النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب التَّيَمُّمِ
=
٤- باب: [الْمُتَيَمِّمُ)(١) هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا
٣٣٨- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ ذَرِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَنْزِئُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الَخَطَّابِ، فَقَالَ: إِّ أَجْنَبْتُ
فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الَخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا
وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَّا فَتَمَغَكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ وََّ فَقَالَ
النَّبِيُّ وََّ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ هَكَذَا)). فَضَرَبَ النَّبِيُّ وَّهُ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ
فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - مسلم ٣٦٨-
فتح ٣٤٣/١]
ذكر فيه حديث عمار لعمر: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرِ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا
أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِّ ◌َِّ فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ هَكَذَا)). فَضَرَبَ النَّبِيُّ وَّهِ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ،
وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
هُذا الحديث ذكره البخاري في الباب الذي يليه معلقًا ومسندًا من
طرق، وأخرجه مسلم أيضًا والأربعة(٢)، ولا نطول بذكر طرقه فإن
محلها الأطراف، وذكر ابن أبي حاتم طرفًا منه(٣).
ثُم الكلام علیه من وجوه:
أحدها :
عمار بن ياسر كنيته أبو اليقظان مذحجي ثم عنسي أحد السابقين
(١) ليست بالمخطوط: (س، ج).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٦٨) كتاب: الحيض، باب: التيمم، و((سنن أبي داود))
(٣٢٤)، ((سنن الترمذي)) (١٤٤)، ((سنن النسائي)) ١٦٥/١، ١٦٦، ((سنن ابن
ما جه)» (٥٦٩).
(٣) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١١/١ (٢).

١٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأولين، وهو من الأفراد، أحد من عذب هو وأمه في الله (١).
وذكر ابن الجوزي أن الكفار أحرقوه بالنار ليرجع عن دينه، فكان
وَلِ﴾ يمر به، فيمر يده عَلَى رأسه ويقول: ((يا نار كوني بردًا وسلامًا
عَلَى عمار كما كنت بردًا وسلامًا عَلَى إبراهيم)) (٢).
ثانیھا :
فيه نفخ التراب، وهو تخفيف له، ومحله عند الكثرة وضابطه أن
يبقى منه قدر الحاجة.
قَالَ ابن بطال: وقد اختلف العلماء في نفض اليدين فيه، فكان
الشعبي يقول به، وهو قول الكوفيين، وقال مالك: نفضًا خفيفًا. وقال
الشافعي: لا بأس أن ينفضهما إذا بقي في يديه غبار يُمس، وهو قول
إسحاق. وقال أحمد: لا يضر فعل أو لم يفعل. وكان ابن عمر
لا ينفض يده(٣).
ثالثها :
أن المتأول لا إعادة عليه ولا لوم؛ لأن عمارًا تأول أن التيمم
لا يكفي لوجهه ويديه في الجنابة كما يجزئه في الوضوء؛ فلم يأمره
الشارع بالإعادة؛ لأنه زاد عَلَى الواجب.
رابعها :
ذكر البخاري في أواخر التيمم مسح الكف قبل مسح الوجه، أتى فيه
(١) سبقت ترجمته في الحديث رقم (٢٨).
(٢) ((صفة الصفوة)) ٢٣٠/١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤٧٧ أما أثر ابن عمر فقد أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف))
٢١١/١ - ٢١٢ (٨١٧)، والدار قطني ١/ ١٨٢، وقال العظيم أبادي في ((التعليق
المغني)) ١٨٣/١: إسناده صحيح موقوف.

١٨٣
كتاب الثّيَهُمِ
بلفظ (ثم)، وبها قَالَ الأوزاعي وأبو حنيفة، وخالف الشافعي (١).
خامسها :
اقتصر هنا عَلَى ذكر الكف، وبه قَالَ أحمد، وهو قول قديم للشافعي
قوي في الدليل(٢)، قَالَ البيهقي: ولعل حديث ابن عمر وذراعيه بعده،
وجاء في رواية: إلى المناكب. وفي أخرى: إلى نصف الذراع(٣).
قَالَ ابن عبد البر في («تمهيدہ)»: كل ما يروى عن عمار في هذا
مضطرب مُخْتَلفٌ فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربة واحدة للوجه
(٤)
واليدين (٤).
(١) أنظر: ((الحاوي)) ٢٤٩/١.
(٢) انظر: ((المجموع)) ٢٤٣/٢، ((المغني)) ٣٣٣/١.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢١١/١ كتاب: الطهارة، باب: ذكر الروايات في كيفية التيمم
عن عمار بن ياسر.
(٤) انظر: ((التمهيد)) ٣٥٨/٢.

