النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
- كتاب الأذان
صلاة، وإنما قدم الشافعي الاستفتاح بـ((وجهت وجهي .. ))؛ لموافقة ألفاظ
القرآن، وإلا فحديث أبي هريرة في الباب أقوى منه.
وأجاب عنه ابن الجوزي بأنه كان في أول الأمر أو في النافلة. قلت:
في النسائي من حديث محمد بن مسلمة أنه اللي كان إذا قام يصلي
تطوعًا(١) قاله. لكن في ((صحيح أبي حاتم بن حبان)): كان إذا قام إلى
الصلاة المكتوبة قاله(٢).
وقال ابن قدامة: العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحدًا استفتح
بالحديث كله، وإنما يستفتحون بأوله(٣) وهو عجيب منه!
قال الشافعي في ((الأم)) باستحباب جميعه(٤). وممن نقله عنه: ابن
الأثير في ((شرح المسند))، وأما المزني فروى عنه إلى قوله:
والمسلمين(٥). وهو في حق الإمام فقط. ووقع في ابن بطال أن
الشافعي قال: أحب للإمام أن تكون له سكتة بين التكبير والقراءة؛
ليقرأ المأموم فيها. ثم قال: وحديث أبي هريرة يرد على العلة التي
علل بها الشافعي هُذِه السكتة؛ لأن أبا هريرة سأل الشارع عنها فقال:
((أقول: اللهم باعد .. )) إلى آخره، ولو كانت ليقرأ من وراء الإمام فيها
لذكر ذلك، فبين أن السكتة لغير ما قاله الشافعي(٦).
(١) النسائي ١٣١/٢ كتاب: الافتتاح.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٦٨/٥-٧١ (١٧٧١-١٧٧٢) كتاب: الصلاة، باب: صفة
الصلاة. من حديث علي بن أبي طالب، وهو في ((صحيح مسلم)) (٧٧١).
(٣) ((المغني)) ١٤٥/٢.
(٤) ((الأم)) ١ / ٩٢.
(٥) (الشافي شرح مسند الشافعي)) ١/ ٥٣٧.
(٦) (شرح ابن بطال)) ٣٦١/٢-٣٦٢.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
وهذا الذي قاله عن الشافعي غلط من أصله فإن الذي استحبه
الشافعي السكتة فيها؛ لأجل قراءة المأموم الفاتحة إنما هو السكتة
الثالثة بعد قوله: آمين، فتنبه لذلك، ثم قال ابن بطال: ولو كانت هذِه
السكتة فيما واظب عليها الشارع لم يخف ذلك، ولنقلها أهل المدينة
عيانًا وعملًا، فيحتمل أنه التَّفي فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع(١).
قلت: الحديث ورد بلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة، ويلفظ: كان إذا
قام يصلي تطوعًا. وبلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله. وكان
هنا تشعر بكثرة الفعل أو المداومة عليه.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
قوله: (إسكاتة): هو بكسر الهمزة: إفعالة من السكوت.
قال ابن التين: معناه: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده أو قراءة مع قصر
المدة. والمراد بالسكوت هنا سكوت عن الجهر لا سكوت مطلق عن
القول لا عن الذكر والدعاء بدليل قوله بعده: ما تقول؟ فإنه مشعر بأنه
فهم في سكوته قولًا.
ثانیھا :
(هنية) القليل من الزمان، وأصله: هنة، ثم صغر هنية - كما في رواية
الكتاب- ثم أبدلت الياء المشددة هاء في رواية أخرى(٢). وضبطها
(١) (شرح ابن بطال)) ٣٦٢/٢.
(٢) أخرج هُذِه الرواية النسائي ١٢٨/٢-١٢٩ كتاب: الافتتاح، باب: الدعاء بين
التكبير والقراءة، وابن حبان في ٧٦/٥-٧٧ (١٧٧٦ -١٧٧٧). كتاب: الصلاة،
باب: صفة الصلاة، وابن خزيمة ٦٣/٣ (١٦٣٠) كتاب: الصلاة، باب: الرخصة
في خصوصية الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين.

٢٣
=
== كتاب الأذان
القرطبي بالهمز عن رواية الجمهور (١). وخالف النووي في ((شرحه
لمسلم)) فقال: من همزها فقد أخطأ(٢).
ثالثها :
فيه تفدية الشارع بالأباء والأمهات، وهو إجماع، وهل يجوز تفدية
غيره من المؤمنين؟ فيه مذاهب أصحها: نعم بلا كراهة، وثانيها: المنع
وذلك خاص به، وثالثها: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون
غيرهم؛ لأنهم هم الوراث المنتفع بهم بخلاف غيرهم (٣) . رابعها:
المراد بالمباعدة ترك المؤاخذة، وكذا الغسل. والدنس: الوسخ، ولا
شك أنه في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان، ولذا وقع
التشبيه به.
