النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كِتَابُ الصَّلاةِ
=
ثانیھا :
صلاة الغداة، فيه جواز تسميتها بذلك، وكرهه بعض أصحابنا(١).
ثالثها :
قوله: (وأنا رديف أبي طلحة) فيه: الإرداف إذا كانت مطيقة، وفيه
غير ما حديث، وفيه جزء لابن منده الحافظ، كما تقدم.
رابعها :
قوله: (فأجرى نبي الله وَالر في زقاق خيبر) فيه: جواز مثل ذلك،
ولا تنخرم به المروءة، لا سيّما عند الحاجة أو الرياضة أو للتدريب
على القتال.
خامسها :
قوله: (ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه)
فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة، وقد يجاب عنه: بأنه كان للزحمة
أو للإجراء من غير قصد لذلك، ورفع نظر أنس عليه فجأة لا قصدًا،
وكذا يجاب بهذا عن حديث عبد الله بن عمر، وفي ابن ماجه: وجاء
النبي ولو مسرعًا قد حفزه النفس، وقد حسر عن ركبتيه، فقال:
((أبشروا .. )) الحديث(٢).
وحاصل ما في عورة الرجل عندنا خمسة أوجه(٣):
(١) في هامش الأصل بخط ناسخها: قال النووي في ((الروضة)) [١/ ١٨٢]: من بابه:
الاختيار أن يقال للصبح: الفجر، أو الصبح وهما أولى من الغداة، ولا تقول:
الغداة مكروه.اهـ
(٢) ابن ماجه (٨٠١) وقال البوصيري في ((الزوائد)) ١٣٦/١ هذا إسناد صحيح رجاله
ثقات، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٦٦١).
(٣) انظر: ((البيان)) ١١٧/٢، ((المجموع)) ١٧٣/٣ - ١٧٦.

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أصحها: وهو المنصوص أنها ما بين السرة والركبة، وليسا عورة،
وهو صحيح مذهب أحمد بن حنبل(١)، وقال به زُفَر ومالك(٢)، قال
المهلب: قولهم: الفخذ عورة على معنى القرب والمجاوزة سدًّا
للذريعة.
وثانيها: أنهما عورة، كالرواية عن أبي حنيفة(٣).
وثالثها : السرة دون الركبة.
رابعها: عكسه، وعلل صاحب ((المفيد)) من الحنفية بأن الركبة مركبة
من عظم الفخذ والساق، فغلب الحظر أحتياطًا.
خامسها: للاصطخري: القبل والدبر فقط، وهو شاذ، ورواية عن
أحمد حكاها عنه في ((المغني)) قال: وهو قول ابن أبي ذئب،
وداود(٤)، ومحمد بن جرير، وابن حزم(6)، واستدل بهذا الحديث.
وقال: لو كانت عورة لما كشفها الله من رسوله المطهر المعصوم من
الناس، ولا أراها أنسًا ولا غيره وهو تعالى عصمه في حال صباه حين
نقله الحجارة إلى الكعبة، أي: كما تقدم.
ثم ذكر حديث أبي العالية في مسلم قال: ضرب عبد الله بن الصامت
فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضربت فخذك،
وقال: إني سألت رسول الله كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت
(١) أنظر: ((المحرر)) ٤١/١.
(٢) انظر: ((التفريع ٢٤٠/١، ((الإشراف)) ٩٠/١.
(٣) انظر: ((الهداية)) ٤٧/١، ((شرح فتح القدير)) ٢٢٤/١.
(٤) انظر: ((المغني)) ٢٨٤/٢.
(٥) («المحلى)) ٢١٠/٣.

