النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
٤٩- باب الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ
٤٢٩- حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَثَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي في
مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥٢٦/١]
ساق من حديث أَنَسِ أن النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، ثُمَّ
سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ.
هذا الحديث سبق بيانه في باب أبوال الإبل من كتاب: الطهارة
واضحًا(١).
(١) سلف برقم (٢٣٤) كتاب: الوضوء.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٠- باب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِيِلِ
٤٣٠- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّنَ قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: رَأَيْتُ ابن عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّ
يَفْعَلُهُ. [٥٠٧- مسلم: ٥٠٢- فتح: ١/ ٥٢٧]
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، ثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ،
عَنْ نَافِع قَالَ: رَأَيْتُ ابن عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ
وَلِّ يَفْعَلُهُ.
وهذا الحديث أخرجه قريبا أيضا، وترجم عليه: الصلاة إلى الراحلة
والبعير والشجر والرحل(١)، ثم ساقه من وجه آخر عن نافع، عن ابن
عمر، عن النبي وّر أنه كان يعرض راحلته، فيصلي إليها؛ قلت:
أرأيت إذا هبت الركاب، قال: كان يأخذ هذا الرحل فيعدله فيصلي
إلى آخرته، أو قال: مؤخره، وكان ابن عمر يفعله(٢).
وأخرجه مسلم بلفظ كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها (٣)، وفي
آخر: أنه وَّ- صلى إلى بعير(٤)، وعند الترمذي: صلى على بعيره
أو راحلته، ثم قال: حسن صحيح. قال: وهو قول بعض أهل العلم،
لا يرون بالصلاة إلى البعير بأسا يستترون به(٥).
(١) سيأتي برقم (٥٠٧) كتاب: الصلاة.
(٢) السابق.
(٣) مسلم (٥٠٢) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٤) مسلم (٢٤٨/٥٠٢).
(٥) رواه الترمذي (٣٥٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة إلى الراحلة،
ولفظه: صلى إلى بعيره أو راحلته. وليس: صلى على بعيره أو راحلته.

٤٨٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
إذا عرفت ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
اعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث بيان أنه صلى في
موضع الإبل، إنما صلى إليه، لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في
موضع صار ذلك عطنا أو مأوى للإبل، وموضعا لها تعرف به.
ثانیھا :
فيه: جواز الصلاة إلى الحيوان، ونقل ابن التين عن مالك، أنه
لا يصلي إلى الخيل والحمير لنجاسة أبوالها(١).
وفيه أيضا: جواز الصلاة بقرب البعير بخلاف الصلاة في عطنه فإنها
مكروهة؛ الأحاديث الصحيحة في النهي عنها فيه، وسره خشية نفورها،
فإن لها أوابد كأوابد الوحش، كما ثبت في ((الصحيح)) في حديث رافع
(٢)
ابن خديج(٢).
وهو مُذْهِب للخشوع المطلوب في الصلاة، وبالكراهة قال
مالك والشافعي(٣)، وبعدمها أبو حنيفة وصاحباه(٤)، وقال ابن
القاسم: لا بأس بالصلاة فيها إن سلمت من مذاهب الناس، وقال
أصبغ: يعيد في الوقت(٥).
(١) ((المنتقى)) ٢٧٨/١.
(٢) سيأتي برقم (٢٤٨٨) كتاب: الشركة، باب: قسمة الغنم، ورواه مسلم (١٩٦٨)
كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر
العظام.
(٣) انظر: ((المدونة)) ٩٠/١، ((المجموع)) ١٦٦/٣ - ١٦٧.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٢٢١/١ - ٢٦٢.

