النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ - كِتَابُ الصَّلَاةِ كانت اللحى بعد آدم. وليس أحد في الجنة يكنى إلا آدم، ويكنى في الدنيا أبا البشر، وفي الجنة أبا محمد(١). ثم قيل: إن آدم أسم سرياني. وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة. وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض. وقال النضر بن شميل: سمي آدم لبياضه. وذكر محمد بن علي أن الآدم من الظباء: الطويل القوائم. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خلق الله آدم عَلَى صورته طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة عَلَى صورته، وطوله، وولد لآدم أربعون ولدًا في عشرين بطنًا(٢) ). وروي أن آدم لما رأى داود قَالَ: يا رب، ما عمره؟ قَالَ: ستون، قَالَ: رب زد في عمره. قَالَ: لا، إلا أن يزيد من عمرك. قَالَ: وما عمري؟ قَالَ: ألف سنة. قَالَ آدم: وهبته أربعين سنة(٣). فعلى هُذِه الرواية عاش آدم ألف سنة إلا أربعين (عامًا)(٤). وقيل: بل أكمل ألفًا. وقال ابن قتيبة: ألف سنة إلا سبعين سنة. ولما أهبط من الجنة هبط بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بُوذ. ولما حضرته الوفاة اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا. قالوا: أرجعوا فقد كفيتموه. فرجعوا فوجدوه قد قبض، فغسلوه (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٨٩/٧. (٢) سيأتي برقم (٣٣٢٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته. (٣) رواه الترمذي (٣٠٧٦) كتاب: التفسير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر ، قال الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٢٠٨): صحيح. (٤) في (ج): سنة. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحنطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذِه سنتكم في موتاكم. ودفن في غار يقال له: غار الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح في الطوفان، وأخذه وجعله في تابوت سمسار معه في السفينة، فلما نضب الماء رده نوح إلى مكانه(١). العشرون : معنى: ((مرحبًا)»: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش، والصالح: هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد، وخصوه بذلك؛ لشموله عَلَى سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعفاف والصلة والفضل. ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق والأمين؛ لشمول الصلاح سائر خلال الخير، ففيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة. الحادي بعد العشرين : قوله: (قَالَ أنس فذكر أنه) -يعني: أبا ذر- أنه يعني: رسول الله وَليه (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) -يعني: أن أبا ذر لم يثبت غير أنه ذكر أنه (وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ)- وفي الصحیحین من حديث أنس عن مالك بن صعصعة أنه وجد في السماء الدنيا آدم كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة: يوسف، وفي الرابعة: (١) أنظر: ((المعارف)) ص١٩. ٢٤٣ = ڪِتَابُ الصَّلاةِ إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السادسة: موسى، وفي السابعة: إبراهيم(١)، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر أنه وجد إبراهيم في السادسة. وكذا جاء في ((صحيح مسلم)) وأجيب: بأن الإسراء إن كان مرتين، فيكون رأى إبراهيم في إحداهما، في إحدى السماءين، ويكون استقراره بها ووطنه، والثانية في سماء غير وطنه. وإن كان مرة فيكون أولًا رآه في السادسة، ثم أرتقى معه إلى السابعة. الثاني بعد العشرين : قَالَ ابن الجوزي في ((مشكله)): إن قلتَ: كيف رأى الأنبياء في السماء ومدفنهم في الأرض؟ أجاب عنه ابن عقيل فقال: شكَّل الله أرواحهم عَلَى هيئة صور أجسادهم. ومثله ذكر ابن التين، وقال: وإنما تعود الأرواح-يعني: إلى الأجساد- يوم البعث إلا عيسى الثّ فإنه حي لم يمت، وهو ينزل إلى الأرض. قلت: الأنبياء أحياء، فلا يبعد أن نراهم حقيقة، وقد مر عَلَى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة. الثالث بعد العشرين : إدريس سمي بذلك؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت عليه، (١) يأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، وهو في مسلم برقم (١٦٤) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله وَّلر إلى السموات وفرض الصلوات. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فقيل: إنه حنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أحنخ. ويقال: أهيخ بن يرد بن مهلیل بن قنین بن یانش بن شیٹ بن آدم. قَالَ الجوَّاني: أمه(١) تدعى برة، وخنوخ سرياني وتفسيره بالعربي إدريس. قَالَ وهب: هو جد نوح. قَالَ ابن إسحاق: وهو أول بني آدم أعطي النبوة. وفي حديث أبي ذر مرفوعًا: ((أول من كتب بالقلم إدريس))(٢). وقد قيل: أنه إلياس، وأنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب. ونقله السهيلي(٣) عن ابن العربي ويستشهد بحديث الإسراء، وهو أنه ◌َّ﴿ كلما لقى نبيًّا من الأنبياء في تلك الليلة قَالَ: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. وقال في آدم: بالابن الصالح. وكذا قَالَ في إبراهيم. وقال إدريس: والأخ الصالح. ولو كان في عمود نسبه لقال له كما قَالَ له إبراهيم وأبوه آدم، ويخاطبه بالبنوة ولم يخاطبه بالإخوة. وذكر بعضهم أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل(٤)، فإن كان كذلك فلا اعتراض. وأجاب النووي: بأنه يحتمل أنه قَالَه تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان (١) تكررت كلمة (أمه) في (س)، (ج). (٢) جزء من حديث رواه ابن حبان (٧٦/٢-٧٩ (٣٦١)، والطبراني (١٥٧/٢-١٥٨) (١٦٥١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٦/١ - ١٦٨). قال الهيثمي في «المجمع» ٢١٦/٤: فيه: إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢١٢٧): ضعيف جدًا. (٣) ((الروض الأنف)) ١٦٢/٢. (٤) وهذا لا يصح؛ لأن يعقوب هو إسرائيل وهو حفيد إبراهيم وإدريس قبل إبراهيم عليهم السلام. ٢٤٥ كِتَابُ الصَّلَاةِ = ابنا، والأبناء إخوة والمؤمنون إخوة(١). وقال أبو العباس بن المنير: أكثر الطرق عَلَى أنه خاطبه بالأخ الصالح. قَالَ: وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه فيها بالابن الصالح. وقال المازري: ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل عَلَى أن إدريس أرسل لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لإخبار نبينا ◌ّيقر في الحديث الصحيح: ((ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)) (٢) وإن لم يقم دليل جاز ما قال. وصح أن إدريس كان نبيًّا ولم يرسل(٣). قَالَ السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل يدل عَلَى أن آدم وإدريس رسولان(٤). قلت: أخرجه بطوله ابن حبان(٥). وكان إدريس رجلًا طوالًا أبيض ضخم البطن عريض الصدر، وإحدى أذنيه - وقيل: عينيه- أعظم من الأخرى، وكان في خده نكتة بيضاء من غير برص، رفع إلى السماء الرابعة، ورآه رَّم فيها، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبله يلبسون الجلود، ورفع وهو ابن ثلثمائة وخمس وستين سنة. (١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٢/ ١٢٠. (٢) سيأتي برقم (٤٤٧٦) كتاب: التفسير، باب: قول الله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. ورواه مسلم (١٩٣) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها. (٣) انظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) ١٠٥/١. (٤) ((الروض الأنف)) ٢/ ١٦٢. (٥) ((صحيح ابن حبان)) ١٦/ ٤١٩ - ٤٢١ (٧٤٠٦). ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- الرابع بعد العشرين : موسى: هو ابن عمران بن قاهث بن يصهر بن لاوى بن يعقوب. سمي موسى؛ لأنه وجد في ماءٍ وشجر، والماء بلغتهم مو، والشجر شا بالمعجمة، فعرب بالمهملة، والصحيح أنه وجده في السماء السادسة. وفي البخاري في كتاب بدء الخلق في صفته أنه جعد آدم طوال كأنه من رجال شنوءة (١) واختلف الرواة هل هو جعد أو سبط؟ وهل هو نحيف أو جسیم؟ الخامس بعد العشرين : عيسى: هو ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه. رآه في السماء مع ابن خالته يحيى بن زكريا. ونعته بأنه: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس -يعني: حمَّامًا- وكان ابن عمر يحلف أنه يَّر لم يقله، ووصف بأنه آدم كأحسن ما رأى من أُدم الرجال. وفي بدء الخلق في البخاري: ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس(٢). قَالَ الداودي: ما أراه بمحفوظ؛ لأنه في رواية مالك: رجل آدم كأحسن ما أنت راءٍ (٣). واختلف في مدة حمله عَلَى أقوال: أغربها: ساعة، وقيل: العادة ووضعته عند الزوال وهي بنت عشر أو ثلاث عشرة أو خمس عشرة، وكانت حاضت قبله حيضتين. وكلَّم الناسَ وهو ابن أربعين يومًا، ثم (١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين. (٢) سيأتي برقم (٣٢٣٩) باب: إذا قال أحدكم آمين (٣) سيأتي برقم (٥٩٠٢)، كتاب: اللباس، باب: الجعد. ٢٤٧ كِتَابُ الصَّلاةِ لم يتكلم بعدها حَتَّى بلغ زمن كلام الصبيان، وكان زاهدًا عابدًا سيَّاحًا يمشي عَلَى الماءِ، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكان قوته يومًا بيوم، وله حواريون، وعدتهم اثنا عشر رجلًا، كانوا أولاد قصارين أو صيادين أو ملاحين، وكان يقرأ التوراة والإنجيل حفظًا، رفعه الله إلى السماء، وينزل عَلَى المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويقتل الدجال بباب لُدِّ، وينزل حكمًا عدلًا، ويتزوج بعد نزوله ويولد له، ويدفن عند رسول الله وَله. وقد جاء ذَلِكَ في حديث من طريق عائشة، أخرجه ابن الأبار(١) في ((صلة الصلة)) في باب: الأحمدين. واسم عيسى عبراني، وقيل: سرياني. السادس بعد العشرين: إبراهيم خليل الرحمن، ومعناه: أب راحم، وكنيته: أبو الضيفان. وسأل جبريل التكّة: لم أتخذني ربي خليلًا؟ قَالَ: إنك تعطي الناس وتسد خلتهم ولا تسألهم. قيل: ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح كما قَالَ ابن عساكر: أنه ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون. قيل: ولد عَلَى رأس ألفي سنة من خلق آدم(٢). وذكر الطبري: أن إبراهيم إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًا من النمرود، وقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه. فلما أدركوا إبراهيم استنطقوه، فحرَّك الله لسانه عبرانيًا، وذلك حين عبر النهر (٣). (١) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٦/٢٣. (٢) («تاريخ دمشق)) ١٦٤/٦. (٣) ((تاريخ الطبري)) ١٨٥/١. ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فسميت العبرانية بذلك، ودخل مصر وبها جبار من الجبابرة، قيل: اسمه سنان بن علوان، أخو الضحاك. وقيل: أسمه عمرو بن أمرئ القيس بن بابلون بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان عَلَى مصر، وكان مع إبراهيم زوجته سارة فأرادها الجبار، وقصتها معه مشهورة، (فأهدتها)(١) هاجر. وبلغ عُمرُ إبراهيم مائتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالأرض المقدسة، وقبره معروف بالبلدة المعروفة بالخليل، وكان الوزغ ينفخ النار عَلَى إبراهيم لما ألقي في النار، فلذلك أمر بقتله(٢)، كما أخرج في ((الصحيح)) من حديث أم شريك، كما سيأتي في الحج وغيره(٣). ووجده النبي ◌َّر في السماء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور. السابع بعد العشرين : قوله: (قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمِ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةً الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَام)) ) قَالَ خلف في ((أطرافه)): حديث أبي حبَّة الأنصاري في المعراج أخرجه البخاري عن ابن بكير، عن الليث(٤)، وعن عبدان، عن ابن المبارك(٥)، (١) في (ج): فأخذتها. (٢) انظر: ((قصص الأنبياء)) ٢٢٣/١-٣٠٢. (٣) سيأتي برقم (١٨٣١) كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، و (٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، و(٣٣٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. (٤) وهو رواية الباب. (٥) سيأتي برقم (١٦٣٦)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في زمزم. ٢٤٩ كِتَابُ الصَّلاةِ - وعن أحمد بن صالح، عن عنبسة (١)؛ كلهم عن يونس، وأخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس (٢). وروى الطبراني هذِه القطعة، عن هارون بن كامل، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، وعن ابن السرحِ، عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري ". قَالَ الدمياطي (٤): ورواية أبي بكر عن أبي حبَّة منقطعة؛ لأنه قتل يوم أحد كما سيأتي. وابن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بخاري، قاضي المدينة زمن سليمان بن عبد الملك، وابن عمه عمر مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة، وقتل أبوه يوم الحرة(٥). الثامن بعد العشرين : أبو حبَّة بالباء، وقيل: بالمثناة تحت، وليس بشيء كما قاله القاضي عياض(٦)، وأما صاحب ((المطالع)) فقال: الأكثر عَلَى الثاني(٧). وذكره الواقدي وغيره بالنون، وسموه مالك بن (عمرو) (٨)، وقيل: عامر. (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس القيمة. (٢) سلف تخريجه. (٣) ((المعجم الكبير)) ٢٢/(٨٢٢). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ومثل ما قال الدمياطي قال الرشيد العطار سليمان بن عبد الملك، في الأحاديث المقطوعة التي في مسلم. (٥) انظر ترجمته في: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٩٦/٢ - ١٩٧ (٢٢٩)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣١٣/٥ - ٣١٤ (١٥٠)، ((تهذيب التهذيب)) ٤٩٤/٤ - ٤٩٥. (٦) ((مشارق الأنوار)) ٢٢٣/٢. (٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الخمسين كتبه مؤلفه. (٨) في (ج): عمر. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقيل: عمرو، وقيل: ثابت بن النعمان، وهو بدري بالاتفاق. كما قاله النووي(١)، واستشهد بأحد(٢). واختلف أصحاب المغازي في أبي حبَّة الأنصاري وأبي حبَّة البدري، هل هما واحد أو أثنان، وهل هما بالباء أو النون؟ التاسع بعد العشرين: معنى ((ظهرت)): علوت وارتفعتُ، ومنه قوله: ((والشمس في حجرتها قبل أن تظهر))(٣). وقال تعالى: ﴿لُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: يعليه عَلَى الأديان كلها. الثلاثون : المستوى -بفتح الواو - المصعد، وهو المكان العالي، يقال: استوى إلى الشيء وعليه إذا علا عليه، وقيل: هو عبارة عن فضاء فيه استواء. الحادي بعد الثلاثين : ((صَرِيفَ الأَقَّلَام)) - بالصاد المهملة - صوت حركتها وجريانها عَلَى المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، نسخًا من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من أمره وتدبيره، ومنه صريف الباب. (١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٢٢١/٢. - (٢) انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ١٩٤/٤ (٢٩٣٧)، («أسد الغابة)) ٦٥/٦ (٥٧٨٨)، ((الإصابة)) ٤١/٤ (٢٤٨). (٣) جاءت هُذِه الرواية في ((صحيح مسلم)) (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس. ٢٥١ كِتَابُ الصَّلَاةِ قَالَ القاضي عياض: قد يكون مستوي حيث يظهر عدل الله و(حكمه)(١) لعباده هنالك، يقال للعدل: سواء مفتوح ممدود، وسوى مقصور مكسور، وقيل ذَلِكَ في قوله تعالى: ﴿سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل (٢) عمران: ٦٤](٢). وقال بعضهم: صرير - بالراء- هو الأشهر في اللغة، حكاه عبد الغافر الفارسي في ( ((مفهمه)) )(٣)، ولا نسلم له. الثاني بعد الثلاثين : فيه دليل عَلَى أن الأشياء كالمقادير والوحي وغير ذَلِكَ مما شاء الله تكتب بالأقلام لا بقلم واحد. الثالث بعد الثلاثين: في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتاب الله تعالى من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام الذي هو تعالى يعلم كيفيتها عَلَى ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذَلِكَ عَلَى ظاهره، لكن كيفية ذَلِكَ وجنسه وصورته مما لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه الله عَلَى غيبه من ذَلِكَ من ملك أو رسول. الرابع بعد الثلاثين : قوله: (قَالَ ابن حَزْم وَأَنَسُ بْنُ مَالِكِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً)) ) هو معطوف عَلَى الإسناد قبله فيما ذكره (١) في (ج): حكمته. (٢) ((إكمال المعلم)) ٥١٠/١. (٣) ليست في (ج). ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو نعيم(١) والإسماعيلي وخلف. الخامس بعد الثلاثين : قوله: (((ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ))) إلى قوله: (((فَرَاجَعْتُهُ)) ) المراد: أن مكان سؤاله غير مكان سؤال موسى القفيه، فهو رجوع من مكان إلى مكان؛ لاستحالة المكان على من تفرد بالإمكان. السادس بعد الثلاثين : قوله: (((فَوَضَعَ شَطْرَهَا)) ) كذا هنا، وفي رواية مالك بن صعصعة: فوضع في كل مرة عشرا، وفي الخامسة فأمر بخمس (٢). وفي حديث آخر: كلما عاد وضع خمسًا(٣). والشطر هنا: الجزء، كما قاله عياض وغيره لا النصف (٤)، فحط في مرات بمراجعات. وهذا الحديث مختصر لم تذكر فيه كرات المراجعة. السابع بعد الثلاثين : اختلف في هذا النقص من الفريضة، هل هو نسخ أم لا؟ عَلَى قولين: أحدهما: أنه نسخ للعبادة قبل العمل بها، وأنكره النحاس؛ لأن مذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأن ذَلِكَ عنده من البداء، وهو محال عَلَى الله؛ ولأنه نسخ قبل الوصول إلى المكلفين. قَالَ: وإنما أدعى النسخ في ذَلِكَ القاشاني ليصحح بذلك مذهبه؛ أن البيان لا يتأخر، وإنما هي شفاعة شفعها لأمته. (١) ((المستخرج على صحيح مسلم)) (١/ ٢٣٢-٢٣٤) (٤٢٠). (٢) ستأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٩ (٢٧٠). (٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٠٤. ٢٥٣ ـ كِتَابُ الصَّلَاةِ ووهى قوله السهيلي قَالَ: بل هو نسخ للتبليغ، وليس ببداء، والشفاعة لا تنافي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، والمنسوخ حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ. وأما أمته فلا نسخ في حقهم؛ لعدم وصوله إليهم، ثم هذا خبر فلا يدخله نسخ، فأخبر الرب تعالى أن عَلَى أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فأولها وَلـ عَلَى أنها خمسون بالفعل، فتبين أنها في الثواب لا في العمل(١). فإن قلت: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر؟ فالجواب: أنه لیس کل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها، ربعها، حَتَّى انتهى إلى عشرها ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذَلِكَ، وخمسون في حق من كملت صلاته مما يلزمه من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها. نبه عليه السهيلي (٢). وفي كتاب الحكيم الترمذي: قَالَ الله تعالى: ((قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة يوم خلقت السموات والأرض، فقم بها أنت وهم. فلم أزل أراجعه حَتَّى قيل: خمس بخمسين، فعلمت أنها عزيمة من ربي رَّ))(٣). وللنسائي معناه من حديث أنس (٤). الثامن بعد الثلاثين : إنما اعتنى موسى الكَّ بهذِه الأمة، وألح عَلَى نبيها أن يشفع لها، (١) أنظر كلام النحاس والسهيلي في ((الروض الأنف)) ١٥٩/٢. (٢) ((الروض الأنف)) ٢/ ١٦٠. (٣) ((الصلاة ومقاصدها)) للحكيم الترمذي ص٤٨. (٤) ((سنن النسائي)) ٢٢١/١. ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وسأل التخفيف عنها؛ لأنه التقنية - والله أعلم- حين قضي إليه بالجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد في الألواح جعل يقول: إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا، اللَّهُمَّ اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، حَتَّى قَالَ أجعلني من أمة أحمد. وهو حديث مشهور في التفسير(١). وكان إشفاقه عليهم، واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. وكانت أمة موسى كلفت من الصلاة ما لم يكلف غيرها، فثقلت عليهم، فخاف عَلَى أمة محمد مثل ذَلِكَ. التاسع بعد الثلاثين : السدر: شجر النبق، واحدتها سِدرة، وجمعها: سِدَر وسدور، الأخيرة نادرة. ويجمع في القليل عَلَى سِدَرات وسذرات كما ذكر أبو حنيفة، ويجوز سِدِرات بكسر الدال أيضًا، ذكره النووي قَالَ: وكذلك تجمع كِسرة وما أشبهها(٢). قَالَ أبو حنيفة: وأجود نبق يعلم بأرض (٣) العرب بهجر. فإن قلت: لم أختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا وعملًا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره. (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٦/٦ (١٥١٤٢). (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٤٦/٣. (٣) ليست في (ج). م ٢٥٥ كِتَابُ الصَّلاةِ = الأربعون : سدرة المنتهى فوق السماء السابعة. وقال الخليل: في السابعة، قد أظلت السموات والجنة(١). وجاء في رواية أنها في السماء السادسة، والأول عليه الأكثرون، وهو الذي يقتضيه المعنى. ويحتمل أن يجمع بينها، فيكون أصلها في السادسة(٢)، ومعظمها في