النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب التّيَمُّم = قاله ابن مسلمة المالكي في ((مبسوطه)) وعلى هذا يجوز للإنسان سلوك طريق يتيقن فيه عدم الماء)(١) طلبًا للمال. رابعها: شكوى المرأة إلى والدها، وإن كان لها زوجٌ. خامسها: خروج النساء مع الرِّجالِ في الأسفارِ والغزواتِ، وذلك مباح إذا كان العسكرُ (كثيرًا)(٢) يؤمن عليه الغلبة. سادسها: الإقامة (على)(٣) موضع لا ماءَ فيه للمصلحةِ، إذ في الحديث: وليسوا عَلَى ماءٍ. سابعها: جواز القلادة للنساءِ. ثامنها: جواز السَّفرِ بها بإذن الغير. تاسعها: جواز وضع الرجل رأسَه عَلَى فخذِ زوجتِهِ. عاشرها: جواز دخول والد الزوجة إلى بيتها وإن كان زوجها نائمًا بغيرِ إذنه والإنصاف منها بغيرِ إذنه. الحادية عشرة: تأديبُ الرجلِ ولدَه بالقولِ والفعلِ والضربِ، وإنْ کان کبیرًا خارجًا عن بيته متزوجًا. الثانية عشرة: احتمالُ المشقةٍ لأجل المصلحة؛ لقولها: ولا يمنعني من التحركِ إلا مكان رسولِ اللهِ نَّهِ عَلَى فخذي. الثالثة عشرة: معاتبة من نسب إلى ذنبٍ أو جريمةٍ كما عاتب الصديق ابنتَهُ عَلَى حبسٍ الجيش بسببها. الرابعة عشرة: نسبةُ الفعلِ إلى من هو سببه وإن لم يفعله؛ لقولهم: ألا ترى ما صنعتْ عائشةُ. إلى آخره، فنُسبَ الفعلُ إليها إذ كانت سببه. (١) ما بين القوسين ليست في (ج). (٢) في (ج): قليلًا. (٣) في (ج): في. ١٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحديث الثاني : حديث يزيد الفقير عن جابر مرفوعًا: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا .. )) الحديث. والكلامُ علیه من وجوهٍ : أحدها : هذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلاةِ(١)، وبعضه في فرضٍ الخُمسِ(٢)، وأخرجه مسلمٌ في الصلاةِ، والنسائي في الطهارةِ(٣). ويزيد هذا ليس فقيرًا، وإنما لُقِّب بذلك؛ لأنه كان مكسورَ فقار ظهره. قَالَ في ((المحكم)): رجل فقير وفقِير: مكسور فقار الظهر (٤). ثانیھا : عدَّ كون الأرضِ مسجدًا وطهورًا خصلةً واحدة، وإلا كانت سنًّا. وفي مسلم من حديث أبي هريرةَ: «فُضِّلتُ عَلَى الأنبياء بستٍّ، وأعطيتُ جوامعَ الكَلم، وخُتم بي النبيون))(٥) وعنده أيضًا من حديث حذيفة: ((فُضِّلنا عَلَى الَناس بثلاثٍ: جُعلتْ صفوفُنا كصفوفٍ الملائكةِ، وجعلت لنا الأرضُ كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماءَ))(٦) وللدارقطني: ((وترابها)) بدل ((وتربتها))(٧) ولا تعارض بينها، والأعداد لا تدل عَلَى الحصر، ويجوز أن يكون أعلمه اللهُ تعالى أولًا (١) سيأتي برقم (٤٣٨) باب: قول النبي ◌َّ: ((جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا)). (٢) سيأتي برقم (٣١٢٢) باب: قول النبي ◌َّ: ((أحلت لكم الغنائم)). (٣) ((صحيح مسلم)) (٥٢١) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، ((سنن النسائي)) ٢٠٩/١. (٤) ((المجكم)) ٢٣١/٦ مادة: فقر، وفيه: رجل مَفْقور، وفَقِير. (٥) (صحيح مسلم)) (٥٢٣) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. (٦) ((صحيح مسلم)) (٥٢٢) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. (٧) ((سنن الدارقطني)) ١/ ١٧٥. ١٦٣ - كتاب التَّيَقُّمِ بالقليلِ ثم بالكثيرِ(١). ثالثها : قولها: ((لم يُعطهُنَّ أحدٌ قبلي)) أي: لم تجمع لأحدٍ قبله. رابعها : النصر: العون. والرعب: الخوف والوجل. والشفاعة: الطلب أو الدعاء. والمسجد: بفتح الجيم وكسرها، والمراد به هنا: موضع السجود. وقوله: ((فأيُّما رجل)) ما زائدة؛ لتوكيد الشرط، والفاء في ((فليصل)) جواب الشرط، والطهور هو المطهر .