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥ - باب التَّيَقُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْ
٣٣٩ - حَذَّثَنَا حَجَّاجْ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَنِ الَحَكَمُ، عَنْ ذَرِّ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزِئُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ بهذا. وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَزَضَ، ثُمَّ
أَذْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمْ قَالَ: سَمِعتُ ذَرًّا يَقُولُ: عَنِ ابن عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَنْزِىُ قَالَ الَحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ
عَمَّارٌ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٤]
٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ
ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَنْزِئُ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ
فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١ / ٤٤٤]
٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ ذَرِّ، عَنِ ابن عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَنْزِئُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ وَِّ،
فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ)). [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١ /٤٤٥]
٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرِّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الَحَدِيثَ. [انظر: ٣٣٨ -
مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦]
٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ
ذَرِّ، عَنِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزِئُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ وَّ بِيَدِهِ
الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [انظر: ٣٣٨ - مسلم: ٣٦٨ - فتح: ١/ ٤٤٦]
ذكر فيه حديث عمار من طرق:
في بعضها: وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِهِ، ثُمَّ
مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وفي بعضها: وَقَالَ لَّهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا.
وَقَالَ: تَفَّلَ فِيهِمَا.

١٨٥
كتاب النََّمُمِ
وفي بعضها: ((يَكْفِيكَ الوَجْهُ وَالْكَفَّانِ)).
وكلها دالة عَلَى الاقتصار عَلَى الكوعين؛ إذ هو حقيقة الكف، وهو
قول علي، وسعيد بن المسيب، والأعمش، وعطاء، والأوزاعي،
وأحمد، وإسحق(١).
وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد في
الوقت، وهذا يدل عَلَى أن التيمم عنده إلى المرفقين مستحب.
وممن ذهب إلى التيمم إلى المرفقين ابن عمر، وجابر، والنخعي،
والحسن، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي (٢).
وأبعد الزهري فقال: إلى الآباط(٣). والسنة الصريحة عاضدة للأول.
ورواية: المرفقين في تصحيحها نظر، وإن صححها الحاكم (٤).
ورواية: إلى المناكب نحوها، ثم إنه من فعلهم وليس من أمره وَله.
ومعنى (تفل فيهما): نفخ.
(١) قول علي وعطاء رواهما عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢١١/١، ٢١٣ (٨٢٤،
٨١٦). وانظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ٥٠/٢-٥١.
(٢) رواها عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢١١/١-٢١٢ (٨١٧)، (٨٢٠)، (٨٢١)،
(٨٢٢) كتاب: الطهارة، باب: كم التيمم من ضربة، وابن أبي شيبة ١٤٥/١ -
١٤٧ (١٦٧٣)، (١٦٧٥)، (١٦٨٠)، (١٦٨٣)، (١٦٨٨) كتاب: الطهارات،
باب: في التيمم كيف هو، وانظر: ((الأوسط)) ٤٨/٢-٤٩، ((عيون المجالس))
٢١٣/١، ((بدائع الصنائع)) ٤٦/١، ((روضة الطالبين)) ١١٢/١، ((فتح الباري)) لابن
رجب ٢٥٣/٢.
(٣) ذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢/ ٤٧.
(٤) ((المستدرك) ١٨٠/١.

١٨٦
٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٦- باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ
يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ
وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابن عَبَّاسٍ
وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى
السَّبَخَةِ وَالتَّيَّمُّم بِهَا. [فتح: ٤٤٦/١]
٣٤٤- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ بَّهَ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى [إِذَا]
كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَغْنَا وَفْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَخْلَى عِنْدَ الُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّ حَرُّ
الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَلَ مَنِ اسْتَنْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ قُلَانٌ -يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ ، فَتَسِيَ
عَوْفٌ- ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَِّّهِ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ
يَسْتَيْقِظُ، لأنَّا لَا نَذْرِي مَا يَخْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا أَسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَىْ مَا أَصَابَ
النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَزْفَعُ صَوْتَّهُ
بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى أَسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَلَمَّا أَسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الذِي أَصَابَهُمْ،
قَالَ: ((لَا ضَيْرَ - أَوْ لَا يَضِيرُ - أَرْتَحِلُوا)). فَازْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا
بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا أَنْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ
بِرَجُلٍ مُغْتَزِلٍ لَمْ يُصَلُّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟)).
قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَ مَاءَ. قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)). ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ
وَلِّهِ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا -كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ،
نَسِيَّهُ عَوْفٌ- وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا المَاءَ)). فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا أَمْرَأَةً بَيْنَ
مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الماءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي
بِلْمَاءِ أَمْسِ هذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرْنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: أَنْطَلِقِي إِذَا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا:
إِلَىْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. قَالَتِ: الذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ. قَالَا: هُوَ الذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي.
فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَِّ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ

١٨٧
= كتاب التَّيَقُّمِ
وََّ بِإِنَاءِ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ - أَوِ [الـ] سَّطِيحَتَيْنِ- وَأَوْكَاَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ
العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ أَسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ
آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَغْطَى الذِي أَصَابَتْهُ الَجَنَابَةُ إِنَاءَ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: ((اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ)).
وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَائْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا
أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ أَبْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اجْمَعُوا لَهَا)). فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ
عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى
بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَنْهَا، قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ مَا رَزِثْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا،
ولكن اللهَ هُوَ الذِي أَسْقَانَا)). فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ
يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هذا الذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئِّ،
فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لِأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هذِهِ وهذِه -وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا
الوُسْطَى وَالسََّّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ، تَغْنِي السَّمَاءَ وَالأَرَضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ
حَقّا. فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ
الصِّرْمَ الذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرِى أَنَّ هؤلاء القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا،
فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَبَا: خَرَجَ مِنْ
دينٍ إِلَىْ غَيْرِهِ. وقال أبُو العَاليَة: الصَّابِئينَ - وفي نُسْخَةٍ: الصَّابِئُونَ - فِرِقَةٌ مِن أهلِ الكِتَابِ
يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ]. [٣٤٨، ٣٥٧ - مسلم: ٦٨٢ - فتح: ١ / ٤٤٧]
(وَقَالَ الحَسَنُ: يُجْزِئُهُ التََّهُمُ مَا لَمْ يُخْدِثْ) قلت: أسنده ابن أبي
شيبة، عن هشيم، عن يونس، عنه: لا ينقض التيمم إلا الحدث(١).
وقال ابن حزم: روينا عن حماد بن سلمة - يعني في ((مصنفه))- عن
يونس (عن)٢) عبيد، عنه: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل
الوضوء ما لم يحدث.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٧/١ (١٦٩٣) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كم
يصلي به من صلاة.
(٢) في (ج): بن.

١٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحكاه أيضًا عن إبراهيم وعطاء(١). وذكره ابن المنذر (٢) عن ابن
المسيب، والزهري، والثوري، وابن عباس، وأبي جعفر محمد بن
علي بن الحسين، والليث، والحسن بن حي، وداود، وابن حزم(٢)،
والمزني، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين (٤).
وقال مالك: لا يصلي صلاتا فرض بتيمم واحد، فإن تيمم وتطوع
فلابد له من تيمم آخر للفريضة، فلو تيمم ثم صلى الفريضة جاز له أن
يتنفل بعدها بذَلِكَ التيمم (٥).
وقال الشافعي: يتيممُ لكل صلاة فرض، وله أن يتنفلَ قبلها وبعدها
بذلك التيمم (٦).
وقال شريك: يتيمم لكل صلاة. وروي مثله عن إبراهيم النخعي،
وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٧)، وهو قول الليث،
وأحمد، وإسحاق(٨).
وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض، إلا أنه يصلي الفوائت
من الفروض كلها بتيمم واحد(٩).
وذكره البيهقي من طريق ابن عباس، وابن عمر من طريق ضعيف،
(١) ((المحلى)) ١٢٨/٢.
(٣) ((المحلى)) ١٢٨/٢.
(٥) أنظر: ((المدونة)) ٥٢/١.
(٢) أنظر: ((الأوسط)) ٥٨/٢.
(٤) أنظر: ((الهداية)) ٢٨/١.
(٦) أنظر: ((الحاوي)) ١/ ٢٥٧-٢٦٠.
(٧) روى عبد الرزاق عن إبراهيم وقتادة ٢١٥/١ (٨٣٢-٨٣٣) كتاب: الطهارة، باب:
كم يصلي بتيمم واحد، وروى ابن أبي شيبة عن قتادة ١/ ١٤٧ (١٦٩٥)، (١٦٩٧)
كتاب: الطهارات، باب: في التيمم كم يصلي به من صلاة. وانظر: ((الأوسط))
٥٦/٢-٥٧.
(٨) انظر: ((المغني)) ٣٤١/١.
(٩) ((الأوسط)) ٥٨/٢، ((البيان)) ٣١٤/١.

