النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها = ثالثها : جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وجاء في ((الموطأ))(١) و(صحيح بن حبان)): أنها الظهر والعصر(٢)، وفي الترمذي بإسناد منقطع: والمغرب أيضًا(٢)، وكذا هو في ((مسند أحمد» من حديث أبي سعيد. وفيه: وذلك قبل أن يُنزل الله ◌ّ في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانٌ﴾(٤) [البقرة: ٢٣٩] والجمع ممكن، فإن الخندق كان أيامًا، فكان هُذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، وفي رواية للنسائي: أنحبس عن صلاة العشاء أيضًا (٥). ولعله عن أول وقتها المعتاد. ولأحمد من حديث أبي جمعة حبيب بن سباع، وفي إسناده ابن لهيعة: أنه وَّر عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قَالَ: ((هل علم أحدٌ منكم أني صليت العصر؟» قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب(٦). (١) ((الموطأ)) ص١٣١ رواية يحيى، من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً. (٢) (صحيح ابن حبان)) ٧/ ١٤٧-١٤٨ (٢٨٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري. (٣) الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود (١٧٩) بأيتهن يبدأ، وقال: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وقال الألباني في ((الإرواء)» (٢٣٩): ضعيف. (٤) أحمد ٢٥/٣. (٥) النسائي من حديث عبد الله بن مسعود ١٨/٢ كتاب: المواقيت، باب: الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة، وقال الألباني: في ((الإرواء)) (٢٣٩) ضعيف. (٦) رواه أحمد ١٠٦/٤ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد أن عبد الله بن عوف حدثه أن أبا جمعة حبيب بن سباع. الحدیث، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٤٠٩/٦: هذا حديث منكر، يرويه ابن لهيعة عن مجهولين، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢٤/١: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. وقال الحافظ = ٢٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وحمله ابن شاهين عَلَى أنه ذكرها وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعيدها بعد تمامها، وفيه نظر. رابعها : فيه دلالة عَلَى جواز سب المشركين؛ للتقرير عليه، والمراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عمر رضي الله عنه. خامسها : مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل عَلَى (كَادَ) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] والمشهور في كاد أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، فإن كانت في سياق الإيجاب نفت، وقيل: النفي نفي، والإيجاب إيجاب، وكلاهما وقع في كلام عمر، فالأول قوله: ما كدت أصلي العصر. والثاني: حتى كادت الشمس تغرب، وفي رواية البخاري في باب: قضاء الفوائت الأولى فالأولى أن عمر قَالَ: ما كدت أصلي العصر حَتَّى غربت الشمس (١)، وليحمل عَلَى أنها قاربت الغروب، ومثل هذه روايته في باب: قول الرجل ما صلينا، ما كدت أن أصلي حَتَّى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم (٢) = ابن حجر في ((الفتح)) ٦٩/٢: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في (الصحيحين)) من قوله ◌َّ لعمر: ((والله ما صليتهما ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٢٩٠/١ (٢٦١): ضعيف. (١) سيأتي برقم (٥٩٨). (٢) سيأتي برقم (٦٤١) كتاب: الأذان. ٢٨٣ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها = سادسها : ورد في رواية أخرى في مسلم: حَتَّى كادت الشمس أن تغرب(١)، بإثبات أن، فاستدل به عَلَى إثبات أن في خبر كاد، والكثير حذفها كما في رواية الكتاب. سابعها : فيه: جواز الحلف من غير أستحلاف، إذا بنيت عَلَى ذَلِكَ مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنما حلف تطييبًا لقلب الفاروق، وقيل: للإشفاق منه عَلَى تركها، وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلما قَالَ عمر ذَلِكَ تذكر، وقال: والله ما صليتها، وفي مسلم: والله إن صليتها (٢)، وإن بمعنى ما. ثامنها : ظاهره أنه صلاهما جماعة، فيكون فيه دلالة عَلَى مشروعية الجماعة في الفائتة، وهو إجماع، وشذ الليث فمنع من ذَلِكَ، ويرد عليه هذا الحديث وحديث الوادي. تاسعها : فيه: دلالة عَلَى أن من فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة، وهذا إجماع. لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون عَلَى سبيل الاستحباب (١)، وعند مالك وأبي حنيفة (١) مسلم (٦٣١) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. (٢) السابق. (٣) ((الأم)) ٦٧/١، ((النوادر والزيادات)) ٣٣٨/١. ٢٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وآخرين عَلَى الإيجاب، حَتَّى قدمها مالك إذا خشي فوات الحاضرة(١)، واتفق مالك وأصحابه عَلَى أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة يبدأ بهن وإن خرج الوقت. واختلفوا في خمس، وعند أبي حنيفة الكثير ست، وفي قول محمد خمس (٢). وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة(٣). وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها. ثم أعلم أنه إذا ضم إلى هذا الحديث الدليل عَلَى أتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم يكن فيه دلالة عَلَى وجوب الترتيب في القضاء؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل عَلَى الوجوب عَلَى المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل عَلَى تضييق وقت المغرب كان فيه دلالة عَلَى وجوب البداءة بها عند ضيق الوقت، وحديث: ((لا صلاة لمن عليه صلاةه (٤) لا يعرف، وحديث: ((من نسي صلاة فلم يذكرها إلا مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليصل التي نسي، ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام) (٥). الصحيح وقفه عَلَى ابن عمر، (١) ((المدونة)) ١٢٤/١-١٢٦، ((الأصل) ١٥١/١. (٢) أنظر: ((الذخيرة)) ٣٩٠/٢. (٣) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ١٣٥/١. (٤) قال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٤٤٣/١ (٧٥٠): هذا حديث نسمعه عن ألسنة الناس، وما عرفنا له أصلاً. ثم ساق بسنده لأحمد سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لا أعرف هذا البتة. فقال سائله - إبراهيم الحربي -: ولا سمعت أنا بهذا عن النبي ◌َ ل قط. وذكره ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) ٢٧٢/١ وقال: قال ابن العربي في ((العارضة)): هو باطل. (٥) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح أنه موقوف من قول ابن عمر كما قال أبو زرعة والدارقطني والبيهقي، رواه مالك في ((الموطأ)) ٢١٩/١ (٥٦٠)، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، والدارقطني ٤٢١/١، من طريق يحيى بن أيوب، ثنا = ٢٨٥ = ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه إذا صلى الحاضرة وتذكر في أثنائها فائتة أنه إن مضى فيها تقع تطوعًا فيقطعها ويصلى الفائتة، وعنه رواية أخرى: لا تقع تطوعًا. وقيل: يصلى ركعتين ويسلم (١). عاشرها : قد يحتج به من يرى أمتداد المغرب إلى مغيب الشفق؛ لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتها أيضًا، وفيه منزع مالك السالف. الحادي عشر: فيه دلالة عَلَى عدم كراهية قول القائل: ما صليت، وسيأتي أن البخاري روى عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك، قَالَ البخاري: وقول النبي ◌َِّ أصح (٢). الثاني عشر: هذا الحديث كان قبل نزول صلاة الخوف كما سلف، فلا حجة فيه لمن قَالَ بتأخيرها في حالة الخوف إلى الأمن. سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، = ورواه البيهقي ٢/ ٢٢١ من طريق الدارقطني. وأما الحديث المرفوع رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢١٨/٥ (٥١٣٢)، وابن عدي في ((الكامل)) ٤/ ٤٥٥، والدارقطني ٤٢١/١، والبيهقي ٢٢١/٢، وابن الجوزي في ((العلل)) ٤٤٣/١ (٧٥١). وقد اضطرب كلام العلماء فيمن رفعه؛ فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني الراوي عن سعيد، قاله الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٦٣/٢. (١) انظر: ((البناية)) ٧١٨/٢-٧١٩. (٢) كما سيأتي (٦٣٥) كتاب: الأذان، باب: قول الرجل: فاتتنا الصلاة. ٢٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٧- باب مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، وَلَا يُعِيدُ إِلَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ. ٥٩٧- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ صَلَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ)). ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]. وَقَالَ حَبَّنُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ بَـ نَحْوَهُ. [مسلم: ٦٨٤ - فتح: ٧٠/٢] ذكر فيه أثرًا وحديثًا من طريقين عن أنس رضي الله عنه. أما الأثر فقال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ. ذكر الداودي فيما حكاه عنه ابن التين عن الحسن أنه قال: يعيد ما بعدها، وهذا إذا تركها ناسيًا فيعيدها وما أدرك وقته عند مالك وإن كان ذاكرًا لها وصلى صلوات كثيرة، ففي ((المدونة)): يعيدها وحدها. وشذ بعض الناس فقال: لا تقضى. كما ستعلمه. وأما الحديث: فأخرجه من طريق همام عن قتادة عن أنسٍ عن النبي وَهُ: قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلّا ذَلِك)). ﴿وَقِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾. ثم قَالَ: وَقَالَ حَبَّانُ: ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، ثَنَا أَنَسٌِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، نَحْوَهُ. ٢٨٧ كِتَابُ مَوَافِيتِ الصَّلاةِ وفضلها : = وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١) وساق الثانية تعليقًا للتصريح بالسماع. وفي النسائي عن ابن شهاب أنه كان يقرأ: (للذكرى) (٢) ثم الحديث دال عَلَى وجوب القضاء عَلَى النائم والناسي، كثرت الصلاة أو قلت، وهذا مذهب العلماء كافة. وشذَّ بعضهم فيمن زاد عَلَى خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، حكاه القرطبي (٣)، ولا يعبأ به، فإن تركها عامدًا فالجمهور عَلَى وجوب القضاء أيضًا إلا ما حكي عن داود وجمع يسير، عدَّدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، وأطال ابن حزم في المسألة وأفحش كعادته (٤) احتج الجمهور بالقياس عَلَى الناسي، وهو من باب التنبيه بالأدنى عَلَى الأعلى، ومن نفى القياس فغير معتد بخلافه، وقد قَالَ وَلجر: ((فليصلها إذا ذكرها والعامد ذاكر لها، ثم المراد بالنسيان: الترك، سواء كان مع ذهول أو لم يكن، قَالَ تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا معرفته وأمره فتركهم في العذاب، ثم الكفارة إنما تكون عن ذنب غالبًا، والنائم والناسي ليس بآثم، فتعين العامد. (١) رواه مسلم (٦٨٤) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي ٢٩٣/١، وابن ماجه (٦٩٦). (٢) رواه النسائي ٢٩٦/١-٢٩٧، رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها كلاهما من حديث أبي هريرة. (٣) ((المفهم)) ٣٠٩/٢. (٤) ((المحلى)) ٢٣٥/٢-٢٤٤. ٢٨٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] لتذكرني فيها عَلَّى أحد التأويلات، وأيضًا القضاء يجب بالخطاب الأول، وخروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها؛ لأنها لازمة في الذمة كالدين، وإنما تسقط بفعلها ولم يوجد، وبالقياس عَلَى قضاء رمضان، وهذا يئول إلى إسقاط فرض الصلاة عن العباد، وقد ترك * العصر وغيرها يوم الخندق لشغل القتال ثم أعادها. وقوله: ((لا كفارة لها إلا ذلك)) أي فعلها لا غير، ولا تخالف بينه وبين الحديث الآخر: ((ليس في النوم تفريط)) (١) وحديث: ((وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان)) (٢) فإن الكفارة قد تكون مع الخطأ كما في قتل الخطأ. وقوله: ( ((إذا ذكر)) ) يحتج به من يقضي الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] هو عام في كل الأوقات وبينة عَلَى تبويب هذا الحكم وأخذه من الآية التي تضمنت الأمر لموسى التَّي بذلك، وأن هذا يلزمه أتباعه فيه. والمراد بالذكرى: تذكرها، هذا هو الظاهر؛ لأنه احتج بها عَلَى من نام عن صلاة أو نسيها. وقال مجاهد: لتذكرني فيها، وقد سلف. وقيل: إذا ذكرتني، وقد سلف أنه قرئ: (للذكرى)، ووجه إضافة (١) رواه من حديث أبي قتادة مسلم (٦٨١) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. (٢) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس، وسيأتي تخريجه بشيء من التفصيل عن غير واحد باختلاف، وإلى أن يأتي أنظر ((تلخيص الحبير)) ٢٨١/١-٢٨٣ (٤٥٠) و((الإرواء)) (٨٢). (٣) انظر: ((تفسير البغوي)) ٢٦٧/٥، ((زاد المسير)) ٢٧٥/٥. ٢٨٩ = ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها الذكرى إلى الله تعالى أن الصلاة عبادة له، فمتى ذكرها ذكر المعبود، وهُذِه القراءة أشبه بالتأويل الأول، وكأنه أراد: لذكرها، فناب عن الضمير. ٢٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٣٨- باب قَضَاءِ (الفَوَائتِ)(١) الأُولَى فَالأُولَى ٥٩٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَجْيَى - هُوَ: ابن أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الَتْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِذْتُ أُصَلِّي العَضْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الَمَغْرِبَ. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢ / ٧٢] ذكر فيه حديث جابر السالف في باب من صلى بالناس جماعة قريبًا (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى - هُوَ: ابن أَبِي كَثِيرٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ. (١) في الأصول: (الفوائت)، وفي ((الصحيح)): (الصلوات). (٢) سلف برقم (٥٩٦). ٢٩١ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها = ٣٩- باب مّا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ ٥٩٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اِنْهَالِ قَالَ: أَنْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَزْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدُثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّيِ الهَجِيرَ وَهْيَ التِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْخَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السَّتِّينَ إِلَى المائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢ / ٧٢] ذكر فيه حديث أبي برزة السالف في وقت الظهر(١) وغيره: وفيه: کان یکره النوم قبلها والحديث بعدها. وكره الشارع السمر بعد العشاء خوف الاستغراق فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح، أو غيره من مصالح الآخرة والدنيا. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عَلَى الحديث بعد العشاء ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره؟ وقال سلمان الفارسي: إياكم والسمر أول الليل فإنه مهدمة لآخره، فمن فعل ذَلِكَ فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه(٢). وأما السمر في العلم والخير فجائز كما فعله الشارع وأصحابه كما ستعلمه. (١) سلف برقم (٥٤١). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٧٩/٢ (٦٦٨٠-٦٦٨١). ٢٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤٠- باب السَّمَرِ في الفِقْهِ وَالْخَيْ بَعْدَ العِشَاءِ ٦٠٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيُّ الَحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: أَنْتَظَزْنَا الَحَسَنَ وَرَاتَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانًا جِيرَانُنَا هؤلاء. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيِّ وَِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ((أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا أَنْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ)). قَالَ الَحَسَنُ: وَإِنَّ القَوْمَ لَ يَزَالُونَ بِخَبْرٍ مَا أَنْتَظَرُوا الَخَيْرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ. [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٧٣/٢] ٦٠١- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّـ صَلَةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ وَّرِ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ الَّيْرُ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةٍ سَنَّةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَزْنَ. [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٣٧ - فتح: ٧٣/٢] ذکر فيه حدیثین : أحدهما: حديث قرة بن خالد: قَالَ: أَنْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قريبًا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هُؤلاء. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ: نَظَرْنَا النَّبِيِّ بَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ((أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا أَنْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ». ثانيهما: حديث ابن عمر: صَلَّى النَّبِيُّ وَّهِ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ ٢٩٣ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ (قَامَ) (١) النَّبِيُّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وفي آخره: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ(٢) القَرْنَ. أما الحديث الأول: فأخرجه مسلم من حديث قرة، عن قتادة، عن أنس(٣)، والبخاري أبدل قتادة بالحسن، وسلف في العشاء من حديث حميد عن أنس(٤). ومعنى (راث): أبطأ وتأخر، وهو بغير همز. قَالَ ابن التين: ورويناه بالهمز، ولا أعلمه به في كلام العرب(٥). ومعنى (نظرنا): انتظرنا. وقوله: (كان شطر الليل يبلغه). قيل: إن (كان) هنا زائدة. قَالَ ابن بطال: التقدير: حَتَّى كان شطر الليل، أو كاد يبلغه، والعرب قد تحذف كاد كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في أظلمت الشمس : كادت تظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَغَتِ اٌلْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحلوق (٦). وأما الحديث الثاني: فسلف في باب: ذكر العشاء(٧)، والعلم أيضًا (٨). وفي سياقته في هذا الباب متابعة شعيب بن عبد الرحمن وتصريح سماع الزهري من سالم. (١) في الأصل: قال. والمثبت من ((الصحيح)). (٢) ورد بهامش الأصل: وفي حاشيته الدمياطي أيضًا: تخرم ذلك القرن. يقال للماضي: قضى وانقضى، وهذا العمر تقضى. أي: تخرم. مسلم (٦٤٠/ ٢٢٣) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها. (٣) سلف برقم (٥٧٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العشاء إلى نصف الليل. (٤) (٥) انظر: ((الصحاح)) ٢٨٤/١، ((لسان العرب)) ١٧٨٩/٣، مادة: (ريث). (٦) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٤/٢. (٧) سلف برقم (٥٦٤). (٨) سلف برقم (١١٦) كتاب: العلم، باب: السمر في العلم. ٢٩٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح و(هل) - بفتح الهاء ويجوز كسرها- أي: ذهبت أوهامهم إلى ذَلِكَ(١). ومعنى (ينخرم ذَلِكَ القرن): ينقطع وينقضي(٢). وهذان الحديثان عَلَى أن السمر المنهي عنه بعد العشاء إنما هو فيما لا ينبغي، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه المذاكرة العلم بسمر الشارع إلى قريب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش أو غيره مما سلف، ثم خرج فصلى بهم وخطبهم مؤنسًا لهم ومرغبًا ومعْلِمًا ومعَلِّمًا. ولعل البخاري أراد بقوله: (بعد العشاء). أي: بعد فعلها؛ لأن الموافقة كانت كذلك في الحدیثین. وروى ابن أبي شيبة والترمذي محسنًا من حديث عمر قَالَ: كان رسول الله ◌َ﴾ يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، وصلى عَلَى العتمة. فاستفتي حتى أذن بصلاة الصبح فقال: ((قوموا فأوتروا، فإنا لم نوتر))(٣) وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء(٤). وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافر أو دارس (٥) علم(٥). ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٣٣/٥. (١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٧/٢. (٢) رواه الترمذي (١٦٩)، وقال: حديث حسن، وابن أبي شيبة ٧٩/٢ -٨٠ (٣) (٦٦٨٨)، لكن دون لفظ: (فاستفتي حتى أذن ... )). (٤) ((المصنف)) ٢ /٨٠ (٦٦٩٧، ٦٧٠٠). رواه عبد الرزاق ٥٦٤/١ (٢١٤٣)، وابن أبي شيبة ٨٠/٢ (٦٦٩٨)، كلاهما (٥) بلفظ: لا بأس بالسمر في الفقه. لكن لفظ المصنف هذا رواه ابن مسعود مرفوعًا، رواه أحمد ٣٧٩/١، وأبو يعلى ٢٥٧/٩ (٥٣٧٨)، والطبراني ٢١٧/١٠ (١٠٥١٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٩٨/٤. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣١٤/١ = = كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها ٢٩٥ ٤١- باب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ ٦٠٢- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسَا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ بَّرِ قَالَ: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ)). وَأَنَّ أَبَا بَكْرِ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَذْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِ - وَخَادِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ◌ََّ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ آمْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ. فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: والله لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: يَغْنِي: حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لإِمِرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هذا؟ قَالَتْ: لَ وَقُرَّةٍ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا آَبُو بَكْرِ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَغْنِي: يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ ◌َمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ وَُِّّ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا أَثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَّمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ. [٣٥٨١، ٦١٤٠، ٦١٤١ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ٧٥/٢] = وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) فأما أحمد وأبو يعلى فقالا: عن خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود. وقال الطبراني: عن خيثمة، عن زياد بن حدير. ورجال الجميع ثقات، وعند أحمد في رواية: عن خيثمة، عن عبد الله، بإسقاط الرجل. اهـ وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٧٤٩٩). ٢٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا ناسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﴿ قَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أربعة فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ)) الحديث بطوله. والبخاري أورده مطولًا ومختصرًا في مواضع، منها هنا، وعلامات النبوة(١)، والأدب(٢)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٣)، وهو ظاهر لما ترجم له هنا، وهو السمر مع الضيف والأهل، وهو من السمر المباح، وتلك كانت أخلاقهم وأحوالهم، فإنه قَالَ لزوجته: أوما عشيتهم، ويا أخت بني فراس. وقال لولده: يا غنثر. وقال لأضيافه: کلوا. ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها : الصفة: موضع مظلل من المسجد كان للمساكين والمهاجرين والغرباء يأوون إليه، ويقال لهم أيضًا: الأوفاض. وذكرهم صاحب ((الحلية)) وعدَّ منهم مائة ونيفًا(٤). ثانیھا : قوله: ( (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث)) ) هذا هو الصواب، وهو أصح من رواية مسلم: ((فليذهب بثلاثة)) لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع (١) سيأتي برقم (٣٥٨١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام. (٢) سيأتي برقم (٦١٤٠)، باب: ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف، و(٦١٤١)، باب: قول الضعيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل. (٣) مسلم (٢٠٥٧) كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره. (٤) انظر: ((حلية الأولياء)) ١/ ٣٣٧ وما بعدها. ٢٩٧ كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها = الأثنين، فتأول عَلَى أن المراد: فليذهب بتمام ثلاثة كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَزْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمامها، فطعام الواحد كافي الأثنين، وطعام الأثنين كافي الثلاثة كما صح في الخبر(١)، والكفاية غير الشبع، فتأمله. ثالثها : قوله: ( ((وإن أربع فخامس أو سادس)) ) (أو) هنا للتنويع، وقيل: للإباحة. وفي مسلم: ((من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس))(٢) ووجه ذَلِكَ أن تشريك الزائد عَلَى الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة؛ لشدة الحال، وزاد عليه واحدًا واحدًا؛ رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات. رابعها : فيه: فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام عَلَى أهل المحلة، ويعطي لكل منهم ما يعلم أنه يحتمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر رضي الله عنه فعله في عام الرمادة إذا كان يلقي عَلَى أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك أمرؤ عن نصف قوته(٣). وكانت الضرورة ذَلِكَ العام أشد، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ (١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٥٣٩٢) كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الأثنين، ورواه مسلم (٢٠٥٨) كتاب: الأشربة، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل ... (٢) مسلم (٢٠٥٧). (٣) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٥/١٩. ٢٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ج ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم الله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قَالَ كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد أيضًا في الترمذي مرفوعًا(١). خامسها : قوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ◌َّلر بعشرة) هُذا مبين لما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله الثّ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذِه الليلة، فاسى بنصف طعامه أو نحوه، وآسى أبو بكر بثلث طعامه أو أكثر. قَالَ -يعني: عبد الرحمن بن الصديق -: فهو أنا وأبي وأمي. ولا أدري هل قَالَ: وامرأتي وخادم. سادسها : أمه أم رومان، بضم الراء وفتحها. قَالَ السهيلي: اسمها: دعد. وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة(٢). (١) رواه الترمذي (٦٥٩، ٦٦٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، ولفظه: عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ◌َّر قال: إن في المال حقًّا سوى الزكاة))، وقال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعَّف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث قوله وهذا أصح. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٣٨٣)، وقال: الصحيح أنه من قول الشعبي، والله أعلم. (٢) انظر: ((الثقات)) ٤٥٩/٣، ((الاستيعاب)) ٤٨٩/٤ (٣٥٨٦)، ((تقريب التهذيب)) (٨٧٣٠). ٢٩٩ - كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها سابعها : قوله: (وخادم بيننا وبين أبي بكر) كذا في الرواية، وفي أخرى: بين بيتنا وبيت أبي بكر (١). ثامنها : قوله: (وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله (وَلـ) فيه فوائد: الأولى: أكل الصديق عند صديقه. الثانية: جواز من عنده ضيفان أن يقبل على مصالحه وأشغاله إذا كان له من يقوم بأمورهم كما كان الصديق. الثالثة: ما كان عليه الصديق من الحب لرسول الله وَلقر، والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره عَلَى الأهل والولد والضيف وغيرهم. تاسعها : قوله: (ثم لبث حيث صليت العشاء ثم رجع) كذا في رواية. وفي أخرى: حَتَّى صلى العشاء ورجع (٢). بالجيم. وفي ((صحيح الإسماعيلي)): رکع بالكاف. وقوله: (فلبث حَتَّى تعشى النبي ◌ََّ). في مسلم: حَتَّى نعس (٣) بدل: تعشئ، وهو ظاهر. عاشرها : قوله: (قالت له أمرأته -يعني: أم رومان -: ما حبسك عن أضيافك؟) فيه أن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنها رضي الله عنها لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل قالت كذلك، فبادرت (١) سيأتي برقم (٣٥٨١). (٢) السابق. (٣) مسلم (٢٠٥٧/ ١٧٦). ٣٠٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح حين قدم تسأله عن سبب تأخره عن مثل ذَلِكَ، وامتناع ضيفانه من الأكل أدبًا ورفقًا به؛ لظنهم أنه لا يجد عشاء، فصبروا حَتَّى يأكل معهم. وفيه: إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذن في ذَلِكَ؛ لإنكار الصدیق في ذلك. الحادي عشر: قولها: (قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا). قَالَ ابن التين: أي: عرضوا أهل الدار فأبى الضيفان. وفي رواية: فعرضنا عليهم (١). ويروى: عُرضوا، بضم العين، وهو ما ضبطه به عياض أي أطعموا. والعُراضة - بضم العين - الهدية(٢). قَالَ ابن التين: ويروى بصاد مهملة، ولا أعلم له وجهًا. قَالَ بعض شيوخنا: يحتمل أن يكون من عرض بمعنى نشط، قاله ابن التياني، فكأنه يريد أن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم. قلت: وفي ((الصحاح)): العَرَص - بالتحريك- النشاط. وعرٍص الرجل -بالكسر - تنشط عن الفراء(٣). وفيه: أن الولد والأهل يلزمهم الاحتفال بالأضياف مثلما يلزم صاحب المنزل، فإنهم عرضوا عَلَى الأضياف الطعام فامتنعوا. الثاني عشر: (قَالَ -يعني: عبد الرحمن -: فذهبت أنا فاختبأت) اختباؤه للخوف من خصام أبيه له؛ لأن المنزل لم يكن فيه رجل غيره يباشر الأضياف؛ ولأنه کان أوصاه بهم. (١) سيأتي برقم (٦١٤١) كتاب: الأدب، باب: قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأکل. (٢) ((مشارق الأنوار)) ٧٥/٢. (٣) ((الصحاح)) ١٠٤٥/٣، مادة: (عرص).