النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الجمعة
سيد
قَالَ: وهل عليهم؛ فأبان بحديث: ((غسل الجمعة واجب عَلَى كل
محتلم)) أنها غير واجبة عَلَى الصبيان (١)، وقال أبو جعفر: فيه أيضًا
دليل عَلَى سقوطها عن النساء؛ لأن أكثرهن إنما يجب عليه الفروض
بالحيض لا بالاحتلام، والاحتلام في حقهن كالحيض.
ثانیھا :
هُذِهِ الأحاديث دالة عَلَى مطلوبية الغسل يوم الجمعة، ورواية: ((من
جاء)) أبلغ؛ لأنه شرط وجزاء، فهو يتناول كل جاء، وإذا جاء، وإن
أعطى معنى الشرط فليس بشرط حقيقي، وقوله: ((فليغتسل)) أمر،
وهو مجزوم لأنه جواب الشرط، وهو أبلغ في الدلالة عَلَى ثبوت
الغسل وتقريره والحث عليه، وقد أسلفنا في باب: وضوء الصبيان
قريبًا خلاف العلماء في وجوبه، وأن أكثر الفقهاء عَلَى عدم
الوجوب، والمراد التأكد.
قَالَ الشافعي: أحتمل الوجوب أن لا يجزىء غيره أو في الاختيار
والنظافة كما تقول: وجب حقك عليَّ (٢). وفي رواية لابن حزم من
حديث ابن عباس: كان رسول الله ص 9 ربما اغتسل يوم الجمعة وربما
لم يغتسل(٣). ويسن عندنا لكل من أراد الحضور، وإن لم يجب عليه
عَلَى الأصح، وهو مذهب مالك(٤). وقيل لكل أحد بناء عَلَى أنه
لليوم، ويتأكد في الذكور أكثر من النساء؛ لأنه في حقهن قريب من
الطيب وفي حق البالغ أكثر من الصبي.
(١) انظر: ((فتح الباري)) ٣٥٧/٢.
(٢) ((اختلاف الحديث)) ص١٠٩، ((الأوسط)) ٤٨/٤، ((المجموع)) ٤٠٥/٤.
(٣) ((المحلى)) ٢/ ١١.
(٤) ((المدونة)) ١٣٦/١، ((النوادر والزيادات)) ٤٦٣/١.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
الثالث: في ألفاظه:
قوله: (بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة) فيه مطلوبية القيام فيها،
وفي رواية: (عَلَى المنبر) وهو مطلوب أيضًا إجماعًا كما سيأتي في بابه،
فإن لم يكن، فعلى موضع عال؛ ليسمع صوته جميعهم ويبصروه فيكون
أوقع في النفوس.
وقوله: (أية ساعة هذِه؟) أية: تأنيث أي، وهو اسم يستفهم به،
تقول: أي شخص هو هذا؟ وأية امرأة هي هذِه؟ وهو تقرير وتوبيخ
إشارة إلى أنها ليست من ساعات الرواح؛ لأن الصحف طويت.
والساعة اسم لجزء من الزمان مخصوص، ويطلق على جزء من
أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة وعلى جزءٍ ما غيرُ مقدر
من الزمان، ولا يتحقق، وعلى الوقت الحاضر، والهندسي يقسم
اليوم عَلَى اثني عشر قسمًا وكذا الليلة طالا أم قصرا يسمونه ساعة،
ويسمون هذِه الساعات المعوجة وتلك الأدلة المستقيمة، ففيه تفقد
الإمام رعيته، وأمرهم بمصالح دينهم، والإنكار عَلَى المخالف وإن
جل، والإنكار عَلَى الكبار بمجمع من الناس، والكلام في حال
الخطبة بالأمر بالمعروف؛ لأنه من باب الخطبة.
والانقلاب: الرجوع من حيث جاء وهو أنفعال من قلبت الشيء
أقلبه إِذَا كبيته أو رددته، وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر، وإباحة الشغل
والتصرف يوم الجمعة قبل النداء.
وقوله: (التأذين)، كذا هنا، وفي رواية أخرى: (النداء)(١)، وهو
بکسر النون أشهر من ضمها.
(١) سيأتي برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة.