وقوله: ((بالماء والثلج والبرد)»: فيه استعارة للمبالغة في التنظيف من
الذنوب، والمراد: أذاقه لذة غفران ذنوبه. وقد أوضحت الكلام على هذا
الحديث في ((شرح العمدة)) فليراجع منه (٤).
وفي «مسند البزار) الأمر بذلك أخرجه من حدیث خبيب بن سليمان
بن سمرة عن أبيه، عن جده أن رسول الله رَ لم قال: ((إذا صلى أحدكم
فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطيئتي كما باعدت بين المشرق
والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني بوجهك يوم القيامة،
اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم
(١) «المفهم)) ٢١٦/٢.
(٢) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٩٦/٥.
(٣) انظر: ((الإعلام)) ١٦/٣ -١٧.
(٤) ((الإعلام)) ٥/٣.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أحيني مسلمًا وأمتني مسلمًا))(١) ، خبيب ووالده، وثقهما ابن حبان(٢) فردُ
ابن القطان حديثه لجهالتهما غير جيد(٣).
قال الشافعي: قال بعض من خالفنا: استفتح بسبحانك اللهم
وبحمدك. وأن أول ما يبدأ بقوله وفعله ما كان في كتاب الله تعالى
وسنة رسوله، قال: قد رويت هذا القول عن النبي وَلخير من حديث
بعض أهل مدينتكم، قلنا له ولبعض من حضره: أحافظٌ من رويت عنه
هذا القول وتحتج بحديثه؟ قال عامة من حضره: لا ليس بحافظ.
قال: قلت: فكيف يجوز أن يعارض برواية من لا يحفظ ولا يقبل
حديث مثله على الانفراد رواية من يحفظ ويثبت حديثه؟(٤)
قال البيهقي في ((المعرفة)): وإنما أراد أبو عبد الله حديث حارثة عن
عائشة(٥). أي: في أبي داود والترمذي والدار قطني.
قال الترمذي: لا نعرفه من حديث عائشة إلا من هذا الوجه.
وأعله أبو داود، وقال الدار قطني: ليس بقوي. وقال البيهقي: غير
محفوظ. وأما الحاكم فصححه من طريق أبي داود على شرط الشيخين
ثم قال: وله شاهد صحيح الإسناد، فذكر حديث حارثة، قال: وإن
لم يكن مالك يرضاه فقد رضيه أقرانه من الأئمة، قال: ولا أحفظ في
(١) (البحر الزخار)) ٤٥٦/١٠ (٤٦٢٨)، باب: ما يستفتح به الصلاة. قال الهيثمي في
((المجمع)) ١٠٦/٢: إسناده ضعيف. وقال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ٦/ ٣٧٦:
حديث غريب، إسناده فيه ضعف.
(٢) ((الثقات)) ٣١٤/٤، ترجمة سليمان بن سمرة، ٢٧٤/٦ ترجمة خبيب بن سليمان.
(٣) («بيان الوهم والإيهام) ٣٦٧/٣ (١١١٠)، ١٣٨/٥ (٢٣٧٩). قال ابن القطان في
الموضع الأول: علة حديث سمرة، هي الجهل بحال خبيب وأبيه.اهـ بتصرف.
(٤) نقل كلام الشافعي هذا البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) ٣٤٥/٢-٣٤٦.
(٥) ((المعرفة)) ٣٤٦/٢.

٢٥
- كتاب الأذان
قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) أصح من هذين الحديثين.
قلت: الأول من رواية أبي الجوزاء عن عائشة، وبينهما أنقطاع كما
نبه عليه أبو عمر في ((تمهيده))(١).
(١) خلاصة ما ذكره المصنف - رحمه الله - أن حديث عائشة هذا روي من طريقين:
الأول: عن طلق بن غنام، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة،
عن أبي الجوزاء، عن عائشة. رواه من هذا الطريق أبو داود (٧٧٦)، والدارقطني
٢٢٩/١، والحاكم ٢٣٥/١، والبيهقي في (السنن)) ٣٤/٢-٣٥، وفي ((المعرفة))
٣٤٧/٢-٣٤٨ (٣٠٠٢).
قال أبو داود: وهذا الحديث لیس بالمشهور، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى
قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئًا من هذا. وقال الدارقطني: ليس
هذا الحديث بالقوي. وقال البيهقي في ((المعرفة)): ليس بمحفوظ. ومال المصنف
إلى تقويته في ((البدر المنير)) ٥٣٣/٣ وقال: لكنه مرسل، فإنه من رواية أبي
الجوزاء عن عائشة. وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢٢٦/١: رجال إسناده ثقات،
لكن فيه أنقطاع. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٧٤٩).