٣٢٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
فخذك وقال: ((صل الصلاة لوقتها)) (١) الحديث، فلو كانت الفخذ عورة
لما مسها الشارع من أبي ذر ولا الباقي إذ لا يحل لمسلم أن يضرب
بيده على ذكر إنسان على الثياب ولا حلقة دبره على الثياب، وعلى
بدن أمرأة أجنبية على الثياب البتة، وقد منع الشارع القود من
الكسعة، وهو ضرب بين الإليتين على الثياب بباطن القدم، وقال:
(دعوها فإنها منتنة)) (٢)
ثم وهّم الأخبار الواردة بأنها عورة، وقد سلفت مناقشته في ذلك.
وفي ((صحيح مسلم)) أن حمزة صعَّد النظر إلى ركبتي النبي بَّ، ثم
صعَّد النظر إلى سرته(٣).
وفي أبي داود: أنه رَّ احتجم على وركه من وثء(٤) كان به(٥)،
فلو كان الورك عورة لما كشفها للحجام.
قلت: ذلك للضرورة وهو جائز. قال ابن حزم: وقولنا هو قول
الجمهور كما روينا عن جبير بن الحويرث قال: رأيت الصديق واقفًا
على قُزح يكلّم الناس، وإني لأنظر إلى فخذه قد أنكشف (٦).
(١) مسلم (٢٤٢/٦٤٨) كتاب: المساجد، باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها.
(٢) سيأتي برقم (٤٩٠٥) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ
أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾.
(٣) مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر ... وهو في البخاري أيضًا
كما سيأتي برقم (٣٠٩١) كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس. بهذا
الشاهد بعينه.
(٤) وهو أن يصيب العظم وصم لا يبلغ الكسر. ((الصحاح)) ١/ ٨٠.
(٥) أبو داود (٣٨٦٣)، وصححه ابن خزيمة (٢٦٦٠).
(٦) رواه الشافعي في ((مسنده)) ترتيب سنجر ٢٧٨/٢ (١٠٠٩)، وابن أبي شيبة في
((مصنفه)) ٢٣٧/٣ (١٣٨٨)، والبيهقي ١٢٥/٥.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي البخاري(١): أتى أنس إلى ثابت بن قيس بن شماس، وقد حسر
عن فخذيه(٢).
وفيه أيضًا من حديث أبي الدرداء: كنت جالسًا عند رسول الله إذ
أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال وَلّ: ((أما
صاحبكم فقد غامر)»(٣) وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي هريرة أنه
قال للحسين، وفي رواية: الحسن: ارفع قميصك عن بطنك حتى
أُقَبَّل حيث رأيت رسول الله وَّر يقبل فرفع قميصه، فقبل سرته (٤).
قلت: وأما حديث إنما تحت السرة إلى الركبة من العورة(٥)،
وحديث: ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة(٦)،
(١) سيأتي برقم (٢٨٤٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: التحفظ عند القتال.
(٢) («المحلى)) ٢١٥/٣ - ٢١٦.
(٣) سيأتي برقم (٣٦٦١) كتاب: فضائل الصحابة.
(٤) أحمد ٢/ ٤٢٧.
(٥) رواه أبو داود بن سوار أو سوار بن داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيهن عن جده،
عن النبي ◌َّ قال: ((إذا زوج أحدكم خادمه خيره أو أجبره فلا ينظر إلى ما دون
السرة وفوق الركبة)). وقال أبو داود: وصوابه سوار بن داود المزني الصيرفي، وهم
فيه وكيع. ورواه أحمد مطولًا بنحوه ٢/ ١٨٧، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٢/
١٦٨، والدارقطني في ((سننه)) ٢٢٩/١، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦/١٠، والبيهقي
في ((سننه)) ٢٢٩/٢ وقال: وقد قيل عن سوار، عن محمد بن جحادة، عن عمرو،
وليس بشيء. والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٧٨/٢.
وقال النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٢٥٢ (٦٨٧) رواه أبو داود بإسناد حسن.
وحسنه العلامة الألباني كما في «الإرواء)) (٢٤٧، ٢٧١)، ((تمام المنة)) ١٦٠/١
فانظرهما.
(٦) رواه الدارقطني في ((سننه)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠، والبيهقي في ((سننه)) ٢٢٩/١ من
حديث أبي، وقال: سعيد بن أبي راشد البصري ضعيف. وقال الحافظ في
((الدارية)) أيوب: ١٢٣/١: إسناده ضعيف، وقال فى ((التلخيص)) ٢٧٩/١ : =

