النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أحدها :
الحديث عام في كل ما يستره من جماد وحيوان، إلا ما ثبت المنع
من أستقباله من آدمى أو ما أشبه الصنم المصمود إليه وما في معنى ذَلِكَ.
وقد ذكره بعض الفقهاء، وكرهه مالك في المرأة(١).
وقال المتولي: لو يستر بآدمي أو حيوان لم يستحب له ذَلِكَ؛ لأنه
يشبه عبادة من يعبد الأصنام. وقال الشافعي في البويطي: لا يستر
بامرأة ولا دابة (٢).
وأما قوله: في المرأة. فظاهر لشغل الخاطر(٣). وأما الدابة فقد سلف
ما يرد عليه في بابه. ولعل الشافعي لم يبلغه، وهو صحيح، ولا معارض
له. وإذا صلى إلى سترة، فالسنة أن يجعلها مقابل يمينه أو شماله،
ولا يصمد له، أي: يجعلها تلقاء وجهه.
ثانیھا :
قضية الأمر بالدفع الوجوب، لكنه أمر ندب. وجاء في رواية لمسلم:
((فليدفعه في نحره))(٤).
.
(١) هذا هو مذهب الحنفية والمالكية والظاهر عند الشافعية، والحنابلة، أنظر:
((المبسوط)) ١/ ٢١٠، ((الهداية)) ٩٦/١، ((شرح فتح القدير)) ٤١٥/١، واستثنوا في
ذلك ما كان مقطوعًا أو لغير ذوي روح، (البيان والتحصيل)) ٢٣١/١، ((النوادر
والزيادات)) ٢٢٥/١، ((المجموع)) ١٨٥/٣، استنبط ذلك من كتبهم حيث قال
النووي: أما الثوب الذي فيه صور أو صليب أو ما يلهي فتكره الصلاة فيه وإليه وعليه.
وانظر: ((مسائل أحمد برواية عبد الله)) ص٦٣، ((المغني)) ٨٨/٣، ((الشرح الكبير))
٦٤٤/٣، ((كشاف القناع)) ٤٠٥/٢، ((مطالب أولي النهى)) ٢/ ٤٧٧.
٠
(٢) انظر: ((المجموع)) ٢٢٧/٣.
(٣) أنظر: ((التفريع)) ٢٣٠/١، ((المنتقى)) ٢١١/١.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٢٥٩/٥٠٥) وفيه: ((فليدفعْ في نحره)) بدون هاء الضمير.

٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها :
هُذا لمن لم يفرط في ترك السترة، فإن فرط أو تباعد عنها عَلَى قدر
المشروع فلا كراهة، ولا دفع لتقصيره، ولا يجوز للمصلي المشي إليه للدفع.
رابعها :
المراد بالمقاتلة: قوة المنع له عَلَى المرور بحيث لا تنتهي إلى
الأعمال المنافية للصلاة، ودفعه بالأخف فالأخف كالصائل؛
لاحتمال سهوه، فلو أتفق هلاكه فلا قود عليه باتفاق، وفي الدية
خلاف. وأبعدَ من قَالَ: المراد فليؤنبه بعد الصلاة.
خامسها :
قوله ويتلقى: (((فإنما هو شيطان))) أي: إن امتناعه من الرجوع عن
المرور من أفعال الشيطان.
وقيل: المراد به: القرين كما في الحديث: ((فإن معه القرين)).
وفيه: دلالة عَلَى أن من فتن في الدين يطلق عليه ذَلِكَ، ولا حجر
فيه، وأن العمل القليل في الصلاة لمصلحتها غير ضار.
وفيه: دلالة أيضًا عَلَى أن الحكم للمعاني لا للأسماء بخلاف
ما ذهب إليه أهل الظاهر في نفيهم القياس، إذ يستحيل أن يصير المار
بین یدي المصلي شيطانًا بمروره.
وقد أوضحت الكلام عَلَى هذا الحديث في ((شرح العمدة))(١)،
فراجعه منه.
وأوجب السترة أحمد (٢).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٥/٣ (١٠٩).
(٢) انظر: ((المستوعب)) ٢٣٨/٢.

٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
-
وفي ((صحيح الحاكم)) من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((لا تصلوا
إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك))(١).
وفي الخط حديثٌ من طريق أبي هريرة (٢) سلف، اختلف فيه، أشار
الشافعي إلى ضعفه، وصححه ابن حبان وغيره، وفي إسناده اضطراب،
واستحبها الثلاثة. وأغرب من نقل عن القديم بطلان الصلاة بالدفع.
وقوله: (فلم يجد مساغًا) يعني: طريقًا يمكنه المرور منها. يقال:
ساغ الشراب في الحلق: سلس. وساغ الشيء: طاب.
فرع: لو جاز بين يديه وأدركه ففي رده قولان لأهل العلم: وبالرد
قَالَ ابن مسعود، وسالم، والحسن. وبالمنع قَالَ الشعبي؛ لأن ردوده
مرور ثان، ولا وجه له، وهو قول مالك، والثوري، وإسحاق(٣) (٤).
(١) ((المستدرك)) ٢٥١/١ كتاب: الصلاة. وقال: حديث على شرط مسلم ولم
يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) هُذا الحديث روي من طريق أبي عمرو بن محمد بن حريث أنه سمع جده سمعت
أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم وقالت: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا،
فإن لم يجد شيئًا فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخط خطًا، ولا يضره ما مرَّ
بين يديه)). رواه أبو داود (٦٩٠). وقال: قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا
الحديث. وابن ماجه (٩٤٣). وأحمد ٢٤٩/٢. وابن حبان (٢٣٦١). ونقل ابن
عبد البر في ((الاستذكار)) ٦/ ١٧٥ (٨٤٩٠): أن الإمامين أحمد بن حنبل وابن
المديني يصححان هذا الحديث. اهـ وقال النووي: قال الحفاظ: هو ضعيف
لاضطرابه، وممن ضعفه سفيان بن عيينة فيما حكاه أبو داود، وأشار إلى تضعيفه
أيضًا الشافعي والبيهقي، وصرح به آخرون: ((الخلاصة)) ٥٢٠/١ (١٧٤١).
والحديث ذكره الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٠٧).
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩٦/١ -١٩٧.
(٤) ورد بهامش (س): ثم بلغ في السادس بعد الستين كتبه مؤلفه.
ا

٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٠١- باب: إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي
٥١٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِ النَّضْرِ - مَوْلَى عُمَرَ
ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ بُشرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْم يَسْأَلُهُ مَاذَا
سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَى المُصَلِى؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْم: قَالُّ رَسُولُ اللهِ
وَه : (لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا
لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)». قَالَّ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: أَزْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ
سَنَةً؟ [مسلم: ٥٠٧- فتح: ١/ ٥٨٤]
ذكر فيه حديث أبي جهيم مرفوعًا: ((لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي
مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)). قَالَ
أَبُو النَّصْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً؟
الكلام علیه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١) أيضًا هنا.
ثانیھا :
((خيرًا)) بالنصب، كذا في روايتنا عَلَى أنه الخبر. وروي بالضم عَلَى
(٢)
أنه اسم كان(٢).
ثالثها :
(أبو جهيم) اسمه: عبد الله بن جهيم. وفرق أبو عمر بينه وبين أبي
(١) رواه مسلم (٥٠٧) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي، وأبو داود
(٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي ٦٦/٢، وابن ماجه (٩٤٥).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) ١٠٨/١ (ط. طوق النجاة) حيث أشير في هامشها أن
رواية الرفع من نسخة: (عط) ولم يعلم صاحبها.