الطريق الثاني: عن أبي معاوية، عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة.
ورواه من هذا الطريق الترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٠٦)، وابن خزيمة ٢٣٩/١
(٤٧٠)، والدارقطني ٣٠١/١، والحاكم كما في ((إتحاف المهرة)) ٧٣٠/١٧ -
٧٣١ (٢٣١٣٦)، والبيهقي في (سننه)) ٣٤/٢، وفي ((المعرفة)) ٣٤٦/٢.
تنبيه هام: الحديث بهذا الإسناد سقط من مطبوع ((المستدرك))، لذا عزوناه
((للإتحاف)) وقد علق محقق ((الإتحاف)) - وقد وضع إسناد الحاكم للحديث وقوله:
صحيح الإسناد بين هلالين أو قوسين- قال: ما بين الهلالين ساقط من المطبوع،
وهو موجود في أصل مخطوطة رواق المغاربة ((للمستدرك)) ١١٥/١/أ. اهـ
قال ابن خزيمة: حارثة ليس من يحتج أهل الحديث بحديثه. وقال البيهقي في
(السنن)): وهُذا لم نكتبه إلا من حديث حارثة بن أبي الرجال، وهو ضعيف. وزاد
في ((المعرفة)): لا يحتج به، ضعفه ابن معين وأحمد والبخاري وغيرهم. وضعفه
الحافظ أيضًا في ((التلخيص)) ٢٢٩/١ بحارثة. وقال الألباني في «صحيح أبي داود)»
٣٦٥/٣: بهذين الطريقين يأخذ الحديث قوة، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة
الصحيح. وانظر: ((التمهيد)) ٢٠٥/٢٠-٢٠٦، ((نتائج الأفكار)) ٣٩٦/١-٤٠٠.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي الدارقطني من حديث جابر: كان ◌َّي يستفتح الصلاة بسبحانك
اللهم وبحمدك.
قال ابن الجوزي وابن قدامة: رجال إسناده كلهم ثقات.
وضعفه البيهقي. وقال أبو زرعة. كذب لا أصل له (١).
(١) حديث جابر بهذا اللفظ رواه البيهقي ٢/ ٣٥ من طريق بشر بن شعيب بن أبي
حمزة، عن أبيه شعیب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن رسول
الله كان إذا استفتح الصلاة قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى
جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من
المشرکین، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له)). أما
الدار قطني فرواه ٢٩٨/١ من طريق شريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة به
بلفظ: كان إذا استتفتح الصلاة قال: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين .. )) الحديث.
وليس فيه القطعة التي ذكرها المصنف. ورواه من هذا الطريق وبهذا اللفظ أيضًا،
النسائي ١٢٩/٢، الطبراني في ((مسند الشاميين)) ١٤٩/٤-١٥٠ (٢٩٧٤)، وفي
((الدعاء)» ١٠٣٠/٢-١٠٣١ (٤٤٩)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٣٤٢/١.
وقال الحافظ في ((نتائج الأفكار)» ٤٠٥/١: سنده جيد، وقال في ٤٠٩/١ :
سنده قوي.
تتمة هامة: الحديث الذي رواه الدارقطني باللفظ الذي ذكره المصنف -رحمه
الله- رواه ٢٩٨/١ - ٢٩٩ عن أبي سعيد الخدري.
ورواه أيضًا أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي ١٣٢/٢، وابن ماجه
(٨٠٤)، وأحمد ٥٠/٣، ٦٩، والبيهقي ٣٤/٢، وفي ((المعرفة)) ٣٤٨/٢
(٣٠٠٥)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٣٤١/١ (٤٤١)، والحافظ في ((نتائج
الأفكار)» ٤٠٢/١.
فيقول -والله أعلم- أن المصنف - رحمه الله- قد جانب الصواب لما ذكر هذا
الحديث فذكره عن جابر، أو أنه خطأ من الناسخ، والله أعلم.
ونقل المصنف عن ابن قدامة كلامه على هذا الحديث ففيه نظر؛ لأن ابن قدامة لم
پقل هذا الكلام على حديث جابر ولا حديث أبي سعيد، بل قاله على حديث أنس =

٢٧
كتاب الأذان
-
قلت: ويلي حديث أبي هريرة وعلي(١) في الصحة، حديث أنس
الثابت في ((صحيح مسلم)) أن رجلًا جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس
فقال: الله أكبر الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى
رسول الله ( صلاته قال: ((أيكم المتكلم فإنه لم يقل بأسًا لقد رأيت
اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهما يرفعها))(٢).
وفي الباب عدة أحاديث لا تقاوم بما ذكرناه.