وفيه: إظهار كرامة الآدمي؛ لأنه خُلق من ماءٍ وترابٍ، فجعلهما اللهُ طهورين لهذا(٢). (١) وقد جمع ابن حجر في ((الفتح)) الروايات والأحاديث التي فيها الخصال التي اختص بها النبي فبلغ بها سبع عشرة خصلة، ثم قال: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، ثم قال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب ((شرف المصطفى)) أن عدد الذي اختص به نبينا وَلقول عن الأنبياء ستون خصلة. ((فتح الباري)) ٤٣٩/١. (٢) قال ابن القيم رحمه الله : ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف القياس من و جھین : أحدهما: أن التراب ملوث لا يزيل درنًا ولا وسخا ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب. والثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح. ولعمر الله إنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين، وهو على وفق القياس الصحيح، فإن الله سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس والماء حياة كل شيء، وهما = ١٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - خامسها : استدل به من جَوَّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، وبه قَالَ أبو حنيفةً ومالكٌ، حَتَّى جوازه بصخرةٍ مغسولة(١)، وفيه نظرٌ؛ لأن (من) الدالة عَلَى التبعيض في الآيةِ تقتضي أن يمسحَ بشيءٍ يحصل عَلَى الوجهِ واليدين بعضه. وقد أنصف الزمخشريُّ وهو من الحنفيةِ، فإنه أبرز ما ذكرناه في صورةٍ سؤالٍ يدل عَلَى المنع بالحجرِ ونحوه، وأجابَ بقوله: قلت: هو كما نقول الحقُ أحق منَ المراءِ(٢). وأبعد ابن كيسانَ، وابن عليَّةً فقالا بجوازه بالمسكِ والزعفرانِ، نقله عنهما النَّقاشُ في ((تفسيره)) (٣). = الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم، وجعل قوامه بهما. ثم قال: وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب. والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد ثم قال: وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع! وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاء بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا: فجمعهما الله رَكّ وخلق آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودًا، وأسهلها تناولًا، وكان تعفير الوجه في التراب لله من أحب الأشياء إليه، ولما كان عقدُ هُذِه الأخوة بينهما قدرًا أحكم عقدٍ وأقواه كان عقد الأخوة بينهما شرعًا أحسن عقدٍ وأصحه، فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. ((إعلام الموقعين)) ١٧/٢-١٨، ١٧٤-١٧٥. (١) انظر: ((الهداية)) ٢٧/١، ((الذخيرة)) ٣٤٦/١-٣٤٧. (٢) ((الكشاف)) ٤٤٩/١. (٣) وانظر: ((مجموع الفتاوى)) ٣٦٤/٢١-٣٦٦. ١٦٥ - كتاب التَّيَمُّمِ سادسها : قوله: ((فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصل)) هذا عام إلا ما خرج بدليلٍ، كالمكان المغصوب ونحوه، وتُكره الصلاة في مواطن كالحمّام، وغيره مما هو مبسوطٌ في الفروع. ولم يأت في أثرٍ، كما قَالَ ابن بظَّالٍ، عن المهلب: أنَّ الأرضَ منعت من غيرِهِ وَّ مسجدًا، وقد كان عيسى العَيْ يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاةُ فالمجموع ثبت، وغيره لم تجعل له طهورًا(١). سابعها : قد يُؤخذ من هذا أنه لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت كما هو مذهبُ الجمهورِ، وقد يؤخذ منه أيضًا تيممُ الحضريُّ إذا عدِمَ الماء وخافَ فوتَ الصلاةِ (٢). ثامنها : الغنائم: جمع غنيمة، وكانت قبلنا ممن له الجهاد إذا حصَّلوها جاءت نارٌ فأحرقتها، فأباحها اللهُ لنا(٣) (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٦٩/١. (٢) انظر: ((عيون المجالس)) ٢٢٠/١، ((الكافي)) ص٢٩، ((البيان)) ٢٨٦/١، ((بدائع الصنائع)) ٥٤/١، («المغني)» ٣١٣/١، ((الإعلام)) ١٦٤/٢. (٣) قال ابن رجب رحمه الله: وأمَّا إحلالُ الغنائم له ولأُمَّتِه خاصة: فقد روي أن من کان قبلنا من الأنبياء کانوا یحرقون الغنائم. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ قال: «لم تحلَّ الغنائمَ فجاءتْ نارٌ لتأكلَها فلم تَطْعَمْها فقال: إِنَّ فيكم غلولا فَلْيُبَايعْني من كلِّ قبيلة رجلٌ، فلزقتْ يدُ رجل بيده فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرةٍ من الذهب فوضعوها فجاءت النَّارُ فأَكَلتها، ثم أحلَّ اللهُ لنا الغنائم رَّأى ضعفنا وعجزنا فأحلَّها لنا». وفي ((الترمذي)) عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَِّ قال: «لم تحلَّ الغنائم لأحدٍ سود الرءوس قبلکم، کانت تنزل نارٌ فتأكلها)). = ١٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي كتاب ((السيرة)) لسليمان التيميّ: إِنَّ من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئًا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كلَّ نفسٍ من إنسانٍ أو دائَّةٍ. وفي صحة هذا نظرٌ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم، إنما كان یحرم عليهم ما تأكله النار. وقد ذهب طائفةٌ من العلماء -منهم الإمام أحمد- إلى أنَّ الغالَّ من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمةٌ من حيوانٍ أو مصحف، وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع آخر إن شاء الله . وقد قالت طائفة من العلماء: إنَّ المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح، واستدلُّوا بأن إبراهيم وَل﴿ كانت له هاجر أمة، والإماء إنما يكتسبن من المغانم. ذكر هذا ابن عقيل وغيره. وفي هذا نظرٌ، فإن هاجر وهبها الجبار لسارة فوهبتها لإبراهيم ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما يملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم. وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هديةً فله أن يتملكها منه ويختص بها دون غيره من المسلمين. وقال القاضي إسماعيل المالكيُّ: إنما اختصت هذِه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم، فأما الأرض فإنها فيء وكانت مباحة لمن قبلنا، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون، وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيًا سواء أخذت بقتال أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه. ومن الناس من يقول: إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال، قالوا: وهاجر كانت فيئًا لا غنيمة، لأن الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره. وقد قال طائفةٌ من العلماء: إن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئًا، وزعم بعضهم أنَّ المحرم على من كان قبلنا كان خمس الغنيمة خاصَّةً كانت النار تأكله وتقسم أربعة أخماسه بين الغانمين -وهذا بعيدٌ جدًا- واستدلوا بما خرجه البزارُ من رواية سالم أبي حماد، عن السديِّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النَّبيِّ وَالر قال: ((أعطيت خمسًا لم يعطها أحدٌ قبلي)) فذكر الحديث وقال فيه: ((وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي)). ((فتح الباري)) لابن رجب ٢١١/٢-٢١٤. ١٦٧ كتاب النَّيَمُّمِ = تاسعها : الألفُ واللام في الشفاعةِ للعهدِ، وهي العظمى المختصة به، وله وَ* سبعُ شفاعاتٍ أخر ذكرتها في «غاية السول في خصائصِ الرسولِ)» فراجعها منه (١)، وقد أوضحت الكلامَ عَلَى هذا الحديث في ((شرح (١) قال المصنف -رحمه الله- في ((خصائص النبي)) ص ١٨١- ١٨٤ : أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء كما ثبت في الصحيح في حديث الشفاعة. والثانية: في جماعة يدخلون الجنة بغير حساب. والثالثة: في ناس استحقوا دخول الجنة. والرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون. والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة. والأولى: مختصة به وكذا الثانية، قال النووي في ((الروضة)): ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضًا، أي: والرابعة يشاركه فيها غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء وقال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبة من إيمان مختصة به إذ لم تأت شفاعة لغيره إلا قبل هذه. وأهمل النووي شفاعة سادسة: وهي: تخفيف العذاب على من استحق الخلود فيها كما في حق أبي طالب في إخراجه من غمرات النار إلى ضحضاحها. وسابعة: وهي شفاعته لمن مات بالمدينة لما روى الترمذي وصححه عن ابن عمر أن النبي وَ ل﴿ قال: ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن مات بها)) نبه على هذِه والتي قبلها القاضي عياض في ((الإكمال)). وفي ((صحيح مسلم)) من حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: ((لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)) فهُذِه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمة، وقد قال بير في شهداء أحد: «أنا شهید على هؤلاء)). وفي ((العروة الوثقى)) للقزويني: إن من شفاعته شفاعته لجماعة من صلحاء المؤمنين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، وأطلق الرافعي أن من خصائصه: شفاعته في أهل الكبائر، وفي ذلك نظر؛ فإن المختصة به ليست في مطلق أهل الكبائر. ١٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = العمدة))(١)، ومن ذَلِكَ بعثه إلى الناسِ عامة. وفي هذا دلالةٌ عَلَى أن الحجة تلزم بالخبر كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أنَّ الآيةَ المعجزة باقيةٌ -وهي القرآن- قائمةً بما فيه؛ لبقاء دعوته، ووجوبِها عَلَى من بلغته إلى آخرِ الزمانِ. (١) انظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ١٥٣. ١٦٩ كتاب النَّبَهُمِ = ٢- باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَ تُرَابًا ٣٣٦- حَذَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ وََّ رَجُلًا، فَوَجَدَهَا فَأَذْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الَّيَمُمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّ جَعَلَ اللهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. [انظر: ٣٣٤- مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٤٠] ساق فيه حديث عائشةً أيضًا في قلادتها. وقد سلفَ فقهه، وسلف الخلاف في صلاةٍ فاقدِ الطهورين في بابٍ : لا تقبل صلاة بغير طهور، والمذاهب الخمسة فيها. وقوله: (فصلَّوا). أي: بغير وضوء، كما جاء في روايةٍ أخرى في ((الصحيح))(١)، وهو إذًا مطابق لما ترجم له. (١) ستأتي برقم (٣٧٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله عنها. ١٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٣- باب التََّقُّمِ فِي الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ. ٣٣٧- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَغْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا -مَوْلَى ابن عَبَّاسِ - قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ -مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ- حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنَّصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ الكلية. [مسلم: ٣٦٩ - فتح: ٤٤١/١] (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح. وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفهِ)) عن عمرَ، عن ابن جريج عنه قَالَ: إذا كنتَ في الحضرِ وحضرت الصلاةُ وليس عندك ماءٌ فَانتظر الماءَ، فإن خشيت فوتَ الصلاةِ تيمم وصلٌ(١). ثم قَالَ البخاري: وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: يَتَيَمَّمُ. والحسن هذا هو البصري. ثم قال: وَأَقْبَلَ ابن عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ. (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤٨/١ (١٧٠١). ١٧١ - كتاب الثَّيَُّمِ وهُذا رواه مالكٌ، عن نافع عنه مطولًا، ورواه الشافعيُّ أيضًا، ثم قَالَ: والجُرُف: قريب من المدينة(١). وروي أيضًا مرفوعًا، والمحفوظ الأول كما نبه عليه البيهقي (٢). والجُرُف: بضم الجيم والراء، وقد علمته. وقال الزبير: إنه عَلَى ميلٍ منها. وقال ابن إسحاق: عَلَى فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزوَ(٣). وقال صاحب ((المطالع)): هو عَلَى ثلاثة أميال إلى جهةِ الشام، به مالُ عمرَ وأموالُ أهلِ المدينةِ، ويعرف ببئر جشم وبئر جمل (٤). والمِرْبَد: بكسر الميم وفتح الباء من ربد بالمكان: إذا أقام به، بينه وبين المدينة ميلان(٥)، قاله صاحب ((المطالع)). وقال غيره: ميل أو ميلان. وقال ابن التين: رويناه بفتح الميم، وهو في اللغةِ بكسرها. قَالَ ابن سيده: والمِربَد: محبس الإبلِ. وقيل: هي خشبةٌ أو عصى تعترض صدورَ الإبلِ تمنعها عن الخروج، ومربد البصرة من ذَلِكَ؛ لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل. والمِرْبَد: فضاءٌ وراء البيوتِ ترتفق به. والمربد: كالحجرة في الدار. ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس. قَالَ سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخَ بيبس(٦). (١) ((الموطأ)) ٦٢/١ (١٥٣) كتاب: الطهارة، باب: العمل في التيمم، ((الأم)) ٣٩/١. (٢) ((السنن الكبرى)) ٢٣١/١-٢٣٣. (٣) انظر: ((معجم ما استعجم)) ٣٧٧/٢. (٤) انظر: ((معجم البلدان)) ١٢٨/٢. (٥) انظر: ((معجم البلدان)) ٩٧/٥ -٩٨. (٦) ((المحكم)) ٤٠/١٠ مادة: (ر ب د). ١٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال السهيلي: المِرْبَد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرجان لغات بمعنى واحدٍ. وهذا الأثر دالٌّ عَلَى جوازِ التيمم بقرب الحضرِ عَلَى من خاف الفوت. قَالَ محمدُ بن مسلمةَ: إنما تيمم؛ لأنه خاف الفوت(١). أي: فوت الوقت المستحب، وهو أن تصفرَّ الشمس. وارتفاعها يحتمل أن يكونَ عن الأفقِ مع دخول الصفرة فيها، ويحتمل أن ابن عمرَ رأى أن من رجا إدراك الماءِ في آخرِ الوقت وتيمم في أوله يجزئه ويعيد في الوقت استحبابًا، وهو قولُ ابن القاسم(٢). وقال سحنونُ في ((شرح الموطأ)): كان ابن عمرَ عَلَى وضوءٍ؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضًا من الوضوء. وقيل: كان يرى أن الوقت إذا دخل حلَّ التيمم، وليس عليه التأخير. ثم ساق البخاريُّ حديثَ أبي جُهيم: أَقْبَلَ النَّبِيُّ وَّهِ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَِّ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ معلقًا حيث قَالَ: وروى الليث، فذكره(٣). والبخاريُّ وصله فرواه عن يحيى بن بكير عنه. ووصله أيضًا أبو داود والنسائي(٤)، ووقع في مسلم: عبد الرحمن بن يسار، والصواب: عبد الله كما وقع في البخاري، مولى ميمونةَ. (١) انظر: ((التمهيد)» ٢٩٣/١٩. (٢) ((المدونة)) ٤٦/١. (٣) ((صحيح مسلم)) (٣٦٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٤) (سنن أبي داود)) (٣٢٩)، (سنن النسائي)) ١٦٥/١. ١٧٣ كتاب التِّيَمُّم = ووقع فيه أيضًا: أبو الجهم مكبرًا، وإنما هو مصغر كما ساقه البخاريُّ. وقد ذكره مسلمٌ عَلَى الصوابِ في حديثِ المرورِ (١). وسمَّاه أبو نعيم وابن منده: عبد الله بن جهيم، وجعلاهما واحدًا(٢). ورجَّح ابن الأثير كونهما اثنين(٣). وفي الدارقطني أنه الذي سلَّم. أعني: أبا الجهيم(٤) وهو يبين المجهولَ في روايةِ البخاري: فلقيه رجل فسلم عليه. ورواه الشافعيُّ عن شيخِه إبراهيم، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهيم، الحديث(٥). وحسَّنه البغويُ في ((شرح السُّنَّةِ)) (٦)، وهو منقطع بين الأعرج وأبي جهيم عمير مولى ابن عباس كما ساقه البخاريُّ. ورواه أبو داود والبزَّار