النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كِتَابُ الصَّلاةِ
==
والشروط(١)، والجهاد في أربعة مواضع منه (٢) والنكاح في ثلاثة مواضع
منه(٣)، والنفقات (٤)، والدعوات(٥).
وقد أوضحتها والكلام عليه في ((شرح العمدة)) فسارع إليه تجد
ما يشفي الغليل مع فائدة بديعة أبداها السهيلي فيه (٦).
وأخرجه مسلم في الصلاة (٧)، والبيوع(٨)، والجهاد(٩)،
وأبو داود(١٠)، والنسائي في البيوع(١١).
واختلف الرواة عن جابر في ألفاظه: فمنهم من ساقه بطوله، ومنهم
من ساق ذكر التزويج فقط، ومنهم من ساق ذكر الجمل دون ذكر
(١) سيأتي برقم (٢٧١٨) باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٦١) باب: من ضرب دابة غيره في الغزو، و(٢٩٦٧) باب:
استئذان الرجل الإمام لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:
٦٢]، و(٣٠٨٧) باب: الصلاة إذا قدم من سفر، وبرقم (٣٠٨٩، ٣٠٩١) باب:
الطعام عند القدوم، هي خمسة مواضع كما ترى.
(٣) سيأتي برقم (٥٠٧٩، ٥٠٨٠) باب: تزويج الثيبات، و(٥٢٤٣، ٥٢٤٤) باب:
لا يطرق أهله ليلًا إذا طال الغيبة، و(٥٢٤٥، ٥٢٤٦) باب: طلب الولد، وبرقم
(٥٢٤٧) باب: تَستحدُّ المغيبة وتمتشط الشَّعِثَة. هي سبعة مواضع كما ترى.
(٤) سيأتي برقم (٥٣٦٧) باب: عون المرأة زوجها في ولده.
(٥)
سيأتي برقم (٦٣٨٧) باب: الدعاء للمتزوج.
(٦)
((الإعلام)» ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٧)
مسلم (٧١٥) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين
وباب: استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه.
(٨) مسلم (٧١٥) بعد حديث (١٥٩٩) في المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه.
(٩) مسلم (٧١٥) بعد حديث (١٩٢٨) الإمارة، باب: كراهية الطروق وهو الدخول
لیلا، لمن ورد من سفر.
(١٠) أبو داود (٢٠٤٨، ٣٥٠٥).
(١١) النسائي ٧/ ٢٩٧ - ٣٠٠.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
التزويج، ولم يسق هنا ما بوب عليه، وقد ذكره كذلك في البيوع(١)، ومن
عادته الإحالة على أصل الحديث.
وحظنا منه هنا استحباب الصلاة في المسجد عند القدوم من السفر،
ووقت الدين والزيادة فيه، وهو داخل في قوله: ((خياركم أحسنكم
قضاء)»(٢)، وعن مالك منع لزيادة العدد دون الصفة إذا كانت بغير
شرط، وأجازها عيسى بن دينار، والقاضي أبو محمد(٣)، وسنتكلم
-إن شاء الله- في كل موضع بما يليق به، إن شاء الله الوصول إليه،
وحذف ابن بطال هذا الباب فلم يشرحه هنا.
(١) سيأتي برقم (٢٠٩٧) باب: شراء الدواب والحمير.
(٢) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٢٣٠٥) كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد
والغائب جائزة، ورواه مسلم (١٦٠١) كتاب: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا
فقضى خيرًا منه و((خيركم أحسنكم قضاء)».
(٣) أنظر: ((المعونة)) ٣٥/٢، ((المنتقى)) ١٥٩/٤ - ١٦٠.

٥٢٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٠- باب إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلْيُرْكَحْ
قبل أن يجلس
٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)). [١١٦٣- مسلم:
٧١٤- فتح: ١/ ٥٣٧]
ساق بإسناده من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي السلمي ﴾ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ
يَجْلِسَ)).
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه أيضا في صلاة الليل(١) وغيره(٢).
وأخرجه مسلم أيضًا(٣).