= الذي رواه الدارقطني ١/ ٣٠٠ فقال في ((المغني)) ١٤٤/٢: وعن أبي سعيد، عن
النبي ◌َ ﴾ مثله، رواه النسائي والترمذي، ورواه أنس وإسناد حديثه كلهم ثقات،
رواه الدار قطني.
وحديث أبي سعيد ضعفه النووي في ((المجموع)) ٢٧٧/٣، وخالفه الحافظ فحسنه
في (نتائج الأفكار)» ٤٠٢/١-٤٠٣، وكذا الألباني فقال في ((صحيح أبي داود))
(٧٤٨): إسناده صحيح.
(١) حديث أبي هريرة هو حديث الباب (٧٤٤)، ورواه مسلم (٥٩٨). وحديث علي
رواه مسلم (٧٧١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٠٠) كتاب: المساجد، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام
والقراءة.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩٠- باب
٧٤٥- حَذَّثَنَا ابن أَبي مَزْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ
القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ،
ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَّامَ، ثُمَّ
رَكَعَ فَأَطَالَ الزُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الزُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ
فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ أَنْصَرَفَ فَقَالَ: ((قَدْ دَنَتْ مِنِّي
الجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَانٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ
حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا آمْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ
قُلْتُ: مَا شَأْنُ هذِه؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا،
وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ)) - قَالَ نَافِعْ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ :- ((مِنْ خَشِيشِ -أَوْ خُشَاشٍ-
الأَرْضِ)). [٢٣٦٤ - فتح: ٢٣١/٢]
ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ صَلَّى
صَلَاةَ الكُسُوفِ، فقام وأطال القيام .. الحديث بطوله.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه، وفي كتاب: الشرب(١). وقد
سلف طرف منه في رؤية الجنة والنار، في باب: من أجاب الفتيا
بإشارة اليد والرأس(٢)، وحذفه ابن بطال من ((شرحه))، وكذا أبو
نعيم، ولما ذكره الإسماعيلي قال: بلا ترجمة وانظر وجه مناسبته لها.
والذي ظهر لي فيه أن الإمام له أن ينظر ما أمامه، فإن الشارع رأى
الجنة والنار في الصلاة.
(١) سيأتي برقم (٢٣٦٤) باب: فضل سقي الماء.
(٢) برقم (٨٦) كتاب العلم.

٢٩
- كتاب الأذان
وقد ذكر بعده حكم رفع البصر إلى الإمام وإلى السماء.
وقوله: ( ((اجترأت)) ) أي: أقدمت. والقطاف: العنقود.
وقوله: ( ((وأنا معهم))): كذا هنا. وفي ابن ماجه: ((وأنا فيهم))(١).
قال الإسماعيلي: والصحيح: ((وأنا معهم)) وقد يسقط ألف
الاستفهام في مواضع.
وقال ابن الجوزي: ((وأنا معهم)): استفهام أسقط منه الألف.
وفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان وهو مذهب أهل السنة.
وقوله: ( («فإذا امرأة)) ) أي: حميرية كما جاء في بعض الروايات(٢).
وقوله: ( ((تخدشها هرة)) ) قال ابن الأثير: خدش الجلد: قشره بعود
أو نحوه(٣).
و(الخشاش): مثلث الخاء: هو هوامها.
(١) ((سنن ابن ماجه)) (١٢٦٥).
(٢) رواه مسلم (٩٠٤) كتاب: صلاة الكسوف، باب: ما عُرض على النبي وَّ في
صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، وأحمد ٣٧٤/٣ من حديث جابر.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ١٤/٢.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩١- باب رَفْعِ البَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ: ((فَرَأَيْتُ
جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ)). [انظر:
١٠٤٤ - فتح: ٢٣١/٢]
٧٤٦- حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
عُمَيٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا ◌ِخْتَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ الهِِّ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابٍ لِخِيَتِهِ. [٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧ - فتح: ٢/ ٢٣٢]
٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ
ابْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ - وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ - أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ
وَِّ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ. [انظر: ٦٩٠ - مسلم:
٤٧٤ - فتح: ٢/ ٢٣٢]
٧٤٨- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ رضى الله عنهما قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا في مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ
تَكَعْكَغتَ. قَالَ: ((إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ
مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا)). [انظر: ٢٩- مسلم: ٩٠٧ - فتح: ٢٣٢/٢]
٧٤٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ وَِّ ثُمَّ رَقَا اِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ
ثُمَّ قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنٍ فِي قِبْلَةٍ
هذا الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْم فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ)). ثَلَاثًا. [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩-
فتح: ٢٣٢/٢]
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ: ((فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ
يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ)).

٣١
كتاب الأذان
وهذا يأتي مسندًا في باب: إذا أنفلتت الدابة في الصلاة(١).
