النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
٩٤ - باب الشّتَّةِ بِمَكَةَ وَغَيْرِهَا
٥٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةً
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَضْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ
بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً، وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَشَّحُونَ بِوَضُوئِهِ. [انظر: ١٨٧ - مسلم: ٥٠٣ -
فتح: ٥٧٦/١]
ذكر فيه حديث أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِالْهَاجِرَةِ ..
الحديث. تقدم في الطهارة (١).
ومعنى السترة للمصلي: رد المار بين يديه، فكل من صلى في مكان
واسع فالمستحب له أن يصلي إلى سترة بمكة كان أو غيرها إلا من صلى
في مسجد مكة بقرب القبلة حيث لا يمكن أحد المرور بينه وبينها،
فلا يحتاج إلى سترة إذ قبلة مكة سترة له فإن صلى في مؤخر المسجد
بحيث يمكن المرور بين يديه أو في سائر بقاع مكة إلى غير جدار
أو صخرة أو ما أشبههما فينبغي أن يجعل أمامه ما يستره من المرور
بين يديه كما فعل الشارع حين صلى بالبطحاء إلى عنزة، والبطحاء
خارج مكة، وكذلك حكم أهل مكة إذا كان (فضاء، وفي النسائي) (٢).
قلت: لم يفصل أصحابنا في تحريم المرور بين المصلي إلى الكعبة
وبين الطائف واغتفر غير ما ذلك للحاجة إليه بل ألحق بعض الحنابلة
الحرم بمكة في عدم كراهة المرور.
(١) ملف برقم (١٨٧) كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس.
(٢) كذا بالأصل، ولم تتبين لنا.

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩٥ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا.
وَرَأْىُ عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنٍ فَأَذْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ
فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا.
٥٠٢ - حَدَّثَنَا الَكِيُّ بْنُ إِرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِ مَعَ
سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ التِي عِنْدَ المُضْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِم،
أَرَاكَ تَتَحَرَى الصَّلَاةَ عِنْدَ هذِه الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ: فَإِّ رَأَيْتُ النَّبِيِّ بَّهِ يَتَحَرِى الصَّلاَةَ
عِنْدَهَا. [مسلم: ٥٠٩ - فتح: ١ / ٥٧٧]
٥٠٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُغْبَةُ، عَنْ
عَمْرِو، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ◌َلَّ. [٦٢٥ - مسلم: ٨٣٧ - فتح: ١ / ٥٧٧]
ذكر فيه عن عُمَرَ أنه قال: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ
إِلَيْهَا .
والسواري جمع سارية، وهي الأسطوانة.
وَرَأْىُ عُمَرُ رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فَأَذْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ: صَلِّ
إِلَيْهَا.
هذا الرجل هو: قرة أبو معاويةً ابن قرة، روي ذلك عنه أنه قال:
رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين، فأخذ بقفاي فأدناني من السترة
وقال: صل إليها (١). وادعى ابن التين أن عمر إنما كره ذلك لانقطاع
الصفوف، ويأتي في الباب بعده.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٢ (٧٥٠١).

٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وذكر فيه البخاري أيضا حديثين:
الأول عن شيخه مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ
آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ التِي عِنْدَ المُصْحَفِ،
فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَى الصَّلَاةَ عِنْدَ هُذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ:
فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَتَحَرِى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.
وهو أحد ثلاثيات البخاري وأخرجه مسلم أيضًا بلفظ يصلي وراء
الصندوق (١)، وفي أخرى: كان يتحرى مكان المصحف يسبح فيه (٢).
ثم الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
الأسطوانة معروفة والنون أصلية، وهي أُفْعُوَالَةٌ، مثل أقحوانة؛ لأنه
يقال: أساطين مُسَطَّنَة، وكان الأخفش يقول: فُعْلُوانة؛ وهذا يوجب
زيادة الواو وإلى جنبها زائدتان الألف والنون ولا يكاد يكون، وقال
قوم: هو أُفْعُلَانَة، ولو كان كذلك لما جمع على أساطين؛ لأنه
لا يكون في الكلام أفاعين ذكره في ((الصحاح)» (٣).
وقوله: (التي عند المصحف) كأنه كان هناك مصحف.
و(يتحرى) يقصد ويعتمد قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا
رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أي: قصدوا وإنما كان يتحرى الصلاة في ذلك
الموضع؛ لأنهم زادوا في المسجد، فكأنه كان يطلب موضع الحائط
الأول.
(١) لم أقف عليها في مسلم بهذا اللفظ.
(٢) مسلم (٥٠٩) كتاب: الصلاة، باب: دنو المصلي من السترة.
(٣) ((الصحاح)) ٢١٣٥/٥ مادة: سطن.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: أن الأسطوانة سترة وهي أولى من العنزة، وأن الأسطوانة
ينبغي أن تكون أمامه، ولا تكون إلى جنبه لئلا يتخلل الصفوف شيء،
فلا یکون له سترة.
وادعى شيخنا علاء الدين في ((شرحه)) أن هذا الحديث ليس فيه
التصريح بالصلاة عند السواري وهو عجيب منه، وشيخنا قطب الدين
إنما ذكر في حديث أنس أنه ليس فيه صريح الركعتين قبل المغرب
فنقله إلى هذا وحَرَّف.
الحديث الثاني: حديث سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ: لَقَدْ
رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَهِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ
شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ.
وهذا الحديث يأتي في الأذان أيضًا (١).
ورواه مسلم من حديث عبد العزيز بن صهيب، والمختار بن فلفل
عن أنس كما يأتي(٢).
وفي بعض النسخ بدل سفيان شعبة، وكلاهما رويا، عن عمرو؛ نبه
عليه ابن عساكر في ((أطرافه)) وعمرو هذا أنصاري كوفي(٣)، وليس والد
أسد كما وقع فيه أبو داود ونبه عليه المزي (٤)؛ ذاك يروي عن الحسن
(١) سيأتي برقم (٦٢٥) باب: كم بين الأذان والإقامة ..
(٢) مسلم (٨٣٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.
(٣) عمرو بن عامر، الأنصاري الكوفي، يروي عن أنس، ويروي عنه الثوري،
وشعبة، وأبو الزناد، وغيرهم. وثقه النسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٥٦/٦ (٢٦٢٤)، ((الجرح
والتعديل)) ٢٤٩/٦-٢٥٠ (١٣٧٦)، ((الثقات)) لابن حبان ١٨٢/٥، ((تهذيب
الكمال)» ٩٢/٢٢-٩٣ (٤٣٩٢).
(٤) (تهذيب الكمال)) ٩٣/٢٢ (٤٣٩٣).
!

