النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كِتَابُ الحَيْضِ تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وأن ابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم في ذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) وأبو نعيم في ((مستخرجه))(١) كما ذكره مسلم سواء. خامسها : ترجم البخاري على هذا الحديث دلك المرأة نفسها، ولم يذكره فيه وكأنه أراد أصل الحديث، إذ في مسلم: ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شئون رأسها. أو يكون فهم من قولها : (تتبعي بها أثر الدم): الدلك، وقد قيل، وترجم عليه أيضًا غسل المحيض، ولم يذكر فيه إلا التطيب، وقد ذكره مسلم في حديثه مطولاً كما أشرنا إليه، فكأنه أراد أصل الحديث. سادسها : المحيض هنا: الحيض، ويؤخذ منه، أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه. سابعها : الفرصة - مثلثة الفاء كما حكاه ابن سيده، والكسر أشهرها : القطعة من القطن أو الصوف(٢). وفي أبي داود عن أبي الأحوص أنه كان يقول: قرصة - أي: بالقاف- أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين(٣). (١) ٣٧٨/١ (٧٤٢). (٢) ((المحكم)) ٢٠٦/٨ مادة: (فرص). (٣) سبق تخريجه. ٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أبو عبيد وابن قتيبة: إنما هو قرضة بالقاف المضمومة والضاد المعجمة(١)، وتدل عليه الرواية السالفة: (فرصة ممسكة). ثامنها : المسك -بكسر الميم- يذكر ويؤنث وهو المعروف، (وممسكة) في الرواية الأخرى بتشديد السين، أي: مطيبة بالمسك، وأبعد من خفف السين، وفتحها أو كسرها، أي: من الإمساك. وادعى القاضي عياض أن الفتح في المسك رواية الأكثرين(٢) وهو الجلد، أي: عليه منه شعر، وبه جزم ابن قتيبة، وأن معناه الإمساك؛ لأنه لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا. وقال الزمخشري: ممسكة، أي: خَلِقًا فإنه أصلح لذلك، ولا يستعمل الجديدة للارتفاق به، وذلك غريب منهما، وكيف يصح أن يقال: خذي قطعة من إمساك، والمسك عند أهل الحجاز كثير. ولما ذكر الخطابي قول ابن قتيبة أن المسك لم يكن عندهم ممتهنًا، قال: الذي قاله أشبه، فلما ذكر قوله: قطعة قطن أو صوف مطيبة بمسك قال: فيه بُعُد(٣). تاسعها : (سُبْحَانَ اللهِ!))، هنا المراد بها: التعجب، أي: كيف يخفن مثل هذا الظاهر، وقولها: (تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّم) يعني: الفرج، وأغرب المحاملي، فقال في ((مقدمته)): كل موضع أصابه الدم من بدنها، ومعنى: ((توضيء بها)»: تنظفي بها. (١) ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ٤٥/١-٤٦. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢/ ١٧١. (٣) ((أعلام الحديث)) ١/ ٣٢٢. ٨٣ = ڪِتَابُ الحَيْضِ عاشرها: في أحكامه : فيه: استجاب تطبيب فرج المرأة، تأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليها مسكًا أو نحوه، وتدخله في فرجها بعد الغسل على الصواب، والنفساء مثلها. وفيه: استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وقول: سبحان الله عند التعجب، وأن للسائل أن يتفهم السؤال إذا لم يفهم أولًا، وتكرير الجواب، واستعمال الحياء والإعراض بالوجه، وأن السائل إذا لم يتفهم فهمه بعض من في المجلس والعالم يسمع، إن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه: حدثني وأخبرني. ثم أعلم أن غسل المرأة من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، وتزيد على ذلك استعمال الطيب. ٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٥- باب امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ المَحِیضِ ٣١٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِّنْ تَتَّعَ، وَلْ يَسْقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَّيْلَهُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَّةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ◌ِّ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ)). فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَضْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَةٍ التِي نَسَكْتُ. [انظر: ٢٩٤- مسلم: ١٢١١ - فتح: ٤١٧/١] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، ثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَظْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِك)). فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ. الكلام عليه من وجوه : أحدها : اعترض الداودي في ((شرحه»، فقال: ليس فيما أتى به حجة على ما ترجم له؛ لأن عائشة إنما أمرت أن تمتشط بالإهلال بالحج وهي حينئذ حائض، ليس عند غسلها منه، قلت: لكن إذا شرع في المسنون فالواجب أولى ولعل هذا هو الذي لمحه البخاري. ٨٥ = كِتَابُ الحَيْضِ ثانیھا : ظاهر حديث عائشة هذا أنها أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعده، لكن قولها في الحديث السالف: (خرجنا مع رسول الله وَ يقول لا نذكر إلا الحج). وقد اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة عنها: (فأهللنا بعمرة)، وفي رواية أخرى: (ولم أهل إلا بعمرة)، وفي أخرى: (لا نذكر إلا الحج) وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج)، وفي رواية القاسم عنها: (لبينا بالحج)، وله: (مهلين بالحج). واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من رجح روايات الحج وغلط رواية العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١)، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت فيمن فسخ وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها، حتى حاضت تعذر عليها إتمامها والتحلل منها، فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت فصارت قارنةً، ووقفت وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر فأفاضت. وذكر ابن حزم أنه * خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة أو التمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل فرضًا إلا من معه (٢) الهدي(٢). (١) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٢٣٠-٢٣١. (٢) ((المحلى)) ١٠٥/٧. ٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي ((الصحيح)) أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله وَّي لأصحابه: ((اجعلوها عمرة))(١). ثالثها : قولها: (يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ ... إلى آخره) ظاهره أنه أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها، وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوت الحج أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، وحمله بعض المالكية على أنه وسليل أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة (٢)؛ لأن الحج والعمرة لا يأتي الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامها، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات: أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عُجْرة في الحلق للأذى. ثانيها: أنه خاص بها. ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر والتسريح. وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال، فأمر به (١) رواه مسلم (١٢/١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنَّهُ يجوز إفراد الحج والتمتع. (٢) انظر: ((الهداية)) ٣٣/١، ((عيون المجالس)) ٨٩٨/٢-٨٩٩، ((البيان)) ٣٠٨/٤، «المغني)) ١٠٨/٥-١٠٩. ٨٧ = كِتَابُ الخَيْضِ ابن عمرو (١) والنخعي (٢)، ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين بينهما فرق، ولم توجبه عليها فيهما عائشة، وأم سلمة(٣) وابن عمر وجابر(٤) وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء(٥)، والعبرة بالوصول، فإن لم يصل تنقض. رابعها : قوله: ((وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِك)) أي: عن إتمامها، يؤيده قوله بَّ في الحديث الصحيح: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك))(٦). خامسها : 7 عبد الرحمن: هو أخوها، والحصبة: بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، أي: ليلة نزول المحصب، وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، وهو خيف بني كنانة، ربما سمي الأبطح والبطحاء لقربه منه، نزله الشارع بعد النفر من منى؛ لأنه بعث لخروجه، وبعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتعتمر وتكمل أفعال عمرتها وتوافيه به، وطاف هو للوداع ووافاها في الطواف. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧٣/١ (٧٩٣). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧٣/١ (٧٩٤). (٣) انظر: ((المصنف)) ٧٣/١ (٧٩٢، ٧٩٥). (٤) انظر: ((المصنف)) ٧٤/١ (٨٠٢، ٨٠٥). (٥) أنظر: ((البناية)) ٢٦٢/١-٢٦٣، ((التمهيد)» ٩٨/٢٢-٩٩، ((المغني)) ٢٩٨/١- ٢٩٩، (نيل الأوطار)) ٣٧٨/١-٣٧٩. (٦) رواه مسلم (١٣٢/١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض. ٨٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح سادسها : قولها: (مَكَانَ عُمْرَتِ التِي نَسَكْتُ) كذا هو في روايتنا، ووقع عند الشيخ أبي الحسن كما نقله ابن التين: شكيت. قال: وإنما وجه الكلام شكوت. قلت: والياء لغة، قال: والذي رويناه سكنت من السكون، أي: سكنت عنها، وتركت التمادي عليها، قال: وروي أنها شكت بسرف، وروي بعرفة، وروي بمكة، قال: والمعنى أنها أعادت الكلام وكررته في كل موضع. ٨٩ = ڪِتَابُ الحَيْضِ ١٦- باب نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غَسْلِ المَحِيضِ ٣١٧- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالٍ ذِي الِحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجِّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَذْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَّا خَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ بََّ، فَقَالَ: ((دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِّلِّي بِحَجِّ)). فَفَعَلْتُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَضْبَةِ أَزْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتٍِ. قَالَ هِشَامٌٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَذِيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. [انظر: ٢٩٤- مسلم: ١٢١١ - فتح: ١ / ٤١٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ .. )) الحديث وقد سلف الكلام عليه في الباب قبله مع الترجمة أيضًا فيه، وأبو أسامة (ع) اسمه: حماد بن أسامة الكوفي الحافظ الحجة الإخباري، عنده ستمائة حديث عن هشام، عاش ثمانين سنة، ومات سنة إحدى ومائتين(١)، وعبيد (خ) هَبَّاري من أفراد البخاري، مات سنة ثنتين ومائتين. (١) حمَّاد بن أسامة بن زيد القرشي، أبو أسامة الكوفي، مولى بني هاشم. روى عن: أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، والأجلح بن عبد الله الکندي، والأحوص بن حكيم الشامي، وإدريس بن يزيد الأودي، وأسامة بن زيد الليثي وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن = ٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفتح الحاء من ذي الحجة أشهر من كسرها، ومعنى: موافين: مشرفين، يقال: أوفى على كذا، أي: أشرف، ولا يلزم الدخول فيه. وقولها: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) وجاء في رواية أخرى: الخمس بقين من ذي القعدة وقدم النبي وسل# مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة فأقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة) . وقوله: (قَالَ هِشَامٍ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَذْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ). ظاهره مشكل، فإنها إن كانت قارنة فعليها هدي للقران عند كافة العلماء إلا داود، وإن كانت متمتعة فكذلك؛ لكنها كانت فاسخة كما سلف، ولم تكن قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملته اعتمرت عمرة مستبدأة، نبه عليه القاضي (١). لكن يعكر عليه قولها: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)، وقولها: (ولم أهل إلا بعمرة)، ويجاب: بأن هشامًا لما لم يبلغه شيء من ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويحتمل أن يكون لم يأمر به؛ بل نوى أنه يقوم به عنها، بل روى جابر أنه سير أهدى عن عائشة بقرة(٢). = أبي رجاء الهروي، وأحمد بن سنان بن القطان الواسطي. وثقه أحمد بن حنبل ويجبى بن معين، روى له الجماعة. مات في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة. انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٩٤/٦، (تاريخ يحيى برواية الدارمي)) (٢٤٢)، ((التاريخ الكبير)) ٢٨/٣ (١١٣)، ((معرفة الثقات)) ٣١٨/١ (٣٥٢)، ((ذكر أسماء التابعين)) ١١٠/١ (٢٢٩)، ((تهذيب الكمال)» ٢١٧/٧- ٢٢٤ (١٤٧١). (١) ((إكمال المعلم)) ٢٣١/٤. (٢) رواه مسلم (١٣١٩) كتاب: الحج، باب: الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما، عن سبعة. ٩١ كِتَابُ الحَيْضِ خاتمة : اختلف العلماء في فسخ الحج إلى العمرة، وهو تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة؛ فجمهور العلماء على المنع من ذلك(١)، وذهب ابن عباس إلى جوازه(٢)، وبه قال أحمد(٣) وداود(٤) وكلهم متفقون: أن الشارع أمر أصحابه عام حجَّ بفسخ الحج إلى العمرة. وأجاب الجمهور عنه: بأن ذلك كان خاصًّا بهم، وقد روى ربيعة عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال : قلت: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: ((لنا خاصة)) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه(٥). (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٠١/٢، ((النوادر والزيادات)) ٣٣١/٢، ((عيون المجالس)) ٨٣٣/٢، ((البيان)) ٧١/٤، ((المغني)) ٩٥/٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٢٥/٣ (١٥٧٧٩). (٣) ((المغني)) ٩٥/٥ - ٩٦. (٤) («المحلى)) ١٠٣/٧. (٥) أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي ١٧٩/٥، وابن ماجه (٢٩٨٤)، ورواه أحمد ٤٦٩/٣. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ١٩٢/٢ قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، يعني قوله: لا أقولُ بهن لا يُعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت. هذا لفظه. ثم قال ابن القيم: وممَّا يدلُّ على صحة قول الإمام أحمد، وأنَّ هذا الحديث لا يَصِحُّ أنَّ النبي ◌َّل أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجهم إليها أنَّها لأبد الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنَّها لهم خاصة؟ هذا من أمحل المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة))، ثم يثبت عنه أنَّ ذلك مختص بالصحابة دون من بعدهم: فنحن نشهد بالله أنَّ حدیث بلال بن = ٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٨- باب كَيْفَ تُهِلَّ الحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟(١) ٣١٩- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجْ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدِى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ)). قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلْ أُهْلِلْ إِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجِّ، وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتٍ مِنَ التَّنْعِيمِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٤١٩/١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث. وقد سلف الكلام عليه، أخرجه مسلم في المناسك(٢)، ويأتي بزيادة في الحج إن شاء الله(٣)، وهذا الحديث كذا هو في ((شرح ابن بطال)) = الحارث لا يصح عن رسول الله وقدر وهو غلط عليه، وكيف تقدم رواية بلال بن الحارث على رواية الثقات الأثبات، حملة العلم الذين رووا عن رسول الله وَله خلاف روايته، ثم كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله وَّر، وابن عباس يفتي بخلافه، ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام، وأصحاب رسول الله ونَ﴿ متوافرون، ولا يقول له رجلٌ واحد منهم: هذا كان مختصًا بنا، ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة، أنَّ أبا ذر كان يرى اختصاص ذلك بهم. اهـ وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٠٠٣). (١) سيأتي باب ١٧ وفيه حديث (٣١٨) بعد هذا الباب. (٢) مسلم (١٢١١) باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض. (٣) سيأتي برقم (١٥٥٦) باب: كيف تهل الحائض والنفساء. ٩٣ ـ كِتَابُ الحَيْضِ هنا (١) ووقع في روايتنا ذكره له بعد الباب الآتي، والأمر فيه قريب. وفيه: أن الحائض تهل بالحج والعمرة، وتبقى على حكم إحرامها، وتفعل فعل الحاج كله غير الطواف بالبيت(٢)، كما سلف في حديث عائشة: فإذا طهرت واغتسلت فعلته (٣) (٤). (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٢/١- ٤٤٣. (٢) المصدر السابق. (٣) سلف برقم (٣١٦) باب: امتشاط المرأة عند غُسلها من المحيض. (٤) في هامش (س): آخره (١٠) من تجزئه المصنف وبه كمل الجزء الثاني. ٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلّقَةٍ﴾ [الحج ٥] ١٧- باب ٣١٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَى وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ في بَطْنِ أُمِّهِ)). [٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ٤١٨/١] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّ وَكَّلَ بِالرَّحِم مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُظْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». هذا الحديث أخرجه في الاعتصام أيضًا(١)، وأخرجه مسلم في القدر(٢). وعبيد الله (ع) هذا روى عن جده أنس، وقيل: روى عن أبيه عن جده، وهو ثقة صالح(٣). (١) لم أقف عليه في كتاب: الاعتصام، ولكن سيأتي برقم (٣٣٣٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، وسيأتي أيضًا برقم (٦٥٩٥) كتاب: القدر. (٢) مسلم (٢٦٤٦) باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. (٣) عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو معاذ البصري. روى عن: جده أنس بن مالك. روى عنه: أشعث بن سوار، وأخوه بكر بن أبي بكر بن أنس بن مالك، وحمَّاد بن زيد، وحماد بن سلمة، وشدَّاد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وشعبة بن الحجاج. وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو داود والنسائي. روى له الجماعة. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٧٥/٥ (١١٩١)، ((الثقات)) ٦٥/٥، ((الثقات)) لابن شاهين ص ١٦٥ (٩٥٦، ٩٦٢)، ((تهذيب الكمال)» ١٥/١٩-١٦ (٣٦٢٣). ٩٥ كِتَابُ الحَيْضِ = والنطفة: جمعها نطف، وكل منى نطفة، والعلقة: الدم الجامد الغليظ؛ سميت بذلك لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ. وفقه الحديث : أن الله تعالى علم أحوال خلقه قبل خلقهم، ووقت أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم، فأراد البخاري بهذا التبويب معنى ما روي عن علقمة: إذا وقعت النطفة في الرحم قال الملك: مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجَّت الرحم دما، وإن قال: مخلقة، قال: أذكر أم أنثى؟ ويحتمل أن يكون المراد ما فسره في الحديث: إذا أراد خلقه قال: مخلقة، وإن لم يرد قال: غير مخلقة. ويحتمل أن يكون أراد الآية الكريمة ﴿مُضْغَةٍ تُخَلَّفَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ١٥] والحديث عليها، ويحتمل أن يكون المراد بالآية أنها تكون غير مخلقة في الحالة الثانية، ثم تخلق بعد ذلك، والواو لا توجب ترتیبًا. وغرض البخاري بهذا الباب -والله تعالى أعلم - أن الحامل لا تحيض، وهو قول أبي حنيفة (والكوفيين)(١) والأوزاعي وأحد قولي الشافعي (٢)؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع الخروج. وقال مالك، والشافعي في أظهر قوليه أنها تحيض(٣)، وحكي عن (١) ذكرت في الأصل: الكوفي، ولعل المثبت هو المناسب للسياق. (٢) انظر: ((المبسوط)) ٢٠/٢، ((التمهيد)) ٨٧/١٦، ((روضة الطالبين)) ٣٧٥/٨، «المغني)) ٤٤٣/١-٤٤٤. (٣) أنظر: ((التمهيد)) ٨٧/١٦، ((روضة الطالبين)) ٣٧٥/٨. ٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = بعض المالكية: إن كان في آخر الحمل فليس بحيض(١). وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها، وعن قتادة: تامة أو غير تامة، وعن الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا كسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذيتها قبل ذلك كانت غير مخلقة(٢)، وعن أبي العالية: المخلقة: الصورة وغيرها السقط (٣). وقام الإجماع على مصير الأمة أم ولد مما أسقطته من ولد تام (٤) الخلق (٤). ووقع الخلاف بينهم فيمن لم يتم خلقه من العلقة والمضغة، فقال مالك والأوزاعي وجماعة: تكون أم ولد بالمضغة مخلقة وغيرها، وتنقضي بها العدة(٥)، وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع(٦)، وعن أشهب: لا تكون أم ولد به، وتكون كالمضغة والعلقة(٧). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق؛ أصبع أو عين غير ذلك فهي أم ولد(٨)، وعلى مثل هذا أنقضاء العدة. (١) انظر: ((التمهيد)) ٨٧/١٦. (٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ١١٠/٩ (٢٤٩٢٣). (٣) رواه الطبري في ((التفسير)) ٩/ ١١١ (٢٤٩٢٩). (٤) انظر: ((المغني)) ٥٩٦/١٤، ((مراتب الإجماع)) ص ٢٦٢. (٥) انظر: ((تفسير القرطبي)) ٩/١٢. (٦) انظر: ((الذخيرة)) ٣٣٩/١١. (٧) المصدر السابق. (٨) انظر: ((تفسير القرطبي)) ٩/١٢. ٩٧ ـ كِتَابُ الحَيْضِ ثم أعلم أنه ثبت في ((الصحيح)) من حديث ابن مسعود: ((إِنَّ خلق أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًّا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ویکتب رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ))(١). وظاهره أن إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية: ((يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟)). وفي أخرى: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها))(٢). وفي رواية حذيفة بن أسيد: ((إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم (يتسور)(٣) عليها الملك))(٤). وفي أخرى: ((أن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة))(٥). وجمع العلماء بين ذلك أن الملائكة لازمة ومراعية بحال النطفة في أوقاتها؛ فإنه يقول: يا رب هذِه نطفة، هذِه علقة، هُذِه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم. (١) سيأتي برقم (٣٢٠٨) كتاب: بدء الخلق، ذكر الملائكة، ومسلم (٢٦٤٣) كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. (٢) مسلم (٢٦٤٥) كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي ... (٣) في ((صحيح مسلم)) يتصور بالصاد المهملة، وقال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: هكذا في جميع نسخ بلادنا، يتصور بالصاد. وذكر القاضي عياض: يتسور بالسین.