٤٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وغلا بعضهم فأفسد الصلاة فيها كما حكاه الطحاوي(١)، وإليه ذهب
ابن حزم الظاهري؛ فقال: والصلاة جائزة إلى البعير، وفي معاطنه باطلة
مع العمد والجهل، فلا تحل الصلاة في عطنها، وهو الموضع الذي
توقف فيه الإبل عند ورودها الماء وتبرك، وفي المراح والمبيت،
قال: فإن كان لرأس واحد أو لرأسين فالصلاة فيه جائزة، وإنما تحرم
الصلاة إذا كان لثلاثة فصاعدًا(٢)، وكأنه أخذه من لفظ الإبل، وأنه
آسم جمع.
ثالثها :
استدل به القرطبي وغيره على طهارة أبوالها وأروائها، قال:
ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطنها؛ لأنها موضع إقامتها عند
الماء واستيطانها، وما ذكره لا نسلم له.
رابعها :
قوله: (هبت) في رواية البخاري السالفة. أي: ثارت من مبركها
وقيده الأصيلي هُبَّ على لفظ ما لم يسم فاعله، وصوب القاضي
عياض الأول(٣).
خامسها :
(البعير) للذكر والأنثى كما صرح به في ((المحكم)) (٤)، وكذا
الراحلة، وقصره (القتيبي)(٥) على الأنثى، وكأن البخاري في ترجمته
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٣٨٤.
(٢) ((المحلى)) ٢٤/٤. بتصرف.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٦٤/٢.
(٤) ((المحكم)) ٩٦/٢، مادة: (بعر).
(٥) صورتها في الأصل (التقريبين).

٤٨٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
الماضية استنبط الشجر من خشب الرحل، وفي ((النسائي الكبير))(١) عن
علي ﴾ قال: لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله وَلا له
فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح.
فائدة :
أبو التياح المذكور في إسناده أسمه يزيد بن حميد، وكنيته أبو حماد،
وأبو التياح لقب(٢).
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٧٠/١ (٨٢٣).
(٢) سبقت ترجمته في حديث رقم (٨١).

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥١- باب مَنْ صَلّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورَّ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ
مِمَّا يُعْبَدُ فَأَرَادَ بِهِ اللَّه
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رسول الله وَّةٍ:
((عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلَّي)). [فتح: ١/ ٥٢٧]
٤٣١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَ، ثُمَّ
قَالَ: ((أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْم قَطَّ أَفْظَعَ)). [انظر: ٢٩ - مسلم: ٩٠٧- فتح:
٥٢٨/١]
هذا التعليق أسنده البخاري في باب وقت الظهر عند الزوال كما
ستعلمه(١). ثم ساق من حديث عطاء، عن ابن عباس قَالَ: أَنْخَسَفَتِ
الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلِّ، ثُمَّ قَالَ: ((أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًّا
كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ)).
وهذا الحديث أخرجه في مواضع قريبا في الصلاة(٢)، والكسوف(٣)،
وبدء الخلق(٤)، (النكاح)(٥) مطولًا(٦)، ولم يعزه خلف في ((أطرافه))
إلى الصلاة، وعزاه إلى الباقي، وأخرجه مسلم (٧) والنسائي أيضا(٨)،
(١) سيأتي برقم (٥٤٠) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٨) كتاب: الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة.
(٣) سيأتي برقم (١٠٥٢) باب: صلاة الكسوف جماعة.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٠٢) باب: صفة الشمس والقمر.
(٥) تحرفت هذِه إلى (والذبائح)، واستدركناه من ((التحفة)) (٥٩٧٧).
(٦) كتاب: النكاح برقم (٥١٩٧) باب: كفران العشير.
(٧) مسلم (٩٠٧) كتاب: الكسوف، باب: ما عُرض على النبي ◌َّر في صلاة الكسوف
من أمر الجنة والنار.
(٨) النسائي ١٤٦/٣ - ١٤٨.