٤٥
- كِتَابُ الصَّلاةِ
البصري، ولم يخرجوا له.
أما (عمرو) بن عامر السلمي البصري قاضيها، فلم يخرج له
البخاري، وخرج له مسلم مات بعد الثلاثين ومائة (١)(٢).
وهذه الزيادة أسندها البخاري في باب كم بين الأذان والإقامة بلفظ
حتى يخرج النبي ◌َّير وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم
يكن بين الأذان والإقامة شيء. قال البخاري: قال عثمان بن جبلة
وأبو داود عن شعبة: لم يكن بينهما إلا قليل(٣).
وحديث عثمان؛ خرجه الإسماعيلي في («صحيحه»، وأبو داود هذا
هو الحَفَرِي واسمه عمر بن سعد، وعند الإسماعيلي: قام كبار الصحابة
فابتدروا السواري، وعند مسلم إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا
السواري، فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد
فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها (٤)، وفي لفظ نصلي
على عهد رسول الله ◌َ# ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة
. (١) بهامش (س): في ((الكاشف)) ( ... ) [((الكاشف)) ص١٢٩ (٤٠٧٦)].
(٢) عمر بن عامر السُّلَمي، أبو حفص، روى له مسلم والنسائي، كان يحيى بن سعيد
لا يرضاه، وأنكر له أحاديث، وسئل عنه أحمد فقال: كان شعبة لا يستمر به،
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وزاد في رواية عنه: ثقة، وقال في رواية
أخرى: بَجليٍّ كوفي ضعيف، تركه حفص بن غياث. وقال عمرو بن علي: ليس
بمتروك الحديث، وضعفه أبو داود، والنسائي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ١٨١/٦
(٢١٠٤)، ((الجرح والتعديل)) ١٢٦/٦-١٢٧ (٦٨٩)، ((الثقات)) لابن حبان
١٨٠/٧، (الكامل)) لابن عدي ٥١/٦-٥٤ (١١٩٨)، ((تهذيب الكمال))
٤٠٣/٢١-٤٠٧ (٤٢٦٣)، ((تقريب التهذيب)» (٤٩٢٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٢٥) كتاب: الأذان.
(٤) مسلم (٨٣٧) في صلاة المسافرين، باب: استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
٠
المغرب، قال المختار بن فلفل: قلت لأنس: أكان النبي ◌َّه صلاهما؟
قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا (١).
وهُذِه المسألة - وهي: استحباب ركعتين قبل المغرب- فيها خلاف
فلنبسط الكلام فيها وإن كانت دخيلة في الباب.
وقد استحبها جماعة من الصحابة، وغيرهم منهم: أحمد وإسحاق
وأهل الظاهر، ولأصحابنا وهو الأصح عند المحققين عن أصحابنا، وإن
كان الأشهر عندهم عدمه، وبه قال الخلفاء الأربعة(٢)، وجماعة من
الصحابة ومالك وأبو حنيفة وقال النخعي: هي بدعة(٣).
حجة المانع أمور:
أحدها: حديث بريدة رفعه: ((بين كل أذانين صلاة إلا المغرب)) (٤)
وهذا فيه حيان بن عبيد الله؛ قال ابن حزم: انفرد بها وهو مجهول(٥)؛
والصحيح حديث عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا : ((بين
كل أذانين صلاة لمن شاء))(٦).
(١) مسلم (٨٣٦).
(٢) روى عبد الرزاق ٤٣٥/٢ (٣٩٨٥) عن إبراهيم قال: لم يصلِّ أبو بكر ولا عمر
ولا عثمان الركعتين قبل المغرب.
(٣) انظر: ((المغني)) ٥٤٦/٢-٥٤٧.
(٤) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٦٩٣) وقال: لا نعلم أحد يرويه إلا بريدة،
ولا رواه إلا حيَّان وهو بصري مشهور ليس به بأس. ورواه بنحوه الدارقطني
٢٦٤/١-٢٦٥، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٣٧٨/٢ (٩٥٤) وقال:
لا يصح، قال الفلاس: كان حيَّان كذابًا. وضعفه ابن حجر في ((التلخيص))
١٣/٢، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢١٣٩): منكر.
(٥) ((المحلى)) ٢٥٣/٢. وفي هامش (س) من خط الشيخ: ذكره ابن حبان في ((ثقاته)).
(٦) سيأتي برقم (٦٢٤) كتاب: الأذان، باب: كم بين الأذان والإقامة، ومسلم (٨٣٨)
كتاب: صلاة المسافرين، باب: بين كل أذانين صلاة.