٣٢٥
- ڪِتَابُ الصَّلَاةِ
وحديث: عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته(١)، وحديث ما بين السرة
والركبة عورة(٢)، وحديث السرة عورة(٣)، فلا يقاوم ما في الصحيح؛
لاشتمال بعضها على ضعف وبعضها على إعضال، ومن الغريب قول
الأوزاعي الفخذ عورة إلا في الحمام(٤).
وقول ابن بطال: أجمعوا أن من صلى مكشوف الفخذ لا إعادة
عليه(٥). مراده: أهل مذهبه، وقال القرطبي: يرجح حديث جرهد تلك
الأحاديث -يعني: المعارضة- له قضايا معينة في أوقات وأحوال
مخصوصة يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق بحديث جرهد، فإنه
= وإسناده ضعيف، فيه عباد بن كثير، وهو متروك. وقال الألباني في ((الإرواء)) ١/
٣٠٢: ضعيف جدًّا.
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) ص٥٦ (١٣٨): وفيه شيخ
الحارث: داود بن المحبر، عن عباد بن كثير، عن أبي عبد الله الشامي عن عطاء،
عن أبي سعيد، وهو سلسلة ضعفاء إلى عطاء. وأورده صاحب («كنز العمال))
(١٩١٠)، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) (٨٢٦٣) وعزياه إلى سمويه. وضعفه
الألباني كما في ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٨٢٦).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٦٨/٣ من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب،
والطبراني في ((المعجم الصغير)) ٢٠٥/٢ (١٠٣٣) وسكت عنه الحاكم، وقال
الذهبي في ((التلخيص)) ٥٦٨/٣: أظنه موضوعًا فإسحاق متروك وأصرم متهم
بالكذب. وقال المصنف في ((البدر المنير)) ١٥٩/٤ : حديث منكر.
(٣) لم أقف عليه مسندًا وإنما ذكره الزيلعي وإنما ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ١/
٢٩٧، والحافظ في ((الدراية)) ١٢٣/١: وعزياه للبيهقي في ((خلافياته)). وقالا:
معضل مرسل: وقال ابن فرج الإشبيلي في ((مختصر خلافيات البيهقي)) ٢/ ١٥٢ :
وهذا لا تقوم به حجة لانقطاعه عما دون التابعين.
(٤) في هامش الأصل بخط ناسخها كلام : ... هما عن الأوزاعي نقله ... ((شرح
المنهاج)) كما أفاده المؤلف.
(٥) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٣٢/٢.

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أعطى حكمًا كليا فكان أولى ببيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية
الشارع بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في
ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه أنه عورة.
سادسها :
قوله: ( ((الله أكبر))) فيه استحباب الذكر والتكبير عند الحرب، وهو
موافق لقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَفِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].
سابعها :
قوله: ( ((خربت خيير)) ) أي: صارت خرابا، وقيل: ذلك على سبيل
الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو على جهة الدعاء
عليهم على جهة التفاؤل، لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم،
وذلك من آلات الخراب والحرب، والأول أولى كما قال القرطبي(١)
لقوله: ((إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)). ويجوز أن يكون
أخذه من أسمها، وقيل(٢): إن الله أعلمه بذلك.
والساحة الناحية والجهة والفناء، وأصلها الفضاء بين المنازل،
وفيه: جواز الاستشهاد في مثل هذا السياق بالقرآن، ولذلك نظائر
منها: فجعل يطعن في الأصنام ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل))
ويكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات والمزح
ولغو الحديث، وساء: من السوء. والمنذر: من أبلغ الإنذار وهو
التخويف بالإخبار عن المكروه.
(١) ((الجامع لأحكام القرطبي)) ١٤٠/١٥.
(٢) في هامش الأصل بخط ناسخها: هو القول الأول.

٣٢٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
ثامنها :
قوله: قالها ثلاثا يؤخذ فيه أن الثلاث كثير من قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
تاسعها :
قوله: قال عبد العزيز(١): هو ابن صهيب(٢) السالف في إسناده،
والخميس يعني: الجيش، يجوز رفع الخميس عطفًا على قولهم:
محمد، ونصبه على أنه مفعول معه، وسمي الجيش خميسًا؛ لأنه
يقسم خمسة أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والجناحان،
وقيل: المقدمة، والساقة، وقيل: لأنه يخمس ما وجده، قاله ابن
سيده(٣). وعبارة الهروي: لأنه يخمس الغنائم، وضعفه الأزهري بأن
هذا الاسم كان معروفًا في الجاهلية، ولم يكن لهم تخميس.
عاشرها :
قوله: (فأصبناها عنوة): هو بفتح العين، أي: قهرًا لا صلحًا،
يعني: أول حصونهم، وبعض حصونها أصيب صلحًا، وقال ابن
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ الحديث: قال عبد العزيز: قال بعض أصحابنا :
والخميس: الجيش، فاعله.
(٢) هو عبد العزيز بن صهيب البناني مولاهم البصري الأعمى. قال محمد بن سعد:
كأن يقال له: العبد، روى عن أنس بن مالك، شهر بن حوشب، وعبد الواحد
البناني وآخرون، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، وإسماعيل بن علية، وأبو عوانة
وآخرون. قال شعبة: عبد العزيز أحب إلي في أنس من قتادة. وقال أحمد: ثقة ثقة.
وقال: عبد العزيز أوثق من يحيى، عبد العزيز من الثقات، وقال يحيى بن معين:
ثقة ومات سنة ثلاثين ومائة. وانظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٢٤٥/٧، ((علل
أحمد)» ١٢٩/١ - ١٣٠، ((الثقات)) ١٢٣/٥، ((تهذيب الكمال)) ١٤٧/١٨.
(٣) ((المحكم)) ٥٧/٥.