وطرقه الدارقطني في ((علله))(٤)، وروي من حديث جابر(٥)، وهو
(١) سيأتي برقم (١١٦٣) كتاب: التهجد، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) لم أقف عليه في موضع آخر في ((الصحيح))، وتبين ذلك جليًّا بعد مراجعة (تحفة
الأشراف» (١٢١٢٣).
(٣) مسلم (٧١٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين ...
(٤) ((علل الدارقطني)) ١٤١/٦ - ١٤٥.
(٥) رواه أبو يعلى ٨٩/٤ (٢١١٧)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))، ((تحفة)) ١/
٤٠٩ (٣٨٨)، والخطيب في («تاريخه)) ٤٧/٣؛ كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح،
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر. قال الخطيب: هكذا
روى هذا الحديث خارجة بن مصعب، عن سهل وهو وَهَمٌ؛ خالف سهيل الناس في
روايته، وقد رواه مالك بن أنس وزياد بن سعد وربيعة بن عثمان وعثمان بن أبي =

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
غير محفوظ كما قاله الترمذي(١)، وزاد ابن حبان في ((صحيحه)) في
حديث أبي قتادة: قبل أن يجلس أو يستخبر(٢).
ثانيها :
فيه: استحباب تحية المسجد بركعتين، وهي سنة بالإجماع(٣)، وعن
داود الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر.
وحملة الجمهور على الندب، بدليل أن المحدث لا يحرم عليه دخوله.
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمرون في المسجد
ولا يركعون، روى ابن أبي شيبة، عن عبد العزيز بن الدراوردي، عن
زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صل هم يدخلون المسجد ثم
يخرجون ولا يصلون.
قال زيد: وقد رأيت ابن عمر يفعله (٤).
وذكره مالك عن زيد بن ثابت، وسالم بن عبد الله(٥)، وكان القاسم
يفعله، وكذا الشعبي(٦)، وقال جابر بن زيد: إذا دخلت مسجدًا فصل
فيه، فإن لم تصل فاذكر الله فإنك قد صليت.
= سليمان، وعمر بن عبد الله بن عروة، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن
سليم، عن أبي قتادة، عن النبي ◌َّر، وهو الصواب.اهـ
(١) ((سنن الترمذي)) عقب حديث (٣١٦)، قال على بن المديني: وحديث سهيل بن
أبي صالح خطأ. قلت لجابر حديث آخر في ((الصحيح)) بنحو هذا، ورواه مسلم
(٥٩/٨٧٥) بلفظ، باب: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع
رکعتین، ولیتجوز فیهما)).
(٢) ابن حبان ٢٤٥/٦ - ٢٤٦ (٢٤٩٩).
(٣) ((التمهيد)) ١٠٠/٢٠، ((المجموع)» ٥٤٣/٣- ٥٤٤.
(٤) ابن أبي شيبة ٢٩٩/١ (٣٤٢٨).
(٥) أثر سالم رواه ابن أبي شيبة ٣٠٠/١ (٣٤٣٢).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩ (١٦٧٥).

٥٢٥
= ڪِتَابُ الصَّلاةِ
ثالثها :
كراهة الجلوس من غير صلاة وهي كراهة تنزيه.
رابعها :
استحبابها(١) كل وقت، وكرهها أبو حنيفة ومالك في وقت النهي،
والأصح عند الشافعية عدمها إن دخل لا يقصدها(٢).
خامسها :
أنها لا تحصل بركعة وهو الأصح (٣)، وبقيت فروع متعلقة بها ذكرتها
مفصلة في ((شرح المنهاج)) فراجعها منه.
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: في المسألة ثلاثة أوجه: يستحب؛ ويجب.
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٢٩٦/١، (المنثور من القواعد)) ١٧١/٢.
(٣) انظر: ((طرح التثريب)) ١٨٧/٣.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ست
٦١- باب الحَدَثِ في المَسْجِدِ
٤٤٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي
مُصَلَّاهُ الذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ أَرْحَمْهُ)).
[انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٥٣٨/١]
ساق بإسناده من حديث الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
قَالَ: ((الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ الذِي صَلَّى فِهِ، مَا
لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)).