٤٧
= كِتَابُ الصَّلَاةِ
وادعى ابن بزيزة بعد أن جهل راويها أن بعض الحفاظ صححها.
ثانيها: ما ذكر عن إبراهيم النخعي أن أبا بكر وعمر وعثمان لم
يكونوا يصلونها(١) وهو منقطع كما قال ابن حزم (٢)؛ لأن إبراهيم لم
يدرك أحدًا من هؤلاء، ولم يولد إلا بعد قتل عثمان بسنتين.
ثالثها: ما رواه عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن
الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله
يصليهما(٣)؛ وهذا لا يصح كما قال ابن حزم(٤)؛ لأنه عن أبي شعيب
أو شعيب، ولا يدرى من هو أيضًا؛ لكن قال أبو زرعة: لا بأس به.
رابعها: أن استحبابها يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلًا.
قال ابن أبي صفرة: وصلاتها كانت في أول الإسلام ليتبين خروج
الوقت المنهي عنه بمغيب الشفق، ثم ألزم الناس بالمبادرة إلى المغرب
لئلا يتباطأ الناس عن وقت الفضيلة للمغرب، وقد يقال: لأن وقتها واحد
عند أكثر العلماء، ولا خلاف أن المبادرة بها أفضل والاشتغال بغيرها
ذريعة إلى خلافه لكنه زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها،
ومن أدعى نسخها فهو مجازف.
وقال ابن العربي: اختلف الصحابة فيها، ولم يفعله بعدهم أحد.
حجة من استحبها: ما تقدم من حديث أنس وعبد الله بن مغفل ((بين
كل أذانين صلاة)) والمراد بين الأذان والإقامة، وفي رواية: ((صلوا قبل
(١) رواه عبد الرزاق ٤٣٥/٢ (٣٩٨٥).
(٢) «المحلى)) ٢٥٣/٢-٢٥٤.
(٣) رواه أبو داود (١٢٨٤)، ومن طريقه البيهقي ٤٧٦/٢-٤٧٧، وضعفه الألباني في
((ضعيف أبي داود)) (٢/٢٣٧).
(٤) ((المحلى)) ٢٥٤/٢.

٤٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
صلاة المغرب ركعتين))، ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) كراهية أن
يتخذها الناس سنة (١)، وسيأتي في ((الصحيح)) من حديث مرثد بن
عبدالله اليزني، قال: أتيت عقبة بن عامر، فقلت: ألا أعجبك من
أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنا كنا نفعله
على عهد رسول الله وَّر، قلت: ما يمنعك الآن، قال: الشغل(٢).
قال ابن حزم: وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق؛
كلاهما عن الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش: أنه
رأى عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب يصليان الركعتين قبل صلاة
المغرب(٣)، ورواه حماد، عن عاصم بزيادة: لا يدعانها؛ وعن
معمر، عن الزهري، عن أنس أنه كان يصلي الركعتين قبل صلاة
المغرب (٤).
وعن زُعْبَان مولى حبيب بن مسلمة: رأيت أصحاب رسول الله وَالخلود
يهبون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب كما يهبون إلى الفريضة(٥).
وروينا عن وكيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن
المسيب: ما رأيت فقيهًا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا سعد بن مالك؛
يعني: سعد بن أبي وقاص(٦).
(١) سيأتي برقم (١١٨٣) كتاب: التهجد، باب: الصلاة قبل المغرب.
(٢) سيأتي برقم (١١٨٤).
(٣) رواه عبد الرزاق ٤٣٤/٢ (٣٩٨١)، وقد رواه ابن أبي شيبة ١٣٨/٢ (٧٣٧٧)
بنحوه من طريق شريك، عن عاصم به، ورواه البيهقي ٢/ ٤٧٦ من طريق الحسين
ابن حفص، عن سفيان، به.
(٤) رواه ابن نصر في ((قيام الليل)) كما في ((المختصر)) ص٧٣.
(٥) رواه عبد الرزاق ٤٣٥/٢ (٣٩٨٤).
(٦) رواه ابن نصر في ((قيام الليل)) كما في ((المختصر)) ص٧٣، والبيهقي ٤٧٦/٢.

٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وعن جابر: أنه كان يصليهما (١).
وعن راشد بن يسار قال: أشهد على خمسة من أصحاب رسول الله
وَاليه من أصحاب الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب(٢).
وعن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى أنه كان يصليهما(٣).
وعن يزيد بن إبراهيم سمعت الحسن البصري فسئل عن الركعتين قبل
المغرب، فقال: حسنتين جميلتين لمن أراد بهما وجه الله (٤)(٥).
ومن الفوائد: أن ابن حبان روى في (صحيحه)) أنه وُّلقوله صلى قبل
المغرب ركعتين؛ وقال عند الثالثة: ((لمن شاء)» خاف أن يحسبها
الناس سنة(٦).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٣٩/٢ (٧٣٨٥)، وابن نصر في ((قيام الليل)) كما في
(المختصر)) ص٧٤.
(٢) رواه ابن نصر في ((قيام الليل)) كما في ((المختصر)) ص٧٣، والبيهقي ٤٧٦/٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٣٨/٢ (٧٣٨٠)، وابن نصر في ((قيام الليل)) كما في
«المختصر ) ص٧٥.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٣٨/٢ (٧٣٨٤)، وابن نصر في ((قيام الليل)) كما في
«المختصر، ص٧٥.
(٥) ((المحلى)) ٢٥٦/٢-٢٥٧.
(٦) (صحيح ابن حبان)) ٤/ ٤٥٧ (١٥٨٨).