ثم ساق حديث أبي معمر - واسمه عبد الله بن سخبرة- قُلْنَا لِخَبَّابِ:
أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فقُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ
تَعْرِفُونَ ذَلكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابٍ لِحِيَتِهِ.
وحديث البراء أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ.
وحديث ابن عباس: في تکعکعه فيها.
وحديث أنس: في رؤيته التقنية الجنة والنار فيها.
وهذا سلف في باب: عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة(٢).
وقد اختلف العلماء في أي موضع ينظر المصلي في صلاته؟
فقال الكوفيون(٣) والشافعي(٤) وإسحاق وأبو ثور(٥): ينظر إلى
موضع سجوده.
وروي ذلك عن إبراهيم وابن سيرين(٦).
قال الشافعي: وهو أقرب إلى الخشوع(٧).
(١) سيأتي برقم (١٢١٢) كتاب: العمل في الصلاة.
(٢) برقم (٤١٩). كتاب: الصلاة.
(٣) انظر: ((الأصل)) ٨/١، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٠٠/١، ((الاختيار)) ٦٦/١.
(٤) انظر: ((الأوسط)) ٢٧٣/٣، ((معرفة السنن والآثار)) ٢٠٥/٣، ((حلية العلماء)) ٨٢/٢.
(٥) انظر: ((الأوسط)) ٢٧٣/٣، ((شرح ابن بطال)) ٣٦٣/٢.
(٦) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٦٤/٢ (٦٥٠١، ٦٥٠٢).
(٧) لم أقف على هذا القول للشافعي، لكن ورد ما يدل عليه من قوله كما في ((معرفة
السنن والآثار)) ٢٠٥/٣ حيث قال: واستحب الشافعي في كتاب البويطي أن ينظر
المصلّي في صلاته إلى موضع سجوده، قال: وإن رمى بصره أمامه كان خفيفًا
والخشوع أفضل، ولا يلتفت في صلاته يمينًا ولا شمالًا. اهـ والله أعلم.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفيه حديث من طريق ابن عباس في ((كامل ابن عدي)) ليس من شرط
هُذا الصحيح، بل فيه رجل مجهول منكر الحديث(١). نعم السنة أن
لا يجاوز بصره إشارته في التشهد لحديث ابن الزبير في ((سنن أبي
داود» بإسناد جيد صحیح(٢).
واستثنى بعض أصحابنا ما إذا كان مشاهد الكعبة فإنه ينظر إليها(٣).
قال القاضي الحسين(٤): ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه،
وإلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده وحجره في تشهده؛ لأن
امتداد النظر يلهي فإذا قصر كان أولى(٥).
وقال مالك: ينظر أمامه، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل) ٣١٣/٦، فقال: حدثنا منصور بن سلمة، حدثنا
أبو التقي: هشام بن عبد الملك، ثنا بقية، قال: حدثني علي بن أبي علي القرشي،
قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه ◌َا و إذا قام
إلى الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده.
(٢) أبو داود (٩٩٠)، ورواه أيضًا: النسائي ٣٩/٣، وأحمد ٣/٤، وابن خزيمة
٣٥٥/١ (٧١٨)، وابن حبان ٢٧١/٥ (١٩٤٤).
(٣) انظر: (النجم الوهاج)) ١٧٧/٢، ((مغني المحتاج)) ١٨٠/١.
(٤) هو حسين بن محمد بن أحمد، العلامة شيخ الشافعية بخراسان، أبو عليّ
المروذي، ويقال أيضًا: المرورذي، تفقه بأبي بكر القفال، له: ((التعليقة
الكبرى))، ((الفتاوى)) وغير ذلك، وكان من أوعية العلم، وكان يعرف بحبر الأمة،
مات بمرو الروذ في المحرم سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٦٤/١-١٦٥، ((وفيات الأعيان))
١٣٤/٢-١٣٥، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٦٠/١٨-٢٦٢، ((الطبقات)) للسبكي
٣٥٦/٤-٣٦٥.
(٥) عزاه النووي في ((المجموع)) ٢٧٠/٣، والدميري في ((النجم الوهاج)) ٢/ ١٧٧ إلى
البغوي والمتولي. قلت: وهو قول بعض الحنفية، وقول شريك بن عبد الله. انظر:
(تبين الحقائق)) ١٠٨/١، ((المغني)) ٣٩٠/٢.

٣٣
كتاب الأذان
===
وهو قائم، ولا يحد في موضع نظره حدًّا (١).
وأحاديث الباب تشهد له؛ لأنهم لو لم ينظروا إليه القيمة ما رأوا
تأخره حين عرضت عليه جهنم، ولا رأوا أضطراب لحيته،
ولا استدلوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا مناولة ما
تناول في قبلته حين مثلت له الجنة.