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه في باب من يجلس في المسجد ينتظر الصلاة،
وفضل المساجد بزيادة كما ستعلمه(١).
ورواه مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة(٢).
وأخرجه البخاري من هذا الوجه أيضًا(٣)، ومسلم من حديث أبي رافع
الصائغ(٤)، ومحمد بن سيرين أيضا عن أبي هريرة(٥)، ويأتي في البخاري
(١) سيأتي برقم (٦٥٩) كتاب: الأذان.
(٢) مسلم (٢٧٢/١٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار
الصلاة، ومسلم أيضًا من طريق أبي صالح بغير سياق حديث الباب (٣٦٢) كتاب:
الحيض، باب: الدليل على أن من تيقَّن الطهارة ثم شكّ في الحدث فله أن يصلي
بطهارته تلك.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق، و(٦٤٧)
كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، و(٢١١٩) كتاب: البيوع، باب: ما
ذكر في الأسواق.
(٤) مسلم (٦٤٩ / ٢٧٤).
(٥) مسلم (٦٤٩/ ٢٧٣).

٥٢٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة(١)، وسلف في
الطهارة من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢).
ثانیھا :
قوله: ((ما لم يحدث)) هو بالتخفيف كما قال الداودي، وهو دالٌ
على جواز الحدث في المسجد، وقد روي: ((ما لم يحدث ما لم يؤذ
أحدًا))(٣)، وتأول العلماء الأذى بالغيبة وشبهها، وسببه أن أذى ذلك
أكثر من أذى الحدث، ومن رواه بالتشديد أراد بغير ذكر الله تعالى،
قال ابن التين: ولم يذكر التشديد أحد، وذكر ابن حبيب عن إبراهيم
النخعي أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يقول: هو حديث الإثم.
ثالثها :
معنى الباب كما قال المهلب: أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم
بها المحدث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجو بركته، وسببه ما آذاهم
من الروائح الخبيثة، فمن أراد حط ذنوبه لازم مصلى محبوبه بعد الصلاة
ليستكثر من استغفار الملائكة له، وقد شبه و لي ذلك بالرباط، وأكد
بتكراره، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قد أخبر
الشارع أنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه(٤)،
وتأمينهم إنما هو مرة عند تأمين الإمام، فكيف بمرات !!
(١) سيأتي برقم (٣٢٢٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٢) سلف برقم (١٧٦) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين:
من القُبُل والدُّبُر.
(٣) سيأتي برقم (٢١١٩)، ورواه مسلم (٢٧٢/٦٤٩).
(٤) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٧٨١) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام
بالتأمين، ورواه مسلم (٤١٠) كتاب: الصلاة، باب: التسميع والتحميد والتأمين.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد، فروي عن
أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع
أصحابه، ولم يمس ماء(١)، وعن علي مثله(٢)، وروي ذلك عن
عطاء(٣)، والنخعي وابن جبير(٤)، وكره أن يتعمد الجلوس في
المسجد على غير وضوء ابن المسيب، والحسن وقالا: يمر مارًا
ولا يجلس فيه(٥).
رابعها: (ما) من قوله: ( (ما دام في مصلاه)) ) مصدرية ظرفية، أي:
مدة دوام كونه في مصلاه، وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة
أو غيرهم.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٣٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٣٤/١ (١٥٤٦).
(٤) أثر ابن جبير رواه ابن أبي شيبة ١٣٤/١ (١٥٤١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٤ (١٥٤٥).

٥٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
٦٢ - باب بُنْيَانِ المَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ
عُمَرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّكَ أَنْ
تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ
لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا
زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى. [فتح: ٥٣٩/١]
٤٤٦- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعْ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ
كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الَجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ،
فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّ
بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى
جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ
بِالسَّاجِ. [فتح: ١ / ٥٤٠]
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) هذا التعليق
يأتي مسندًا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب في المطر
يوم الجمعة؟(١)
قال البخاري: وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ
المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
في ابن ماجه بإسناد ضعيف نحو هذا عنه مرفوعا: ((ما ساء عمل قوم
قط إلا زخرفوا مساجدهم»(٢).
(١) سيأتي برقم (٦٦٩) كتاب: الأذان.