٣٨٣
كتاب الجمعة
وقوله: (والوضوء أيضًا؟) كذا هو بإثبات الواو، وروي بحذفها،
والأول يفيد العطف عَلَى الإنكار الأول؛ لأنه أراد بقوله: (أية ساعة
هُذِه؟) التعريض بالإنكار عليه، والتوبيخ عَلَى تأخر المجيء إلى الصلاة،
وترك السبق إليها في أول وقتها، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق
الكنايات، ثمَّ إن عثمان لما علم مراد عمر من سؤاله عن الساعة أعتذر
بأنه لما سمع النداء لم يشتغل بغير الوضوء فقال له: ألم يكفك أن أخرت
الوقت، وفوت نفسك فضيلة السبق حتَّى أتبعته بترك الغسل، والقناعة
بالوضوء، فتكون هذِه الجملة المبسوطة مدلول عليها بتلك اللفظة، وهي
معطوفة عَلَى الجملة الأولى، فخشي عثمان فوات الجمعة، فرأى أن
تركه أولى من تركها، وقال القرطبي: الواو عوض من همزة الاستفهام
كما قرأ ابن كثير (قال فرعون وآمنتم به)(١) [الأعراف: ١٢٣] وأما مع حذف
الواو فيكون - إن صحت الرواية- إما لأنه مبتدأ وخبره محذوف،
التقدير: الوضوء عذرك أو كفايتك في هذا المقام. أو لأنه خبر مبتدأ
محذوف، التقدير: عذرك وكفايتك الوضوء، ويجوز في الوضوء الرفع
عَلَى أنه مبتدأ وخبره محذوف، التقدير: الوضوء تقتصر عليه، ويجوز أن
يكون منصوبًا بإضمار فعل، التقدير: فعلت الوضوء وحده أو توضأت،
ويعضده قوله: وقد علمت أن رسول الله و # كان يأمر بالغسل، وتكون
هذِهِ الجملة حالا منه، والعامل فيها الفعل المقدر، ويكون العامل في
الحال مع الرفع ما دل عليه مجموع الجملة المقدرة، ولعل عثمان رأى أن
سماعه للخطبة أولى، وكذلك عمر لم يأمره بالخروج.
وروى ابن القاسم في ((المستخرجة)): من نسي الغسل حتَّى أتى
(١) ((المفهم)) ٤٨١/٢.

٣٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المسجد فإن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة خرج، وإلا صلى ولا شيء
عليه، قَالَ ابن حبيب: لا يؤثم تاركه(١)، وقد يجري فيه الخلاف عن
الوتر هل يحرج تاركه لأنهما سنتان مؤكدتان؟ والأصح عند الشافعية
أن ترك الغسل يوصف بالكراهة (٢)، وقوله: (أيضًا)، منصوب لأنه من
آض یئیض أيضا، أي: عاد ورجع، قاله ابن السكيت(٣). تقول: فعلته
أيضًا إِذَا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك قد أفدت بذكرهما
الجمع بين الأمرين أو الأمور.
وقوله: (يأمر بالغسل) وفي رواية: أمرنا ويأمرنا، وهو من ألفاظ رواية
الحديث، ورفعه، وفي قوله: (يأمرنا): زيادة حجة لعمر فإنه عام، بخلاف
يأمر، فإنه ليدل صريحًا عليه، والمحتلم: البالغ، وعبر به؛ لأنه الغالب،
ويعرفه كل أحد، وهو مشترك فيه، وقوله: ((غسل يوم الجمعة))) هو أظهر
ثباتًا من رواية مسلم: ((الغسل يوم الجمعة)) (٤)؛ لأنه أضاف الغسل إلى
اليوم فكان مخصوصًا به، وليس غسلًا مطلقًا، فكأنه اعتبر فيه
الاختصاص به والنية فيه، وأما إطلاق الغسل فلا، فإنه لو أغتسل فيه
ولم ينوه لم يجزه؛ لأنه وجد صورة غسل. ولما ذكر ابن أبي شيبة في
باب: القائلين بإجزاء الوضوء عن الغسل، قول أبي الشعثاء وإبراهيم
وعطاء وأبي وائل وأبي جعفر: ليس غسل واجب إلا من جنابة، ساق
بإسناده حديث أبي سعيد مرفوعًا (٥).
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٣/١.
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ٤٣/٢، و((المجموع)) ٢٣٢/٢ - ٢٣٣.
(٣) ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت ص٣٤٢.
(٤) مسلم (٨٤٦) وسلفت أيضًا برقم (٨٥٨).
(٥) ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٤٣٦/١ - ٤٣٧.

٣٨٥
- كتاب الجمعة
وفيه: قرن الغسل بالطيب والاستنان، والإجماع قائم فيما ذكره
الطحاوي والطبري أن تاركهما غير حرج إِذَا لم يكن لَهُ رائحة مكروهة
يؤذي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن مخرج الأمر
واحد(١).
الرابع :
الفاء في قوله: ( ((فليغتسل)) ) للتعقيب، وهو مخصوص بالإرادة،
كما سلف في الرواية الأخرى، وعمم أبو ثور وقال أحمد: لا
يستحب للمرأة إِذَا حضرت(٢). وحكاه النووي في ((شرح مسلم)) وجها
عندنا(٣). وقال مالك: لا تغتسل(٤). قَالَ: وكذا المسافر إن أتاها
للصلاة لا للفضل، وإن أتاها للفضل اغتسل(٥)، ووقته من الفجر
وتقريبه من ذهابه أفضل، وقال مالك: لا يكون إلا عند الرواح. وبه
قَالَ الليث في أحد قوليه(٦)، وخالفه ابن وهب، وهو قول مجاهد
والحسن البصري والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، أنفرد
الأوزاعي فقال بالإجزاء قبل الفجر (٧)، وقد أسلفنا عن الظاهرية
وجوب الغسل.
قَالَ ابن حزم: هو فرض لازم لكل بالغ ولو امرأة لليوم لا للصلاة،
فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذَلِكَ، قَالَ: ووقته اليوم إلى
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٦.
(٢) انظر: ((المغني)) ٢٢٨/٣.
(٣) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٣٤/٦ - ١٣٥.
(٤) ((المدونة)) ١٣٦/١.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٣/١، ((المنتقى)) ١٨٦/١.
(٦) ((المدونة)) ١٣٦/١، ((الاستذكار)) ١٧/٢.
(٧) انظر: ((البيان والتحصيل)) ١٥٤/٢، ((الأوسط)) ٤٤/٤-٤٥، ((المغني)) ٢٢٧/٣.

