النص المفهرس

صفحات 1-20

مَايُع
التَُّ
لِشَرْح
الخَامِع
تَصْنیف
◌ِرَاجِالدِّينِ أَبِ حَقْصٍ عُمَرَبْنِ عَلِيِّبَنْ أَحْدِ الأَنصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
الَجَلّدُ الخَامِسُ
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التّراث
بإشراف
جمعُفشچى
خَالِدُ الرَّاظ
تَقْدِيمُ
فَضِيْلَةٍ الأسْتَّاذ الدّكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
وَزَارَةُ الأَوْقَافِ وَالشُؤُوْرُالِْسْلامِيَّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ-دَوْلةِقَطَرْ

-
eller.
13

التَّوْص ◌ِيحُ

حُقُوق الطَّيْعُ مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى / ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة
دَارُالتوازد
نُورُ الدُّنْ طَالِى
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمشق - ص . ب : ٣٤٣٠٦
لبْنان - بَيروت - ص. ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف : ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

٦
كتاب الحيض
٠
+
+
+
٠
+
*
٠
+
٠

2
قَ الَـ
٦- كتاب الحيض
قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٢].
الحيض: أصله السيلان. يقال: حاض الوادي: إذا سال. وقال
ثعلب: من الحوض لاجتماعه، فأبدلت واوه ياء؛ كقولهم في حثوة:
حثية، وله عدة أسماء ذكرتها في شرح كتب الفروع، واستفتحه
البخاري -رحمه الله - بهذه الآية.
والمحيض الأول: هو الحيض بإجماع العلماء. والثاني: دم
الحيض. وقيل: زمانه. وقيل: مكانه وهو الفرج.
وهذا قول أزواج النبي ◌َّه وجمهور المفسرين، ويؤيده ما في
((صحيح مسلم)) من حديث أنس # أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة
فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. (فسأل)(١) أصحاب
(١) كذا في (س)، وفي (ج): قال.

٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رسول الله وَ لاَ فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
الآية، فقال النبي ◌ّية: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح))(١) وهذا السائل
هو أبو الدحداح، قاله الواحدي(٢).
وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر قالا بعد ذلك:
أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله وَّل، الحديث(٣).
وهذا بيان للأذي المذكور في الآية، وهو اعتزال الفرج دون سائر
البدن، وإن كان الأصح عند أصحابنا أنه يعتزل ما بين السرة والركبة؛
لأنه (حرم) (٤) الفرج(٥)، و((من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه))(٦).
والإجماع قائم على جواز مؤاكلتها ومضاجعتها وقبلتها، إلا ما شذ
به عبيدة السلماني فيما حكاه ابن جرير، وقال به بعض أصحابنا وهو واهٍ
جدًّا.
واختلف العلماء في جواز وطئها إذا انقطع حيضها قبل أن تغتسل،
فحرمه مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،
وأبو ثور، والشعبي، ومجاهد، والحسن، ومكحول، وسليمان بن
يسار، وعكرمة (٧).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أنقطع دمها بعد عشرة أيام -الذي هو
عنده أكثر الحيض- جاز له أن يطأها قبل الغسل، فإن أنقطع دمها قبل
(١) مسلم (٣٠٢) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
(٢) ((أسباب النزول)) ص ٧٧.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٣٠٢).
(٤) كذا في (س)، وفي (ج): حریم.
(٥) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٣٦/١.
(٦) قطعة من حديث مر برقم (٥٢).
(٧) أنظر: ((الذخيرة)) ٣٧٧/١، ((البيان)) ٣٤٣/١، ((المغني)) ٤١٩/١-٤٢٠.