من حديث ابن عمرَ مرفوعًا (٧)، وروي موقوفًا. ورواه أيضًا جابر بن سَمُرة والبراء، أخرجهما الطبرانيُّ(٨)، وعبدُ اللهِ (١) مسلم (٥٠٧) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي. (٢) ((معرفة الصحابة)) ٢٨٥٠/٥ (٣١٤٤). (٣) ((أسد الغابة)) ٦/ ٦٠-٦١ ترجمة (٥٧٧٦). (٤) ((سنن الدارقطني)) ١٧٦/١. ((مسند الشافعي)) ٤٤/١ (١٣٠، ١٣١). (٥) (٦) (شرح السنة)) ١١٤/٢، ١١٥ (٣١٠). ((سنن أبي داود)) (٣٣١)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٣١٢). (٧) (٨) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٢٨/٢ (١٩٤٥)، وفي ((الأوسط)) ٣١٠/٥ (٥٤٠٢) عن جابر بن سمرة، وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٦/١: ولم أجده من ذكره. وأما حديث البراء، فرواه الطبراني في «الأوسط)» ٧/ ٣٥٣ (٧٧٠٦). وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٦/١ : وفيه من لم أعرفه. ١٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابن حنظلةَ أخرجه أحمدُ(١)، والمهاجر بن قنفذ أخرجه الحاكم(٢)، وأبو هريرة أخرجه ابن ماجه(٣)، وغيرهم، وبعضها يشد بعضًا. وبئر جمل، بجيم مفتوحةٍ، وللنسائي: الجمل -بالألف واللام(٤)- وهو موضعٌ بقربِ المدينةِ فيه مالٌ من أموالها، ذكره أبو عبيد (٥). إذا تقرَّر لك ذَلِكَ فأصلُ المسألةِ التي بوَّب البخاري لها الباب، وهو من كان في الحضرِ وخاف فوتَ الصلاة، وفقدَ الماءَ إذ ذاك، هل له أن يتيمم، وفيه قولان حكاهما ابن بزيزةً، والذي عليه الجمهور أنه يتيمم (قال مالك: إذا خاف الفوت إن عالج الماء يتيمم ويصلي ولا يعيد، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومحمد، وعن مالك أنه يصلي بالتيمم)(٦) ويعيد، وهو قول الليثُ والشافعيُّ (٧). وروي عن مالكٍ أنه يعالج الماءَ وإن طلعت الشمس(٨)، وهو قولُ أبي يوسف وزفر قالا: لا يصلّي أصلًا، والفرض في ذمته إلى أن يقدر عَلَى الماءِ؛ لأنه لا يجوز عندهما التيمم في الحضر، واحتجا بأنَّ الله تعالى جعلَ التيممَ رخصةً للمريض والمسافر، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر، فلا دخولَ للحاضرٍ ولا للصحيح في ذَلِكَ؛ لخروجهما من شرطِه تعالى(٩). (١) ((مسند أحمد)) ٢٢٥/٥، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٦/١: فيه رجل لم يسم. (٢) ((المستدرك)) ١٦٧/١ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. (٤) ((سنن النسائي)) ١٦٥/١. (٣) ((سنن ابن ماجه)) (٣٥١). (٥) انظر: ((معجم ما استعجم)) ١١٥٣/٤، و((معجم البلدان)) ١٦٣/٢. (٦) سقط من (ج). (٧) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٢٢/١. (٨) انظر: ((عيون المجالس)) ٢٢١/١-٢٢٣، ((الأخيرة)) ٣٤٥/١. (٩) انظر: ((التمهيد)» ٢٩٣/١٩. ١٧٥ كتاب التِّيَّمُّم = واحتج من قَالَ: يتيمم ويصلي ويعيد قَالَ: إنا قد رأينا من يفعل ما أمر به، ولا يسقط عنه بالإعادة وهو واقع موقع فساد، مثل من أفسد حجَّه وصومَه الفرضُ عليه، فإنه مأمورٌ بالمضي فيه فرض عليه، ومع هذا فعليه الإعادة، وأيضًا فإنَّ المسافرَ والمريضَ قد أُبيح لهما الفطرُ في رمضان مع القضاءِ، فكذا هُذا الحاضر. واحتج من قَالَ بعدم الإعادة، بأن الفطرَ رخصةٌ لهما ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعلَ الواجبَ وفعل الصلاة، فلو رُخِّص له في الخروج منها كما رخص للمسافر في الفطرِ لوجب عليه القضاءُ . وأمَّا من أفسد حجه وصومه فإنما أمر بالمضي فيه عقوبةً لإفساده له، ثم وجبَ عليه قضاؤه ليؤدي الفرضَ كما أمر به، والحاضر عند التَّعذرِ والخوفِ مطيعٌ بالتيمم والصلاة ابتداء ولم يفسدْ شيئًا يجب معه القضاء. وحجة من لم يعد أثر البخاريِّ عن ابن عمرَ، فإنه تيمم بمربد النعم وهو في طرفِ المدينة؛ لأنه خشي فوتَ الوقتِ الفاضلِ، ولم يجدْ ماءً، ثم صلَّى، فهو حجة (الحاضر)(١) عند الخوفِ في الإقدام عَلَى التيمم؛ لأنه إذا فعلَ ذَلِكَ مع سعة الوقت فخوف فوته أولى. وأما حديث أبي جُهيم فإن فيه التيممَ في الحضر إلا أنه لا دليل فيه لرفع الحدث به؛ لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام، فإنه كره أن یذکر اللهَ عَلَى غير طهارةٍ، كما رواه حماد بن سلمةَ في ((مصنفه)) في هذا الحديث، كذا قاله المهلبُ، وهو مع ذَلِكَ دالٌ عَلَى التيمم في الحضرِ عند خوفِ الفوات؛ لأنه كما يتيمم في الحضر لردِّ السلام -وكان له ﴿* أن يردّه قبل تيممه- دلَّ عَلَى التيمم في الحضر عند خوف (١) في (ج): للحاضر. ١٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- الفوات، بل أولى؛ لأن الطهارةَ فيها شرطً بخلاف السلام. وأيضًا فإن التيممَ إنما ورد في المسافرين والمرضى لإدراكِ الوقت وخوفٍ فواته، فإذا كان حاضرًا وخاف فوته جاز. واحتج الطحاويُّ بهذا الحديث عَلَى جواز التيمم للجنازة عند خوفٍ فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي (١)؛ لأنه ومفي تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فور الرد، وإن كانت ليست شرطًا، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذَلِكَ(٢). قَالَ الداوديُّ: والدليل عَلَىْ سنَّة ذَلِكَ قوله لأبي هريرة: ((المؤمن لا ينجس»(٣) قَالَ: ويحتمل أنه فعل ذَلِكَ قبل أن يخبر. قلت: فيه بعدٌ، وسيأتي. قَالَ ابن القصار: وفي تيممه بَّهُ بالجدار ردٌ عَلَى أبي يوسفَ والشافعي في اشتراطهما التراب في صحةٍ التيمم؛ لأنه وَّ ر تيمم بالجدارِ. قَالَ: ومعلومٌ أنه لم يعلق بيده منه ترابٌ، إذ لا تراب عَلَى الجدار. قلت: ورواية الشافعي السالفة ترده إذ فيها: عن أبي جهيم قَالَ: مررتُ عَلَى النبيِّه وهو يبول فسلَّمت عليه، فلم يرد عليَّ حَتَّى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يَدَهُ عَلَى الجدارِ فمسح وجهَهُ وذراعيه ثم رد عليّ (٤). (١) (شرح معاني الآثار)) ٨٦/١، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٨/١ (٢) أنظر: ((عيون المجالس)) ٢٢٣/١-٢٢٤، ((البيان)) ٢٨٨/١، ((المغني)) ٣٤٥/١. (٣) سبق برقم (٢٨٥) كتاب: الغسل، باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس . (٤) ((الأم)) ١/ ٤٤. ١٧٧ كتاب التِّيَقُّم = وبهذه الرواية يرد أيضًا عَلَى من استدل من الحنفية بهذا الحديث عَلَى جوازِ التيمم عَلَى الحجر. قَالَ: لأن حيطانَ المدينة مبنية بحجارةٍ سود. فرع متعلق بالباب: لو تيقن وجود الماء آخر الوقت فانتظاره أفضل، وإن ظنه فقولان للشافعي أظهرهما: أن تعجيل الصلاة بالتيمم أفضل، وقال أبو حنيفةً: في الرجاء التأخير أفضل. وعنه أنه حتمٌ (١). قَالَ ابن حزم: وبه قَالَ الثوريُّ وأحمدُ وعطاءُ. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرةً: إن أيقنَ بوجودِ الماءِ قبل خروج الوقت أخّره إلى آخره، فإن وجده وإلا تيمم، وإن كان طامعًا بوجودِه قبله أخَّره إلى وسطِ الوقتٍ، وإن تيقن عدمه تيمم وصلى(٢). وعن الأوزاعي: كل ذَلِكَ سواء. وفي ((المدونة)) حكاية قولين فيما إذا وجد الحاضرُ الماءَ في الوقتِ هل يعيد أم لا(٣)؟ وقيل: إنه يعيد أبدًا. وفي أبي داودَ من حديث أبي سعيد الخدري في السفرِ لما أعاد أحدُهما عند وجودِ الماءِ قَالَ له وَلجر: ((لك الأجر مرتين)) وصححه الحاكم عَلَى شرطهما (٤). (١) ((الهداية)) ٢٨/١. (٢) ((المحلى)) ١٢٠/٢. (٣) أنظر: ((المدونة)) ١٤٦/١. (٤) أبو داود (٣٣٨)، والحاكم ١٧٨/١-١٧٩، ورواه أيضًا النسائي ٢١٣/١، والدارمي ٥٧٦/١ (٧٧١)، والدارقطني ١٨٨/١-١٨٩، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٦٦). ١٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فائدة تنعطف على ما مضى : قد أسلفنا أنَّ تيممه لردِّ السلام إنما كان عَلَى وجهِ الأكمل. قَالَ ابن