٦٥
= ڪِتَابُ الصَّلاةِ
جهيم بن الحارث بن الصمة.
وقال غيره: إنهما واحد(١).
و(أبو النضر) اسمه: سالم بن أبي أمية تابعي ثقة، مات بعد المائة
سنة تسع وعشرين(٢).
رابعها :
هذا شك من أبي النضر. وروى البزار: ((أربعين خريفًا))(٣).
وذكر ابن أبي شيبة فيه وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي
هريرة: ((لكان أن يقف مائة عام خيرًا له)) (٤).
قَالَ الطحاوي: هذا متأخر عن حديث أبي جهيم. وأولى الأشياء
أن نظن بالله تعالى الزيادة في الوعيد للعاصي المار إلا (٥) التخفيف(٦).
(١) قال ابن عبد البر: أبو جھیم: عبد الله بن جھیم الأنصاري. روى عنه بسر بن سعيد،
مولى الحضرميين عن النبي ◌َّ في المار بين يدي المصلي وذكر الحديث. وذكر
قبله أبو الجهيم وقال: ويقال: أبو الجهم بن الحارث، ففرق بينهما ((الاستيعاب))
١٩٠/٤-١٩١ (٢٩٣٠، ٢٩٣١)، وانظر: ((أسد الغابة)) ٦٠/٦-١٦١ (٥٧٧٦)،
وذكره ابن حجر في ((الإصابة)) ٢٩٠/٢ (٤٥٩٣) ولم يفرق بينهما كما فعل ابن
عبد البر بل جعلهما واحدًا حيث قال: عبد الله بن جهم الأنصاري أبو جهم، قيل
هو ابن الحارث بن الصمة وقيل: غيره وهو اختيار ابن أبي حاتم.
(٢) تقدمت ترجمته في شرح الحديث رقم (٢٨٠).
(٣) رواه البزار ٢٣٩/٩ (٣٧٨٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٦١/٢: رواه البزار،
رجاله رجال الصحيح، وقد رواه ابن ماجه غير قوله: ((خريفًا».
(٤) رواه ابن حبان ١٢٩/٦- ١٣٠ (٢٣٦٥).
(٥) ورد بهامش (س): لعله لا.
(٦) (مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٣٠٤/٢ كتاب: الصلاة، باب: المرور
بین یدي المصلي.

٦٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال كعب الأحبار: كان أن يخسف به خير من أن يمر بين يديه (١)،
وكل هذا تغليظ وتشدید.
خامسها :
الحديث دال عَلَى أن الإثم إنما يكون عَلَى من علم النهي وارتكبه
مستخفًا به، ومتى لم يعلم النهي فلا إثم عليه.
وقوله: ( ((ماذا عليه من الإثم؟») هو هكذا ثابت في بعض روايات
أبي ذر عن أبي الهيثم(٢).
وعليه مشئ شيخنا علاء الدين في ((شرحه)).
وأما شيخنا قطب الدين فقال في ((شرحه)) قوله: ((ماذا عليه؟)) يعني:
من الإثم.
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢/٦.
(٢) عن زيادة: ((من الإثم)) انظر: هامش اليونينيه ١٠٨/١ حيث أشير إلى أنها: ليست
في نسخة أخرى. وقال ابن حجر: زاد الكشميهني ((من الإثم)) وليست هذِه الزيادة
في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في ((الموطأ)) بدونها، وقال ابن
عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب
المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا. لكن في
(مصنف ابن أبي شيبة)) يعني: ((من الإثم)) فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل
البخاري حاشية فظنه الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من
الحفاظ، بل كان رواية، وقد عزاها المحب الطبري في ((الأحكام)) للبخاري
وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب العمدة في إيهامه أيضًا في الصحيحين
وأنكر ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)) على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم
ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النووي في ((شرح المهذب)) دونها قال: وفي
رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهروي (ماذا عليه من الإثم)). اهـ ((فتح
الباري)) ١/ ٥٨٥.