٩
كِتَابُ الخَيْضِ
=
العشر لم يجز حتى تغتسل أو يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب
عنده بآخر الوقت، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها الصلاة
عُلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا صلاة عليها(١).
وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإلا فلا. وبه قالت
طائفة من أهل الحديث(٢).
ورُوي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، ووجه هذا قوله تعالى:
﴿حَّ يَظْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع دمهن. فجعل ذلك غاية لمنع قربانها.
وأجاب عنه الأولون فقالوا: المراد بالآية: التطهر بالماء، فإنه قال
تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأضاف الفعل إليهن، وانقطاع الدم لا فعل لهن
فيه، فالتقدير: فلا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن، فعلقه بوجودهما
فلا يحل إلا بهما وقد يقع التحريم بشيء، فلا يزول بزواله لعلة
أخرى، كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فَلَا تَعِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا
غَيْرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: وتنقضي عدتها.
قال ابن بطال: وقول أبي حنيفة لا وجه له، وقد حكم أبو حنيفة
وأصحابه للحائض بعد الانقطاع بحكم الحائض في العدة، وقالوا :
لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. فقياسه هنا يوقف الحِلَّ على
الغسل. قال إسماعيل بن أسحاق: ولا أعلم أحدًا ممن رُوي عنهم
العلمُ من التابعين ذكر في ذلك وقت صلاة(٣).
(١) أنظر: ((الهداية)) ٣٣/١.
(٢) انظر: ((عيون المجالس)) ٢٥٤/١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤١٠.

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١- باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ؟
وَقَوْلِ النَّبِيِّنَّهِ: ((هذا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ)).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَحَدِيثُ النَّبِّ وَ أَكْثَرُ. [فتح: ٤٠٠/١]
أي: فإنه عام في جميع بنات آدم، فهُذِه المقالة عن بعضهم مردودة
بذلك.
قال المهلب: الحديث يدل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم
فمن بعدهن من البنات، وهو من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن، قال
تعالى في زكريا وَ له: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ,﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال أهل التأويل يعني: رد الله إليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة
الباري تعالى الذي جعله سببًا للنسل (الإنسي)(١) أن المرأة إذا ارتفع
حيضها لم تحمل عادة. قال ابن بطال: وقال غيره ليس فيما أتى به
حجة؛ لأن زكريا من أولاد بني إسرائيل، والحجة القاطعة في ذلك
قے
قوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] في قصة إبراهيم.
قال قتادة: يعني: حاضت(٢). وهذا معروف في اللغة يقال:
ضحكت المرأة: إذا حاضت، وكذلك الأرنب والضبع والخفاش.
وإبراهيم وَّل هو جد إسرائيل؛ لأن أسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن
(١) كذا في (س) وفي (ج): الأبوي.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٧٢/٧ (١٨٣٣٤) عن مجاهد، وكذا عزاه السيوطي في
((الدر المنثور)) ٦١٦/٣. ورواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٠٥٥/٦ (١١٠٢١) عن
ابن عباس، وكذا عزاه أيضًا السيوطي ٦١٦/٣. وأورده السيوطي أيضًا ٦١٦/٣
عن عكرمة، وعزاه لأبي الشيخ.

١١٠
=
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
إبراهيم، ولم ينزل على بني إسرائيل كتاب إلا على موسى، فدل ذلك
على أن الحيض كان قبل بني إسرائيل، وحديث النبي وَل يشهد لهذا
التأويل وصحته(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١١/١-٤١٢.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
[باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ]
٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
القَاسِم، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَ نَرِىَ إِلَّ الَحَجَّ،
فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وََّ وَأَنَّا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ
أَنْفِسْتِ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي
مَا يَقْضِي الحَاجُ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ)). قَالَتْ: وَضَخَّى رَسُولُ اللهِ وَ
عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢،
١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨،
٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - مسلم: ١٢١١ - فتح:
٤٠٠/١]
ثم ساق البخاري الحديث الأول الذي ذكره معلقًا فقال:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ -وهو ابن المديني - ثَنَا سُفْيَانُ، هو ابن
عيينة، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِم، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَىَ إِلَّ الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ
حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا لَكِ
أَنْفِسْتِ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ،
فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ)). قَالَتْ: وَضَخَّى
رَسُولُ اللهِ وَّه عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج والأضاحي(١)،
(١) سيأتي برقم (١٥٦٠) كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، =