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩٦ - باب الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ
٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ البَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَّالٌ، فَأَطَالَ ثُمَّ
خَرَجَ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ
العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١ / ٥٧٨]
٥٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَّرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ دَخَلَ الكَعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ، وَبِلَالٌ، وَغُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ
الَحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ◌َّ؟
قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ - وَكَانَ البَيْتُ
يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى. وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ وَقَالَ:
عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. [انظر: ٣٩٧ - مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ١ /٥٧٨]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَِّ البَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ،
وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، فَأَطَالَ ثُمَّ خَرَجَ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ
عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ.
ثم ساق حديثه هذا قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ
يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةً أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ -وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ
صَلَّى.
وفي رواية: وَقَالَ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِيِ.
ثم قال:

٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
٩٧ - باب
٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ،
وَجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا
مِنْ ثَلَاثَةٍ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى المكَانَ الذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ صَلَّى فِيهِ.
قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ. [انظر: ٣٩٧ -
مسلم: ١٣٢٩ - فتح: ٥٧٩/١]
ولم يترجمه.
ثم ساق حديث ابن عمر أيضًا؛ وفيه: فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُع، صَلَّى.
والكلام على ذلك من أوجه:
أحدها :
الطريق الأولى أنفرد بها البخاري، والثانية وافقه مسلم عليها (١)، ثم
منهم من جعله من مسند بلال، ومنهم من جعله من مسند ابن عمر.
ثانیھا :
قد قدمنا الروايتين الأولى: أنه جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن
يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، والثانية: عمودين عن يمينه. والبخاري ذكرها
من طريق إسماعيل، عن مالك، فقال إسماعيل: حدثني مالك وقال:
عمودین عن يمينه.
وقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختلف عن مالك
(١) مسلم (٣٨٨/١٣٢٩) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج
وغيره ..

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
في لفظه، فرواه مسلم: عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه(١)، وفي
البخاري: عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه قال البيهقي: وهو
الصحيح(٢)، وفي رواية: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن
يساره(٣) عكس ما سلف.
ويحتاج إلى جمع إن لم تتعدد الواقعه فإنه وَلور مكث في الكعبة
طويلًا بخلاف ما سلف من كونه على يمينه أو يساره، فإنه قصد أنه
صلى بين عمودين، وسواء كانا عن يمينه أو عن يساره؛ لأنه لم
يقصد ذكرهما، وقد أسلفنا الكلام على هذا الحديث في الكلام على
مقام إبراهيم والأبواب والغلق للكعبة.
ثالثها :
وهو مقصود الترجمة لا شك، في جواز الصلاة بين السواري،
وقول البخاري في غير جماعة إشارة إلى قطعها الصفوف.
قال ابن بطال: وإنما يكره أن يكون الصف يقطعه أسطوانة إذا صلوا
جماعة خشية أن يمر أحد بين يديه، وإن كان الإمام سترة لمن خلفه،
ويستحب أن تكون الأسطوانة خلف الصف، أو أمامه ليستتر بها
المصلي في الجماعة (٤).
قال القرطبي: وسبب الكراهة بين الأساطين أنه روي أنه مصلى
الجن المؤمنين(٥).
(١) مسلم (١٣٢٩) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره.
(٢) البيهقي ٣٢٧/٢.
(٣)
مسلم (١٣٢٩).
((شرح ابن بطال)) ١٣٣/٢-١٣٤.
(٤)
(٥) («المفهم)) ١٠٨/٢.