٦٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
=-
وفي الحديث: أيضًا طلب العلم؛ لقوله: (أرسل إلى أبي جهيم)،
وجواز الاستنابة فيه، وأخذ العلماء بعضهم عن بعض، والاقتصار على
النزول مع القدرة عَلَى العلو؛ لإرسال زید بن خالد بسرَ بن سعید إلى أبي
جهيم، ولو طلب العلو لسعى إلى أبي جهيم.
وفيه: قبول خبر الواحد.

٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠٢ - باب: اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ(١)
صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَإِنَّمَا هُذا إِذَا
أُشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:
مَا بَالَيْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ. [فتح: ٥٨٦/١]
٥١١- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ مُشهٍِ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ
مُسْلِمٍ - يَغْنِي: ابن صُبَيْحِ - عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالَزْأَةُ. قَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابَا؟ لَقَدْ
رَأَيْتُ النَّبِيَّ الَّْ يُصَلِي، وَإِّ لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ
لي الَحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ أَنْسِلَالًا. وَعَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١ / ٥٨٧]
قوله: (وإنما هذا) إلى آخره هو من كلام البخاري، و کأنه رأى جواز
الاستقبال إذا لم يشغله.
وقول زيد: (ما باليت) أي: لم أبال بذلك، ولا حرج.
وفي كتاب ((الصلاة)) لأبي نعيم بإسناده أن عمر ضرب رجلين
أحدهما يستقبل، والآخر يصلي(٢). وأن سعيد بن المسيب كره أن
يصلي وبین یدیه مخنس (١)
(١) ورد بهامش (س) ما يشير إلى أنه في نسخة: الرجل وهو يصلي.
(٢) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٩٩/٥ قائلًا: روينا عن عمر. وفيه أن الضرب
للمستقبل دون المصلي، فليعلم.
(٣) روى نحوه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥١ (٢٨٨٨)، عنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحديث.

٦٩
= كِتَابُ الصَّلاةِ
وعن سعيد بن جبير قَالَ: إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس(١) أي: أن
یأتم بهم.
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى.
قَالَ النخعي وقتادة: يستره إذا كان جالسًا (٢). وعن الحسن أنه
يستره(٣)، ولم يشترط الجلوس، ولا تولية الظهر.
وأكثر العلماء عَلَى كراهة استقباله بوجهه. قَالَ نافع: كان ابن عمر
إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية المسجد، فقال لي: وَلِّ ظهرك (٤).
وهو قول مالك. وروى أشهب عنه أنه لا بأس أن يصلي إلى ظهر
رجل، فأما إلى جنبه فلا. وخففه مالك في رواية ابن نافع(٥).
وأجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين(٦).
وكرهه ابن مسعود(٧).
وعن ابن عمر كان لا يستقبل من يتكلم إلا يوم الجمعة (٨). وقال ابن
سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي (٩).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٦١/٢ (٦٤٧١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٥٠/١ (٢٨٧٩، ٢٨٨٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠).
(٤) المصدر السابق (٢٨٧٨) وفيه: ولني ظهرك.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩٥/١، ((مواهب الجليل)) ٢٣٥/٢.
(٦) انظر: ((الهداية)) ٦٩/١.
(٧) روى عبد الرزاق ٦٠/٢ (٢٤٨٨)، وابن أبي شيبة ٦١/٢ (٦٤٦٩)، وابن المنذر
في ((الأوسط)) ٩٨/٥: أن ابن مسعود قال: ولا تصل وبين يديك قوم يمترون أو
يلغون.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٦١/٢ (٦٤٧٠).
(٩) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠ (٢٨٨٠).

٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والحديث الآتي في الباب، وهو نوم عائشة بين القبلة وبينه حجة
لمن أجاز ذَلِكَ؛ لأنها إذا كانت في قبلته فالرجل أولى.
ومن كره الاستقبال فلما يخشى عليه من اشتغاله بالنظر إليه في
صلاته، ولهذا كره الصلاة إلى الحلق لما فيها من الكلام واللغط
المشغلين للمصلي.
وعن مالك: لا يصلي إلى المتحلقين؛ لأن بعضهم يستقبله. وأرجو
أن يكون واسعًا(١).
ثم ذكر البخاري حديث الأعمش، عن مسلم، عن مَسْرُوقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الكَلْبُ
وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. فَقَالَتْ: قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا! لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ الَهُ
يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ .. الحديث.
وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ.
وهذا الحديث تقدم مختصرًا في باب: الصلاة عَلَى الفراش
والصلاة إلى السرير(٢). وقد أخرجه مسلم(٣) والأربعة
وقوله: (وعن الأعمش) إلى آخره. أخرجه مسندًا قريبًا في باب: من
قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء (٤). وفي الاستئذان أيضًا كما ستعلمه(٥).
واعترض ابن المنير فقال: الترجمة لا تطابق الحديث، لكن ذاك
عَلَى المقصود من باب أولى، وإن لم يكن فيه تصريح بأنها كانت
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩٥/١، ((التفريع)) ٢٣٠/١.
(٢) سلف برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة.
(٣) برقم (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي.
(٤) سيأتي برقم (٥١٤) كتاب: الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (٦٢٧٦) باب: السرير.

٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(مستقبلة) (١) فلعلها كانت منحرفة أو مستدبرة (٢)
وفيه نظر، فإنه جاء في بعض طرقه: كاعتراض الجنازة كما سبق في
الصلاة عَلَى الفراش. وفي لفظ الإسماعيلي: وأنا معترضة أمامه في
القبلة.
واعتراض الجنازة لا يكون منحرفًا. والجنازة إذا كانت معترضة
تكون عَلَى قفاها ووجهها إلى العلو.
وقد ورد النظر إلى موضع السجود في الصلاة، فالناظر إذًا ناظر إلى
وجهها حقيقة، وهو مستقبل حقيقة في بعض الصلاة، فيكفي في ذَلِكَ
بعض الصور، ولا سيما وكلاهما عَلَى السرير.
(١) في ((المتواري)) ص٩١: مستقبلته.
(٢) ((المتواري)) ص ٩١.

٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠٣- باب الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِم
٥١٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَذَّثَنَا يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِِّّ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُغتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَزَادَ أَنْ يُوتِرَ
أَنْقَظَنِي فَأَوْتَزْتُ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١ / ٥٨٧]
ذكر فيه حديث عائشة: كَانَ النَّبِيِّ نَّهِ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى
فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِ فَأَوْتَرْتُ.
هذا الحديث دال على إجازة الصلاة خلف النائم وكرهها طائفة
خوف ما يحدث من النائم، فيشغل المصلى أو يضحك فتفسد صلاته.
قال مالك: لا يصلي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول
طاوس.
وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم.
والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة فيه، وقد سلف بسط ذلك في
باب الصلاة على الفراش.

٧٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٠٤ - باب التّطَوُّعْ خَلْفَ المَرْأَةِ
٥١٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ
ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّهَا قَالَتْ:
كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ بَّهَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنٍ فَقَبَضْتُ
رِجْلَيّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [انظر: ٣٨٢-
مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ٥٨٨/١].
ذكر فيه حديث عائشة: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَرِجْلَايَ
فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي .. الحديث.
وقد سلف في الباب المشار إليه(١).
وكره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلي(٢).
قال مالك: لا يستتر بالمرأة، وأرجو أن تكون السترة بالصبي
واسعًا. وقال مرة: لا يصلي وبين يديه أمرأة وإن كانت أمه أو أخته
إلا أن يكون دونها سترة(٣).
وقال الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة (٤).
ووجه كراهتهم لذلك -والله أعلم- لأن الصلاة موضوعة للإخلاص
والخشوع، والمصلي خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها
(١) برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفراش.
(٢) قلت: هو قولٌ للمالكية، وقولُ الشافعية.
انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩٦/١، ((المنتقى)) ٢١١/١، ((البيان)) ١٥٧/٢،
((المجموع)) ٢٣٠/٣، ((الإعلام)) ٣٠٦/٣.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١٩٦/١.
(٤) («البيان)) ٢/ ١٥٧.

٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها؛ لأن النفوس مجبولة على ذلك، وأينا
يملك إربه كما كان * يملكه؛ فلذلك صلى هو خلفها لأمن الشغل؛
بخلافنا.

٧٥
= كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٠٥- باب مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ
٥١٤- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الأَغْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْزَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا
بِالْحْمُرٍ وَالْكِلَابِ؟ والله لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ يُصَلِّي، وَإِّ عَلَى السَّرِيرِ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ
القِبْلَةِ - مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِيَ النَّبِيِّ وَِّ، فَأَنْسَلُّ مِنْ
عِنْدِ رِجْلَيْهِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ١ / ٥٨٨]
٥١٥- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَخِي ابن
شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُزْوَةٌ
بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ وََِّّ- قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقُومُ فَيُصَلِّي
مِنَ اللَّيْلِ، وَإِّ لُمَعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢،
٧٤٤ - فتح: ٥٩٠/١]
ذكر فيه حديث عائشة: ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فذكر: الكَلْبُ
وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب استقبال الرجل صاحبه(١).
ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
ثم ساق حديث عائشة: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَقُومُ فَيُصَلَّ مِنَ
اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشٍ أَهْلِهِ.
وإسحاق هذا: هو الكوسج، كما قاله أبو نعيم(٢)، وفي بعض النسخ:
(١) سلف برقم (٥١١) كتاب: الطهارة.
(٢) قال الجياني في ((تقييد المهمل)) ٩٦٣/٣: نسبة ابن السكن في بعض هذه المواضع
إسحاق بن إبراهيم يعني: ابن راهويه.
قلت: جزم به الحافظ أنه ابن راهويه، وقال: وبذلك جزم ابن السكن وفي غير = .

٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
إسحاق بن إبراهيم (١).
وقد سلف فقه الباب في باب: الصلاة على الفراش واضحًا.
وقول البخاري: (من قال: لا يقطع الصلاة شيء) لعله إشارة
إلى الحديث الذي أوردناه هناك: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا
ما استطعتم))(٢).
وأشار به إلى التوقف في صحته، ويحتمل أنه أراد به قول الزهري:
لا يقطعها شيء كما ساقه في الحديث الثاني؛ فلهذا قال: من قال -أي:
من الأمة- لا أنه في نفس الحديث.
= رواية أبي ذر حدثنا إسحاق غير منسوب، وزعم أبو نعيم أنه ابن منصور الكوسج،
والأول أولى. اهـ. انظر: ((الفتح)) ٥٩٠/١.
(١) هُذِهِ الزيادة في نسخة أبي ذر الهروي، وهي صحيحة عنده أو عند الحافظ اليونيني
كما نبه عليه مصححوا الطبعة اليونينية. انظر: ١٠٩/١.
(٢) من حديث أبي سعيد: رواه أبو داود برقم (٧١٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠
(٢٨٨٣) بهذا اللفظ. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) برقم (٥١١) دون
قوله: ((وادرءوا ما استطعتم)): فهي صحيحة.

٧٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٠٦- باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً
عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنَّصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ كَانَ
يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَ ◌َّ وَلأَبِيِ العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ
عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. [٥٩٩٦ - مسلم: ٥٤٣ - فتح: ١ / ٥٩٠]
ذكر فيه حديث أبي قتادة: أَنَّهِ وَلِ﴿ كَانَ يُصَلِّ وَهْوَ حَامِلٌ أَمَامَةَ بِنْتَ
زَيْنَبَ ابنة رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَلَأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا
سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ثانیھا :
أبو قتادة هو الحارث بن ربعي كما سلف.
وأمامة هذِه تزوجها عليّ بعد وفاة فاطمة بوصايتها. وزينب أكبر بناته
ورضي عنهن.
وأبو العاصي اسمه جهشم على أحد الأقوال الستة، أمه هالة بنت
خويلد بن أسد أخت خديجة.
وقوله: (ربيعة) كذا رواه البخاري وأكثر رواة ((الموطأ)) عن مالك(٢).
(١) مسلم (٥٤٣) كتاب: المساجد، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة.
(٢) قلت: كذا هو بالتاء المربوطة المؤنثة في رواية القعنبي (٣٢٤)، ورواية يحيى
ص١٢٣. قال العيني ١٣٦/٤: وفي أحاديث ((الموطأ)) للدار قطني: قال ابن نافع =

٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
وقيل إنه نسبه إلى الجد، والمعروف أنه ابن الربيع، ونسب أمامة إلى
أمها دونه لأجل الشرف، ثم بين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاصي ابن
وعبد الله بن یوسف والقعنبي في روایة إسحاق عنه وابن وهب، وابن بکیر وابن
=
القاسم وأيوب بن صالح، عن مالك: ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس،
وقال محمد بن الحسن، ولأبي العاص بن الربيع مثل قول معن وأبي مصعب. اهـ
ورواه أبو مصعب في ((موطائه)) ٢٢١/١ (٥٦٦)، وكذا مسلم (٤١/٥٤٣): ابن
الربيع. قال القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) ٤٧٦/٢: ذكر مسلم في هذا
الحديث من رواية مالك أمامة بنت زينب، ولأبي العاص بن ربيعة كذا للسمر قندي
ولغیرہ: ابن ربيع.اهـ
قلت: وقع في أحدى النسخ ((الإكمال)) بعد السابق: أكثر رواة الموطأ يقولون:
ربيعة ورواه بعضهم: ربيع اهـ ثم قال: وهو قول غير مالك، وقول أهل النسب.
وقال الأصيلي: وهو ابن الربيع بن ربيعة، نسبه إلى جده، وهذا الذي قاله غير
معلوم، ونسبه عند أهل النسب والخبر بلا خلاف: أبو العاص بن الربيع بن
عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف.اهـ
وذكر النووي في ((شرح مسلم)) ٣٣/٥ أن ابن الربيع هو الصحيح وأنها رواية أكثر
من روى ((الموطأ)). ونقل ابن رجب الحنبلي في ((الفتح)) له ٧١٩/٢ أن عامة رواة
((الموطأ)) عن مالك رووها: ((ربيعة)) بتاء في آخرها، ثم نبه أن الصواب: ابن
الربيع، وقال الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٥٩١: قوله ابن ربيعة بن عبد شمس. كذا رواه
الجمهور عن مالك، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم
عن مالك فقالوا: ابن الربيع وهو الصواب. اهـ
أما عن نسبة البخاري: ربيعة بن عبد شمس.
فقد قال الكرماني في ((شرحه)) ١٦٩/١: واعلم أن البخاري نسبه مخالفًا للقوم من
جهتين. قال ربيعة بحرف التأنيث، وعندهم الربيع بدونه، وقال ابن الأثير: جاء في
((صحيح البخاري)) أبو العاص بن عبد شمس، وهم قالوا: ربيع بن عبد العزى بن
عبد شمس، وذلك خلاف الجماعة.اهـ
ورده الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٥٩١ بقوله بعد أن بين أن الكرماني غفل في هذا
الموضع: فالواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك كالبخاري فالمخالفة فيه
إنما هي من مالك.