(٢) ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب (٧٤١)، قال البوصيري في (الزوائد)) =

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (أكنَّ) قال ابن التين: رواه بضم الهمزة، وكسر الكاف على
أنه رباعي، وهو قول أبي زيد، وأما الكسائي فقال: هو ثلاثي، تقول:
كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، واكننته في نفسي: أسررته،
وقال أبو زيد: كننته واكننته بمعنى في الكن، وفي النفس جميعًا.
وقوله: (وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس)، قال: رويناه بضم
التاء على أنه رباعي من أفتن، وأنكر ذلك الأصمعي وأجازه أبو عبيد،
ويمكن أن يكون فهم هذا من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم، حيث
نظر إلى أعلامها في الصلاة(١).
قال البخاري: وَقَالَ أَنَسٌِّ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا.
وهذا أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث أبي قلابة عن أنس
مرفوعا: ((يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها
إلا قليلا، (أو)(٢) قال: يعمرونها قليلا))(٣).
= (٢٤٩): إسناده ضعيف، فيه أبو إسحاق، كان يدلس، وهو كذاب.
وقال ابن حجر في ((الفتح)) ٥٣٩/١: رجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المغلس،
ففيه مقال. وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (١٥٨)، قال: ضعيف جدًّا.
(١) يشير المصنف - رحمه الله- إلى حديث عائشة الذي سلف برقم (٣٧٣) كتاب:
الصلاة، باب: إذا صلَّى في ثوبٍ له أعلام، ونظر إلى عَلَمها، ورواه مسلم (٥٥٦)
كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، ولفظه عند البخاري :
عن عائشة أن النبي ◌َّلهم صلَّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما
أنصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذِه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم،
فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي)).
(٢) كذا في «صحيح ابن خزيمة))، وفي (س) بدون الهمزة.
(٣) ابن خزيمة ٢٨١/٢ (١٣٢١). ضعف إسناده الألباني في ((صحيح ابن خزيمة))
(١٣٢١)، لكنه روي بلفظ آخر عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا، ولفظه: ((لا تقوم
الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد))، رواه أبو داود (٤٤٩)، والنسائي ٢/ =

٥٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
وقال البخاري: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ
وَالنَّصَارى.
وهذا أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه بعد أن روى عنه مرفوعًا :
((ما أمرت بتشييد المساجد))(١).
و(الزخرفة): الزينة أي: لتزينتها ولتموهنها وأصل الزخرف: الذهب
والنهي خوف شغل المصلي، أو لإخراج المال في غير وجهه أو لهما.
ثم ساق البخاري حديث نافع أنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَبْنِيًّا بِاللَّيِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ،
فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ
اللهِ وَّهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ
زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ
٣٢، وابن ماجه (٧٣٩)، وأحمد ١٣٤/٣، والدارمى ٨٨٣/٢ - ٨٨٤ (١٤٤٨)،
=
وابن حبان في ((صحيحه)) ٤/ ٤٩٢، ٤٩٣ (١٦١٣، ١٦١٤). صححه الألباني في
((صحيح أبي داود)) (٤٧٦).
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٤٨). وصححه ابن حبان ٤٩٣/٤ - ٤٩٤ (١٦١٥). وقال
الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٥٤٠: وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف على
یزید بن الأصم في وصله وإرساله.
قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٤٧٥) تعليقًا على قول ابن حجر: وقد وصله
أبو فزارة، وهو ثقة، فيجب قبول زيادته. وقال أيضًا -أعني الألباني -: قال الشيخ
القاري في ((المرقاة)): وهو موقوف، لكنه في حكم المرفوع.اهـ
وهُذِه الزيادة الموقوفة قد روى معناها مرفوعًا عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه
(٧٤٠)، ولفظه: ((أراكم ستُشرِّفون مساجدكم بعدي كما شَرَّفَت اليهود كنائسها،
وكما شَرَّقَت النصارىُّ بِيَعَها)). وقد ضعفه البوصيري في ((الزوائد)) (٢٤٨)، قال:
هُذا إسناد فيه جبارة بن المغلس، وهو كذاب. وضعفه أيضًا الألباني في ((الثمر
المستطاب)) ٤٦٠/١.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
قوله: (باللبن) رويناه بفتح اللام وكسر الباء، كما قال ابن التين،
وقال ابن السكيت: من العرب من يقول: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد.