٤٨٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
وأبو داود مختصرًا، ولم يذكر أنه رأى النار(١)، ووقع في نسخة القاضي
أبي عمر الهاشمي عن عطاء، عن أبي هريرة (٢)، وهو وَهَمُ نبه عليه ابن
عساكر.
ثم الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
في مطابقة التبويب لما ذكره نظر؛ لأنه لم يفعل ذلك مختارًا، إنما
عرض له بذلك بغير إخباره لمعنى أراده الله بينها للنساء وغيرهن، نبه
على ذلك ابن التين، ثم الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة
إليه وقصد بها وجه الله تعالى خالصًا، ولا يضره استقبال شيء من
المعبودات وغيرها، كما لم يضر الشارع ما رآه في قبلته من النار، وقد
قال أشهب: وإن صلى إلى قبلة فيها تماثيل لم يعد، وهو مكروه(٣).
قال الإسماعيلي: ليس ما أراه الله من النار حين أطلعه عليها بمنزلة
نار يتوجه المرء إليها، وهي معبودة لقوم، ولا علم ما أُري؛ ليخبرهم بما
رآه فحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائمًا موضوعًا فجعله أمام
مصلاه وقبلته.
ثانیھا :
الخسوف(٤): بالخاء وبالكاف، وقيل: بالخاء للقمر، وبالكاف
للشمس، فعلى هذا يكون مستعارًا، وقيل: بالخاء إذا ذهب الضوء
كله، وبالكاف إذا ذهب بعضه.
(١) أبو داود (١١٨٩).
(٢) نبه على ذلك المزي في ((تحفة الأشراف)) ١٠٤/٥ (٥٩٧٧).
(٣) انظر: ((الصحاح)) ١٣٤٩/٤ - ١٣٥٠، مادة: (خسف).
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٢٢٤/١. وانظر: ((المدونة)) ٩٠/١.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد روى حديث صلاة الكسوف تسعة عشر نفسًا، جماعة بالكاف،
وجماعة بالخاء، وجماعة بهما، وقيل: بالكاف والخاء لهما.
وقد بوب البخاري على ذلك في بابه، والأحاديث دالة عليه، وقيل:
بالكاف تغيرهما، وبالخاء تغيبها في السواد، وحكم صلاة الكسوف يأتي
في بابها إن شاء الله.
ثالثها :
فيه: أن النار مخلوقة الآن، وقد أبعد من أنكر ذلك من المعتزلة،
ورآها رأي عين، كشف الله الحجب عنها فرآها معاينة، وكذا الجنة، كما
كشف الله له عن المسجد الأقصى، ويحتمل أن تكون رؤية علم ووحي
باطلاعه، وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك.
رابعها :
قوله: (أفظع) أي: فظيعًا، والفظيع: الشديد الشنيع ( ... )(١) وقيل:
أراد منظرًا أفظع منه فحذف منه، وهو كثير في كلامهم.
فائدة :
روي من حديث الحسن قال: حدثني سبعة رهط من الصحابة،
أحدهم: أبو هريرة أنه وُّمِ نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش (٢)
(١) كلمة غير واضحة في (س).
(٢) الحشّ بفتح الحاء وضمها: البستان أو المَخْرَج، جمعه حشوش وحُشّان،
وإنما سمي موضع الخلاء حشا بهذا لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في
البساتين.
أنظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبد القاسم ١٦٥/٢، ((الصحاح)) ١٠٠١/٣، ((لسان
العرب)» ٨٨٧/٢، مادة: حشش.

٤٨٩
= كِتَابُ الصَّلاةِ
أو حَمَّام أو مقبرة، أخرجه ابن عدي وضعفه(١)، وفيه آثار عن ابن
عباس (٢) وغيره(٣).
(١) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٥٣٩/٥.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤٠٥/١ (١٥٨٤- ١٥٨٥)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١٨٣/٢.
(٣) فمنهما أثر إبراهيم النخعي رواه عبد الرزاق ١/ ٤٠٥ (١٥٨٣)، وابن أبي شيبة ٢/
١٥٦ (٧٥٨١)، ومنها أثر علي رواه ابن أبي شيبة ١٥٦/٢ (٧٥٨٨)، ومنها أثر
عبد الله بن عمرو (٧٥٧٦)، ومنها أثر الحسن العرني (٧٥٧٧).

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٥٢- باب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ في المَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا
قُبُورًا)). [١١٨٧ - مسلم: ٧٧٧ - فتح: ١ /٥٢٨]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَىُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَائِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)).
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه في باب التطوع في البيت من أواخر الصلاة،
عن عبد الأعلى بن حماد، ثنا وهيب، عن أيوب وعبد الله، عن نافع به،
ثم قال: تابعه عبد الوهاب عن أيوب (١). وهذِه المتابعة ذكرها مسلم (٢)،
عن ابن مثنى، عن عبد الوهاب به(٣).
ثانیھا :
معنى الحديث: صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من
الصلاة، واعترض الإسماعيلي فقال: الحديث دال على النهي عن
الصلاة في القبر لا في المقابر؛ ولا طائل فيما قاله. واعترض ابن
التين أيضا فقال: تأول البخاري هذا على المنع منها في المقابر
وأُخِذَ عليه في هذا التأويل، وذلك أن جماعة تأولوا الحديث على أنه
(١) سيأتي برقم (١١٨٧) كتاب: التهجد.
(٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: أبو داود وابن ماجه من طريق يحيى
القطان عن عبيد الله.
(٣) مسلم (٢٠٩/٧٧٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في
بيته وجوازها في المسجد.