ومثل هذا الحديث قوله التفّا: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))(٢)؛ لأن
الأئتمام به لا يكون إلا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه.
وإنما لم يأخذ القّ العنقود؛ لأنه من طعام الجنة وهو لا يفنى،
ولا يؤكل في الدنيا إلا ما يفنى؛ لأن الله خلقها للفناء، فلا يكون
فيها شيء من أمور البقاء(٣).
وقوله: في حديث البراء: (حتى يروه قد سجد) كذا بخط
الدمياطي: (يروه)، وبخط شيخنا قطب الدين في ((شرحه)): يرونه، ثم
(١) أنظر: ((المدونة)) ٧٣/١، ((التمهيد)) ٣٩٣/١٧، ((المنتقى)) ٢٨٩/١، ((الأخيرة))
١٦٦/٢.
وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:
١٤٤].
قال القرطبي: في هذِه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك، ومن وافقه في أن
المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده.اهـ ((الجامع لأحكام القرآن))
١٤٧/٢. قال ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٧٤/٣ بعد أن ذكر قول مالك: وهُذِه
غفلة منه، استحب ما كره أهل العلم، وكره ما استحبوه مما هو أسلم للمصلي ولقد
كان من تحفّظ أهل العلم في صلاتهم وحفظهم لأبصارهم أن قال بعضهم: إن لم
يستطع ذلك غمض عينيه.اهـ
(٢) جزء من حديث سلف برقم (٦٨٨) باب: إنما جعل الإمام ليأتم به من حديث
عائشة.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٦٣/٢.

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال: قال ابن التين: صوابه: يروه؛ لأنه منصوب. قال: وكذلك هو في
بعض الروايات.
و(التكعكع): التأخر. قال الخطابي: وأصله تكعع فأدخلت الكاف؛
لئلا يجمع بين حرفين من نوع واحد (١).
واعترض ابن التين فقال: يظهر لي أنه لئلا يجمع بين ثلاثة أحرف
مثل: ﴿رَسَّنْهَا﴾(٢).
وأما جمع حرفین فکثیر.
قوله: ( ((لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) ) أي: لكان كلما أزيلت حبة
عادت مكانها مثلها كما تعود في الجنة.
وقوله في حديث أنس: (ثم رقى المنبر)، قال ابن التين: رويناه
بكسر القاف، وكذا هو في القرآن قال تعالى ﴿أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَاءِ﴾
[الإسراء: من الآية ٩٣] قال: ووقع في بعض النسخ: رقى. بفتح القاف.
وقوله: ( ((ممثلتين في قبلة هذا الجدار)) ) يحتمل أن وقع ذلك وهما
في مكانهما، وظاهر الحديث أنهما أدنيا له.
(١) ((أعلام الحديث)) ١/ ٤٩٠.
(٢) قال أبو زيد: أصل كعكعت: كععت، فاستثقلت العرب الجمع بين ثلاثة أحرف
من جنس واحد ففرقوا بينهما بحرف مكرر، ومثله كفكفته عن ذلك، وأصله:
كفّفته.اهـ انظر: ((تهذيب اللغة)» ٣١٥٤/٤.
وأما دسّاها، فقد قال الأنباري: أصلها: دسَّسَها، فاجتمعت الأمثال، فوجد
الاستثقال، فأبدل من السين الأخيرة ياء، فصار: دسّيها، ثم قلبت الياء ألفًا
لتحركها وانفتاح ما قبلها.اهـ ((البيان في غريب إعراب القرآن)) ٢/ ٥١٧.

٣٥
كتاب الأذان
٩٢- باب رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ
٧٥٠- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن آَبِي
عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَّهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا بَالُ
أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ !)). فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى
قَالَ: ((لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)). [فتح: ٢٣٣/٢]
ذكر فيه حديث أنس بن مالك: عن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللهِ، ثنا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، ثنا ابن أَبِي عَرُوبَةَ، ثنا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ؟!». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي
ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ((لَيَتْتَهُنُّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)).
هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
قال علي بن المديني في ((علله الكبير))، وعبد الله بن أحمد عن أبيه:
حدثنا يونس بن أنس قال: حلف لي سعيد بن أبي عروبة: بالله ما كتبت
عن قتادة شيئًا إلا أن أبا معشر كتب إليَّ أن أكتب له من تفسير قتادة.
وأخرجه مسلم منفردًا به من حديث جابر بن سمرة وأبي هريرة (١).
وفي البيهقي من حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن قوله
[المؤمنون: ٢] نزلت في
تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ )
ذلك، ثم قال: والصحيح إرساله(٢)، وصحح شيخه الحاكم اتصاله
على شرط الشيخين (٣).