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أن يبقى ما يتم غسله قبل الغروب. قال: وهو لازم للحائض والنفساء
كغيرهما، وروى حديث البخاري الآتي: ((اغتسلوا يوم الجمعة وإن
لم تكونوا جنبًا))(١)، وحديث مسلم: ((حق على كل مسلم أن يغتسل
في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده))(٢) وحديثه أيضًا من طريق أبي
هريرة: ((حق عَلَى كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه
وجسده))(٣) ويأتي أيضًا(٤). وللبزار: ((وهو يوم الجمعة)) ورواه ابن أبي
شيبة من حديث جابر(٥)، وروي من حديث البراء أيضًا (٦)، فصح هذا
أنه لليوم لا للصلاة، وكان ابن عمر يغتسل بعد طلوع الفجر يوم
الجمعة، فيجزئ به عن غسل الجمعة(٧)، وكذلك نقل عن مجاهد:
إِذَا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه (٨). وكذا عن الحسن
والنخعي(٩)، ثمَّ قَالَ: فإن قيل رويتم عن ابن عمر مرفوعًا: ((إِذَا راح
أحدكم إلى الجمعة فليغتسل))(١٠) وعن ابن عمر مرفوعًا: ((إِذَا أراد
أحدكم)) (١١) وعنه أيضًا أن رسول الله بَ ◌ّهِ قَالَ وهو قائم عَلَى المنبر:
((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) (١٢).
(١) سيأتي برقم (٨٨٤) كتاب: الجمعة، باب: الدهن للجمعة.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٨٤٩) كتاب: الجمعة، باب: الطين والسوالك يوم الجمعة.
(٣) (صحيح مسلم)) (٨٤٩) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٤) برقم (٨٩٦ - ٨٩٧).
(٥) ((المصنف)) ٤٣٤/١ (٤٩٩٣) كتاب: الصلوات، باب: في غسل الجمعة.
(٦) ((المصنف)) ٤٣٣/١ (٤٩٨٩) كتاب: الصلوات، باب: في غسل الجمعة.
(٧) روى ذلك ابن أبي شيبة ٤٣٩/١ (٥٠٥٥) كتاب: الصلوات.
(٨) روى ذلك ابن أبي شيبة ٤٣٨/١ (٥٠٤١ - ٥٠٤٣) كتاب: الصلوات.
(٩) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ٤٣٨/١ (٥٠٤٢) كتاب: الصلوات.
(١٠) سيأتى برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، الطيب للجمعات.
(١١) رواه مسلم (٨٤٤) (١) كتاب: الجمعة.
(١٢) سيأتي برقم (٨٧٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة.

٣٨٧
كتاب الجمعة
قُلْتُ: هُذِه آثار صحاح، ولا خلاف فيها لقولنا(١). أما الأول فهو
نص فيه، وإنما فيه الأمر به لمن جاء، وليس فيه أي وقت،
ولا إسقاطه عمن لا يأتي إليها، وفي الآخر إيجابه عَلَى كل مسلم
ومحتلم، فهي زائدة، حكمًا عَلَى ما في حديث ابن عمر، وكذا قوله:
((إِذَا أراد)) وقد يريد إتيانها من أول النهار، ولفظ: ((إِذَا راح)) ظاهره
أن الغسل بعد الرواح.
وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينقض غسله ويتوضأ
فقط، وإن أكل أو نام انتقض غسله(٢). وقال طاوس والزهري وقتادة
ويحيى بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثمَّ أحدث فيستحب أن يعيد
غسلًا(٣).
وعن أبي يوسف أن الغسل لليوم(٤)، ثمَّ استدل من قَالَ بالوجوب
بالأحاديث التي فيها غسل يوم الجمعة واجب.
قَالَ ابن حزم: وروينا إيجاب الغسل مسندًا من طريق عمر بن
الخطاب وابنه وابن عباس وأبي هريرة كلها في غاية الصحة.
قَالَ: وممن قَالَ بوجوب فرض غسل يوم الجمعة عمر بن الخطاب
بحضرة الصحابة لم يخالفه فيه أحد، منهم أبو هريرة وابن عباس وأبو
سعيد وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء
وكعب والمسيب بن رافع.
واحتج من قَالَ بعدم الوجوب بحديث عمر المذكور في هذا الباب
(١) آخر كلام ابن حزم ((المحلى)) ٨/٢، ١٩ - ٢١.
(٢) ((المدونة)) ١٣٦/١.
(٣) انظر: ((الأوسط)) ٤٥/٤.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٩/١.