السابعة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان وهما: السلسبيل والكوثر، ونهران ظاهران وهما: النيل والفرات. وذكر عياض أن أصل سدرة المنتهي في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها(٣). واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذَلِكَ، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حَتَّى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهو ظاهر الحديث. وعن ابن عباس أنها عن يمين العرش(٤). وقال صاحب ((المطالع)): إنها أسفل العرش لا يجاوزها ملك ولا نبي. وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء فيقبض منها(٥). وقيل لها: سدرة المنتهى؛ لانتهاء ما يخرج من تحتها وما أهبط من فوقها. وقال كعب: لأنه ينتهي إليها علم كل ملك مقرب، ونبي مرسل. (١) ((معجم العين)) (٢٢٤/٧) مادة: سدر. (٢) هُذِه الرواية عند مسلم (١٧٣) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. (٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٠٣. (٤) رواه الطبري في تفسيره)) ٥١٧/١١ (٣٢٥١٠). (٥) السابق ٥١٤/١١، ٥١٥ (٣٢٤٩٢) عن عبد الله. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قَالَ: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله(١). وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. وقيل: لأن روح المؤمن تنتهي به إليها، فيصلي عليه هنالك الملائكة المقربون، قاله ابن سلام في تفسير: (علیین). وفي ((مسند الحارث بن أبي أسامة)): ((لو غطيت بورقة من ورقها هذِه الأمة لغطتهم))(٢). وجاء أن ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال (٣) هجر (٣). الحادي بعد الأربعين : قوله: ( ((وغشيها ألوان لا أدري ما هي)) ) هي أصناف من النور، ومن الملائكة. وقوله: ( ((ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ)) ) فيه: ما قد يدل عَلَى أن السدرة ليست في الجنة. وقال ابن دحية: ((ثم)) في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧] إنما هي مثل الواو للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها. الثاني بعد الأربعين : قوله: (((فَإِذَا فِيهَا حَبَائِلُ اللَّؤْلُؤِ)))، هكذا الرواية هنا بحاء مهملة، ثم باء موحدة، ثم ألف، ثم ياء مثناة تحت ثم لام. (١) السابق ٥١٤/١١ (٣٢٤٩٠). (٢) (بغية الباحث)) (٢٢). قلت في سنده: أبو حمزة ميمون الأعور، قال الذهبي في («الميزان)) (٣٥٩/٥) قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدار قطني: ضعيف، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بثقة. (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥١٧/١١ (٣٢٥٠٩) عن قتادة. ٢٥٧ كِتَابُ الصَّلاةِ = وذكره البخاري في كتاب الأنبياء ((جنابذ)) بجيم، ثم نون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة(١)، كما وقع في مسلم(٢) عَلَى الصواب، جمع جنبذة، وهو ما ارتفع من البناء، كما سيأتي. قَالَ ابن التين: قيل: إن الغلط في حبائل إنما جاء من قبل الليث عن يونس، وهو تصحيف. والجنابذ: شبه القباب. وقال يعقوب: هو ما ارتفع من البناء، وقد وقع هذا المعنى مفسرًا بالقباب من رواية محمد بن جرير الطبري: (فإذا هو بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ)(٣). وقال ابن الأثير: إن صحت رواية حبائل، فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة وحبالة: جمع حبل عَلَى غير (٤) قياس(٤). وفي رواية الأصيلي عن الزهري: ((دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ، وترابها المسك، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قَالَ: للمؤذنين والأئمة من أمتك)). وقال صاحب ((المطالع)): كذا لجميعهم في البخاري حبائل، ومن ذهب إلى صحة الرواية قَالَ: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل، أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أو من الحبلة، وهو ضرب من الحلي معروف. قَالَ: وهذا كله بحبل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة. (١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس القَّهة. (٢) مسلم (١٦٣) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صل إلى السموات وفرض الصلوات. (٣) ((تاريخ الطبري)) ٥٣٦/١. (٤) ((النهاية)) (٣٣٣/١) مادة: حبل. ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال ابن الجوزي في ((كشف المشكل)): جنابذ اللؤلؤ: قبابه، واحدها جنبذة: وهي القبة. قَالَ: وقد وقع في بعض النسخ حبائل بالحاء المهملة، وفي نسخة: بالمعجمة، وكله تصحيف، والصحيح: جنابذ (اللؤلؤ)(١). قَالَ ابن دحية في ((الابتهاج)»: فهي كلمة فارسية معربة. واعلم أن الأئمة -*- اعتنوا بالإسراء، وأفردوه بالتأليف، منهم: أبو شامة، وابن المنير في مجلد ضخم، وابن دحية، فلنلخص من کلامهم فوائد: الأولى: لا بد لك عند مرورك بهذا الحديث بطرقه عندما يتصور فيه وهمك من استحضار قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتنفي الجهة والجسمية والتكلم بحرف أو صوت تعالى الله عن ذَلِكَ، وفوض علم ذَلِكَ إلى الرب جل جلاله، أو أوله عَلَى ما يليق به مع التنزيه، فالحجب للمخلوق لا للخالق، وحي ربك قدسه هناك، واجعل العرش قبلتك في المناجاة بعيدًا(٢). (١) من (ج). (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٢٦٢/٥-٢٦٣: أما من أعتقد الجهة، فإن كان يعتقد أن الله في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال. وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله - إلى العرش، أو غيره- فهو أيضًا مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غني عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين للمخلوقات عال عليها. = ٢٥٩ كِتَابُ الصَّلاةِ = وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش، بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنهن مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله. فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها. فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله وَلقر، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. وأنه کلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا. ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه، وينزهون الله عن صفات النقص والعيب، ويثبتون له صفات الكمال، ويعلمون أنه ليس له كفوا أحد في شيء من صفات الكمال، قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. والله أعلم. اهـ وقد أجاب شيخ الإسلام على قول من قال: هل كلام الله هو حرف وصوت أم لا؟ في ((مجموع الفتاوى)) ٢٤٣/١٢ - ٢٤٤. فقال: إطلاق الجواب في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأ. وهي من البدع المولدة، الحادثة بعد المائة الثالثة، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إن كلام الله الذي أنزل على أنبيائه - كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات، والكلمات المشتملة على أمره ونهيه وخبره، ليست إلا مجرد معنى واحد. هو صفة واحدة قامت بالله، إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لها. لا أقسام لها، وأن حروف القرآن مخلوقة، خلقها الله ولم يتكلم بها، وليست من كلامه، إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت. = ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وما أحسن قوله وَّه: ((لا تفضلوني عَلَى أخي يونس))(١) فإنه نهى عن تفضيل مقيد بالمكان لا مطلقه. وقال مالك: خص به للتنبيه عَلَى التنزيه؛ لأن نبينا رفع إلى العرش، ويونس هبط إلى قاموس البحر، ونسبتهما من جنب الجهة إلى الحق واحدة، وإلا فنبينا أقرب منه. الثانية : الباء في قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] تفيد المصاحبة = عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد، وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم. والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح، في ((كتاب خلق أفعال العباد)) وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه يشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (١) سيأتي برقم (٣٣٩٥) بلفظ: ((لاينبغي بعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعايل: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾﴾ من حديث ابن عباس، رواه مسلم (٢٣٧٧) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس الطفلة.