٤٩١
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
وير ندب إلى الصلاة في البيوت؛ إذ الموتى لا يصلون في قبورهم،
فقال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي القبور،
فأما جواز الصلاة في المقابر والمنع منه، فليس في الحديث ما يوجد
منه ذلك وبنحوه، ذكره ابن المنير فقال: دل الحديث على الفرق بين
البيت والقبر، فأمر بالصلاة في البيت وأن لا تجعل كالمقبرة، فأفهم
أن المقبرة ليست بمحل صلاة، وفيه نظر من حيث أن المراد بقوله
((لا تتخذوها قبورًا)) لا تكونوا فيها كالأموات في القبور انقطعت
عليهم الأعمال وارتفعت التكاليف، وهو غير متعرض لصلاة الأحياء
في ظواهر المقابر؛ ولهذا قال: ((ولا تتخذوها قبورًا)) ولم يقل مقابر؛
لأن القبر هو الحفرة التي يستر بها الميت، والمقابر اسم للمكان
المشتمل على الحفرة وما ضمت(١).
وقال ابن المنذر: احتج من كره الصلاة في المقابر بهذا الحديث،
فإنه دال على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وللعلماء في معنى
الحدیث قولان:
أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة دون الفريضة؛ لأنه ◌َله قد سن
الصلوات في جماعة كما هو مقرر، وتكون (من) هنا زائدة، كأنه
قال: أجعلوا صلاتكم النافلة في بيوتكم، كقوله: ما جاءني من أحد،
وأنت تريد ما جاءني أحد، وإلى هذا الوجه ذهب البخاري.
وقد روي ما يدل عليه، روى الطبري من حديث عبد الرحمن بن
سابط عن أبيه، يرفعه: ((نوروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة
القرآن، ولا تتخذوها قبورًا كما أتخذها اليهود والنصارى، فإن البيت
(١) ((المتواري)) ص ٨٤ - ٨٥.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة،
وتدحض عنه الشياطين، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيق
على أهله، ويقل خيره، وتنفر منه الملائكة، ويحضر فيه الشيطان))(١).
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتطوعون في
المسجد، منهم: حذيفة(٢)، والسائب بن يزيد(٣)، والنخعي (٤)،
والربيع بن خثيم(٥)، وسويد بن غفلة(٦).
والثاني: أنه ورد في صلاة الفريضة، ليقتدي به من لا يستطيع
الخروج إلى المسجد ممن يلزمه تعليمهم، وتكون (من) هنا للتبعيض،
ومن صلى في بيته جماعة فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها. روى
حماد عن إبراهيم قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهما
التضعيف خمسًا وعشرين درجة(٧).
وروي أن أحمد بن حنبل وإسحاق وعلي بن المديني أجمعوا في دار
أحمد فسمعوا النداء، فقال أحدهم: أخرج بنا إلى المسجد، فقال
أحمد: خروجنا إنما هو للجماعة، ونحن في جماعة، فأقاموا
الصلاة، وصلوا في البيت.
(١) لم أقف عليه، وإنما وجدته من حديث أبي هريرة وأنس معًا برواية الديلمي عن أبي
نعيم معلقًا كما في ((الفردوس بمأثور الخطاب)) ٤/ ٢٤٥ (٦٧٢٥)، وذكره الهندي
في («كنز العمال)) ٣٩٤/١٥ (٤١٥٢٦)، وعزاه لأبي نعيم من حديث أنس وأبي
هريرة معًا. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٦٩٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٢ (٦٣٦٣).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٦٣٦٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٦٣٦٤).
(٥) رواه عبد الرزاق ٧١/٣ (٤٨٤٠)، وابن أبي شيبة ٥٢/٢ (٦٣٦٥).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٥٣/٢ (٦٣٦٨).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢٦٥/٢ (٨٨١٢).