٣٢٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن
القزاز في «جامعه».
قلت: هو إذن من الأضداد، قال ثعلب: أخذت الشيء عنوة أي:
قهرًا في عنف، وأخذته عنوة أي: صلحًا في رفق. قال أبو عمر:
والصحيح في أرض خيبر كلها عنوة مغلوب عليها بخلاف فدك(١). وقال
المنذري: اختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحًا أو جلا أهلها
عنها بغير قتال أو بعضها صلحًا وبعضها جلا عنه أهله. قال: وهذا هو
الصحيح وعليه تدل السنن الواردة، ويندفع التضاد عن الأحاديث.
وسنذكر ذلك إن شاء الله بشواهده في ذكر خيبر وفي كتاب النكاح.
الحادي عشر:
دحية بفتح الدال وكسرها. وصفية قيل: كان اسمها قبل السبي
زينب، فسمت بعد السبي والاصطفاء صفية، والصحيح أن هذا اسمها
قبله، ووالدها: حيي بضم الحاء المهملة وكسرها.
الثاني عشر:
ظن بعضهم أن استرجاع الشارع صفية من دحية بعد أن أعطاها له
كان هبة منه لها، فاستشكل عليه استرجاعه لها فأخذ يعتذر عنه بأعذار
ولا يحتاج إليه، وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الثابتة أن
صفية إنما صارت لدحية في مقسمه، وأنه * اشتراها منه بسبعة
أرؤس(٢)، وقوله: ( ((خذ جارية من السبي)) ) يتبع قوله: إنها صارت
(١) ((الدرر في اختصار المغازي والسير)) ص٢٠٤.
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ١/ ٤١١، ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٢٣١/٩ والحديث
بهُذِه الرواية عند مسلم (٨٧/١٣٦٥) كتاب: النكاح، بابك فضيلة إعتاقه أمته ثم
یتزوجها.