١٨٩
كتاب التََّمُّمِ
ومن طريق قتادة عن عمرو بن العاصي، والحارث عن علي(١).
قَالَ ابن حزم: الرواية عن ابن عباس ساقطة وبيَّنها. قَالَ: وقد روي
نحو قولنا عن ابن عباس أيضًا. قَالَ: والرواية عن علي. وابن عمر
لا تصح. قَالَ: وحديث عمرو رواه عنه قتادة، وقتادة لم يولد إلا بعد
موته(٢).
قلت: وحاصل الأقوال ثلاثة:
أحدها: أنه يصلي به ما لم يحدث.
ثانيها: أنه يصلي به فرضًا واحدًا.
ثالثها: كذلك إلا الفوائت. وقد أسلفناه عن أبي ثور، وحكي أيضًا
عن مالك. أحتج الأول بالقياس عَلَى الوضوء.
والثاني بأنه طهارة ضرورة، بدليل نقضه برؤية الماء، وأيضًا لا يصح
قبل وقته بخلافه. فإذا لم يجز التيمم للعصر قبل وقته وجب أن لا يجزئ
لما بعده إذ العلة واحدة. لكن جماعات خالفوا في هذا وقالوا: إنه يصح
التيمم للفرض قبل وقته، منهم: الليث، وابن شعبان المالكي، وأهل
الظاهر، والمزني (٣).
قَالَ ابن رشد في ((قواعده)): واشتراط دخول الوقت ضعيف، فإن
التأقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، ويلزم من ذَلِكَ أنه
لا يجوز إلا آخر الوقت (٤).
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٢١/١-٢٢٢ كتاب: الطهارة، باب: التيمم لكل فريضة.
(٢) ((المحلى)) ١٣١/٢-١٣٢.
(٣) ((المنتقى)) ١١١/١، ((البيان)) ٣١٤/١، ((المحلى)) ١٣٣/١.
(٤) ((بداية المجتهد)) ١٣٤/١-١٣٥.

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما حديث أبي ذر مرفوعًا: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم
يجد الماء عشر سنين)) رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم
وصححوه(١). وخالف ابن القطان فأعله(٢)، وصحح حديث أبي هريرة
عند البزار مثله(٣)، فهو ظاهر للقول الأول، لكن للقائل الثاني أن
يقول: إنما سماه وضوءًا؛ لقيامه مقامه، ولا يلزم من ذَلِكَ أن يقوم
مقامه من کل وجه.
وأما حديث عمران الآتي: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) فيحتمل أن
يكون المراد -والله أعلم- أنه كافيك ما لم تحدث إذا لم تجد ما يكفيك
للوضوء. وإنما قالوا: إنه يتيمم لكل صلاة خوف أن يضيع طلب الماء،
ويتكل عَلَى التيمم، ويأنسوا إلى الأخف.
ويحتمل أنه كان كافيك لتلك الصلاة وحدها؛ لأنها هي التي استباح
فيها خوف فوات وقتها. والأول هو ظاهر تبويب البخاري له.
قَالَ ابن حزم: قول مالك لا متعلق له بحجة، ولا يخلو التيمم إما أن
يكون طهارة أم لا. فإن كان طهارة فيصلي به ما لم يوجب نقضها قرآن أو
سنة، وإلا فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة. وقال بعضهم: ليس طهارة
تامة، ولكنه استباحة للصلاة. قَالَ: وهو باطل من وجوه:
أحدها: أنه قول بلا برهان.
(١) (سنن الترمذي)) (١٢٤) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التيمم للجنب إذا لم
يجد الماء، قال: هذا حديث حسن صحيح، و((صحيح ابن حبان)) ١٣٥/٤ -١٣٦
(١٣١١)، ١٤٠/٤ (١٣١٣) كتاب: الطهارة، باب: التيمم، و((المستدرك))
١٧٦/١-١٧٧، قال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. قال الألباني في ((صحيح
الترمذي)»: صحيح.
(٢) انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) ٣٢٧/٣-٣٢٨ (١٠٧٣).
(٣) انظر: ((كشف الأستار)) ١٥٧/١ (٣١٠) كتاب: الطهارة، باب: التيمم.

١٩١
كتاب النَّيَمُمِ
=
ثانيها: أن الله سماه طهارة بقوله: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
ثالثها: أنه تناقض منهم؛ لأنهم قالوا: ليس طهارة تامة، ولكنه
استباحة للصلاة. وهذا كلام ينقض أوله آخره؛ لأن الاستباحة لا تكون
إلا بطهارة، فهو إذا طهارة لا طهارة.
رابعها: هب أنهم قالوا استباحة، فمن أين لهم أن لا يستبيحوا به
فريضة أخرى كالأولى. وفي ((الموطأ)): ليس المتوضئ بأطهر من
المتيمم(١). ومن تيمم فقد فعل ما أمر الله تعالى.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾
[المائدة: ٦] الآية. أوجب الوضوء عَلَى كل قائم إلى الصلاة. فلما صلى
وَل* الصلوات بوضوء واحد خرج الوضوء بذلك عن حكم الآية بقي
التيمم على وجوبه عَلَى كل قائم إلى الصلاة، وليس كما قالوا لاسيما
من أباح القيام للنافلة بعد الفريضة بغير تيمم، وهم الشافعية
والمالكية، ولا متعلق لهما بشيء من ذَلِكَ، فإن الآية لا توجب شيئًا
من ذَلِكَ، ولو أوجبت ذَلِكَ لأوجبت غسل الجنابة عَلَى كل قائم إلى
الصلاة أبدًا. وإنما حكم الآية في إيجاب الله تعالى الوضوء والتيمم
والغسل عَلَى المحدثين والمجنبين فقط(٢).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله: وَأَمَّ ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَّمٌمٌ.
وهذا من البخاري بيان أنه كالوضوء، فكما أن المتوضئ يؤم كذلك
المتيمم، وهو داخل في قوله: الصعيد الطيب.
وهُذِهِ المسألة خلافية، وهو إمامة المتيمم للمتوضئين، أجازه
مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، والثوري، والشافعي،
(١) ((الموطأ)) ٦١/١ (١٥١) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التيمم.
(٢) ((المحلى)) ١٢٩/٢ -١٣٢.

١٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وأبو ثور (١).
قال ابن حزم: وروي ذَلِكَ عن ابن عباس، وعمار، وجماعة من
الصحابة(٢). وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء،
والزهري، وحماد.
ومنعه الأوزاعي ومحمد بن الحسن. وحكي عن علي والنخعي
والحسن بن حي أيضًا(٣). وكرهه مالك(٤) وعبد الله بن الحسن مع
الإجزاء.
وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابة إلا من هو مثله. وبه قَالَ
يحيى بن سعيد الأنصاري(٥). ونقل ابن حزم عن الأوزاعي أنه
لا يؤمهم إلا إن كان أميرًا (٦)، وهو مخالف لما نقله ابن بطال(٧)،
وابن التين عنه من المنع، وقد سلف.
واحتج الأولون بأنه مطيع لله تعالى، وليس الذي وجد الماء بأطهر
منه ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا، فكلٌ عمل بالمأمور. أحتج مقابله
بأن شأن الإمامة الكمال، ومعلوم أن الطهارة بالصعيد ضرورة، فأشبهت
صلاة القاعد المريض يؤم قيامًا والأُمِّي يؤم من يحسن القراءة.
(١) ذكر أغلب هذه الآثار ابن المنذر في ((الأوسط)) ٦٧/٢، وذكر البيهقي في ((السنن))
٢٣٤/١ عن ابن المسيب والحسن وعطاء والزهري ٢٣٤/١. وانظر: ((عيون
المجالس)) ٢١٩/١-٢٢٠، ((بدائع الصنائع)) ٥٦/١، ((البيان)) ٤٠٣/٢،
((المحلى)) ١٤٣/٢، ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٦٤/٢-٢٦٧.
(٢) ((المحلى)) ١٤٣/٢.
(٣) ذكرها ابن المنذر في ((الأوسط)) ٦٨/٢-٦٩.
(٤) انظر: ((المدونة)) ٥٢/١.
(٥) انظر: ((الأوسط)) ٦٨/٢، ((عيون المجالس)) ٢٢٠/١، ((المحلى)) ١٤٣/٢.
(٦) ((المحلى)) ١٤٣/٢.
(٧) ((شرح ابن بطال)) ٤٨٤/١-٤٨٥.

١٩٣
= كتاب النَّيَقُّمِ
وللأول أن ينازعه في صلاة المريض ويقول: لا نقص فيها، فإنه أمر
كذلك. قَالَ أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الجنب يؤم المتوضئين؟
قَالَ: نعم، قد أمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمار بن ياسر وهو جنب
فتيمم(١). وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب، فأخبر النبي
ێے، فتبسم(٢).
قلت: حسان بن عطية سمع من عمرو بن العاص. قَالَ: ولكن يقوى
بحديث ابن عباس(٣).
قلت: وأما حديث جابر المرفوع: ((لا يؤم المتيمم المتوضئين))
وحديث علي الموقوف: لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد
المطلقين. فضعيفان، ضعفهما الدارقطني وابن حزم وغيرهما (٤).
(١) رواه البيهقي في ((السنن)) ٢٣٤/١ من طريق يحيى بن يحيى، عن جرير، عن
أشعث، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان ابن عباس في سفر ..
(٢) رواه أبو داود (٣٣٤، ٣٣٥)، وأحمد ٢٠٣/٤ - ٢٠٤، والحاكم ١٧٧/١،
والحديث علقه البخاري في ((صحيحه)) بعد رقم (٣٤٤) كتاب: التيمم، باب: إذا
خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت. وقال الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٤٥٤ :
وإسناده قوي، وقال النووي في ((الخلاصة)) كما في ((نصب الراية)) ١٠٧/١: إن
الحديث حسن أو صحيح. والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٢/
١٥٤-١٥٨.
(٣) رواه أبو داود (٣٣٧)، وابن ماجه ١٨٩/١ (٥٧٢)، وأحمد ٣٨٠/١، والحديث
حسنه الألباني. انظر: ((صحيح أبي داود)) ٢/ ١٦١-١٦٥.
(٤) روى الدارقطني في ((السنن)) ١/ ١٨٥ حديث جابر من طريق إسماعيل الكوفي، عن
صالح بن بيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وأخرجه البيهقي في ((السنن))
٢٣٤/١، وابن الجوزي في ((العلل)) ٣٧٩/١ -٣٨٠ (٦٣٦) كلاهما من طريق
الدارقطني. وقال ابن الجوزي: صالح بن بيان متروك. أما حديث علي فرواه
الدارقطني في ((السنن)) ١٨٥/١ ومسدد في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية))
١٢١/١. ومن طريق البيهقي في ((السنن)) ٢٣٤/١.