٥٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
واختلف السلف في الصلاة بين السواري فكرهه أنس بن مالك،
وقال: كنا نتقيه على عهد رسول الله وَّ﴾(١)، وفي لفظ: كنا نُنْهَى عن
الصلاة بين السواري ونُطْرَد عنها (٢)؛ صححهما الحاكم(١).
وقال أبو مسعود: لا تصفوا بين الأساطين(٤).
وكرهه حذيفة(٥)، وإبراهيم وقال: لا تصفوا بين الأساطين، وأتموا
الصفوف(٦)، وسلف أثر عمر في ذلك(٧).
وأجازه الحسن(٨) وابن سيرين(٩).
وكان سعيد بن جبير(١٠)، وإبراهيم التيمي(١١)، وسويد بن
غفلة(١٢)، يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين، وقال
(١) رواه أبو داود (٦٧٣)، والترمذي (٢٢٩) وقال: حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٩٤،
وأحمد ١٣١/٣؛ وعبد الرزاق ٦٠/٢ (٢٤٨٩)، وابن أبي شيبة ١٤٨/٢
(٧٤٩٧)، وابن خزيمة ٣٠/٣ (١٥٦٨)، وابن حبان ٥٩٦/٥ - ٥٩٧ (٢٢١٨)،
والحاكم ٢١٠/١، ٢١٨، والبيهقي ١٠٤/٣.
(٢) رواه من حديث قرة بن إياس: ابن ماجه (١٠٠٢)؛ والطيالسي ٢/ ٤٠٠ (١١٦٩)،
وابن خزيمة ٢٩/٣ (١٥٦٧)، ابن حبان ٥٩٧/٥-٥٩٨ (٢٢١٩)، والحاكم
٢١٨/١، والبيهقي ١٠٤/٣.
(٣) الحاكم ٢١٨/١، وانظر: ((صحيح أبي داود)) ٢٥١/٣ - ٢٥٢ (٦٧٧).
(٤) رواه عبد الرزاق ٦٠/٢ (٢٤٨٧-٢٤٨٨)، والبيهقي ١٠٤/٣.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٢ (٧٥٠٠).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٢-١٤٩ (٧٥٠٢ -٧٥٠٣).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٢ (٧٥٠١).
(٨) رواه ابن أبي شيبة ١٤٩/٢ (٧٥٠٤)، وروى عبد الزراق ٦٠/٢-٦١ (٢٤٩٠) أن
الحسن کرهه.
(٩) رواه عبد الرزاق ٦١/٢ (٢٤٩٠)، وابن أبي شيبة ١٤٩/٢ (٧٥٠٥).
(١٠) رواه ابن أبي شيبة ٢ /١٤٩ (٧٥٠٦).
(١١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٩/٢ (٧٥٠٧).
(١٢) رواه ابن أبي شيبة ١٤٩/٢ (٧٥٠٩).

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مالك في ((المدونة)): لا بأس بالصلاة بينها لضيق المسجد(١).
وقال ابن حبيب: ليس النهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد،
وإنما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا(٢).
رابعها :
أن السترة ما بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطال أن
الذي واظب عليه الشارع في مقدار ذلك ممر الشاة كما جاء في الآثار.
خامسها :
صحة الصلاة في الكعبة، وقد سلف ما في ذلك في باب قول الله
تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ وسلم ابن بطال أن صلاته
45* في البيت كانت مرة(٣).
سادسها :
فيه الدنو من السترة، وقد أمر الشارع بالدنو منها؛ لئلا يتخلل
الشيطان ذلك.
(١) ((المدونة)) ١/ ١٠٢.
(٢) ((النوادر)) ١٩٤/١.
(٣) (شرح ابن بطال)) ١٣٤/٢.