اهـ ٢٠٣٨/٤. (٤) مسلم (٢٦٤٥) كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي .... (٥) تقدم تخريجه. ٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها: حين يكون نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول علم الملك أنه ولد إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم للملك عندئذ تصرف آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وكونه ذكرا أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة، وقبل أنقضاء هذه الأربعين وقبل نفخ الروح، لأن النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته. والرواية السالفة: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)) فليست على ظاهرها كما قال عياض(١) وغيره، بل المراد بتصويرها وخلق سمعها .. إلى آخره: أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي النطفة وهي مدة المضغة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢] ثم يكون للملك فيه تصرف آخر، وهو وقت نفخ الروح، عقب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر. واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (٢)، ووقع في رواية البخاري ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم یکون علقة مثله، ثم مضغة مثله، ثم یبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فیکتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح))(٣) وأتي فيه بـ (ثم) التي هي مقتضية للتراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة. (١) ((إكمال المعلم)) ١٢٦/٨ -١٢٧. (٢) أنظر: ((تفسير القرطبي)) ٨/١٢. (٣) سبق تخريجه. ٩٩ ـ كِتَابُ الحَيْضِ والأحاديث الباقية تقتضي الكَتْب عقب الأربعين الأولى. وجوابه: لأن قوله: (ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب)) معطوف على قوله: ((يجمع في بطن أمه)) ومتعلق به لا بما قبله، وهو: (ثم یکون مضغة مثله». قوله: (ثم يكون علقة مثله» معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وكلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهُذِه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: ((يا رب نطفة، يا رب علقة))(١). وقوله في حديث أنس ((وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال: يا رب أذكر أم أنثى)) لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو أبتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاء والسعادة، والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه، وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك. قال القاضي عياض: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامسة وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه في الأحكام في الاستلحاق ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف. (١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١٢٨/٨. ١٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقيل: إن الحكمة في عدتها عن الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة(١) إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المعتاد فيه إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون (معدًا)(٢) عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. وقوله: ((فيكتب في بطن أمه)) يعني أن الملك يكتب من اللوح المحفوظ، كما رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة من حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، قال: أي ربّ، أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأثر بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب))(٣). (١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١٢٣/٨- ١٢٤. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها ما أثبتناه. (٣) رواه الطبري في ((التفسير)) ١١٠/٩ (٢٤٩٢٢).