايفة تخالف غيرها، ويحتمل أن مستند
ذلك قول مجاهد عن ابن عباس: صلاة الخوف ركعة.
قَالَ الطحاوي: وهذا الحديث يعارضه القرآن، وذلك أنه تعالى
قَالَ: ﴿فإذا كنت فيهم﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، ففرض الله صلاة
الخوف، ونص فرضها في كتابه هكذا، وجعل صلاة الطائفة الأخرى
بعد تمام الركعة الأولى مع الإمام، فثبت بهذا أن الإمام يصليها في
حال الخوف ركعتين، وقد روى عبد الله عن ابن عباس خلاف ما
روى عنه مجاهد(٢)، وقد سلف.
والفقهاء وأكثر الصحابة على أن القصر في الخوف ليس بقصر عدد،
وإنما هو قصر هيئة.
وأما التكبير فقد روي عن مجاهد أنه قَالَ: صلاة المسايفة تكبيرة
واحدة(٣).
وعن سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن قَالَ: الصلاة عند المسايفة
تهليل وتسبيح وتمجيد وتكبير (٤).
وذكر ابن المنذر عن إسحاق: تجزئك ركعة تومئ بها، فإن لم تقدر
فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة واحدة؛ لأنه ذكر الله(٥).
(١) انظر: ((المغنى)) ٣٠٦/٣.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٣٠٩/١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢١٥/٢ (٨٢٦٦) في الصلاة، باب: في الصلاة عند المسايفة.
(٤) رواهما ابن أبي شيبة ٢١٤/٢ (٨٢٦٠) كتاب: الصلوات.
(٥) ((الأوسط)) ٢٨/٥.

٣٥
كتاب صلاة الخوف
-
وقال الحسن بن حَيّ: يكبر مكان كل ركعة تكبيرة. وقد سلف.
وأما أئمة الفتوى فلا يجزئ عندهم التكبير عن الركوع والسجود؛
لأن التكبير لا يسمى بركوع ولا سجود، وإنما يجزئ الإتيان
بأيسرهما، وأقل الأعمال الثابتة عنها الإشارة والإيماء الدال على
الخضوع لله تعالى فيهما.
قَالَ الأصيلي: ومعنى (قول أنس: فلم يقدروا على الصلاة): فإنهم
لم يجدوا السبيل إلى الوضوء من شدةِ القتال، فأخروا الصَّلاةَ إلى وجود
الماء، ويحتمل أن يكون تأخيره وَله يوم الخندق حَتَّى غربت؛ لأنه لم
يجد السبيل إلى الوضوء.
قلتُ: ويحتمل النسيان، ولأجل الخوف والشغل بحرب المشركين.
وقوله: (لَمْ يُصَلِّ إلَّا بَعْدَ أَرْتِفَاعِ النَّهَارِ). قَالَ خليفة بن خياط في
(تاريخه)): حدَّثَنَا ابن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قَالَ: لم
نُصَلٍ يومئذِ الغداة حَتَّى انتصف النهار. قَالَ خليفة: وذلك في سنة عشرين.
وقوله: (مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وفي رواية خليفة:
الدنيا كلها. بمعنى: أنهم أتوا بها في وقتها لم يفرطوا، ولم يكن عليهم
أكثر من ذلك. وقيل: يريد: لو كانت في وقتها كان أحبّ إليَّ من الدنيا
وما فيها.
وقول الأوزاعي: فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى
ينكشف القتال. فيه مخالفة لقول مالك؛ لأنه لا يعجزه عن الإيماء
طالبين ولا مطلوبين، ولا يمنعهم مسايفة(١). وقوله: (لا يجزئهم
التكبير). قد سلف ما فيه.
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٣٢٥/١، و((عارضة الأحوذي)) ٤٦/٣.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً
وَقَالَ الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمِطِ
وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ: كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا
تُخُوِّفَ الفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ وَلِّهِ: ((لَا يُصَلِّيَنَّ
أَحَدُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)).