٣٢٩
= ڪِتَابُ الصَّلَاةِ
إليه في مقسمه، تقديره: أنه إنما أراد: خذ بطريق القسمة، وفهم دحية
ذلك بقرائن، أو التصريح لم ينقله الرواي، فلم يأخذها إلا بالقسمة،
ثم إن الشارع حصل عنده ما حصل أنها لا تصلح له من حيث أنها
من بيت النبوة، وأنها من ولد هارون، ومن بيت الرياسة، فإنها من
بيت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال المراد لكمال
اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال
الولد لا الشهوة النفسانية، فإنه معصوم.
وقال النووي عن المازري وغيره: يحتمل ما جرى مع دحية وجهين :
أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه، وأذن له في غيرها.
والثاني: أنه أذن له في جارية من حشو السبي لا أفضلهن، فلما رأى
الشارع أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا وشرفًا وجمالًا آثر ضمها؛ لئلا
يتميز دحية بها وينتهك مرتبتها، فقطع الشارع هذِه المفاسد، وعوضه،
كما جاء في رواية أخرى: أنها وقعت في سهمه، فاشتراها الشارع
بسبعة أرؤس، والمراد: حصلت بالإذن في أخذ جارية ليوافق باقي
الروايات، فأعطاه بدلها سبعة أرؤس تطبيبًا لقلبه لا أنه جرى عقد
بيع، ثم هذا الإعطاء لدحية محمول على التنفيل. فإن قلت: إنه من
أصل الغنيمة. فظاهر، وإن قلت: إنه من تخميس الخمس يكون هذا
منه بعد أن ميز أو قبله، ويحسب منه. قال: وهذا الذي ذكرناه هو
الصحيح المختار، وحكى القاضي معنى بعضه، ثم قال: والأولى
عندي أن صفية كانت فيئا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو
وأهله من بني أبي الحُقَيْق كانوا صالحوا رسول الله وَّل، وشرط
عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وسألهم عن كنز
حيي بن أخطب فكتموه وقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فانتقض عهدهم فسباهم. ذكر ذلك أبو عبيد وغيره، فصفية من سبيهم،
فهى فيء لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ما رأى. وهذا تفريع منه على
مذهبه أن الفيء لا يخمس، ومذهبنا أنه يخمس كالغنيمة (١).
الثالث عشر:
قوله: (فأعتقها النبي ◌َّالله وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة!
ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها). فيه: استحباب عتق
السيد أمته ويتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما أخرجاه(٢) من
حديث أبي موسى كما سيأتي(٣) إن شاء الله.
قال ابن حزم: أتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه
التّ أعتقها، وجعل عتقها صداقها، قال قتادة في رواية: ثم جعل (٤)،
فأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره،
وتبعهم ابن حزم فقال: هو سنة فاضلة، ونكاح صحيح، وصداق
صحيح، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة ولا يرجع عليها بشيء،
ولو أبت أن تزوجه بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر، قال
(١) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٩/ ٢٢٠-٢٢٢، وانظر: ((إكمال المعلم بفوائد
مسلم ٤ / ٥٩٢.
(٢) سيأتي برقم (٢٥٤٤) كتاب: العتق، باب: فضل من أدب جاريته وعلمها. وقد *
سلف برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله. ومسلم (١٥٤)
كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد نَّ ه إلى جميع
الناس ... )).
(٣) وقع في الأصل فوق كلمة: أخرجاه رمز (د، س) إشارة إلى أبي داود والنسائي وقد
وقع عندهما حديث أبي موسى بالفعل بلفظ: ((من أعتق جاريته وتزوجها كان له
أجران))، أبو داود (٢٠٥٣)، والنسائي ١١٥/٦.
(٤) «المحلى)) ٥٠٢/٩.

٣٣١
كِتَابُ الضَّلَاةِ
=
أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر ومالك وابن شبرمة والليث: لا يجوز
أن يكون عتق الأمة صداقها. قال أبو حنيفة وزفر ومحمد ومالك: إن فعل
فلها عليه مهر مثلها وهي حرة.
ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوجه، فقال أبو حنيفة ومحمد: تسعى له
في قيمتها. وقال مالك وزفر: لا شيء له عليها(١). استدل بهذا الحديث
من قال بالأول، وروى ابن حزم في ذلك عن علي وابن مسعود وأنس
وغيرهم.
ونقل النووي عن الجمهور أنه إذا أعتقها على أن يتزوج بها ويكون
عتقها صداقها لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط، وممن قاله
مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. قال الشافعي: فإن
أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت، ولا يلزمها أن تتزوج به، بل له
عليها قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانا، فإن رضيت وتزوجها على مهر
يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها عليه المهر المسمى من قليل أو كثير،
وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها صح الصداق،
ولا تبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة ففيه
وجهان لأصحابنا :
أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة؛ لأن هذا العقد فيه
ضرب من المسامحة والتخفيف.
وأصحهما عند جمهورهم: لا يصح الصداق، بل يصح النكاح
ويجب لها مهر المثل. ثم نقل عن أحمد وخلق جواز العتق على أن
يكون عتقها صداقها، ويلزمها ذلك، ويصح الصداق عملًا بظاهر
(١) السابق ٩/ ٥٠١.

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الحديث، وتأوله الآخرون بأن الصحيح الذي اختاره المحققون أنه
أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها بلا صداق
وهذا من خصائصه وي طير أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا في الحال ولا في
المآل، وقال بعض أصحابنا: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها
ويتزوجها فقبلت فلزمها الوفاء به، وقال بعضهم: أعتقها وتزوجها
على قيمتها وكانت مجهولة، ولا يجوز هذا ولا الذي قبله لغيره بل
هما من الخصائص(١).
وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: قوله: جعل عتقها صداقها. هو
من قول أنس لم يسنده فلعله تأويل منه إذ لم يسم لها صداق، وقال
بعضهم: لا يخلو أن يكون تزوجها وهي مملوكة، وهذا لا يجوز
بلا خلاف، أو يكون تزوجها بعد أن أعتقها فهذا نكاح بلا صداق.
وأجيب عن ذلك: بأنه لم يتزوجها إلا وهي حرة بعد صحة العتق
لها، وذلك العتق الذي صح لها شرط أن يتزوجها به هو صداقها،
وقد استوفته، كما لو كان له عليها شيء فتزوجها عليه.
فإن قلت: ثواب العتق معلوم فكيف فوّته حيث جعله في مقابلة
النكاح الذي يمكن أن يكون في مقابلة دینار؟
فالجواب: كما قال ابن الجوزي: إن صفية بنت ملك، ومثلها
لا يصح في المهر إلا بالكثير، ولم يكن بيده وسي ما يرضيها، ولم أن يقصر
بها فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من الأموال الكثيرة.
فائدة: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن عون قال: كتب إلي نافع
أن النبي والر أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها،
(١) (شرح مسلم)) ٢٢١/٩ - ٢٢٢.