٤٩٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
وقد اختلف العلماء في الصلاة في المقبرة، فروي عن عمر(١)
وعلي (٢) وابن عباس(٣) وابن عمر(٤) أنهم كرهوا الصلاة فيها، وروي
عن عطاء(٥) والنخعي(٦)، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والشافعي(٧)،
واختلف فيها عن مالك، فقال مرة: لا أحبها، وقال مرة: لا بأس بها(٨).
وكل من كره الصلاة من هؤلاء لا يرى على من صلى فيها إعادة،
وقال أحمد وأهل الظاهر: لا يجوز الصلاة فيها (٩)، وقد روي حديث:
((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». رواه أبو داود والترمذي
وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم(١٠)، ولا عبرة بما طعن فيه
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٥ (٧٥٧٤ - ٧٥٧٥)، والبيهقي ٢/ ٤٣٥، وقد سبق تخريجه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٥٦/٢ (٧٥٨٨)، وقد سبق.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤٠٥/١ (١٥٨٤ - ١٥٨٥)، وقد سبق.
(٤) ما وقفت عليه لعبد الله بن عمرو وليس ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٥ (٧٥٧٦).
(٥) رواه عبد الرزاق ٤٠٤/١ (١٥٧٩ - ١٥٨٠).
(٦) رواه عبد الزراق ٤٠٥/١ (١٥٨٣)، وابن أبي شيبة ١٥٦/٢ (٧٥٨١) بلفظ: عن
إبراهيم قال: كانوا يكرهون ثلاث أبيات للقبلة: الحش، والمقبرة، والحمام.
(٧) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١١٥/١، ((الأم)) ٩٢/١، ((روضة الطالبين)) ٢٧٩/١.
(٨) ((المدونة)) ٩٠/١،))التفريع)) ٢٦٧/١.
(٩) («المغني)) ٤٦٨/٢، ((المحلى)) ٢٨/٤.
(١٠) رواه من حديث أبي سعيد الخدري أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧).
وابن ماجه (٧٤٥)، وأحمد ١٣/٣، الدارمي ٨٧٤/٢ (١٤٣٠)، وصححه ابن
خزيمة ٧/٢ (٧٩١ - ٧٩٢)، وابن حبان ٥٩٨/٤ (١٦٩٩)، والحاكم ٢٥١/١.
وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثوري، عن عمرو بن
يحيى، عن أبيه، عن النبي ◌َّله: مرسلًا. ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن
يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّ. ورواه محمد بن إسحاق، عن
عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي وَّ. ولم
یذکر فیه عن أبي سعيد عن النبي آل﴾. و کان رواية الثوري عن عمرو بن يحيى، عن
أبيه، عن النبي ◌َّلهم أثبت وأصح مرسلًا. انتهى كلام الترمذي.
=

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٠٠
ورواه ابن حزم ٢٧/٤، والبيهقي ٤٣٤/٢. وقال: حديث الثوري مرسل، وقد
==
روي موصولًا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على
وصله عبد الواحد بن زياد والدراوردي.اهـ وساق هذه الطرق.
وعلق ابن التركماني على قول البيهقي: (وقد روي موصولًا وليس بشيء). قال:
إذا وصله ابن سلمة وتوبع على وصله من هذه الأ وجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما
وجه قول البيهقي: (وليس بشيء).
وقال ابن حجر في ((النكت الظراف)» (٤٤٠٦): التحقيق أن رواية الثوري ليس فيها
(عن أبي سعيد). قلت: يؤيد ذلك رواية يزيد، عن سفيان عند أحمد ٨٣/٣.
وفصل القول في هذا الحديث العلامة أحمد شاكر في تعليقه على قول الترمذي
عقب روايته للحديث حيث قال: وخلاصة القول في هذا الحديث: أن الترمذي
يحكم عليه بالاضطراب من جهة إسناده، ويعلله من جهة متنه بالحديث الآخر
الصحيح: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)). أما هذا التعليل فإنه غير جيد؛
لأن الخاص- وهو حديث أبي سعيد- مقدم على العام ولا ينافيه، بل يدل على
إرادة استثناء المقبرة والحمام.
وأما الإسناد فإنه قد اختلف فيه، فرواه بعضهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن
النبي وَ﴾، مرسلًا، ورواه بعضهم عن عمرو، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي
وَالرِ موصولًا. فأراد الترمذي أن يشير إلى بعض هذِه الأسانيد، وحكم بأنه
مضطرب لهذا.
وتجد أسانيده في ((السنن الكبرى)) للبيهقي. ورواه ابن حزم في ((المحلى)). من
طريق حماد بن سلمة ومن طريق عبد الواحد بن زياد؛ كلاهما عن عمرو بن يحيى،
موصولًا. ورواه الدارمي، والحاكم، والشافعي في ((الأم))، عن سفيان بن عيينة،
عن عمرو، مرسلًا. ورواه أيضًا البيهقي من طريق يزيد بن هارون، عن الثوري،
موصولًا.
ثم قال: (حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا، وليس بشيء، وحديث
حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد والدراوردي).
يعني: عبد العزيز بن محمد. ولا أدري كيف يزعم الترمذي ثم البيهقي أن الثوري
رواه مرسلًا في حين أن روايته موصولة أيضًا؟! ثم الذي وصله عن الثوري، هو =