قال السهيلي: نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، فلما كان عثمان
بناه بالحجارة كما سلف، وجعل قبلته من الحجارة(١).
و(القصة): بالقاف والصاد المهملة: الحصن، وقال الخطابي:
شيء يشبهه، وليس منه(٢).
و(الساج): نوع من الخشب يجاء به من الهند(٣)، ثم بناه عبد الله بن
الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي ووسعه، وزاد
فيه سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المأمون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه.
قال السهيلي: ولم يبلغنا أن أحدًا غيَّر منه شيئًا.
قال ابن بطال: جاءت الآثار عن النبي ◌َله بكراهة تشييد المساجد،
وتزيينها، فروى حبيب ابن الشهيد، عن الحسن قال: لما بني المسجد
قالوا: يا رسول الله، كيف نبنيه؟ قال: ((ليس لي رغبة عن أخي
موسى، عریش کعریش موسي))(٤)(٥).
(١) ((الروض الأنف)) ٢٤٨/٢.
(٢). ((معالم السنن)) ١٢١/١. والقصَّة والقصّة والقَصّ: الجَصّ، لغة حجازية، وقيل:
الحجارة من الجَصِّ، وقد قصَّصَ داره أَيْ جصَّصَها. انظر: ((الصحاح)) ٣/
١٠٥٢، ((لسان العرب)) ٦/ ٣٦٥٢، مادة: قصص.
(٣) الساج: جمع ساجة، الساجة: الخشبة الواحدة المشَرُجَعَة المرَبَّعَة، كما جلبت
من الهند، ويقال للساجة التي يُشَقّ منها الباب: السَّليجة. انظر: ((تهذيب اللغة)) ٢/
١٥٨٦، ((لسان العرب)) ٢١٤١/٤، مادة: سوج، ((الروض الأنف)) ٢٤٨/٢.
(٤) تقدم تخريجه في حديث (٤٢٨).
(٥) (شرح ابن بطال)) ٩٦/٢ - ٩٧.

٥٣٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
-
وقال أُبي: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم فالدمار
عليكم(١)، وقد سلف حديث: ((ما أمرت بتشييد المساجد)).
وقال ابن عباس: أمرنا أن نبني المساجد جمًا والمدائن شرفًا(٢)،
وقال مجاهد: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف (٣).
(١) لم أجده في رواية أبي، وإنما رواه ابن أبي شيبة ٢٧٤/١ (٣١٤٨)، ١٤٨/٦
(٣٠٢٢٣) عن سعيد بن أبي سعيد، قال: قال أبي : ... فذكره. وعزاه الألباني في
((الصحيحة)) (١٣٥١) إلى ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢/١٠٠/١ - مخطوط الظاهرية))
وذكره عن سعيد بن أبي سعيد مرفوعًا، وقال: وهذا إسناد مرسل حسن. اهـ ورواه
عن أبي الدرداء موقوفًا ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٩٧) عن بكر بن سوادة، عن أبي
الدرداء به مع تقديم وتأخير في لفظه. وضعفه السيوطي في ((الجامع الصغير))
(٥٨٦)، وضعفه أيضًا المناوي في ((فيض القدير)) ١/ ٤٧٠. وحسنه الألباني في
((صحيح الجامع)) (٥٨٥).