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث أبي هريرة: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فاستمع
وأنصت غفر له))(١) الحديث، وبحديث ((كان الناس ينتابون الجمعة
من منازلهم، ومن العوالي)) الحديث يأتي، وفيه: ((لو أنكم تطهرتم))
أخرجاه(٢)، وبحديث سمرة السالف في ذَلِكَ الباب: ((من توضأ
يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل)) أخرجه
الأربعة وحسنه الترمذي(٣)، وبحديث أورده ابن حزم عن الحسن:
أنبئنا أن رسول الله 8 كان لا يغتسل يوم الجمعة، ولكن كان
أصحابه يغتسلون. وبحديث ابن عباس: كان 100 ربما أغتسل
يوم الجمعة وربما لم يغتسل(٤). وبحديث من طريقه أيضًا: إن غسل
يوم الجمعة خير لمن أغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب،
وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين(6) يلبسون الصوف
ويعملون عَلَى ظهورهم الحديث بطوله، وهو في أبي داود (٦)، ثمَّ
(١) رواه مسلم (٢٧/٨٥٧) كتاب: الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في
الخطبة.
(٢) سيأتي برقم (٩٠٢) كتاب: الجمعة، باب: من أين تؤتي الجمعة وعلى من تجب،
ورواه مسلم (٨٤٧) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ
وبيان ما أمروا به.
(٣) أبو داود (٣٥٤، ٣٥٥)، الترمذي (٤٩٧) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في
الوضوء يوم الجمعة، النسائي ٩٤/٣، ابن ماجه (١٠٩١).
(٤) رواها الطبراني في ((الكبير)) ٢٤٢/١٢ (١٢٩٩٩)، وقال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد)» ١٧٥/٢ فيه: محمد بن معاوية النيسابوري، وهو ضعيف، ولكنه أثنى
عليه أحمد، وقال عمرو بن علي: ضعيف ولكنه صدوق.
(٥) في الأصل: مجهودون.
(٦) (سنن أبي داود)) (٣٥٣) كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم
الجمعة، والحديث رواه أحمد ٢٦٨/١ - ٢٦٩، وعبد بن حميد في ((منتخبه)) ١/ =

٣٨٩
= كتاب الجمعة
عللها(١)، وقالوا في حديث عمر وعثمان لو كان واجبًا عند عمر وعثمان
ومن حضرهما من الصحابة لما تركه عثمان، ولا أقر عمر وسائر
الصحابة على تركه.
قَالَ ابن حزم: ومن أين لكم بأن عثمان لم يكن اغتسل في صدر يومه
إذ ذاك عادة له؟ ومن أين لكم من أن عمر لم يأمره بالرجوع إلى الغسل؟
قالوا: فأنتم من أين لكم أنه أغتسل، وأن عمر أمره بالرجوع له؟ قلنا :
هبكم أنه لا دليل عندنا بهذا فلا دليل عندكم بخلافه. ثمَّ ذكر حديث
مسلم بن حمران قَالَ: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم
إلا وهو يفيض عليه(٢). فإذا كان ذَلِكَ كل يوم فيوم الجمعة أولى،
وقد قطع عمر الخطبة وأنكر، فلو لم يكن ذَلِكَ فرضًا عنده لما
= ٥١٣-٥١٤ (٥٨٨)، وابن خزيمة في ((صيححه)) ١٢٧/٣ (١٧٥٥) كتاب:
الجمعة، باب: ذكر علة ابتداء الأمر بالغسل للجمعة، والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) ١١٦/١ - ١١٧، والطبراني ٢١٩/١١ (١١٥٤٨)، والحاكم في
(المستدرك)) ٢٨٠/١- ٢٨١ كتاب: الجمعة - وقال: صحيح على شرط
البخاري - و١٨٩/٤ كتاب: اللباس، والبيهقي ٢٩٥/١ كتاب: الطهارة، باب:
الدلالة على أن الغسل يوم الجمعة سنة اختيار كلاهم من حديث عكرمة عن ابن
عباس، وقد ضعفه ابن حزم في المحلى ٢/ ١٢، وحسنه ابن حجر في ((الفتح)) ٢/
٣٦٢، وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٢/ ١٨٢ - ١٨٤ (٣٨٠).
قلت: ومدار الاختلاف في تصحيحه وتحسينه وتضعيفه على عمرو بن أبي عمرو،
وهو إن كان من رجال الصحيحين إلا أنه قد اختلف في حفظه، فقال ابن معين: في
حديثه ضعف، ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: ثقة وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال
النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لا بأس به. وقال ابن حبان في «ثقاته)):
ربما أخطأ، فيتلخص من أقوالهم هُذِه كما قال الألباني: في نفسه ثقة، وأن في
حفظه ضعفًا ا.هـ
(١) «المحلى)) ١١/٢ - ١٢.
(٢) رواه مسلم (٢٣١) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قطعها، وحلف: والله ما هو بالوضوء. فلو لم يكن فرضًا لما كانت يمينه
صادقة(١).
وقد ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل عَلَى المطلوبية، وتأتي،
وفي أبي داود والنسائي من حديث حفصة(٢)، وفيهما والترمذي من
حديث أبي هريرة وأبي سعيد(٣)، وفي أبي داود من حديث عائشة(٤)
وغير ذَلِكَ.
(١) ((المحلى)) ١٥/٢-١٦.
(٢) أبو داود (٣٤٢) والنسائي ٨٩/٣ والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود))
(٣٧٠).
(٣) رواه أبو داود (٣٤٣) والترمذي (٤٩٨) من حديث أبي هريرة والنسائي ٩٢/٣ من
حديث أبي سعيد وحسنه النووي في ((المجموع)) ٤٠٩/٤، وفي ((الخلاصة))
(٢٧٣٤)، وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٧١).
(٤) (سنن أبي داود)) (٣٥٢) كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل في يوم
الجمعة.