٣٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
وجعل عتقها صداقها. أخبرني بذلك عبد الله بن عمر، وكان في ذلك
الجيش(١)، قالوا: وابن عمر لا يرى بذلك فمحال أن يترك ما يرى
إلا لفضل علم عنده بذلك، وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر:
أنه كان يقول في الرجل يعتق الجارية ثم يتزوجها: كالراكب بدنته(٢).
ثم روي عن ابن سيرين أنه كان يحب أن يجعل مع عتقها شيئًا (٣).
الرابع عشر:
قوله: (حتى إذا كان بالطريق): جاء في ((الصحيح)): فخرج بها حتى
بلغنا سد الروحاء فحلت فبنى بها(٤). والسد بفتح السين وضمها: وهو
جبل الروحاء، والروحاء بفتح الراء والحاء المهملة ممدود: قرية
جامعة من عمل الفرع لمزينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة
أو نحوها، وفي رواية: أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس
بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب. وفي رواية: أقام بين خيبر
والمدينة ثلاث ليال يبني بصفية(٥).
الخامس عشر:
قوله: (جهزتها له أم سليم) وفي رواية: ثم أرسلها إلى أم سليم
تصنعها وتهيئها، قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها(٦)، أي:
تستبرئ، فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها. وتجهيزها: تزيينها
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٢٠/٣.
(٢) ((سنن سعيد بن منصور)) ٢٤٦/١ (٩١٦).
(٣) السابق ٢٤٧/١ (٩١٧).
(٤) سيأتي برقم (٢٢٣٥) كتاب: البيوع، باب: هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها.
(٥) سيأتي برقم (٤٢١٢، ٤٢١٣) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٦) مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها.

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وتجميلها على جاري عادة العروس.
السادس عشر :
قوله: (فأهدتها له من الليل): فيه الزفاف في الليل، وقد جاء أنه وَله
دخل عليها نهارًا؛ ففيه جواز الأمرين.
السابع عشر:
قوله: ( ((من كان عنده شيء فليجئ به)) ) كذا هو في البخاري بغير
نون. قال النووي: وهو روايتنا، وفي بعضها: ((فليجئني به))، وفيه دلالة
على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول. قال النووي: وتجوز قبله
وبعده(١). والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة(٢).
الثامن عشر:
فيه إدلال الكبير على أصحابه وطلب طعامهم في نحو هذا، وفيه أنه
يستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم.
التاسع عشر:
قوله: (وبسط نطعا): هو بكسر النون وفتح الطاء على أفصح
اللغات، وفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، وجمعه نطوع
وأنطاع وأنطع.
العشرون :
قوله: (فحاسوا حيسا): الحيس: فصيح بالحاء المهملة، طعام
يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأَقِط الدبس،
والقتيت. قال ابن سيده: الحيس: الأقط، يخلط بالتمر والسمن،
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ٩/ ٢٢٢.
(٢) أنظر: ((البيان)) ٤٨١/٩.

