النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠ ١ - كتاب الجمعة وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك. قال أبو محمد: من انتقض وضوؤه فلم يجد ماءً إلا بثمن جاز له أن يشتريه؛ ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه، ولبعض الحنفية المتأخرين احتمال في حرمة البيع قبل الزوال إذا كان منزله بعيدًا عن الجامع بحيث تفوت عليه الجمعة. قال الشافعي في ((الأم)) والأصحاب: ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولم يكره، وإذا تبايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها، فإن كان قبل الزوال فلا كراهة، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر، وقبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه، وإن كان بعد جلوسه وشرع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعًا، سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما، ولا يبطل البيع(١)؛ لأن النهي لا يختص بالعقد، فلم يمنع صحته كالبيع عند ضيق الوقت المؤدي لفرض الوقت، والبيع في الأرض المغصوبة، والبيع في المسجد نهي عن البیع فیه، وينعقد. وقال ابن قدامة: مشروعية الأذان قبل صعود الإمام هو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي؛ لأن الله تعالى أمر به، ونهى عن البيع بعد النداء، والنداء الذي كان على عهده هو عقب الجلوس على المنبر، ولا فرق في ذلك بين قبل الزوال أو بعده. أي: على مذهبه في جواز فعلها قبل الزوال، وحكى القاضي رواية عن أحمد أن البيع يحرم بالزوال، وإن لم يجلس الإمام على المنبر، ولا يصح هذا، وتحريم البيع ووجوب السعي مختص بالمخاطبين بالجمعة، فأما غيرهم كالنساء فلا يثبت في (١) ((الأم)) ١٧٣/١، أنظر ((المجموع)) ٣٦٦/٤. ٥٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- حقه ذلك. قال: وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين(١). وقال ابن حزم: لا يحل البيع من إثر الاستواء، ومن أول أخذها في الزوال والميل إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، فإن كانت قرية قد منع أهلها الجمعة، أو كان ساكن بين الكفار ولا مسلم معه فإلى أن يصلي ظهر يومئذٍ، فإن لم يصل فإلى أول وقت العصر، ويفسخ البيع حينئذ أبدًا إن وقع(٢)؛ لما سلف عن ابن عباس. قال ابن قدامة: ولا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح، وقيل: يحرم، لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع(٣). وبالأول قال ابن حزم، حيث قال: لا يحرم حينئذ لا نكاح ولا إجارة ولا سلم ولا ما ليس بيعًا (٤). الحكم الثاني: غير البيع، فحيث حرم البيع حرم جميع العقود والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، وهو متفق عليه، وممن صرح به الشيخ نصر في ((تهذيبه))، ولا يزال التحريم حتى يفرغوا من الجمعة(٥)، قال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد حينئذ من النكاح، وهذا قد سلف قريبًا بزيادة. الحكم الثالث: السفر بعد الزوال وهو حرام إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة، وبه قال مالك وأحمد وداود(٦). (١) ((المغني)) ١٦٢/٣ - ١٦٤. (٢) «المحلى)) ٧٩/٥. (٣) ((المغني)) ١٦٤/٣. (٤) «المحلى)) ٧٩/٥. (٥) انظر: ((المجموع)) ٤ / ٣٦٧. (٦) انظر: ((التفريع)) ٢٣٣/١، ((الذخيرة)) ٣٥٥/٢، ((قوانين الأحكام)) ص٩٥، ((المستوعب)) ١٦/٣، ((الكافي)) ٤٩٧/١، ((الممتع)) ٦٣١/١، ((المبدع» ١٤٦/٢. ٥٠٣ - كتاب الجمعة وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة، وابن المسيب(١) قال: وقال أبو حنيفة: يجوز(٢). وقبل الزوال قولان: الجديد أنه كبعده إن كان سفرا مباحًا أو طاعة، وبعض أصحابنا قال: إن كان طاعة جاز(٣)، ويكره عندنا السفر ليلتها، وجائز عندنا، وعند العلماء كافة إلا ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يسافر بعد دخول العشي من يوم الخميس حتى يصليها وهو بالحل، لا أصل له كما قاله النووي(٤). وإن روى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة. وجوز عمر والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر والحسن وابن سيرين السفر قبل الزوال(٥)، وبه قال مالك وابن (٦) المنذر (٦) . واحتج لهم بحديث ابن رواحة(٧) وهو حديث ضعيف جدًّا، ولیس (١) ((الأوسط)) ٤/ ٢٢. (٢) أنظر: ((البناية)) ١٠٦/٣. (٣) قال النووي رحمه الله في ((المجموع)) ٣٦٦/٤: والأصح أنه لا يجوز، وهو نصه في أكثر كتبه الجديدة. (٤) المصدر السابق. (٥) ((المصنف)) ٤٤٣/١ (٥١١٢، ٥١٠٦، ٥١١٤) كتاب: الصلوات، باب: من كره إذا حضرت الجمعة أن يخرج حتى يصلي. (٦) ((المجموع)) ٣٦٦/٤، ((النوادر والزيادات)) ٤٥٩/١. (٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: روى حديث ابن رواحة أحمد في ((المسند)) من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وعلله أن الحكم لم يسمعه من مقسم. ٥٠٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح في المسألة حديث صحيح، وحرمته عائشة(١) والنخعي، وحكي عن ابن عمر أيضًا، حكاه عنه في ((شرح المهذب)) (٢). وابن أبي شيبة حكى عنه الجواز كما قدمناه أولا ، وإسناده جيد، وحكاه البيهقي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز وحسان بن عطية، وروي عن معاذ بن جبل ما يدل على ذلك(٣). (١) رواه عنها ابن أبي شيبة ٤٤٣/١ (٥١١٤) كتاب: الصلوات، باب: من كره إذا حضرت الجمعة أن يخرج حتى يصلي. (٢) ((المجموع)) ٤ / ٣٦٧. (٣) ((السنن الكبرى)) ١٨٧/٣ كتاب: الجمعة، باب: من قال: لا ينشئ يوم الجمعة سفرًا حتى يصليها. ورواه ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية ٤٤٣/١ (٥١١٧). ٥٠٥ كتاب الجمعة ١٩- باب لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩١٠- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ اذَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنٍ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَّ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)). [انظر: ٨٨٣ - فتح: ٣٩٢/٢] ذكر فيه حديث سلمان الفارسي: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)) الحديث. وقد سلف في باب: الدهن للجمعة(١) واضحًا، والاختلاف في التفرقة بين اثنين وأن الأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع، ويؤيده ما في ((الموطأ)) عن أبي هريرة: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام یخطب جاء يتخطی رقاب الناس(٢). ومعناه أن المأثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة، كذا تأوله القاضي أبو الوليد، وتأوله أبو عبد الملك: أن صلاته بالحرة -وهي: حجارة سود بموضع بعيد من المسجد- خير له. وروى ابن أبي شيبة بلفظ: لأن أصلي بالحرة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة(٣). وعن سعيد بن المسيب مثله(٤)، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب (١) سلف برقم (٨٨٣). (٢) ((الموطأ)) ص ٨٩. (٣) ((المصنف)) ٤٧٤/١ (٥٤٨١) كتاب: الصلوات، باب: في تخطي الرقاب يوم الجمعة. (٤) ((المصنف)) ٤٧٣/١. = ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح 1 إليّ من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة (١). وقال سلمان: إياك والتخطي، واجلس حيث بلغتك الجمعة(٢)، وهو قول الثوري وعطاء وأحمد، وما قدمناه(٣) من أن الأشبه ما سلف، هو ما ذكره ابن التين في ((شرحه)). وجزم ابن بطال في ((شرحه)) بأن المراد: لا يتخطى، يدل على ذلك حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله وَ الله قال: ((لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)) رواه ابن وهب(٤)، وروى ابن أبي خيثمة من حديث الأرقم الصحابي: ((الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين اثنين يوم الجمعة بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار(٥). وذكره ابن التين مرفوعًا من غير عزو لراوٍ وفي الترمذي وأبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعًا: ((من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم)). قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث (١) رواه ابن أبي شيبة ٤٧٤/١ (٥٤٨٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٤ (٥٤٨٠). (٣) انظر: ((المغني)) ٢٣٠/٣ - ٢٣١. (٤) رواه أبو داود (٤٨٤٥) كتاب: الأدب، باب: في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ٤٢٣ - ٤٢٤ (١١٤٢) من طريق عبد الله بن وهب عن أسامة بن زيد به، ورواه الترمذي (٢٧٥٢)، وأحمد ٢١٣/٢ من طريق عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد، به. قال الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٢١٠): حسن صحيح. (٥) رواه أحمد ٤١٧/٣، والطبراني: ٣٠٧/١ (٩٠٨) والحاكم في ((المستدرك)) ٥٠٤/٣ كتاب: معرفة الصحابة. قال الذهبي: في إسناده هشام وهو واه. وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ١٧٨/٢: وفيه هشام بن زياد وقد أجمعوا على ضعفه. ٥٠٧ = كتاب الجمعة رشدين(١) وقد ضعفه بعض أهل العلم. وفي أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي وَلا يخطب، فقال ◌َله: ((اجلس فقد آذيت))(٢). وقد اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون (١) هذا الحديث لم يخرجه أبو داود وإنما رواه الترمذي (٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦) من طريق رشدين بن سعد عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، به. قال النووي في ((الخلاصة)) ٧٨٦/٢ (٢٧٥٨): إسناده ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) ٢٠١/١: حديث لا يثبت، في إسناده رشدین بن سعد عن زبان بن فائد، وهما ضعيفان. وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٢٣٠). (٢) (أبو داود)) (١١١٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا بشر بن السري، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر -صاحب النبي وَلا * - يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ... الحديث. قال النووي في ((الخلاصة)) ٧٨٥/٢، والمصنف في ((البدر المنير)) ٤/ ٦٨٠، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٠٢٤): إسناد صحيح على شرط مسلم. والنسائي ١٠٣/٣: أخبرنا وهب بن بيان، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح، به. ومن هذا الطريق صححه ابن حبان ٢٩/٧ -٣٠ (٢٧٩٠). وقال النووي في ((الخلاصة)) ٧٨٥/٢: إسناده صحيح. وقال المصنف في ((البدر المنير)» ٤/ ٦٨٠: إسناد كل رجاله ثقات لا نعلم فيهم جرحًا. والحديث رواه ابن خزيمة ١٥٦/٣ (١٨١١)، والحاكم ٢٨٨/١ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به، بزيادة: ((وآنيت)). قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه المصنف في ((البدر)) ٤/ ٦٨١. وقال النووي ٧٨٥/٢: إسناده صحيح. ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ، وبهذا قال الأوزاعي وآخرون، وقال ابن المنذر: كراهته مطلقًا عن سلمان الفارسي، وأبي هريرة وكعب وسعيد بن المسيب وعطاء، وأحمد بن حنبل(١). وعن مالك كراهته إذا جلس الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة(٢). وهذا يشبه قول الحسن قال: لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة (٣)، وقال أبو نضرة: يتخطاهم بإذنهم(٤). وكان مالك لا يكره، وعن مالك أنه لا يكره إلا إذا كان الإمام على المنبر، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان بین یدیه فرج(6). وذكر الطحاوي عن الأوزاعي مثله، قال: التخطي الذي جاء فيه القول إنما هو والإمام يخطب؛ لأن الآثار تدل عليه (٦)، ألا ترى قوله وَالى: ((الذي يتخطى رقاب الناس يفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار))(٧) وقال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك عندي؛ لأن الأذى يحرم قليله وكثيره (٨). (١) ((الأوسط)) ٨٤/٤- ٨٥. (٢) ((الأوسط)» ٤/ ٨٥. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٤٧٣/١ (٥٤٧٨) كتاب: الصلوات، باب: في تخطي الرقاب يوم الجمعة. (٤) ((الأوسط)) ٨٦/٤. (٥) أنظر: ((المدونة)) ١٤٨/١. (٦) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٥/١. (٧) تقدم تخريجه قريبًا. (٨) («الأوسط)) ٨٦/٤. ٥٠٩ كتاب الجمعة = قلت: وهو المختار. وفي كتب الحنفية: لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إن أخذ، وهو قول مالك، قال الحلواني منهم: والصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه(١). وفي قوله: ( ((لا يفرق بين اثنين)) ) مطلوبية التبكير إلى الجمعة ليصل إلى مكان مصلاه دون تخط، ولا يفرق بين اثنين. وقال ابن التين: التخطي ضربان: قبل جلوس الإمام على المنبر، والثاني بعده، فالأول إذا تخطى لفرجة يباح له التخطي، رواه ابن القاسم عن مالك إلا أن يؤمر بالتحفظ من أذى الناس، ويرفق في التخطي. والثاني: لا يتخطاها ولا غيرها لأن تأخره عن وقت وجوب السعي أبطل حقه من التخطي إلى فرجة، يبينه ما روى بشير أنه الكلية قال للذي دخل يوم الجمعة: ((اجلس فقد آذيت))، هذا مذهب مالك(٢) والأوزاعي أن التخطي المنهي عنه إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به قبل ذلك، وروي عن أبي نضرة أنه قال: يتخطاهم بإذنهم (٣). (١) أنظر: ((الفتاوى التاتار خانية)) ٦٨/٢. (٢) انظر: ((المنتقى)) ٢٠٣/١. (٣) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد الثامن كتبه مؤلفه . . ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٠- باب لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ في مَكَانِهِ ٩١١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ◌ََّ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعِ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. [٦٢٦٩، ٦٢٧٠ - مسلم: ٢١٧٧ - فتح: ٣٩٣/٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مخلَدُ بْنُ یزید، عن ابْنِ جُرَیْج، عن نافع، عن ابن عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَفْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعِ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم في الاستئذان(١)، ولأبي اليمان عن ابن جريج: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه)) ولأبي الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج أنه وَّ كره أن يقيم الرجل من المجلس فیجلس فيه. ومحمد هو ابن سلام البيكندي، وقد صرح به في بعض النسخ، انفرد به البخاري، مات سنة خمس وعشرين ومائتين. ومخلد (خ م د س ق) حراني مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، كناه أبو زرعة: أبا يحيى، والبخاري: أبا خداش، والنسائي وغيره: أبا الحسن، وفي ((مسند أبي قرة السكسكي)) عن نافع: فكان ابن عمر (١) (صحيح مسلم)) (٢١٧٧) كتاب: السلام، باب: تحريم إقامة الإنسان في موضعه المباح الذى سبق إليه. ٥١١ - كتاب الجمعة يقوم له الرجل من مجلسه فلا يجلس فيه(١). قال: وذكر ابن جريج عن سليمان بن موسى أن جابر بن عبد الله [قال](٢): قال رسول الله وَتليفون: ((لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا))(٣). إذا تقرر ذلك فإنما كره ذلك؛ لأنه لا يفعل إلا تكبرًا واحتقارًا للمقام، قال تعالى: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] وهذا من الفساد، والإيثار ممنوع من الأعمال الأخروية، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، فإن قدم صاحبًا فجلس في موضع حتى إذا جاء قام وأجلسه مكانه جاز، فَعَله ابن سيرين، فإن لم يكن له نائب، وجاء فقام له شخص فيجلسه مكانه جاز؛ لأنه قام باختياره، والقائم إن انتقل إلى (١) مخلد بن يزيد القُرَشي أبو يحيى، ويقال: أبو خياش ويقال: أبو الجيش، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو خالد الحَرَّانيُّ. قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: لا بأس به، وکان یھم. وقال عثمان بن سعيد الدارمى عن ابن معين، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن على الأبار: سألت عليّ بن ميمون عنه، فقال: كان قُرَشِيًّا، نعم الشيخ. وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات)). روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)» ٤٣٧/٧ - ٤٣٨ (١٩١٣)، ((الجرح والتعديل)) ٨/ ٣٤٧ (١٥٩١)، ((الثقات)) ١٨٦/٩. ((تهذيب الكمال)» ٣٤٣/٢٧ (٥٨٤٣). (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) رواه عبد الرزاق ٢٦٨/٣ (٥٥٩١) كتاب: الجمعة، باب: إقامة الرجل أخاه ثم يختلف. وأحمد ٢٩٥/٣. والشافعي في ((مسنده)) ١٨٧/٢ (٦٦٣) كتاب: الأدب. ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مكان أقرب لسماع الخطبة فلا بأس، وإن انتقل إلى دونه كره؛ لأنه يؤثر في دينه، ويحتمل كما قال ابن قدامة أن لا يكره لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع؛ لقوله بَّيقول: ((ليليني منكم أولو الأحلام والنھی))(١). ولو آثر شخصًا بمكانه لم يجز لغيره أن يسبقه إليه؛ لأن الحق للجالس آثر به غيره فقام مقامه في استحقاقه، كما لو تحجر مواتًا، ثم آثر به غيره، قاله ابن قدامة (٢). وقال ابن عقيل الحنبلي: يجوز لأن القائم أسقط حقه بالقيام فبقي على الأصل، فكان السابق إليه أحق به، كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره. وإن فرش مصلاه في مكان ففيه وجهان: أحدهما: يجوز رفعه والجلوس في موضعه؛ لأنه لا حرمة له؛ ولأن السبق بالأجسام لا بالمصلى. والثاني: لا يجوز لأن فيه افتياتًا على صاحبه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه فصار كمتحجر الموات(٣). وقال القاضي أبو الطيب من أصحابنا: يجوز إقامته في ثلاث صور: وهو أن يقعد في موضع الإمام، أو في طريق يمنع الناس من المرور فيه، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة (٤). (١) رواه ((مسلم)) (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، من حديث أبي مسعود البدري. (٢) («المغني)» ٣/ ٢٣٣. (٣) «المغنى)) ٢٣٣/٣ - ٢٣٤. (٤) أنظر: ((المجموع)) ٤ /٤٢١. ٥١٣ - كتاب الجمعة وقال المهلب: هو على العموم كما قال نافع لا يجوز أن يقيم أحد أحدًا من مكانه؛ لأنه من سبق إلى موضع من مواضع الجماعات التي نتساوی الناس فیها فهو أحق به، لبداره إليه. قلت: وكأن البخاري أشار بترجمته إلى كثرة الزحام يوم الجمعة فربما احتيج في الجلوس مكان الغير، ويؤخذ منه التبكير، فمن بكر لم يحتج إلى شيء من ذلك. ٥١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ٢١- باب الأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّهُ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. [٩١٣، ٩١٥، ٩١٦ - فتح: ٣٩٣/٢] ذكر فيه حديث السائب بن يزيد قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. وترجم له باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة، وزاد فيه عن السائب قال: ولم يكن للنبي وَ ﴿ مؤذنٌ غير واحد، وكان التأذين حين يجلس الإمام على المنبر(١). وذكره أيضًا في باب: الجلوس على المنبر(٢) وموضعين آخرين من الباب(٣) ويأتي في الاعتصام(٤)، وهو من (١) الحديث الآتي (٩١٣). (٢) حديث (٩١٥). (٣) يأتي في باب: التأذين عند الخطبة، برقم (٩١٦). (٤) لم أجد حديث الباب في كتاب الاعتصام، ولكن وجدت حديثًا عن السائب بن يزيد سيأتي برقم (٧٣٣٨) باب: ما ذكر النبي ◌َّه وحض على اتفاق أهل العلم. بلفظ: أخبرني السائب بن يزيد، سمع عثمان بن عفان خطبنا على منبر النبي وَله. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٣١٠/١٣: بقية الحديث أوهم صنيع الإسماعيلي أنه فيما يتعلق بالأأذان الذي زاده عثمان، فإنه أخرجه هنا وليس فيه شيء يتعلق عطية عثمان على المنبر، والحق أنه حديث آخر. اهـ. قلت: وقد تبع المصنف الإسماعيلي في وهمه. والله أعلم. اهـ ٥١٥ - كتاب الجمعة أفراده، وأخرجه الأربعة (١) وفي لفظ له: أمر عثمان بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك(٢). وفي لفظ: أمر عثمان بالأذان (٣) الثاني(٣). وللشافعي: حَدَّثَنَا بعض أصحابنا عن ابن أبي ذئب، وفيه: ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء (٤). وللنسائي عن السائب: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله وَله على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر(٥). ولأبي داود: يؤذن بين يدي رسول الله صل على باب المسجد وأبي بكر وعمر (٦). ولابن خزيمة عن السائب: كان النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام وإذا قامت الصلاة، في زمن رسول الله وتلخي وأبي بكر وعمر، حتى كان