=
كتاب الجمعة
٣٩١
٣- باب الطَّيبِ يوم الجمعة
٨٨٠- حَدَّثَنَا عَلّ قَالَ: حَذَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ
ابْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:
أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ قَالَ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم،
وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ)). قَالَ عَمْرٌو: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَّمَّا
الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فالله أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ، ولكن هَكَذَا فِي الحَدِيث. [انظر: ٨٥٨-
مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٣٦٤/٢]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هذا.
رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ، وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ
المُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ.
ذكر فيه حديث علي - هو ابن المديني - ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، ثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمِ الأَنْصَارِيُّ
أَشْهَدُ عَلَىْ أَبِي سَعِيدٍ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ). قَالَ
عَمْرٌو: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الأَسْتِنَانُ وَالطَّبُ فالله
أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ، ولكن هَكَذَا فِي الحَدِيثِ.
وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وطرقه الدار قطني في ((علله))(٢)، والبخاري
صح عنده سماع عمرو من أبي سعيد، فإن الشهادة لا تكون إلا بالسماع،
وإن رواه مرة عن ابن أبي سعيد عبد الرحمن، فيكون سمعه منهما، وإن
(١) (صحيح مسلم)) (٨٤٦) كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ
من الرجال وبيان ما أمروا به.
(٢) ((علل الدارقطني)) ١١/ ٢٥٣ (٢٢٧٠).

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
صحح الدارقطني الأول، وأبو بكر بن المنكدر لم يسم، كما قَالَ
البخاري، وكذا قَالَ أبو حاتم: إنه لا يسمى(١)، وهو أخو محمد بن
المنكدر وعمر بن المنكدر، وکان أسن من أخيه محمد، ومحمد
يكنى: أبا بكر أيضًا، وأبا عبد الله، كما ذكره البخاري، وكلهم ثقات.
والاستنان: مأخوذ من السن، يقال: سننت الحديد: حككته عَلَى
السن. وقيل له: الاستنان؛ لأنه إنما يستاك عَلَى الأسنان. و(يمس))):
بفتح الميم، وحکي ضمها.
وقوله: ((وأن يمس))) كذا روي، وروي بحذف ((أن)).
وفي مسلم: ((ولو من طيب المرأة))(٢) أي: لأن طيبها مكروه
للرجال، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، وطيب الرجال بالعكس،
وأباحه هنا للرجال للضرورة لعدم غيره، وهو دال عَلَى تأكده.
وقوله: (أما الغسل فأشهد أنه واجب). أي: متأكد. وقوله في باب:
الدهن للجمعة: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري(٣). وكذا في
الدهن. يعني: أنه ليس كوجوب الغسل.
وذكر الطحاوي والطبري أنه وسلم لما قرن الغسل بالطيب يوم الجمعة
وأجمع الجميع عَلَى أن تارك الطيب يومئذ غير حرج، إِذَا لم يكن لَهُ
رائحة مكروهة يؤذي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن
مخرجهما من الشارع واحد، وكذا الاستنان بالإجماع أيضًا، فكذا هما،
وإن كان العلماء يستحبون لمن قدر عليه كما يستحبون اللباس الحسن (٤).
(١) ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٣٤٣.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٧/٨٤٦) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٣) سيأتي برقم (٨٨٤).
(٤) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٦.