٧٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
الربيع تحريا للأدب في نسبتها.
ثالثها: في فوائده، وهي عشرة:
الأولى: صحة صلاة من حمل آدميًّا أو حيوانًا طاهرًا من طير
أو شاة، أو غيرهما - وإن كان غير مستجمر - لأنه الغالب على
الصغار(١).
وصحح أصحابنا البطلان فيما إذا حمل مستجمرًا؛ لعدم الحاجة
(٢)
إليه (٢).
الثانية: طهارة ثياب الصبيان وأجسادهم إلى أن تتحقق النجاسة.
وشذ الحسن، فكره الصلاة في ثيابهم ".
(١) هذا قول الشافعية والحنابلة. انظر للشافعية: ((الحاوي الكبير)) ٢٦٥/٢،
((المهذب)) ٢١٢/١، ((البيان)) ١٠٣/٢. وللحنابلة: ((المغني)) ٤٦٧/٢، ((الشرح
الكبير)» ٢٨٢/٣، ((كشاف القناع)) ١٩٣/٢.
وحكى الإجماع على صحة الصلاة النووي في ((المجموع)) ١٥٧/٣، والمرداوي
في «الإنصاف)» ٢٩٣/٣.
(٢) اختلف الفقهاء في صحة صلاة مَنْ حمل مستجمرًا على قولين:
القول الأول: بأن صلاة صحيحة، وهو قولٌ للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
انظر للشافعية: ((البيان)) ١٠٣/٢، ((العزيز)) ٢٠/٢، ((مغني المحتاج)) ٤٠٧/١.
وللحنابلة: ((الإنصاف)) ٢٩٣/٣، ((المبدع)) ٣٨٨/١، ((شرح منتهى الإرادات))
١/ ١٥٣.
القول الثاني بأن صلاته تبطل بذلك، وهو الأصح عند الشافعية، وقولٌ عند
الحنابلة .
انظر للشافعية: ((المجموع)) ١٥٧/٣، ((نهاية المحتاج)) ٢٦/٢، ((حاشية الجمل))
٤٢٠/٢. وللحنابلة: ((الإنصاف)) ٢٩٣/٣.
(٣) ((المغني)) ١١٢/١.

٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الثالثة: عدم بطلان الصلاة، بالعمل القليل(١)، وكذا الكثير
المتفرق.
الرابعة: التواضع مع الصبيان وملاطفتهم ورحمتهم، وكأن السر فيه
دفع ما كانت العرب تأنفه من حمل البنات کِیرًا.
الخامسة: جواز حمل الصبي والصبية في الصلاة. وسواء الفرض في
ذلك والنفل، والإمام والمأموم والمنفرد(٢).
وجملة أصحاب مالك على أن ذلك كان في النافلة(٣).
ويرده رواية أبي داود أن ذلك كان في الظهر أو العصر(٤)، ورواية
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في ((شرحه)) ١٤٥/٢. ونبه على عدم بطلان
الصلاة بالعمل القليل المجمع أو المفترق النووي في ((شرح مسلم)) ٣٢/٥.
(٢) قال ابن المنذر: الأشياء على الطهارة، ما لم يوقن المرء بنجاسة تحل فيه يدل عليه
هذا الحديث؛ لأن الصلاة لو كانت لا تجزئ في ثياب الصبيان ما صلى رسول الله
وَّل* وهو حامل أمامة بنت بنت رسول الله وي ليه وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها
وإذا قام حملها، ولا فرق بين أن يصلي المرء في ثوب نجس، وبين أن يحمل ثوبًا
نجسًا. انظر: ((الأوسط)) ٦٤/٥. قال الشوكاني: والحديث- يعني: حديث أمامة-
يدل على أن مثل هذا الفعل معفو عنه، من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد
والمؤتم. انظر: ((نيل الأوطار)) ٦٥٣/١.
(٣) ((المنتقى)) ٣٠٤/١.
(٤) (سنن أبي داود)) (٩٢٠).
قال المنذري في ((مختصره)) ٤٣٢/١: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد
أثنى عليه غیر واحد، وتكلم فيه غیر واحد.
وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٦٣): إسناده ضعيف، محمد بن إسحاق
مدلس وقد عنعنه، والحديث في الصحيحين باختصار.
ثم قال: والحديث رواه الليث بن سعد عن المقبري ... نحوه، لكن ليس فيه تعيين
الصلاة أنها الظهر أو العصر، ولا ذكر بلال. وكذلك رواه آخرون عن عمرو بن
سلیم الزرقي، فالحدیث صحیح بدون هذه الزيادات.