عثمان، فكثر الناس، فأمر بالنداء الثالث(٧). وفي رواية له: كان الأذان على عهد رسول الله وَلل وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان فأمر بالنداء الأول بالزوراء(٨) . (١) رواه أبو داود (١٠٨٨)، والترمذي (٥١٦)، والنسائي ٣/ ١٠٠ - ١٠١ وابن ماجه (١١٣٥). (٢) سيأتي برقم (٩١٦). (٣) سيأتي برقم (٩١٥). (٤) رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٤/ ٣٣٧ (٦٣٨٨) من طريق الشافعي. (٥) (سنن النسائي) ٣/ ١٠٠ - ١٠١ كتاب: الجمعة، باب: الأذان للجمعة. (٦) (سنن أبي داود)) (١٠٨٨) كتاب: الصلاة، باب: النداء يوم الجمعة. (٧) ((صحيح ابن خزيمة)) ١٣٦/٣ (١٧٧٣) كتاب: الجمعة، باب: ذكر الأذان الذي كان على عهد رسول الله وَّر الذي أمر الله ... (٨) ((صحيح ابن خزيمة)) ٣/ ١٣٧ (١٧٧٤). ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي رواية لعبد بن حميد في ((تفسيره)): في زمن رسول الله وَّرٍ وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان، فلما تباعدت المنازل وكثر الناس أمر بالنداء الثالث، فلم يعب ذلك عليه وعيب عليه إتمام الصلاة بمنى(١). الحدیث. وفي ((مصنف عبد الرزاق)) عن ابن جريج: قال سلمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس دعاء ولا يؤذن غير أذان واحد(٢). وفي ((المصنف)) عن الحسن: النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث، وكذا قاله ابن عمر. وفي رواية عنه: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. وعن الزهري: أول من أحدث الأذان الأول عثمان؛ ليؤذن أهل الأسواق. وفي لفظ: فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء؛ ليجتمع (٣) الناس(٣). وفي ((تفسير جويبر))، عن الضحاك، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ أن عمر هو الذي زاده، فلما كانت خلافة عمر وكثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع الناس الأذان، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي (١) رواه عبد بن حميد كما في ((الدر المنثور)) ٣٢٦/٦. (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٠٦/٣ (٥٣٤٠) كتاب: الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة. (٣) ((المصنف)) ٤٧٠/١ (٥٤٣٤، ٥٤٣٥، ٥٤٣٧) كتاب: الصلوات، باب: الأذان يوم الجمعة. ٥١٧ كتاب الجمعة = رسول الله وَلخر، وبين يدي أبي بكر، ثم قال عمر: أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه؛ لكثرة المسلمين، فهو السنة من رسول الله والله ماضية(١). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها : قوله: (كان النداء يوم الجمعة هو النداء). هو: الأذان. وقوله: (إذا جلس الإمام على المنبر). هذا سنة وعليه عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة(٢)، كذا قال ابن بطال(٣) وتبعه ابن التين، وقالا: خالف الحديث. وفي ((الهداية)) على مذهبهم: وإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله ﴾ سوى هذا الأذان (٤). قال المهلب: إنما جعل التأذين في هذا الحديث؛ ليعرف الناس جلوس الإمام فينصتون له. ثانیھا : المنبر -بكسر الميم - مشتق من النبر، وهو الارتفاع، وكان ◌َّ يقف على الدرجة التي تلي المستراح. وقوله: (ولم يكن له مؤذن غير واحد). يعني: لصلاة الجمعة، وإلا (١) قال ابن حجر في ((الفتح)) ٢/ ٣٩٥: هذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، ولقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد. اهـ (٢) ((المبسوط)) ١٣٤/١. (٣) (شرح ابن بطال)) ٢/ ٥٠٣. (٤) ((الهداية)) ١/ ٩١. ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح --- فله وَّي أربعة من المؤذنين كما هو معروف (١). أو المراد: بلال لمواظبته. قال الإسماعيلي: وأراد به التأذين، فجاء بلفظ: المؤذن؛ لأن فيه دلالة على التأذين. وعبارة ابن حبيب: كان النبي ◌َّ إذا رقى المنبر وجلس أذن المؤذنون على المنابر واحدًا بعد واحد، وكانوا ثلاثة، فإذا فرغ الثالث خطب و 9. وهو غريب منه، يرده ما سلف في باب المؤذن الواحد. وقال مالك في ((المجموعة)): إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان على المنار واحدًا بعد واحدٍ إذا جلس الإمام على المنبر(٢). وذكر ابن التين عن هشام خلافه، فذكر أنه نقل في إمارته الأذان الذي في الزوراء، فجعله مؤذنًا واحدًا يؤذن عند الزوال على المنار، فإذا جلس هشام على المنبر أذنوا بين يديه، وهذا أخذ بفعل عثمان قال ابن حبيب: وفعل الشارع أحق أن يتبع(٣). قال ابن عبد البر: وقد شُبِّه على قومٍ من أصحابنا في موضع الأذان يوم الجمعة، وأنكروا أن يكون الأذان في الجمعة بين يدي الإمام كان في زمن رسول الله صل﴾ وأبي بكر وعمر، وزعموا أن ذلك أحدث في زمن هشام بن عبد الملك، وهذا يدل على قلة علم قائله(٤). والنداء الثالث هو: الإقامة. وقد بينا من ((المصنف)) وغيره ما هو هذا النداء، وأنه قبل الأذان الذي بين يدي الإمام، وأن الأذان الثاني في (١) وقد أذن للنبي وَلي أربعة هم: بلال، وأبو محذورة، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ. (٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٧/١. (٣) أنظر السابق. (٤) ((الاستذكار)) ٥٦/٥. ٥١٩ - كتاب الجمعة حديث السائب إنما نعني به: الإقامة، لقوله وقال: ((بين كل أذانين صلاة)) (١) يعني: بين كل أذان وإقامة. ولأنها في الاشتقاق: أذان؛ لأنها إعلام بحضور الصلاة، وقيل: سميت بذلك للمجاورة، كما قيل: البيعان. وإنما هو بائع ومشتر- والأسودان، وغير ذلك. وقال القاضي أبو محمد: للجمعة أذانان: عند الزوال، والآخر عند جلوس الإمام(٢). قال أبو عمر(٣): وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الثاني، وإنما أحدثه معاوية. وعنه: أنه كان يدعو الناس بدعاءٍ ولم يؤذن غير واحد (٤). واختلف الفقهاء، كما قال أبو عمر: هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون؟ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة. وهذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام. ونص عليه الشافعي(٥)، ويشهد له حديث السائب: ولم يكن لرسول الله وَل غير مؤذن واحدٍ. وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالًا المواظب على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره. وعن ابن القاسم عن مالك: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ (١) سلف برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة؟ و(٦٢٧) كتاب: الأذان، باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء. ورواه مسلم: (٨٣٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة. (٢) ((المعونة)) ١٦٥/١. (٣) ((الاستذكار)) ٥٦/٢ - ٥٧. (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) بأطول مما ذكره المصنف وفيه: أول من أحدثه الحجاج بن يوسف. (٥) ((الأم)) ١٧٣/١. ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المؤذنون في الأذان حرم البيع. فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة(١). ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذنون الحديث(٢). وكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: وأذن المؤذنون. بلفظ الجماعة. قال أبو عمر: ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدًا وجماعةً في كل صلاة، إذا كان ذلك مترادفًا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها(٣). وعن الداودي: كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، وهي كالصومعة، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان تاليا لذلك. قلت: والآية يدخل فيها ما يقع عليه اسم نداء، وهو واحدٌ. الثالث: الزوراء - بزاي في الأول، ثم واو ساكنة بعدها راء ممدودة- موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد، قال البخاري في بعض نسخه: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. وقال ابن بطال: هو حجر كبير عند باب المسجد (٤). وقال ابن التين: هو موضع السوق. وقال أبو عبيد: هي ممدودة (١) ((النوادر والزيادات)) ١/ ٤٦٧. (٢) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٣٧٠. (٣) ((الاستذكار)) ٥٦/٥. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٥٠٥/٢.