٣٩٣
- كتاب الجمعة
وفي ((المصنف)): وكان ابن عمر يجمر ثيابه كل جمعة (١). وقال معاوية بن
قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذَلِكَ(٢). وحكاه مجاهد عن
ابن عباس(٣)، وعن أبي سعيد وابن مغفل وابن عمر ومجاهد نحوه (٤)،
وخالف ابن حزم لما ذكر فرضية الغسل عَلَى الرجال والنساء، قَالَ:
وكذلك الطيب والسواك(٥). وشرع الطيب؛ لأن الملائكة عَلَى أبواب
المسجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه. وفي
حديث: ((إن من الحق عَلَى المسلمين أن يغتسل أحدهم يوم الجمعة،
وأن يمس من طيب إن كان عنده، وإن لم يكن فالماء له طيب))(٦).
(١) ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٤٨١/١ (٥٥٤٧) كتاب: الصلوات، من كان يأمر
بالطیب.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨١ (٥٥٤٦) السابق.
(٣) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٤٨١ (٥٥٤٣) السابق.
(٤) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٤٨٠/١ - ٤٨١ (٥٥٤١، ٥٥٤٢، ٥٥٤٤) السابق.
(٥) ((المحلى)) ٨/٢.
(٦) رواه الترمذي برقم (٥٢٨- ٥٢٩) من حديث البراء بن عازب، قال الترمذي:
حديث البراء حديث حسن، ورواية هشيم أحسن من رواية إسماعيل بن إبراهيم
التيمي، وإسماعيل بن إبراهيم التيمي يضعف في الحديث.
وقال في ((علله الكبير)) ٢٨٤/١ - ٢٨٥: سألت محمدًا عن هذا الحديث: فقال:
عن ابن أبي ليلى عن البراء موقوف، وإسماعيل بن إبراهيم التيمي ذاهب الحديث،
كان ابن نمير يضعفه جدًّا، ولم يعرف حديث هشيم عن يزيد بن أبي زياد، وحديث
هشيم أصح وأحسن من حديث إسماعيل.
قلت: مدار الحديث على يزيد بن أبي زياد، وقد اختلف في جرحه وتعديله: فعن
شعبة: كان رفاعًا، وعن أحمد: ليس حديثه بذاك، وقال مرة: ليس بالحافظ،
وعن ابن معين: ليس بالقوي. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال ابن سعد: كان
ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب. والحديث ضعفه الألباني
في ((ضعيف الترمذي)).

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فرع: اختلف في الاغتسال في السفر، فممن كان يراه عبد الله بن
الحارث وطلق بن حبيب وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين
وطلحة بن مصرف(١).
قَالَ الشافعي: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن الشربة منه بدينار.
وممن كان لا يراه علقمة وعبد الله بن عمر وابن جبير وابن مطعم ومجاهد
وطاوس والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية(٢).
وفي كتاب ابن التين قبيل باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في
المطر، عن طلحة وطاوس ومجاهد أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في
السفر، واستحبه أبو ثور، وحكاه ابن بطال عنهم أيضًا (٣).
فرع: عند مجاهد إِذَا اغتسل يوم الجمعة بعد الفجر من الجنابة أجزأه
من غسل الجمعة(٤)، وهو قول للشافعي(٥).
آخر: اغتسل ثمَّ أحدث، فعن النخعي: یعیده. وکذا ذكره طاوس،
وخالفه عبد الرحمن بن أبزى وابن سيرين والحسن، وقالوا: لا يعيده.
ذكره ابن أبي شيبة(٦)، ونقل ابن التين عن الحسن الإعادة.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ (٥٠٣٧-٥٠٤٠) باب من كان يغتسل في السفر
يوم الجمعة.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ٤٣٧ (٥٠٣٠ - ٥٠٣٦).
(٤) روى ذلك عنه ابن أبي شيبة ٤٣٨/١ (٥٠٤١) كتاب: الصلوات من قال: إذا
(٣)
((شرح ابن بطال)) ٢/ ٤٩٠.
اغتسل يوم الجمعة بعد الفجر أجزأه.
(٥) انظر: ((الأوسط)) ٤٤/٤، ((المجموع)) ٤ /٤٠٦.
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٣٨/١ (٥٠٤٨ - ٥٠٥٠).