الجوزي: كره أنْ يردَّه؛ لأنه اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، أو يكون هذا في أوَّلِ الأمر، ثم استقر الأمر عَلَى غير ذلك. وقد رأى الأوزاعيُّ أنّ الجنبَ إذا خافَ إن اشتغلَ بالغسلِ طلعتْ الشمسُ (تيمم وصلى)(١) قبل فوتِ الوقت. قَالَ الخطّابيُّ: وبه قَالَ مالك في بعض الروايات(٢). وعند الحنفية: إذا خاف فوتَ الصلاةِ عَلَى الجنازةِ والعيدين تيمم. ومسألة الجنازة أسلفناها عنهم. وعندنا وجهٌ أنه إذا خاف فوتَ الفريضةِ لضيق الوقت صلَّاها بالتيمم ثم قضاها(٣). وفي ((شرح الآثارِ)) للطحاوي: حديث المنع من ردِّ السلام منسوخٌ بآيةِ الوضوءِ(٤)، وقيل: بحديث عائشةً: كان يذكر اللهَ تعالى عَلَىْ كلِّ أحیانه(٥). وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به (في)(٦) حديثٍ رواه جابر الجعفي، عن عبد الله [عن](٧) أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عبدِ اللهِ بن علقمةً بن (١) في (ج): يتيمم ويصلي. (٢) ((معالم السنن)) ٩٠/١. (٣) قال النووي: وفي ((التهذيب)) وجه شاذ أنه يتيمم ويصلي في الوقت، ثم يتوضأ ويعيد، وليس بشيء أ.هـ ((روضة الطالبين)) ٩٣/١. (٤) (شرح معاني الآثار)) ٨٨/١-٨٩. (٥) رواه مسلم (٣٧٣) كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها. (٦) في (ج): من. (٧) في الأصل (بن)، والصواب (عن). ١٧٩ - كتاب النَّيَمُمِ الفغواء، عن أبيه قَالَ: كان النبيُّ وََّ إذا أرادَ الماءَ نكلِّمه فلا يكلِّمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حَتَّى نزلت آيةُ الرخصةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَّةِ﴾ (١) [المائدة: ٦]. وزعم الحسنُ أنه ليس منسوخًا، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذكرِ ومنعه للمحدثِ، ثم ناقض بإيجابه التَّسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذُّكرِ حالة الحدثِ. وروي عن عمرَ إيجابُ الطهارةِ للذِّكر. وقيل: يتأوَّل الخبر عَلَى الأَستحباب؛ لأن ابن عمرَ راويه رأىْ ذَلِكَ(٢)، والراوي الصحابي أعلم بالمقصود، وهو حسنٌ إن لم يثبت حديث الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلةِ. قلت: وأنَّى له بالثبوت وحالته ظاهرة؟ تنبيهات : أحدها: كيف يتيمم بالجدارِ بغير إذن مالكه؟ والجواب: أنه كان مباحًا أو مملوكًا لمن يعرفه ولا يكره ذَلِكَ منه. ثانيها: كيف يتيمم في الحضر؟ والجواب: أن هذا كان في أول الأمر ثم استقر الأمر عَلَى غيره، وأيضًا فهو تشبيه بالطاهرين وإن لم يصح كما في حق الممسك في رمضان، ذكرهما ابن الجوزي، لكن الطحاوي استدل عَلَى ثبوت الطهارة به وإلا لم يفعله. (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٨٨/١، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢٨٦/٢ ترجمة (٨١٨)، والطبراني ٦/١٨ (٣)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٢٧٦/١، قال: رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه: جابر الجعفي وهو ضعيف. (٢) ذكر المتقي الهندي في ((كنز العمال)) ٢٤٧/٢ (٣٩٤٠) عن ابن عمر قال: إن استطعت ألا تذكر الله إلا وأنت طاهر فافعل. وعزاه لابن جرير في ((تهذيب الآثار)). ١٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثالثها: فيه دلالة عَلَى جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وأبعد من خصه من أصحابنا بالفرض، وهو واه. رابعها: أطلق اليد في الحديث ولم يقيدها، ومشهور مذهب الشافعي مسحها إلى المرفقين كالوضوء(١)، ومحل الخوض فيها الخلافيات، وكذا هل هو بضربة أو (بضربتين)(٢)؟ وسيأتي أيضًا، ورواية ضربة أصح من ضربتين(٣)، وأبعد من قَالَ: بثلاث وأربع، ثنتان للوجه ولكل يد واحدة، حكاه ابن بزیزة. (١) انظر: ((روضة الطالبين)) ١١٢/١. (٢) في (ج): ضربتين. (٣) أنظر: ((المجموع)) ٢٤٣/٢.