(١) ((صحيح مسلم)) ٤٢٨، ٤٢٩).
(٢) ((السنن الكبرى)) ٢٨٣/٢ كتاب: الصلاة، باب: لا يجاوز بصره موضع سجوده.
(٣) ((المستدرك)) ٣٩٣/٢. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف
فيه على محمد - أي: ابن سيرين- فقد قيل عنه مرسلًا ولم يخرجاه.اهـ

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يكره رفع بصره
(١)
إلى السماء(١).
وقال شريح لرجل رآه رفع بصره ويده إلى السماء: أكفف يدك
واخفض بصرك فإنك لن تراه ولن تناله(٢).
واختلفوا في رفعه في الدعاء خارج الصلاة، كما قال القاضي:
فكرهه شریح کما ذكرناه وآخرون(٣).
وذكر الطبري عن إبراهيم التيمي أنه قال: كان يكره أن يرفع الرجل
بصره إلى السماء في الدعاء. يعني: في غير الصلاة(٤).
وجوزه الأكثرون وقالوا: إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة
الصلاة(٥) فلا ینکر رفع البصر إليها كما لا یکره رفع اليد. قال تعالى:
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في ((شرحه)) ٣٦٤/٢.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٨/٢ (٦٣٢٠).
(٣) انظر: ((إكمال المعلم)) ٣٤١/٢.
(٤) ذكره ابن بطال في ((شرحه)) ٣٦٤/٢.
(٥) أعلم رحمك الله تعالى أن السلف وأئمة المسلمين يقولون بأن الله فوق سماواته،
مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف
الأمة، بل ودلّ عليه أيضًا العقل، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه من إقرارهم به
وقصدهم إياه 38، فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن
والسنن، ثم أنظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذِه الآيات، وما
حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم وإما أن تسكت بحلم، ودع المراء
والجدال، فإن المراء في القرآن كفر. ((العلو)) للذهبي ٢٤٧/١.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة: من لم يقل أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من
خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى
بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. اهـ ((مجموع الفتاوى)) ٥٢/٥.
وقيل لابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش =
.

٣٧
كتاب الأذان
٠٠
بائن من خلقه. رواه الدارمي في ((الرد على الجهمية)) ص ٤٧.
=
واعلم أن الذين ذهبوا إلى أن السماء قبلة الدعاء؛ قد توهموا أنه على القول بأن الله
إذا كان فوق سماواته لكان في جهة، وإذا كان في جهة كان محدودًا وجسمًا،
وهذا مردود لوجوه:
١- أنه لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات، ولو جاز هذا لأمكن
كل شخص لا يريد ما يقتضيه النصّ أن يعلله بمثل هذِه العلل العليلة.
٢- أن ربَّ السماوات والأرض يستحيل عقلًا أن يصف نفسه بما يلزمه محذور
ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص، كل ذلك مستحيل عقلا، فإن الله لا يصف
نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام
المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شئٌ﴾.
٣- أنه إن كان ما ذكر لازمًا العلو لزومًا صحيحًا فلنقل به؛ لأن لازم كلام الله
ورسوله حق، إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه وما لا يلزم، ولو كانت
نصوص العلو تستلزم معنى فاسدًا لبينه، كما بين في الحديث القدسي: ((يا
ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني .. )) الحديث. ((آيات الأسماء والصفات»
الشنقيطي ص٣٧، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين ٣٥٤/١ - ٣٥٥.
أما قولهم: إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فمردود من وجوه:
أحدها: أن القول بأن السماء قبلة الدعاء، لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل
الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على
جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة،
وكان النبي ◌َّليه يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة
غير قبلة الصلاة أي إن له قبلتين، إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد أبتدع في
الدين وخالف جماعة المسلمين.
الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل الكعبة في الصلاة
والدعاء والذكر والذبح ولذلك سميت وجهة، والاستقبال خلاف الاستدبار،
فالاستقبال بالوجه والاستدبار بالدبر، فأمَّا ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو =

٣٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٧
﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ
[الذريات: ٢٢].
وقال ابن حزم: لا يحل ذلك، وبه قال طائفة من السلف قال:
والعجب ممن يجيز صلاة من تعمد في صلاته عملًا صح النص
بتحريمه عليه وشدة الوعيد(٢).
= جنبه، فهذا لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء؛
لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع
اليد إليه لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازًا.
الرابع: أن أمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل
للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربّه وخالقه
ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.
انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) ٣٩٢/٢، ويراجع ما ذكره ابن تيمية في ((بيان
تلبيس الجهمية)) ٤٣١/٢ وما بعدها.