١٣
- كِتَابُ الحَيْضِ
وأخرجه مسلم أيضًا في الحج(١) (٢).
ثانيها :
قوله: (لَا نَرىُ إِلَّا الحَجَّ). أي: لا نعتقد أنا نحرم إلا به؛ لأنا كنا
نظن أمتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها، أو عن
الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع، أما هي فقد قالت أنها
لم تحرم إلا بعمرة.
ثالثها :
سَرِف -بفتح السين المهملة وكسر الراء ثم فاء -: موضع قريب من
مكة على أميال منها، قيل: ستة، أو سبعة، أو تسعة، أو عشرة، أو أثنا
عشر (٣).
رابعها :
قوله: (((أَنَفِسْتِ؟))). يصح بكسر الفاء، وفتح النون، وضمها لغتان
مشهورتان :
أفصحهما : الفتح أي: حضت، ويقال في النفاس الذي هو الولادة:
نفست بضم النون وفتحها أيضًا، ونفى الثاني النووي فقال: إنه بالضم
لا غير (٤).
= وبرقم (٥٥٤٨) كتاب: الأضاحي، باب: الأضحية للمسافر والنساء، وبرقم
(٥٥٥٩) كتاب: الأضاحى، باب: من ذبح ضحية غيره .
(١) ((صحيح مسلم)) (١١٩/١٢١١ - ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: وابن ماجه في الحج، وأبو داود
فيه، والنسائي فيه والطهارة.
(٣) انظر: ((معجم ما استعجم)): ٧٣٥/٣، ((معجم البلدان)): ٢١٢/٣.
(٤) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٨/ ١٤٦.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وليس كما قال فقد حكاهما فيه صاحب ((الأفعال))(١).
واقتصر الخطابي على الفتح في الحيض، والضم في النفاس (٢).
وهو المشهور فيهما، وقيل بالوجهين في النفاس، وفي الحيض:
بالفتح لا غير. ومشى عليه ابن الأثير(٣).
خامسها :
قوله: ( ((إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ) أي: قضى به علیھن،
وهذا تسلية وتأنيس لها وتخفيف لهمِّها، ومعناه: إنكِ لست مختصة به.
سادسها :
قوله: ( ((فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ)) ).
معنى ((اقضي)): أفعلي، وهو دال على أن الحائض ومثلها النفساء،
والجنب، والمحدث يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته
إلا الطواف، فإنه يشترط فيه الطهارة، وهذا مذهب الجمهور (٤)
وصححه أبو حنيفة(٥)، وداود، واختلف عن أحمد في طواف
المحدث والنجس، فروي عنه عدم الصحة، والصحة مع لزوم دم(٦).
كقول أبي حنيفة، حكاه ابن الجوزي.
(١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص١١٤.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٣١٣/١.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٩٥/٥.
(٤) أنظر: ((المعونة)) ٣٦٩/١-٣٧٠، ((روضة الطالبين)) ٧٩/٣.
(٥) أي صحة طواف المحدث وغيره، وفيه نظر، لأن الطهارة في الطواف عند الأحناف
ليست بشرط ولا ركن بل واجبة على الصحيح، وقيل: سنة. فعليه: إن طاف
طواف القدوم محدثًا فعليه صدقة، وهي نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو
صاع من تمر، وإن طاف طواف الزيارة محدثًا فعليه شاة، لأن طواف الزيارة ركن.
أنظر: ((الهداية)) ١٧٨/١-١٧٩، ((بدائع الصنائع)) ١٢٩/٢.
(٦) انظر: ((الكافي)) ٤١٢/٢.