٤٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
بالإرسال، وانتصر ابن حزم لذلك(١).
وحديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن منها (هما)(٢) ضعفه
الترمذي وغيره(٣).
يزيد بن هارون، وهو حجة حافظ. وأنا لم أجده مرسلًا من رواية الثوري، إنما
=
رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة، فلعله اشتبه عليهم سفيان بسفيان !! ثم ماذا
يضر في إسناد الحديث أن يرسله الثوري - أو ابن عيينة- إذا كان مرويًّا بأسانيد
أخرى صحاح موصولة، المفهوم في مثل هذا أن يكون المرسل شاهدًا للمسند
ومؤيدًا له.
وقد ورد من طريق أخرى ترفع الشك، وتؤيد من رواه موصولًا، وهي في
((المستدرك)) للحاكم من طريق بشر بن المفضل: (ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن
عمارة الأنصاري -وهو والد عمرو بن يحيى- عن أبي سعيد الخدري) مرفوعًا،
ولذلك قال الحاكم بعد أن رواه بهذِه الطريق ومن طريق عبد الواحد بن زياد
والدراوردي؛ كلهم عن عمرو، عن أبيه: (هُذِه الأسانيد كلها صحيحة على شرط
البخاري ومسلم). ووافقه الذهبي، وقد صدقا.
ثم أن رواية سفيان بن عيينة المرسلة، ليس قولًا واحدًا بالإرسال، بل هي تدل على
أنهم كانوا يروونه تارة بالإرسال وتارة بالوصل؛ لأن الشافعي بعد أن رواه عنه
مرسلًا قال: وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما: منقطع،
والآخر: عن أبي سعيد، عن النبي ◌ٍَّ. وهذا عندي قوة للحديث، لا علة له. ثم
قال الشافعي في معنى الحديث: وبهذا نقول، ومعقول أنه كما جاء في الحديث،
ولو لم يبينه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة؛ لأن المقبرة مختلطة
التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم، وذلك ميتة. وأن الحمام ما كان
مدخولًا -: يجري عليه البول والدم والأنجاس .
(١) انظر: ((المحلى)) ٢٨/٤ - ٢٩.
(٢) أي: المقبرة والحمام.
(٣) رواه من حديث ابن عمر الترمذي (٣٤٦، ٣٤٧)، وابن ماجه (٧٤٦)، وعبد بن
حميد (٧٦٣). وقال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي. ورواه من حديث عمر بن
الخطاب ابن ماجه (٧٤٧).
==