(١) انظر: ((إكمال المعلم) ٣٤١/٢، ((المفهم)) ٦٠/٢، ((مسلم بشرح النووي)
٤/ ١٥٢.
(٢) ((المحلي)) ١٦/٤، ١٧.

٣٩
كتاب الأذان
٩٣- باب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
٧٥١- حَدَّثَنَا مُسَنَّدْ قَالَ: حَذَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ قَالَ: حَذَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ عَنْ الالّتِفَاتِ فِي
الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((هُوَ أَخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ)). [٣٢٩١- فتح:
٢٣٤/٢]
٧٥٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى فِي ◌َمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هذِهِ، أَذْهَبُوا بِهَا إِلَى
أَبِي جَهْم وَأَتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ)). [انظر: ٣٧٣ - مسلم: ٥٥٦ - فتح: ٢٣٤/٢]
ذكر فيه حديث عائشة: سُئل رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنْ الأَلْتِفَاتِ فِي
الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((هُوَ أَخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ)).
هذا أنفرد البخاري أيضًا بإخراجه، بل لم يخرج مسلم فيه شيئًا.
وتعجبت من الحاكم حيث قال في ((مستدركه)): اتفقا على
إخراجه(١).
وطرقه الدارقطني في ((علله)) وقال: رفعه أصح من وقفه(٢).
وسلف فقهه، في باب من دخل ليؤم الناس.
ثم ذكر بعده حديث عائشة أيضًا أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا
أَعْلَامٌ فَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي
◌ِأَنْبِجَانِيَّةٍ)).
وهذا الحديث سلف أيضًا في باب: إذا صلى في ثوب له أعلام(٣).
(١) ((المستدرك)) ٢٣٧/١.
(٢) نقل ذلك أيضًا عنه ابن رجب في ((الفتح)) ٤٤٥/٦.
(٣) سبق برقم (٣٧٣) كتاب الصلاة.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ووجه مناسبة إيراده هنا أن العلم إنما يكون على الكتف، ولا شك في
كراهة الالتفات عند العلماء، بل قال المتولي(١) من أصحابنا: إنه حرام (٢)،
لقوله التّه: ((لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت
أنصرف عنه))، رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي ذر(٣).
وقال الحاكم في ((مستدركه)): صحيح الإسناد(٤).
والأشهر عندنا: الكراهة(٥)، وذلك أنه إذا التفت يمينًا وشمالًا ترك
الإقبال على صلاته، وفارق الخشوع المأمور به في الصلاة؛ ولذلك
جعله الشارع اختلاسًا للشيطان من الصلاة.
(١) هو العلامة، شيخ الشافعية، أبو سعد، عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري
المتُولِّي، دَرّس ببغداد بالنّظامية بعد الشيخ أبي إسحاق، ثم عزل بابن الصباغ ثم
بعد مُدیدة أُعید إليها. تفقه بالقاضي حسين، وبأبي سهل أحمد بن عليّ ببخارئ،
وعلى الفوراني بمرو، وبرع وبذّ الأقران. له كتاب ((التتمة)) الذي تمَّم به كتاب
((الإبانة)) لشيخه الفوارني فعاجلته بمنية عن تكميله، انتهى فيه إلى الحدود، وله
مختصر في الفرائض. مات ببغداد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ١٣٣/٣-١٣٤، ((سير أعلام النبلاء))
٥٨٥/١٨-٥٨٦، ((الطبقات الكبرى)) للسبكي ١٠٦/٥-١٠٨.
(٢) انظر: ((النجم الوهاج)) ٢٣٧/٢، ((مغني المحتاج)) ٤٢١/١.
(٣) رواه أبو داود (٩٠٩)، والنسائي ٨/٣، وأحمد ١٧٢/٥، وابن خزيمة ٢٤٣/١ -
٢٤٤ (٤٨١، ٤٨٢)، وقال المنذري في ((مختصره)) ٢٤٩/١: أبو الأحوص هذا لا
یعرف له آسم، وهو مولى بني ليث، وقيل : مولى بني غفار. ولم يرو عنه غير الزهري،
قال يحيى بن سعيد: ليس هو بشيء، وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم.
وقال النووي في «خلاصة الإحكام» ١/ ٤٨٠ : رواه أبو داود والنسائي بإسناد فيه رجل
فيه جهالة، ولم يضعفه أبو داود فهو عنده حسن. وانظر: ((صحيح أبي داود)) (٨٤٣).
(٤) ((المستدرك)) ٢٣٦/١.
(٥) انظر: ((الحاوي)) ١٨٨/٢، ((البيان)) ٣١٧/٢، ((المجموع)) ٢٩/٤، ((أسنى
المطالب)» ١٨٣/١.