- باب
٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ لَنَا لَمَا رَجَعَ مِنَ الأَخْزَابِ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ العَصْرَ إِلَّ
فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)). فَأَذْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَغْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى
نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدِ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا
مِنْهُمْ. [٤١١٩ - مسلم: ١٧٧٠ - فتح: ٤٣٦/٢]
ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ:
((لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ .. )) الحديث.
كذا في بعض النسخ: (باب). وفي شرح شيخنا حذفه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي(١) ومسلم أيضًا
هناك (٢).
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا ابن عون، عن رجاء بن
حيوة الكندي قَالَ: كان ثابت بن السَّمط - أو السَّمط بن ثابت- في مسيرٍ
في خوفٍ، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانًا، فنزل الأشتر. فقال: ما له؟
(١) سيأتي برقم (٤١١٩) باب: مرجع النبي من الأحزاب.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٩/١٧٧٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو
وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.

٣٧
كتاب صلاة الخوف
=
قالوا: نزل يصلي. قَالَ: ما له خالف خولف به(١).
وذكر ابن حبان أن ثابت بن السَّمط أخو شرحبيل بن السمط (٢)، فإذا
كان كذلك فيشبه أن يكونا كانا في ذلك الجيش فنسب إلى كل منهما؛
لأنهما كانا رئيسيه.
والسَّمط بفتح السين وكسر الميم، قيده الجياني (١). وعن بعضهم بكسر
السين وإسكان الميم، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة، وثابتًا في
التابعين، وشرحبيل هو الذي كان على حمص، وهو الذي افتتحها.
قال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي صاحب ((تاريخ حمص)):
مات بسلمية سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، هاجر إلى المدينة
زمن عمر. وقَالَ أبو داود: مات بصفين(٤).
واختلفت الرواية: هل قَالَ: ((لا يصلين أحد الظهر)) أو ((العصر))؟
ففي البخاري عن شيخه عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية :
((العصر)). ووافقه أبو غسان عن جويرة، أخرجهما الإسماعيلي.
وروى عنه مسلم ((الظهر))(٥)، وكذا رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من
(٦)(٧)
طريق أبي غسان (عنه)(٦)(٧).
(١) (المصنف)) ٢١٥/٢ (٨٢٧٠) كتاب: الصلوات، باب: في الصلاة عند المسايفة.
(٢) ((الثقات)) ٩١/٤.
(٣) ((تقييد المهمل)) ٣٠١/٢.
(٤) ((سنن أبي داود)) عقب الرواية (٣٩٦٧) كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل.
(٥) (صحيح مسلم)) (١٧٧٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم
أهم الأمرين المتعارضين.
(٦) كذا في الأصل، وعلق عليه في الهامش قائلًا: هو رجل وهو جويرية بن أسماء.
(٧) ((صيحح ابن حبان)) ٣٢٠/٤-٣٢١ (١٤٦٢) كتاب: الصلاة، باب: الوعيد على
ترك الصلاة، وأبو غسان هو مالك بن إسماعيل النهدي.

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
واختلف على أبي يعلى الموصلي عنه، فرواه عنه الإسماعيلي
بلفظ: ((العصر)) ورواه أبو نعيم في ((مستخرجه)) على البخاري
((الظهر))، ورواه ابن سعد، عن مالك كذلك أيضًا (١).
وذكر ابن إسحاق: لما أنصرف رسول الله صلفر عن الخندق راجعًا
إلى المدينة، والمسلمون قد وضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى
جبريل رسول الله وَّ﴿ قَالَ: لقد وضعت السلاح؟ قَالَ: ((نعم)). قَالَ
جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، إن الله يأمرك أن تسير إلى
بني قريظة، فإني عامد إليهم. فأمر رسول الله وَلير بلالًا فأذن في
الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (٢).
قَالَ ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، وذلك
يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة عقب الخندق(٣).
والاختلاف في الخندق هل هي سنة خمس أو أربع؟ فحاصرهم
خمس عشرة ليلة، وقيل: خمسًا وعشرين ليلة.