وقال الألباني في ((الصحيحة)): وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، ولكني
لا أدري إذا کان بکر بن سوادة سمع من أبي الدرداء أم لا؟ ولکنه شاهد لا بأس به
للمرسل، وهو وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي،
لاسيما وقد روي عنه مرفوعًا. ذكره كذلك الحكيم الترمذي في ((كتاب الأكياس
والمغترين)) ص٧٨- مخطوط الظاهرية، وكذلك عزاه السيوطي في ((الجامع)) إلى
الحكيم عنه، يعني في ((نوادر الأصول)) وذكر المناوي أن إسناده ضعيف. والله
أعلم.اهـ
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٤ (٣١٥١)، والبيهقي ٤٣٩/٢، وذكر السيوطي من رواية
ابن أبي شيبة مرفوعًا وأشار إلى حسنه في ((الجامع الصغير)) (١٠٦٧)، لكني لم
أقف عليه في ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن ابن عباس مرفوعًا، وإنما وجدته موقوفًا
كما سلف. وضعف الألباني رفعه في ((ضعيف الجامع)) (٥٤)، وضعف الموقوف
أيضًا في ((الضعيفة)) (١٧٣١).
(٣) لم أقف عليه من قول مجاهد، وإنما وقفت عليه من رواية ليث، عن مجاهد، عن
ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٧٥ (٣١٥٤)، والطبراني ٤٠٧/١٢ (١٣٤٩٩)،
والبيهقي ٤٣٩/٢. وذكره الهيثمي ١٦/٢، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير))، =

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهُذِه الآثار مع ما ذكره البخاري في الباب تدل على أن السنة في
بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة
ببنيانها، ألا ترى أن عمر قال للذي أمره ببناء المسجد: أكن الناس
من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وكان عمر قد فتح
الله الدنيا في أيامه، ومكنه في المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه،
ثم كثر المال زمن عثمان فلم يزد أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة،
وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصرا عن البلوغ في تشييده إلى
أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الشارع لكراهة ذلك، وليقتدي
بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية والزهد في معالي أمورها،
وإيثار البلغة بها.
روى برد أبو العلاء، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جمعت
الأنصار مالًا، فقالوا: يا رسول الله، ابن بهذا المسجد، فقال: ((إذا
يعجب ذلك المنافقين))(١)، فدل على أن المؤمنين لا يعجبهم ذلك.
ورجاله رجال الصحيح، غير ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه.
=
وضعفه الألباني في ((الثمر المستطاب)) ٤٦٣/١، قال: وهو ضعيف لما علمت من
حال ليث.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ.

٥٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٣- باب التّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ
وَقَولِ اللّهِ مَّ:
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ الآية
٤٤٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الَذَّاءُ،
عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلانِنِهِ عَلِيُّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ.
فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثْنَا حَتَّى أَتَّى
ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ◌َُّ
فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ،
وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ. [٢٨١٢ - فتح: ١ / ٥٤١]
سبب نزولها: أنه لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون،
فعيروه بالكفر وأغلظ له علي، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا
دون محاسننا، فقال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم. إنا لنعمر
المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني،
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ( (شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾) قيل: سجودهم للأصنام
واتخاذها آلهة.
ثم ساق البخاري حديث عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ :
انْطَلِقًا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطِ
يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ،
فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَّةً لَبِنَّةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ وَّهِ فَيَنْفُضُ
التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ،
وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ.

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وهذا الحديث ذكره البخاري في الجهاد(١).
والكلام عليه من أوجه:
أحدها :
ابن ابن عباس هو السجاد؛ لكثرة عبادته، الثقة ولد ليلة قتل علي في
شهر رمضان سنة أربعين فسمي باسمه، وكني بكنيته، فقال له
عبد الملك بن مروان: لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعًا،
فغير كنيته فصيرها أبا محمد، ولي الخلافة(٢)، وكان له خمسمائة
شجرة، فصلى عند أصل كل شجرة ركعتين، فكان يصلي في اليوم
ألف ركعة، مات بعد العشر ومائة، إما سنة أربع عشرة، أو سبع
عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، عن ثمانٍ أو تسع وسبعين
سنة، روى له الجماعة خلا البخاري ففي الأدب (٣).
الثانية :
قوله: (انْطَلِقًا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ) فيه: أن العالم يبعث
ولده إلى عالم آخر ليتعلم منه؛ لأن العلم لا يحويه أحد.
وقوله: (في حائطه) أي: بستانه.
وقوله: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا) فيه: أن العالم يتهياً
للحديث ويجلس له جلسة تأهبًا لذلك، ومعنى (أنشأ يحدثنا): أخذ
في الحديث.