٣٣٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
وحاسه حيسا وحيَّسه: خلطه. قال:
وإِذا تكونُ كريهةٌ أُدعى له وإذا يحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُندُبُ(١)
وقال الجوهري: الحيس: الخلط، ومنه سمي الحيس، قال
الراجز :
السمن والتمر(٢) معًا ثم الأَقِط الحيس إلا أنه لم يختلط(٣)
كذا السنة، وقد خالفه ابن سيده فقال في ((مخصصه)):
التمر والسمن جميعًا والأَقِط (٤)
وفي ((الغريبين)): هو ثريد من أخلاط. وتوقف فيه الفارسي في
((مجمعه)).
وفيه: أن الوليمة تجعل بذلك عملا بقوله: (فكانت وليمة رسول الله
وَد)، ولا يتوقف على شاة.
خاتمة :
من تراجم البخاري على هذا الحديث: باب ما يحقن بالأذان من
الدماء، ولفظه فيه: كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى
يصبح، وينظر فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا (دعا
عليهم)(٥). الحديث(٦).
(١) ((المحكم)) ٣٢٥/٣ مادة: الحاء والسين والياء.
(٢) في ((الصحاح)): التمر والسمن.
(٣) ((الصحاح)) ٣/ ٩٢٠ -٩٢١.
(٤) ((المخصص)) ٤٢٩/١.
(٥) في البخاري: أغار عليهم.
(٦) سيأتي برقم (٦١٠) كتاب: الأذان.

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وزعم المهلب أن الدم إنما يحقن بالأذان؛ لأن فيه الشهادة
بالتوحيد، والإقرار بالرسول.
قال ابن بطال: وهذا عند العلماء لمن بلغته الدعوة، وعلم ما الذي
يدعو إليه داعي الإسلام، فكان يمسك عن هؤلاء؛ ليعلم إن كانوا
(مجيبين)(١) للدعوة أم لا؛ وليس يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن
بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانا؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب
للمسلمين، وينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم (٢).
(١) في الأصل: مجابين، والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٣٩/٢.

٣٣٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
=
١٣ - باب في كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي النِّيَابِ؟
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِ ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ.
٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ
عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُّصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ
مُتَلَفْعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. [٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢ -
مسلم: ٦٤٥ - فتح: ١ / ٤٨٢]
وهُذا التعليق أسنده بنحوه ابن أبي شيبة: عن أبي أسامة، عن
الجريري، عن عكرمة: أنه كان لا يرى بأسًا بالصلاة في القميص
الواحد خصيفًا (١).
وبهذا الإسناد عنه: تصلي المرأة في درع وخمار خصيف(٢). قال:
وحدثنا أبان بن صمعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا بأس
بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقًا (٣). ثم أسند عن ميمونة:
أنها صلت في درع وخمار. وفي أخرى: أنها صلت في درع واحد
فضلا، وقد وضعت بعض كمها على رأسها(٤). وعن عائشة وعلي
وابن عباس: تصلي في درع سابغ وخمار. وعن إبراهيم: في الدرع
والجلباب. وعن عروة وغيره: في درع وخمار خصيف. وعن الحكم
في درع وخمار. وعن حماد: في درع وملحفة تغطي رأسها. وعن
مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب. وعن مجاهد
وعطاء وابن سيرين: إذا حضرتها الصلاة وليس لها إلا ثوب واحد،
قالوا : تتزر به(٥).
(١) ((المصنف)) ٣٨/٢ (٦١٩٨).
(٣) السابق ٣٨/٢ (٦١٩٠).
(٢) السابق ٣٧/٢ (٦١٨٠).
(٤) السابق ٢/ ٣٦ (٦١٧٠، ٦١٦٩).
(٥) انظر السابق ٣٦/٢ - ٣٧ (٦١٦٨: ٦١٨٧).

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلف العلماء في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت
طائفة: تصلي في درع وخمار. روي ذلك عن ميمونة وعائشة وأم
سلمة أمهات المؤمنين، وهو مروي عن ابن عباس كما سلف، وبه
قال مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي(١).
وقالت طائفة: تصلي في ثلاثة أثواب، درع وخمار وحقو، وهو
الإزار في لغة الأنصار. روي ذلك عن ابن عمر وعبيدة وعطاء(٢).
وقالت طائفة: تصلي في أربعة أثواب، وهو الخمار والدرع والإزار
والملحفة. روي ذلك عن مجاهد(٣) وابن سيرين(٤).
وقال ابن المنذر: على المرأة أن تستر في الصلاة جميع بدنها سوى
وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أجيب ما روي عن
المتقدمين في ذلك من الأمر بثلاثة أثواب أو أربعة إلا من طريق
الاستحباب(٥)، وعند الشافعي: أن عورة الحرة ما سوى الوجه
والكفين(٦)، وروي عن أحمد: أنها كلها عورة حتى ظفرها(٧)، وعند
(١) أنظر: ((بداية المجتهد)) ٢٢٦/١- ٢٢٧، ((الأوسط)) ٧٣/٥، ((البيان)) ١٢١/٢،
وهو قول الإمام أحمد. ((المغني)) ٣٣٠/٢ - ٣٣١.
(٢) ورواه عنهما ابن أبي شيبة أيضًا في ((المصنف)) ٢/ ٣٧ (٦١٧٤، ٦١٧٥). ورواية
عطاء (٦١٨٢) قال عطاء: في درع وخمار. ورواه أيضًا عن ابن سيرين (٦١٧٦،
٦١٧٧) أنها تصلي في ثلاثة أتواب، وانظر: ((الأوسط)) ٧٣/٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧ (٦١٨٤).
(٤) انظر: ((الأوسط)) ٧٣/٥-٧٤.
(٥) السابق ٥/ ٧٥.
(٦) انظر: ((البيان)) ١١٨/٢.
(٧) ((مسائل أبي داود)) (٢٨٠)، ((المغني)) ٣٢٨/٢، ونسب القول لأبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث - وكان من فقفهاء التابعين بالمدينة، وأحمد الفقهاء السبعة،
وكان يقال له: راهب قريش.