١٥
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
واعتذروا عن الحديث بأن أمره لها باجتناب الطواف؛ لأجل
المسجد واللبث فيه، وجوابه أنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي
المسجد، ولما قال لها: ((لا تطوفي)) كان ذلك دليلاً على المنع في
حق الطواف نفسه، كيف وقد قال ◌َّ: ((الطواف بالبيت صلاة))(١)؟!
والصلاة الطهارة شرط فيها بدليل قوله وَّلة: ((لا يقبل الله صلاة بغير
طهور))(٢).
سابعها :
قولها: (وَضَخَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ). هو محمول على استئذانه لهن في
ذلك، فإن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، وفي رواية أخرى:
وأهدى عن نسائه البقر(٣).
وهي دالة على أن البقر مما يهدى، وأنه يجوز إهداء الرجل
عن غيره، وإن لم يعلمه، ولا أذن له، وكان هذا الهدي -والله أعلم-
تطوعًا.
واستدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من البدن (٤)،
(١) رواه الدارمي ١١٦٥/٢ (١٨٨٩)، وأبو يعلى ٤٦٧/٤ (٢٥٩٩)، وابن الجارود
في ((المنتقى)) ٨٧/٢-٨٨ (٤٦١)، وابن خزيمة ٢٢٢/٤ (٢٧٣٩)، وابن حبان
٩/ ١٤٣-١٤٤ (٣٨٣٦)، والحاكم ٤٥٩/١، والبيهقي ٨٥/٥ من حديث ابن
عباس مرفوعًا، قال النووي في ((المجموع)) ٧٧/٢: إسناده ضعيف، والصحيح
عندهم أنه موقوف على ابن عباس. قال الذهبي في ((التلخيص)) ٤٥٩/١: صحيح
وقفه جماعة، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (١٢١).
(٢) رواه مسلم (٢٢٤) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، من حديث
ابن عمر.
(٣) رواه مسلم (١٢١١/ ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٤) انظر: ((المعونة)) ٤٣٥/١.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
ولا دلالة فيه؛ لأنها قضية عين محتملة، ولا حجة فيها، فالشافعي
والأكثرون ذهبوا إلى أن التضحية بالبدن أفضل من البقر (١)؛ لتقديم
البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة (٢).
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٠١، ((روضة الطالبين)) ١٩٧/٣.
(٢) سيأتي برقم (٨٨١) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة، ورواه مسلم (٨٥٠)
كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة.

١٧
ـ كِتَابُ الخَيْضِ
٢- باب غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ
٢٩٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ وَلّهِ وَأَنَا حَائِضٌ. [٢٩٦، ٣٠١،
٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥- مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١ / ٤٠١]
٢٩٦- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْج
أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَبِي هِشَامٌ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المزْأَةُ
وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُزْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌّ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي
ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ - تَغْنِي :- رَأْسَ رَسُولِ اللهِ نَّهَ وَهِيَ
خَائِضٌ، وَرَسُولُ اللهِ وَلِ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا،
فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١ / ٤٠١]
أي: تسريح شعر رأسه، والترجيل: التسريح.
ذكر فيه حديث عائشة من طريق هشام(١) عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كُنْتُ أُرَجِّلُ
رَأْسَ رَسُولِ اللهِ وَل﴿ وَأَنَا حَائِضٌ.
وهو مطابق لما ترجم له، ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا شيء
رُوي عن ابن عباس في ذلك.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن ميمون، عن أمه قالت:
دخل ابن عباس على ميمونة فقالت: أي بني ما لي أراك شعئًا
رأسك؟ قال: إن أم عمار مرجلتي وهي الآن حائض، فقالت: أي
بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا
(١) جاء في هامش (س): بخط الشيخ: أخرجه من حديث هشام الجماعة إلا مسلم،
وأخرجه الأربعة، والبخاري، ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، وغيره عنها.
ويأتي في الاعتكاف.