٣٩٥
كتاب الجمعة
=
٤- باب فَضْلِ الجُمُعَةِ
٨٨١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَی -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِ صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ:
(مَنِ أَغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسَّلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَّةً، وَمَنْ رَاحَ
فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِئَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ
كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ
يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)). [مسلم: ٨٥٠- فتح: ٣٦٦/٢]
ذكر حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّرِ قَالَ: (مَنِ أَغْتَسَلَ يَوْمَ
الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً)).
أخرجه مسلم والجماعة(١)، ويأتي في الباب أيضًا.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها :
قوله: ( ((غسل الجنابة))) كذا رواه الجمهور، ولابن ماهان: غسل
الجمعة. والمراد: غسلًا كغسل الجنابة في صفاته، وأبعد من قَالَ: إنه
حقيقة حتَّى يستحب أن يواقع زوجته؛ ليكون أغض لبصره وأسكن
لنفسه، وإن كان يؤيده حديث أوس في السنن الأربعة: ((من غسل يوم
(١) مسلم برقم (٨٥٠) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة، وأبو داود
برقم (٣٥١) كتاب: الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، والترمذي برقم
(٤٩٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التبكير يوم الجمعة، والنسائي في
((المجتبى)) ٩٩/٣ كتاب: الجمعة، باب: وقت الجمعة، وفي ((السنن الكبرى)) ١/
٥٢٦ (١٦٩٥) كتاب: الجمعة، باب: التبكير إلى الجمعة، وابن ماجه (١٠٩٢)
كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في التهجير إلى الجمعة.

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الجمعة واغتسل))(١) إلى آخره، عَلَى تفسير من فسر: ((اغتسل)) بغسل
الجنابة، والأشبه فيه حمل غيره عَلَى الغسل بالحث والترغيب، وأبعد
من قَالَ: إن المراد غسل ثيابه، واغتسل بجسده، حكاه ابن التين.
ثانیھا :
المراد بالرواح هنا: الذهاب أول النهار. وقد نبه عليه ابن حبان في
((صحيحه))، وقال: في الخبر دليل عليه ضد من قَالَ: لا يكون إلا بعد
الزوال(٢). وهذا مذهب الكوفيين والأوزاعي والشافعي، وجماهير
أصحابه، وأحمد وابن حبيب المالكي، ومحمد بن إبراهيم العبدري(٣).
وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي الحسين وإمام الحرمين أن
المراد بالساعات هنا: لحظات لطيفة بعد الزوال، وكره مالك التبكير
(١) أبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، النسائي ٩٥/٣-٩٦، ابن ماجه (١٠٨٧).
قال النووي في ((المجموع)) ٤١٦/٤، وفي ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٢٩/١ :
حديث حسن، وقال فى ((الخلاصة)) ٢/ ٧٧٥ (٢٧١٧): رواه الثلاثة بأسانيد حسنة.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٧٣): إسناده صحيح.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٧/ ١٣.
(٣) أنظر: ((تبيين الحقائق)) ٢٢٣/١، ((النوادر والزيادات)) ٤٦٥/١، ((الحاوي الكبير))
٢/ ٤٥٢، ((المغني)) ١٦٤/٣ والشافعية على خلاف حكاه النووي رحمه الله فقال:
أتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب التبكير إلى الجمعة في الساعة الأولى
للحديث السابق، وفيما يعتبر منه الساعات ثلاثة أوجه
الصحيح: عند المصنف والأكثرين من طلوع الفجر والثاني: من طلوع الشمس،
وبه قطع المصنف في ((التنبيه))، وينكر عليه الجزم به والثالث: أن الساعات هنا
لحظات لطيفة بعد الزوال، واختاره القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما من
الخراسانيين وهو مذهب مالك، واحتجوا بأن الرواح إنما يكون بعد الزوال، وهذا
ضعيف أو باطل، والصواب أن الساعات من أول النهار؛ وأنه يستحب التبكير من
أول النهار، وبهذا قال جمهور العلماء، وحكاه القاضي عياض عن الشافعي وابن
حبيب المالكي وأكثر العلماء، ((المجموع)) ٤/ ٤١٣ - ٤١٤.

٣٩٧
كتاب الجمعة
=
في أول النهار(١). والأصح عند أصحابنا أن أولها من طلوع الفجر لا من
طلوع الشمس(٢)، ونقل ابن بطال مقابله عن الكوفيين(٣)، وبسطنا الكلام
عليه في ((شرح العمدة)) فليراجع منه (٤).
ثالثها :
معنى ((قرب)): تصدق. والبدنة: الواحدة من الإبل والبقر والغنم،
وخصها جماعة بالإبل، وهو المراد هنا، ويعجب مالك ممن قَالَ: لا
تكون البدنة إلا من الإناث(٥). ونقله ابن التين عن الشافعي، وأبعد
من قَالَ: إن الغنم لا تسمی هدیًا.
والبقرة: تطلق عَلَى الذكر والأنثى، الأهلي والوحشي، ووصف
الكبش بالأقرن؛ لكماله به، ففيه فضيلة عَلَى الأجم، والدجاجة مثلثة
الدال، وحضر بفتح الضاد أفصح من كسرها.
رابعها: في فقهه:
فيه: الحث عَلَى التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة
فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وأن القربان والصدقة تقع عَلَى القليل
كالكثير، وقد جاء في النسائي بعد الكبش بطة ثمَّ دجاجة ثمَّ بيضة، وفي
أخرى: دجاجة ثمَّ عصفور ثمَّ بيضة، وإسنادهما صحيح(٦).
وفيه: إطلاق القربان عَلَى الدجاجة والبيضة، والمراد: الصدقة.
(١) أنظر: ((المنتقى)) ١٨٣/١.
(٢) انظر: ((المجموع)) ٤ /٤١٤.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢ / ٤٨٠.
(٤) (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ١٥٨ - ١٦١.
(٥) ((المدونة)) ٣٠٨/١.
(٦) ((المجتبى)) ٩٨/٣ - ٩٩، كتاب: الجمعة، باب: التبكير إلى الجمعة.