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وحجة من أجاز عموم الحديث الصحيح: ((جعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركتك الصلاة فصلٍّ))(١).
قال مالك: وبلغني أن بعض الصحابة كان يصلي في المقابر(٢).
وحكى ابن المنذر أن واثلة بن الأسقع كان يصلي فيها غير أنه
لا يستتر بقبر (٣)، وصلى الحسن البصري في المقابر(2).
قال ابن حجر في ((التلخيص)) ٢١٥/١ (٣٢٠): في سند الترمذي زيد بن جبيرة،
=
وهو ضعيف جدًّا، وفي سند ابن ماجه عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري
المذكور في سنده ضعيف أيضًا، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين
الليث ونافع، فصار ظاهر الصحة، وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: هما
جميعًا واهيان، وصححه ابن السكن وإمام الحرمين.اهـ وضعفه الألباني في
((الإرواء)) (٢٨٧).
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) ١٨٥/٢.
(٣) ((المدونة)) ١/ ٩٠.
(٤) ((الأوسط)) ١٨٥/٢، ورواه ابن أبي شيبة ١٥٦/٢ (٧٥٨٤) عن يونس عنه في
الرجل تدركه الصلاة في المقابر. قال الحسن: يصلي.

٤٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
٥٣- باب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالْعَذَاب
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا ﴿ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ.
٤٣٣ - حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِینَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء
المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ،
لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)). [٣٣٨٠، ٤٤١٩،٣٣٨١، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢ - مسلم: ٢٩٨٠ - فتح: ١ / ٥٣٠]
هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا سفيان، ثنا عبد الله بن
شريك، عن عبد الله بن أبي المحل العامري قال: كنا مع علي فمررنا
على الخسف الذي ببابل، فلم يصل حتى أجازه(١)، وعن حجر بن
عنبس الحضرمي، عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف
الله تعالى بها ثلاث مرار(٢).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٥٤/٢ (٧٥٥٧) ووقع في المطبوع منه: إسقاط وكيع في
الموضع الأول، ولفظه: حدثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن شريك، عن ابن أبي
المحل أن عليًّا مرَّ بجانب من بابل فلم يصلِّ بها.
وفي الموضع الآخر بإسقاط عبد الله بن شريك برقم (٧٥٥٦)، ولفظه: حدثنا
وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي المحل، عن عليّ أنه كره الصلاة في
الخسوف. ورواه عبد الرزاق ٤١٥/١ (١٦٢٣) بلفظ أقرب إلى لفظ المصنف،
ولفظه: مررنا مع عليٍّ بالخسف الذي ببابل، فكره أن يصلّي فيه حتى جاوزه.
(٢) لم أقف عليه مسندًا متصلًا، وما حكاه البيهقي بلفظ المصنف ٤٥١/٢، ورواه ابن
عبد البر معلقًا وحسنه في ((التمهيد)) ٢٢٤/٥، قال: رواه أبو نعيم الفضل بن دكين،
قال: حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي، قال: حدثني أبو العنبس حجر بن
عنبس، قال: خرجنا مع عليّ إلى الحرورية فلما جاوزنا سورًا وقع بأرض بابل،
قلنا: يا أمير المؤمنين، أمسيت، الصلاة، الصلاة، فأبى أن يكلم أحدًا، قالوا:
يا أمير المؤمنين، أليس قد أمسيت؟ قال: بلى، ولكني لا أصلي في أرض خسف
الله بها. وحسنه أيضًا ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٢٣١/٢.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال البيهقي: وهذا النهي إن ثبت مرفوعًا، فليس لمعنى يرجع إلى
الصلاة؛ إذ لو صلى فيها لم يعد، وإنما هو كما جاء في قصة الحجر(١).
ورواه أبو داود من حديث أبي صالح الغفاري -واسمه سعيد بن
عبد الرحمن- أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة
العصر فلما برز منها أمر المؤذن فأقام، فلما فرغ من الصلاة قال: إن
حبيبي ◌َّ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض
بابل؛ فإنها ملعونة (٢)، وهو حديث واهٍ، قال ابن يونس: ما أظن أن
أبا صالح سمع من علي، وقال عبد الحق: حديث واه(٣).
وقال ابن القطان: في سنده رجال لا يعرفون(٤). وقال البيهقي في
((المعرفة)): إسناده غير قوي(٥).
وقال الخطابي: في سنده مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرم
الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح، وهو قوله تليفون:
((جعلت لي الأرض مسجدًا))(٦).
ويشبه - إن ثبت الحديث- أن يكون نهاه أن يتخذها وطنًا ومقامًا،
كأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها، وهذا من باب التعليق في علم
البيان، ولعل النهي له خاصة، ألا تراه قال: نهاني، ولعل ذلك إنذار
منه مما لقي من المحنة بالكوفة، وهي من أرض بابل(٧).
(١) ((السنن الكبرى)) ٤٥١/٢.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٩٠ - ٤٩١). قال ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ٥٣٠: في إسناده
ضعف. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٧٦ - ٧٧).
(٣) ((الأحكام الوسطى)) ٢٨٩/١.
(٤) ((بيان الوهم والإيهام)) ١٤٥/٣ - ١٤٨ (٨٥٥).
(٥) ((معرفة السنن والآثار)) ٤٠٢/٣.
(٦) سبق تخريجه في شرح حديث (٤٢٦). (٧) ((معالم السنن)) ١٢٧/١.