١٩٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأغرب ابن شاهين فذكر حديث عمر مرفوعًا: ((لا يؤم المتيمم
المتوضئین)» في «ناسخه ومنسوخه))، ثم ذكر بعده حديث عمرو بن
العاص. ثم قَالَ: يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخًا للأول. قَالَ:
وهذا الحديث أجود إسنادًا من حديث الزهري(١).
وإن صح فيحتمل أن يكون النهي في ذَلِكَ لضرورة وقعت في وجود
الماء. فإن قيل: يكون هذا رخصة لعمرو إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة.
قيل له: لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له: ((أحسنت)) وضحك في
وجهه، ولقال له کما قَالَ لأبي بردة بن دينار.
ثم قَالَ البخاري رحمه الله: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ
عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَّمُّمِ بِهَا.
والتيمم بها هو مذهب جميع العلماء خلافًا لإسحاق بن راهويه.
وقوله ◌َّالّ: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورً))(٢) يدخل فيه
السبخة وغيرها، كيف والمدينة سبخة؟! والسبخة واحد السباخ، وهو
بفتح السين والباء، قاله ابن التين. وقال ابن سيده: هي أرض ذات
ملح ونز(٣).
وقال صاحب ((المطالع)): هي الأرض المالحة، وجمعها سباخ،
فإذا وصفت بها الأرض قلت: سبخة بالكسر.
وقال ابن الأثير: هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت
إلا بعض الشجر (٤).
(١) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص ١٣٤ -١٣٧.
(٢) سلف هذا الحديث برقم (٣٣٥) كتاب: التيمم.
(٣) ((المحكم)) ٥٦/٥ مادة: سبخ.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٣٣/٢.

١٩٥
كتاب التّيَمُّم
=
ثم ساق البخاري حديث عمران بن الحصين بطوله.
وأخرجه أيضًا في أول علامات النبوة(١)، ومختصرًا في آخر
التيمم(٢). وأخرجه مسلم في الطهارة (٣).
وهذه القصة رواها جماعة من الصحابة غير عمران منهم أبو قتادة،
وسيأتي في الصلاة (٤)، وأبو هريرة (م.د.ت.س)(٥)، وعمرو بن أمية
الضمري(٦)، وذو مخبر (د) الحبشي(٧)، وعبد الله (د) بن مسعود (٨)،
وعقبة بن عامر(٩)، وسيأتي في الأذان(١٠)، وابن عباس (س)(١١)،
وجبير (س) بن مطعم(١٢)، ومالك (س) بن ربيعة(١٣)، وأبو جحيفة
(ت)(١٤)، وأنس (١٥).
(١) برقم (٣٥٧١) كتاب: المناقب.
(٢) برقم (٣٤٨) باب: التيمم ضربة.
(٣) لم أقف عليه في الطهارة، وقد رواه في كتاب المساجد برقم (٦٨٢) باب: قضاء
الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها. انظر: ((تحفة الأشراف)) (١٠٨٧٥).
(٤) برقم (٥٩٥) باب: الأذان بعد ذهاب الوقت.
(٥) رواه مسلم (٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب
تعجیل قضائها.
(٦) رواه أبو داود (٤٤٤).
(٧) أبو داود (٤٤٥).
(٨) النسائي في ((السنن الكبرى)) ٢٦٨/٥ (٨٨٥٣)، وأحمد ٣٨٧/١، ٣٩١/١،
١/ ٤٥٠، وأبو يعلى في ((مسنده)) ١٨٧/٩، ١٨٨ (٥٢٨٥)، وابن حبان في
((صحیحه)) ٤٤٩/٤، ٤٥٠ (١٥٨٠).
(٩) رواه البيهقي بمعناه مطولًا في ((دلائل النبوة)) ٢٤١/٥-٢٤٢.
(١٠) لم أقف عليه فيه.
(١١) رواه النسائي ٢٩٨/١، ٢٩٩، وأحمد ٢٥٩/١.
(١٢) رواه النسائي ٢٩٨/١.
(١٣) رواه النسائي ٢٩٧/١. وفي ((الكبرى)) برقم (١٥٨٧) ١/ ٤٩٤، ٤٩٥.
(١٤) رواه أبو يعلى ٢/ ١٩٢ (٨٩٥)، والطبراني ١٠٧/٢٢ (٢٦٨).
(١٥) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) ٢٠٠/١ (٣٩٦).