(١) سيأتي برقم (٢٨١٢) باب: مَسْح الغبار عن الرأس في سبيل الله.
(٢) في هامش (س): قوله: (ولي الخلافة) ينبغي أن تكون بعد قوله: ( ... ) لا في هذا
المكان، فإنه يوهم أنه تولى الخلافة، وليس كذلك، والله أعلم.
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣١٢/٥- ٣١٤، ((الجرح والتعديل)) ٦/ ١٩٢
(١٠٥٦)، ((تهذيب الكمال)) ٣٥/٢١- ٤٥ (٤٠٩٧)، ((تهذيب التهذيب» ١٨٠/٣.

٥٣٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقوله: (لبنة .. ) إلى آخره، فيه: أرتكاب المشقة في عمل البر.
قال ابن إسحاق: وعمار أول من بنى الله مسجدًا(١). قال السهيلي:
فكيف أضاف إليه بنيانه، وقد بناه معه الناس(٢)؟!
فنقول: إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأن عمارًا هو الذي أشار على
رسول الله وَلول ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول الله
وَ* استتم بنيانه عمار، كذا ذكره ابن إسحاق(٣).
الثالثة :
التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجزى
الإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وتحبيس الأموال التي
يعم العامة نفعها، والولد الصالح يدعو له بعد موته، قال المهلب: وفيه:
بيان ما اختلف فيه من قصة عمار(٤).
وقوله: ((يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) إنما يصح ذلك في
الخوارج الذين بعث إليهم علي بن أبي طالب عمارًا يدعوهم إلى
الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من
المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم الصحابة الذين
(١) حكى هذا القول عن ابن إسحاق السهيلي في ((الروض الأنف)) ٢٤٨/٢ باعتباره
أثرًا، وهذا الأثر رواه عن القاسم بن عبد الرحمن ابن سعد في ((طبقاته)) ٣/ ٢٥٠،
وابن أبي شيبة ٣٨٩/٦ (٣٢٢٤٣)، ٢٥١/٧ (٣٥٧٧٢)، ٣٤١/٧ (٣٦٥٩٢)،
وابن أبي عاصم في ((الأوائل)) ١/ ٩١ - ٩٢ (١١٥)، والطبراني ٩/ ١٩٥ - ١٩٦
(٨٩٦١)، وفي ((الأوائل)) ١٠٩/١ (٨٠)، والحاكم ٣٨٥/٣. ذكره الهيثمي ٢/
١٠، ٢٧١/٥، وقال: رواه الطبراني، وإسناده منقطع.
(٢) ((الروض الأنف)) ٢٤٨/٢.
نقل قوله السهيلي، أنظر التخريج السابق.
(٣)
(٤) كما في ((شرح ابن بطال)) ٩٨/٢.

٥٣٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾. قال المفسرون: وهم أصحاب محمد بَّ، وقد صح أن
عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة
بشهادة النبي ◌ّ أن أمته لا تجتمع على ضلال(١).
(١) يشير إلى حديث: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة))، وقد ورد بألفاظ مختلفة
ومن طرق مختلفة، منها: ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا (٢١٦٧)،
وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. والحاكم ١١٦/١.
وما رواه أبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري بلفظ: ((إن الله أجاركم
من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل
على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)).
قال الحافظ في ((التلخيص)) ٣/ ١٤١ : هذا حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو
واحد منها من مقال، منها لأبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا -وذكره-
وفي إسناده انقطاع، وللترمذي والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا -وذكره- وفيه
سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف.
وما رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢١٦٦) بلفظ: ((يد الله مع
الجماعة))، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من
هذا الوجه. والحاكم ١١٦/١ بلفظ: ((لا يجمع الله أمتي -أو قال: هذِه الأمة-
على الضلالة أبدًا ويد الله على الجماعة)).
قال الألباني في ((المشكاة)) (١٧٣) تعليقًا على حديث ابن عمر: علته سليمان
المدني، وهو ابن سفيان، وهو ضعيف، لكن الجملة الأولى من الحديث صحيحة
- یقصد: «إن الله لا یجمع أمتي على ضلالة))- لها شاهد من حديث ابن عباس،
أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما بسند صحيح. اهـ. وقد صححه الألباني أيضًا من
حديث ابن عمر في ((صحيح الجامع)) (١٨٤٨).