٤٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
فائدة :
بابل بالعراق مدينة السحر والخمر معروفة، قاله البكري، ونقل عن
أصحاب الأخبار أنه بناها النمروذ الخاطئ النذل ببابل طوله في السماء
خمسة آلاف ذراع، وهو البنيان الذي ذكره الله في كتابه العزيز بقوله :
﴿فَأَنَ اَللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ اُلْقَوَاعِدِ﴾ الآية، وبات الناس ولسانهم سرياني،
فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانًا كل يتبلبل
بلسانه، فسميت بابل. وذكر الهمذاني أن سنان بن عمران العمليقي
أول الفراعنة تملك في الإقليم الأوسط في حصنه المشترى، وولايته
وسلطانه بأرض السواد، واشتق اسم موضعه من اسم المشتري،
وبابل باللسان الأول ترجمة المشتري بالمعجمة قال: وربما سموا
العراق بابلًا(١).
وقال الأخفش فيما نقله الصاغاني: وبابل لا ينصرف لتأنيثه؛ وذلك
أن كل اسم مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف فإنه لا ينصرف في اللغة
وقال الحازمي: قيل لأبي يعقوب الإسرائيلي : -وكان قد قرأ الكتب-
ما بال بغداد لا نرى فيها إلا مستعجلًا؟ قال: إنها قطعة من أرض
بابل فهي تبلبل أهلها.
ثم قال البخاري:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِینَارٍ ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء
المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا
عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)).
(١) ((معجم ما استعجم)) ٢١٩/١. وانظر: ((معجم البلدان)) ٣٠٩/١ - ٣١١.

٥٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في المغازي في باب نزول النبي
*- الحجر (١)، وقد أخذ على البخاري في قوله: (نزوله ◌َّ في
الحجر)، وفي (الصحيح)): مر به مسرعًا، كما ستعلمه هناك(٢)،
وأخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء(٣)، والتفسير(٤)، وأخرجه مسلم في
(٥)(٦)
أواخر كتابه(٥)(٦).
ثانیھا :
هذا القول قاله لما مر بالحجر كما جاء في بعض الروايات في
البخاري في المغازي(٧)، وكان ذلك في طريقه إلى تبوك في رجب
سنة تسع من الهجرة، وقال هنا: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين))
وفي أخرى: ((على هؤلاء القوم))(٨). وفي أخرى: ((هؤلاء الذين
ظلموا أنفسهم))(٩).
وإنما قال هنا: ((لا تدخلوا)) من جهة ذلك التشاؤم بتلك البقعة التي
نزل بها السخط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِى مَسَكِنِ
(١) سيأتي برقم (٤٤١٩ - ٤٤٢٠).
(٢) سيأتي برقم (٤٤١٩).
(٣) سيأتي برقم (٣٣٨٠ - ٣٣٨١، باب: قول الله تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً﴾.
(٤) سيأتي برقم (٤٧٠٢) باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
(٥) في هامش (س): من خط الشيخ: ذكره النسائي في التفسير وأهمله ابن عساكر.
(٦) مسلم (٢٩٨٠) كتاب: الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا
أنفسهم إلا أن تكونوا باکین.
(٧) سيأتي برقم (٤٤١٩).
(٨) ستأتي برقم (٤٧٠٢)، ورواها مسلم (٢٩٨٠).
(٩) ستأتي برقم (٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ورواها مسلم (٣٩/٢٩٨٠).