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال ابن العربي: ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ◌َّ النوم عن الصلاة
ثلاث مرات :
إحداها: رواية أبي قتادة، ولم يحضر مع النبي ◌َّ أبو بكر وعمر.
ثانيها: رواية عمران بن الحصين، حضراها.
ثالثها: رواية أبي هريرة، حضرها أبو بكر وبلال(١)، وسيأتي ما فيه.
ووقع في أبي داود في حديث أبي قتادة. بعث رسول الله وَل جيش
الأمراء فذكره(٢). وَهَو وهم؛ لأن جيش الأمراء كان في مؤتة(٣): وهي
سرية لم يشهدها رسول الله له.
إذا تقرر ذَلِكَ، فالكلام عَلَى حديث - عمران بن حصين بن
عبيد الخزاعي، الكعبي، القاضي، المجاب الدعوة، تسلم عليه
الملائكة، أبي نجيد، أسلم عام خيبر (٤) - من وجوه:
أحدها :
قوله: (كُنَّا فِي سَفَرِ مَعَ النَّيِّ ◌َِّ). هذا السفر اختلف في تعيينه. ففي
مسلم من طريق أبي هريرة حين قفل من غزوة خيبر -بالخاء
المعجمة -(٥).
ورواه الأصيلي حنين، بالحاء المهملة.
(١) ((عارضة الأحوذي)) ٢٩٠/١.
(٢) أبو داود (٤٣٨).
(٣) ورد في هامش (س): مؤته في السنة الثامنة.
(٤) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٥٣/٢، ٢٥٤ (٧٦٨)، ((معرفة
الصحابة)) ٢١٠٨/٤: ٢١١١ (٢٢٠٤)، ((الاستيعاب)) ٢٨٤/٣، ٢٨٥ (١٩٩٢)،
((أسد الغابة)) ٢٨١/٤، ٢٨٢ (٤٠٤٢).
(٥) مسلم (٦٨٠) باب: قضاء الصلاة الفائتة.

١٩٧
كتاب النَّيَمُمِ
=
قَالَ: والأول غلط، وذكر أنه وقع لما قفل من حنين. وذكر الباجي
وابن عبد البر أن قول من قال: خيبر أصح، وأنه قول أهل السير(١).
وفي حديث ابن مسعود أن نومه ذَلِكَ كان في عام الحديبية، وذلك
في زمن خيبر. قَالَ الباجي: وعليه يدل حديث أبي قتادة (٢).
قَالَ القاضي عياض عن أبي عمران في هذِه الأخبار أن نومه كان مرة
.(٣)
واحدة(٣).
وقد أسلفنا عن ابن العربي أنه كان ثلاث مرات. ومن تأمل
الأحاديث السالفة وجدها أكثر من ذَلِكَ. قَالَ القاضي: حديث أبي
قتادة غير حديث أبي هريرة، وكذا حديث عمران (٤).
ومن الدليل على أن ذَلِكَ وقع مرتين؛ لأنه قد روى أن ذَلِك كان زمن
الحديبية(٥)، وفي رواية: بطريق مكة (٦).
والحديبية كانت في السادسة، وإسلام عمران وأبي هريرة الراوي
حديث: حين قفل من خيبر، كان في السابعة بعد الحديبية، وهما كانا
حاضرين الواقعة.
قلت: وذكر ابن سعد، والطبراني، وغيرهما أن إسلام عمران كان
بمكة، شرفها الله تعالى(٧).
(١) ((التمهيد)) ٢١٦/١، ((المنتقى)) ٢٧/١.
(٢) ((المنتقى)) ٢٧/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦٦٥/٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) رواه أبو داود من حديث ابن مسعود (٤٤٧).
(٦) رواه مالك من حديث زيد بن أسلم في ((الموطأ)) ص ٣٥.
(٧) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٨٧/٤ و٩/٧، ((المعجم الكبير)) ١٠٣/١٨،
(«أسد الغابة)) ٢٨١/٤-٢٨٢ (٤٠٤٢)، ((الإصابة)) ٢٦/٣-٢٧ (٦٠١٠).

١٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقد روى البيهقي في ((دلائله)) من حديث عقبة بن عامر قَالَ: خرجنا
مع رسول الله وَ له في (غزوة)(١) تبوك، فاسترقد لما كان فيها عَلَى ليلة،
فلم يستيقظ حَتَّى كانت الشمس قدر رمح، فقال: ((ألم أقل لك يا بلال .. ))
الحديث. وفي آخره: فانتقل رسول الله وَلهم من ذَلِكَ المنزل غير بعيد، ثم
صلى، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك(٢).
ففي هذه الرواية أن ذَلِكَ وقع بتبوك قبل أن يصل إليها. وفي رواية
أبي هريرة حين قفل.
وقال النووي: هُذِه الأحاديث جرت في سفرتين، أو أسفار، لا في
سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك(٣).
ثانیھا :
قوله: (وَإِنَّا أَسْرَيْنَا). يقال: سرى وأسرى لغتان: سائر الليل عامته.
وقيل: كله، يذكر ويؤنث. ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، والاسم
السرية (٤).
ثالثها :
قوله: (وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: لأنهم
أكدهم السير والسهر والتعب، فاستلذوا النوم لذلك.
رابعها :
الاستيقاظ: الانتباه من النوم.
(١)
في (ج): غزاة.
(٢) ((دلائل النبوة)) ٢٤١/٥.
(٣) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٩٣/٥.
(٤) انظر: ((الصحاح)) ٢٣٧٦/٦، ((لسان العرب)) ٢٠٠٣/٤، مادة: (سرا).

١٩٩
■ كتاب النََّثُمِ
الخامس :
قوله: (وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ أُسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ) يسميهم
أبو رجاء، فنسي عوف -أي: الراوي عنه، ثم عمر الرابع. جاء في
رواية سليم بن زرير عن أبي رجاء، قَالَ: أول من أستيقظ أبو بكر،
ثم عمر (١). وفي رواية سعيد عن أبي هريرة: فكان رسول الله دوله
أولهم استيقاظًا(٢). وهذا دال عَلَى أن ذَلِكَ وقع أكثر من مرة.
السادس :
قوله: (وكان ◌َ ﴿﴿ إِذَا نَامَ لَمْ نوقظه(٣)؛ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا
لَا نَذْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ). يؤخذ منه أن الأمور يحكم لها بالأعم؛
لأنهم لم يوقظوه خشية ما يحدث من وحي كما حكم عَلَى النائم بحكم
الحدث، وقد لا يحصل، ومع هذا فات الوقت. والآحاد ينهون عند
الخوف. ونومه وي كنوم البشر في بعض الأوقات كما ستعلمه، إلا أنه
لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
السابع :
الجليد: القوي، يقال للرجل إذا كان قوي الجسم أو القلب: إنه
لجليد وجلد، فعمر أجلد المسلمين وأصلبهم في أمر الله.
الثامن :
فيه الرحلة عن الوادي للصلاة خارجة، لكنه واد خاص فلا يقاس به
(١) ستأتي برقم (٣٥٧١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٢) هُذِه الرواية في ((مسلم)) من حديث أبي هريرة (٦٨٠) باب: قضاء الصلاة الفائتة.
(٣) كذا في رواية المصنف، وفي ((اليونينية)) (٦٤/١): لم يوقظ. وفي هامشها مصححا
أنها رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ونسخة لم يعلم
صاحبها .

٢٠٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
غيره، وقد قَالَ وَله: ((فحيثما أدركتك الصلاة فصل))(١) والشارع يطلعه
الله عَلَى أمر يغيب عنا.
التاسع :
قوله: (فما زال يكبر حَتَّى استيقظ لصوته(٢) رسول الله)، فيه التأدب
في إيقاظ السيد كما فعل عمر؛ لأنه لم يوقظه بالنداء بل أيقظه بذكر الله،
إذ علم عمر أن (أمر)(٣) الله يحثه عَلَى القيام.
العاشر :
معنى: ((لا ضير)) أي: ما جرى لا يضر، وشكواهم هو فوتهم الصلاة.
الحادي عشر:
إن قلت: كيف نام 18َّ في الوادي عن صلاة الصبح حَتَّى طلعت
الشمس مع إخباره بنوم عينه دون قلبه؟(٤)
قلت: لا تنافي بينهما؛ لأن الشمس تدرك بحاسة البصر لا بالقلب،
وأبعد من قَالَ: إن ذَلِكَ باعتبار الغالب، وقد يندر منه غير ذَلِكَ، وأراد الله
تعالى بذلك إبراز حكم وتقرير شرع، وإنما لم ينم قلبه؛ لأجل ما يوحى
إليه، فقد كان يُسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوضأ.
فإن قلت: لولا عادته الاستغراق في النوم؛ لما قَالَ لبلال: ((اكلأ لنا
الصبح)) قلت: لعله لأجل التغليس، فإنه كان من شأنه، ومراعاة أول
(١) سلف هذا الحديث برقم (٣٣٥) كتاب: التيمم.
(٢) كذا في رواية المصنف وفي ((اليونينية)) (٦٤/١): بصوته. وفي هامشها مصححا أنها
رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ونسخة لم يعلم صاحبها .
(٣) ورد في هامش (س) ما نصه: لعله: ذكر.
(٤) سلف الحديث الدال على ذلك برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في
الوضوء.