وقال ابن عبد البر: بضعًا وعشرين ليلة. وذكر ابن حزم: وتتابع
المسلمون، ولما كانت صلاة العصر وهم في الطريق ذكروا الصلاة،
فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله وَليم أمركم أن تصلوا العصر
في بني قريظة؟ فصلت طائفة منهم، وأخرت طائفة منهم العصر
فصلوها في بني قريطة بعد العشاء.
وفي الجمع بين روايتي الظهر أو العصر احتمالان:
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٧٦/٢.
(٢) ذكره ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٣/ ٢٥٢ عنه.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ٧٤/٢.

٣٩
= كتاب صلاة الخوف
أحدهما: أنه كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلاها بالمدينة
بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوها: لا تصلوا الظهر إلا في
بني قريظة. وللذين صلوها بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
الثاني: أنه قيل ذلك للجميع، ويحتمل ثالثًا وهو أنه قيل للذين ذهبوا
أولًا: لا تصلوا الظهر إلا في كذا. وللذين ذهبوا بعدهم: العصر.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه :
أحدها :
صلاة شرحبيل ظاهرها أنها كانت في الوقت، وهو من قوله تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانٌ﴾ [البقرة: ٢٣٩] واحتجاج الوليد بحديث بني
قريظة لا حجة فيه كما قاله الداودي؛ لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف،
أو لأنه إنما أراد سرعة سفرهم، ولم يجعل لهم في بني قريظة موضعًا
للصلاة، وقيل: إنما صلى شرحبيل على ظهر الدابة؛ لأنه طمع
بالفتح للحصن فصلى إيماءً ثم فتحه، وجوز ذلك بعض أصحاب
مالك، وهو نحو ما سلف عن ابن حبيب، وقاله مالك أيضًا
والأوزاعي في الأصل.
وقال عطاء والحسن والثوري والشافعي: لا يصلي الطالب
إلا بالأرض (١)، ويحتمل أن يكون لما أمرهم وَي بتأخير العصر ترك
الفرض، وهو فرض ولم يعنفهم بذلك فشرع للطالب أن يصلي راكبًا
في الوقت إيماءً، قياسًا على ترك الوقت.
الثاني :
اختلف العلماء في صلاة الطالب على ظهر الدابة بعد اتفاقهم على
(١) ذكرها عنهم ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤٢/٥.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
جواز صلاة المطلوب راكبًا، فذهبت طائفة إلى أن الطالب لا يصلي على
دابته وينزل فيصلي بالأرض، هذا قول عطاء -ومن أسلفناه- وأحمد
وأبي ثور(١).
وقال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وهو أن يقطع الطالبون من
أصحابهم فيخافوا عودة المطلوبين إليهم، فإذا كان هكذا جاز لهم
الإيماء ركبانًا(٢).
وذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم قَالَ: صلاة الطالب بالأرض
أولى من الصلاة على الدواب وفيها قول ثان.
قَالَ ابن حبيب: هو في سعة، وإن كان طالبًا لا ينزل فيصلي إيماءً؛
لأنه مع عدوه لم يصل إلى حقيقة أمن، وقاله مالك(٣)، وهو مذهب
الأوزاعي وشرحبيل، وذكر المدائني عن الأوزاعي قَالَ: إذا خاف
الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل
حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع مادام الطلب.
ونقل ابن النقيب في ((تفسيره)) عن أبي حنيفة أن المطلوب يصلي وهو
مسايف، والطالب لا يصلي على الدابة(٤).
وعن مالك وجماعة من أصحابه: هما كل واحد منهما يصلي على
دابته(٥). وعن الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث كقول أبي
حنيفة؛ لأن الطلب تطوع والصلاة المكتوبة فرضها أن يصلي الرجل
(١) أنظر التخريج السابق.
(٣) انظر: ((المنتقى)) ٣٢٥/١.
(٢)
((الأم) ١/ ٢٠.
أنظر: ((البناية)) ٢٠٢/٣.
(٤)
(٥) انظر: ((عارضة الأحوذي)) ٤٦/٢.