٥٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
==
٩٨ - باب الصَّلَاةِ
إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِى إِلَيْهَا. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ
إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هذا الرَّخْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَىْ آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ:
مُؤَخَّرِهِ - وَكَانَ ابن عُمَرَ ﴿ يَفْعَلُهُ. [انظر: ٤٣٠ - فتح: ١ / ٥٨٠]
ساق فيه حديث ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ
فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هُذا
الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ: مُؤَخَّرِهِ - وَكَانَ ابن عُمَرَ
· يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث أسلفنا الكلام عليه في باب: الصلاة في مواضع
الإبل(١).
وتكلمنا على هذِه الترجمة أيضًا، وجعل خلف في ((أطرافه)) هذا
الحدیث غير ذلك.
و(آخرة الرحل) أخرجها مسلم أيضًا من حديث أبي ذر(٢) وأبي
هريرة (٣)، وفي النسائي من حديث عائشة سئل رسول الله وَ ل * في غزوة
تبوك عن سترة المصلي، فقال: ((مثل مؤخرة الرحل)) (٤).
(١)
تقدم برقم (٤٣٠).
(٢) مسلم (٥١٠) كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي.
(٣) مسلم (٥١١).
(٤) النسائي ٦٢/٢، ورواه أيضًا مسلم (٥٠٠) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (هبت) أي: ثارت من مُنَاخها فمرة؛ قاله صاحب
(المطالع))، وتأتي بمعنى: أسرعت وقيل: نشطت، وقيده الأصيلي
بضم الهاء على لفظ ما لم يسم فاعله، والأول أصوب والركاب الإبل.
وقال الداودي: إذا ذهبت الرعي، والرحل الذي يركب عليه، وهو
الكور كالسرج للفرس، ويعدله يقيمه بلف وجهه وآخرته ومؤخره.
قال الجوهري: مؤخرة الرحل لغة قليلة في آخرته(١).
وقال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة، وتشديد الخاء وفتحها.
وقال القرطبي: مؤخرة الرحل هو العود الذي يكون في آخرة الرحل
بضم الميم (وكسر)(٢) الخاء؛ قاله أبو عبيد، وحكى ثابت فيه كسر الخاء
وأنكره ابن قتيبة، وأنكر ابن مكي أن يقال: مُقَدِّم ومُؤَخِّر بالكسر إلا في
العين خاصة، وغيره بالفتح.
وحكمة السترة كف البصر، والخاطر عما وراءها(٣).
والراحلة تقع على الذكر والأنثى كما سلف في ذلك الباب وقصره
(القعنبي) (٤) على الأنثى، ولأجل ذلك أردفه البخاري بالبعير فإنه يقع
عليهما، وكونه ولم يعرض راحلته، ويصلي إليها دليل على جواز
السترة بما ثبت من الحيوان ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن
الإبل؛ لأن المعاطن موضع إقامتها عند الماء واستيطانها.
(١) ((الصحاح)) ٢/ ٥٧٧ مادة: آخر.
(٢) في ((المفهم)): وفتح.
(٣) ((المفهم)) ٢/ ١٠٠-١٠١.
(٤) كذا بالأصل.

٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
٩٩ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الشَّرِيرِ
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالِحِمَارِ؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً
عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ◌َ فَيَتَوَسَّطُ الشَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ
قِبَلِ رِجْلَى الشَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لحِافي. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٣٤٤ - فتح: ١ /
٥٨١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟! لَقَدْ
رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَّهِ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ
فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ
لِحَافِي.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف الكلام عليه في باب:
الصلاة على الفراش(٢)، ونتكلم هنا على مواضع:
الأول :
قال الإسماعيلي لما أورد هذا الحديث: هذا صلاة على السرير
لا إليه، فإن أراد ما ذكر فهو في حديث الأعمش، عن مسلم، عن
مسروق، عن عائشة يصلي والسرير بينه وبين القبلة، وقد أورده
البخاري في الاستئذان كما سيأتي(٢).
الثاني :
فيه جواز الصلاة على السرير.
(١) مسلم (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي.
(٢) سبق برقم (٣٨٢).
(٣) سيأتي برقم (٦٢٧٦) باب: السرير.
٠