وروى ابن أبي شيبة ٤٥٦/٧ (٣٧١٨١) عن بشير بن عمرو قال: شيعنا ابن مسعود
حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستانًا، فقضى الحاجة ثم توضأ ومسح
على جوربيه، ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء، فقلنا له: أعهد إلينا فإن الناس
قد وقعوا في الفتن لا ندري هل نلقاك أم لا، قال: أتقوا الله واصبروا حتى يستريح =

٥٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
وفيه: أن عمارًا فهم عن النبي ◌َّ أن هذِه الفتنة في الذين يستعاذ
بالله منها، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أهو
مأجور أم مأثوم إلا بغلبة الظن، فلو كان مأجورًا لما استعاذ بالله من
الأجر، وهذا يرد الحديث المروي: ((لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها
حصاد المنافقين))(١).
الرابعة :
فيه: فضيلة ظاهرة لعمار وهو علم من أعلام النبوة؛ لأن الشارع
أخبر بما يكون فكان كما قال.
= بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على
ضلالة.
صحح إسناده الحافظ في ((التلخيص)) ١٤١/٣ قال تعليقًا عليه: ومثله - يعني قول
ابن مسعود: وعليكم بالجماعة ..- لا يقال من قبل الرأي.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ: ((لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان،
فإنها تبين المنافقين)) عن عليٍّ مرفوعًا، رواه أبو الشيخ الأنصاري في ((طبقات
المحدثين بأصبهان» ٥٤١/٣ (٦٩٧)، والديلمي كما في ((الفردوس بمأثور
الخطاب)) ٣٨/٥ (٧٣٩٠)، وعزاه الحافظ في ((الفتح)) ٤٤/١٣ لأبي نعيم لكن
بلفظ («تبير المنافقين)) بدلًا من ((تبين المنافقين))، وقال: في سنده ضعيف ومجهول.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٤٤٥) وعزاه للديلمي بلفظ: (تبين المنافقين))،
وأشار المحقق إلى أنه في نسخة أخرى من المخطوط بلفظ: (تنثر المنافقين)).
وذكره محمد طاهر بن علي الهندي في ((تذكرة الموضوعات)» ص٢٢٢ وعزاه
لـ((الذيل)) بلفظ: ((لا تكرهوا الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين)). وقال ابن تيمية:
موضوع.
وقد أورده الحافظ في ((الفتح)) ٥٤٣/١ بلفظ المصنف: ((لا تستعيذوا بالله ... ))
وقال: قد سئل ابن وهب قديمًا عنه، فقال: إنه باطل.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٦٤- باب الاسْتِعَانَةِ بِالنَّخَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ
الْمِنْبِرَ وَالْمَسْجِدِ
٤٤٨- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى أَمْرَأَةٍ أَنْ: ((مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ
عَلَيْهِنَّ)). [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١ /٥٤٣]
٤٤٩- حَدَّثَنَا خَلَّادْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابٍِ، أَنَّ
آمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ:
((إِنْ شِئْتِ)). فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ. [٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - فتح: ٥٤٣/١]
ذكر فيه حديث سهل: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى أَمْرَأَةٍ: ((مُرِي غُلَامَكِ
النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ».
وحديث جابر أَنَّ أَمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا
تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِ غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ)). فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ.
أما حديث سهل تقدم في باب الصلاة في السطوح والمنبر
والخشب(١)، وسيأتي في البيوع أيضًا(٢)، وحديث جابر يأتي في
البيوع(٣)، وعلامات النبوة(٤).
وهو دال لما ترجم له، وهو الاستعانة بأهل الصناعات والقدرة في
كل شيء يشمل المسلمين نفعه، والنادر إلى ذلك مشكور له فعله.
فإن قلت: حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن حديث
(١) سلف برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٢٠٩٤) باب: النجَّار.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٩٥) باب: النَّجار.
(٤) سيأتي برقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) كتاب: المناقب.