٣٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: هو محمول عَلَى حكم ما تقدمه كقولك: أكلت طعامًا وشرابًا،
وعلفتها تبنًا وماءً باردًا.
وفيه: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر؛ لأنه ◌َ ل﴿ قدمها أولًا وتلاها
بالبقرة، وأجمعوا عليه في الهدايا، واختلفوا في الأضحية(١)، فمذهب
الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أن الإبل أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الغنم
كالهدايا(٢)، ومذهب مالك أن الغنم أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الإبل (٣).
قالوا: لأنه ◌َي ضحى بكبشين(٤)، وهو فداء إسماعيل. وحجة
الجمهور حديث الباب مع القياس عَلَى الهدايا، وفعله لا يدل عَلَى
الأفضلية بل عَلَى الجواز، ولعله لما لم يجد غيره، كما ثبت في
الصحيح أنه وَالر ضحى عن نسائه بالبقر(٥).
الخامس :
الملائكة المذكورون غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضريها، قاله
المازري ثمَّ النووي(٦).
وقال ابن أبي بزيزة: لا أدري هم أو غيرهم.
وقوله: ( ((فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)))
لا تنافي بينه وبين الراوية الأخرى في الصحيح: ((فإذا جلس الإمام
(١) أنظر: ((التمهيد)) ١٦/٤.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٠١، ((المجموع)) ٤١٢/٤، ((المغني)) ٣٦٦/١٣.
(٣) أنظر: ((عيون المجالس)) ٢/ ٩٣٢.
(٤) سيأتي الحديث الدالُ على هذا برقم (٥٥٥٣) كتاب: الأضاحي، باب: في
أضحية النبي ◌َ القر بكبشين.
(٥) سلف الحديث الدال على هذا برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء
إذا نفسن.
(٦) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٦/ ١٣٧.

٣٩٩
- كتاب الجمعة
طووا الصحف)) (١) لأن بخروج الإمام يحضرون من غير طي، فإذا جلس
عَلَى المنبر طووها. وفي رواية لابن خزيمة: ((عَلَى كل باب من أبواب
المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول)) الحديث(٢). وفي
حديث عبد الله بن عمرو: ((ورفعت الأقلام فتقول الملائكة بعضهم
لبعض: ما حبس فلانًا؟ فتقول الملائكة: اللَّهُمَّ إن كان ضالًا فاهده،
وإن كان مريضًا فاشفه وإن كان عائلا فأغنه)) (٣).
وفي ((الديباج)) للختلي من حديث عائشة مرفوعًا: ((الأول فالأول
حتَّى يكتبان أربعين ثمَّ يطويان الصحف، ويقعدان يسمعان الذكر)) (٤).
والمراد بالذكر: الخطبة، وقد بين ذَلِكَ في حديث ابن المسيب عن
أبي هريرة، وقال: يستمعون الخطبة، فمن أتى والإمام في الخطبة فاته
الكتابة في الصحف، وله أجر المدرك لا المسارع.
(١) ستأتي هذه الرواية برقم (٩٢٩) باب: الاستماع إلى الخطبة.
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ١٣٤/٣ (١٧٧٠) كتاب: الجمعة، باب: ذكر عدد من يقعد
على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة من الملائكة.
(٣) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) ١٣٤/٣ - ١٣٥ (١٧٧١) كتاب: الجمعة، باب:
ذكر دعاء الملائكة للمتخلفين عن الجمعة بعد طيهم الصحف. وسكت عنه الحافظ
ابن حجر في ((الفتح)) ٣٦١/٢ وقال الألباني: إسناده ضعيف.
(٤) (الدیباج) ص.

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥- باب
٨٨٢- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ عُمَرَ ﴾ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لم
تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ أَمْ تَسْمَعُوا
النَّبِيَّ وََّ قَالَ: ((إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ))؟! [انظر: ٨٧٨- مسلم:
٨٤٥ - فتح: ٣٧٠/٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ عُمَرَ ه بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ،
الحدیث.
وأخرجه مسلم أيضًا (١) وقد سلف من طريق عمر قريبًا واضحًا(٢).
(١) (صحيح مسلم)) (٨٤٥) كتاب: الجمعة.
(٢) برقم (٨٧٨).