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الثالث :
قولها: (فأسنحه) (١) قال ابن التين: هو بكسر النون فيما رويناه،
(وزاده) (٢) غير أبي الحسن بفتحها، وهو في اللغة بالفتح، قيل: معناه
أي: أنسلُّ من بين يديه، فأجاوزه من يمين إلى يسار، وقد جاء:
فأكره أن أستقبله، وفي رواية: أن أجلس فأوذيه، وقد يكون معنى
أسنح له: أي: أتعرض له في صلاته، وقولهم: سنح لي أمر، أي:
عرض، قال ابن الجوزي وغيره: السانح عند العرب ما يمر بين يديك
عن يمينك، وکانوا یتیمنون به.
قلت: ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك؛ لأنه أمكن للرمي
والصيد، والبارح عكسه، والعرب تتطير به قاله ابن الأثير(٣).
الرابع :
قولها : (فأنسل) أي: أمر برفق.
وفيه: دلالة على أن المرأة لا تقطع الصلاة؛ لأن أنسلالها من
لحافها کالمرور بين يدي المصلي وقد سلف ما فيه.
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وقال ((صاحب العين)): أسنحه: أظهر له، وكلما
عرض لي فقد سنح.
(٢) كذا ما صورته في الأصل، وقد كتبت بين السطور، وعلم الناسخ عليها بعلامة
اللحق، قلت: ولعلها (ورآه) أو (وزاد).
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١١٤/١.

٥٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٠٠ - باب يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَرَدَّ ابن عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الكَعْبَةِ وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ
تُقَاتِلَهُ، فَقَاتِلْهُ.
٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ
بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ. وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ
قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالِ العَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
صَالِحِ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ فِي يَوْمٍ بُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ
النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ،
فَتَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ
الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَزْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ،
وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَزْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَائِنٍ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ
أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). [٣٢٧٤ -
مسلم: ٥٠٥ - فتح: ٥٨١/١]
كذا وقع: (وفي الكعبة)، وفي بعضها: والركعة، وعليها مشى ابن
بطال في ((شرحه))(١)، وهو أشبه كما قال القابسي، والآخر صحيح
أيضًا، فإن أبا نعيم وغيره روي عنه أنه كان يرد في الكعبة أيضًا.
وهذا سياقه في كتاب الصلاة: حدثنا عبد العزيز بن الماجشون، عن
صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحدًا
يمر بين يديه يبادره قال: يرده، حدثنا فطر بن خليفة ثنا عمرو بن دينار،
قال: مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته؛ حتى أنظر ما يصنع،
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٥/٢.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فارتفع من مكانه، فدفع في صدري.
وقال ابن أبي شيبة: أنا ابن فضيل، عن مطر، عن عمرو بن دينار،
قال: مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة فارتفع من قعوده ثم دفع
في صدري (١).
وفي كتاب ((الصلاة)) لأبي نعيم: فأبهرني بتسبيحه؛ وفي حديث يزيد
الفقير: صليت إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا أكره أن يُمرَّ بين
يديه منه.
وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وذكر المسند منه في صفة
إبليس (٣). قَالَ الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله - يعني: البخاري- بين
الحديثين، وذكر لفظ سليمان بن المغيرة، وليس في حديث يونس ذكر
السترة، وفيه الإطلاق للدفع إذا مر في غير سترة. وفي حديث
سليمان: ودفعه إذا كان إلى سترة. وفي هذا تجوز.
قَالَ: وقد تابع يونس سليمان بن حيان عن حميد في المسند منه.
وأرسله خالد الواسطي، عن يونس، عن حميد، عن أبي سعيد، ولم
يذكر أبا صالح.
وقوله في الحديث: (فإذا شاب من بني أبي معيط). جاء في
النسائي: فأراد ابن لمروانَ أن يمر بين يديه (٤). وهذا الآبن هو داود
كما نبه عليه ابن الجوزي في ((تلقیحه).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه :
(١) ابن أبي شيبة ٢٥٤/١ (٢٩٢١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٥٠٥) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٧٤) كتاب: بدء الخلق.
(٤) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٤/ ٢٤٧-٢٤٨ (٧٠٦٧) كتاب: القسامة.