٣٣٩
= ڪِتَابُ الصَّلاةِ
مالك: أنها إذا صلت وبدنها مكشوف أعادت في الوقت(١)، وقال
أبو حنيفة والثوري: لا تعيد أبدًا، وقدمها عورة(٢).
فائدة: قوله: (وارت) أي: أخفت وسترت ومنه ﴿يُوَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾
و﴿يُوَرِى سَوْءَةً أَخِيَةٍ﴾.
ثم ساق حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّيِ الفَجْرَ،
فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى
بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ من الغلس.
والكلام عليه من أوجه، ويأتي في الصلاة أيضًا(٣):
أحدها :
هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم(٤)، والأربعة(٥).
ووجه إيراده هنا ما فهمه من التلفع، وسيأتي حقيقته.
ثانيها :
(كان) هُذِه تعطي المداومة والاستمرار على الشيء، ومن عادته وَالقول أن
يصلي الصبح في هذا الوقت. نعم أسفر بها مرة كما أخرجه أبو داود من
حديث ابن مسعود: أنه ◌ّ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى
فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات وَّر لم يعد إلى أن
(١) ((المدونة)) ٩٤/١، ((بداية المجتهد)) ٢٢٧/١.
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ٢٨، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٠٧/١. وفيه أن
قدمها ليست بعورة.
(٣) سيأتي برقم (٥٧٨) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الفجر.
(٤) مسلم (٦٤٥) كتاب: المساجد، باب: استحباب التبكير بالصبح ...
(٥) (سنن أبي داود)) (٤٢٣)، ((سنن الترمذي)) (١٥٣)، ((سنن النسائي)) ٢٧١/١،
((سنن ابن ماجه)) (٦٦٩).

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يسفر(١). صححه ابن حبان(٢)، وقال الخطابي: صحيح الإسناد(٣).
ثالثها :
معنى (يشهد) هنا: يحضر ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: حضر.
رابعها :
(النساء). من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، إذ الواحد أمرأة،
وله نظائر كثيرة.
خامسها :
(متلفعات). بالعين المهملة بعد الفاء أي: متلفحات، وروي بالفاء
المكررة بدل العين، والأكثر على خلافه كما قاله ابن التين قبيل الجمعة،
ومعناهما متقارب، إلا أن التلفع، مستعمل مع تغطية الرأس، بل قال ابن
حبيب: لا يكون إلا بالتغطية (٤)، وعن الأصمعي: أن التلفع أن يشتمل به
حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع
جانبا منه، فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل ما وصفنا من
الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد (٥).
(١) أبو داود (٣٩٤).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٩٨/٤ (١٤٤٩).
(٣) (معالم السنن)) ١١٥/١، وقال المنذري في ((مختصره)) ٢٣٣/١: وأخرجه
البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله
وَ* وهذه الزيادة في قصة الأسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة مقبولة من
الثقة. وقال النووي في ((المجموع» ٥٥/٣: رواه أبو داود بإسناد حسن. وقواه
الحافظ في ((الفتح)) ٢/ ٥ فقال: رواه أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود)) (٤١٨): إسناده حسن.
(٥) انظر: ((تنوير الحوالك)) ص٢١.
(٤) ذكره الباجي في ((المنتقى)) ٩/١.