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وهي حائض(١).
ثم ذكر البخاري أيضًا حديثًا ثانيًا فقال:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ
أَخْبَرَنِ هِشَامٌ بن عروة، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو
مِنِّي المَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي،
وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَأْسَ
رَسُولِ اللهِ نَّهَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللهِ ل ◌َّهِ يومئذٍ فِي المَسْجِدِ
مُجَاوِرٌ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ.
وهشام هذا هو الصنعاني قاضيها مات نحو المائتين(٢)(٣).
وإبراهيم هو الرازي الفراء الحافظ شيخ (البخاري ومسلم وأبي
داود)، ومن بقي بواسطة (٤).
(١) ((المصنف)) ١٨٤/١ (١٢١٢) ووقع فيه: عن منبوذ، عن أمه، بدل ميمون، وكذا
وقع أيضًا في ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤١٢، ((عمدة القاري)) ١/ ١٥٧ منبوذ، وهو
الصواب؛ ففي ((تهذيب الكمال)) ١٧٧/١١ - ١٨٢ أن سفيان بن عيينة يروي عن
منبوذ بن أبي سليمان المكي، وليس له رواية عن راوٍ يسمى ميمون، وفي ترجمة
منبوذ هذا في ((تهذيب الكمال)) ٤٨٨/٢٨. قال المزي: روى عن أمه عن ميمونة.
ورواه مسلم (١٠/٢٩٧) عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
(٢) قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة متقن.
أنظر تمام ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٥٤٨/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٩٤/٨
(٢٦٧٥)، ((ثقات العجلي)) ٣٣٣/٢ (١٩١١)، ((الجرح والتعديل)) ٧٠/٩ (٢٧١)،
(تهذيب الكمال)) ٢٦٥/٣٠ (٦٥٩٢).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: في ((الكاشف)) سنة ١٩٧ هـ.
(٤) يقصد المصنف أن البخاري ومسلم وأبا داود يروون عن إبراهيم بن موسى مباشرة
بدون واسطة، كما هو حديث الباب، ومن بقي، أي من أصحاب الكتب الستة،
وهم الترمذي والنسائي وابن ماجه، يروون عنه بواسطة.

١٩
كِتَابُ الحَيْضِ
قال أبو زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث، وهو أتقن من أبي بكر بن
أبي شيبة(١).
واستدلال عروة في ذلك حسن كاستدلال ميمونة السالف، وهو
حجة في طهارة بدن الحائض سوى موضع الأذى وعرقها، وجواز
مباشرتها.
وفيه دليل على أن المباشرة المنهي عنها للمعتكف لم يرد بها
كل ما وقع عليه اسم لمس، وإنما أراد بها تعالى الجماع وما دونه
من المقدمات، ألا ترى أنه وسيّ كان معتكفًا في المسجد ويدني رأسه
ترجله.
والجوار: هو الاعتكاف. فقولها: (مجاور). أي: معتكف.
وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما في معناه للزينة.
وفيه: خدمة الحائض زوجها وتنظيفها له، وقد قال ◌َ له حين طلب
منها الخُمرة: ((إن حيضتك ليست في يدك))(٢).
قال ابن بطال: وفيه حجة على الشافعي في أن المباشرة الحقيقية
مثل ما في الحديث لا تنقض الوضوء(٣).
قلت: إنما يرد عليه ذلك بمقدمات حتى يثبت.
(١) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٢٧/١ (١٠٢٨)، ((الجرح والتعديل)) ١٣٧/٢
(٤٣٦)، ((تهذيب الكمال)) ٢١٩/٢ (٢٥٤)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٤٠/١١
(٥١)، ((تذكرة الحفاظ)) ٤٤٩/٢.
(٢) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها
وتر جيله.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤١٣/١.

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: استخدام الزوجة برضاها، وعليه تظاهر دلائل السنة وعمل
السلف وإجماع الأمة، أما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها
تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط.
وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد؛ تنزيهًا له وتعظيما، وهو
مشهور مذهب مالك أيضًا، وعن ابن مسلمة: أنها تدخل هي
والجنب(١). وروي عنه الفرق (لأنه)(٢) لا يأمن أن يخرج منها ما ينزه
المسجد عنه بخلاف الجنب.
وفيه: دلالة على أنه إذا خرج بعض بدن المعتكف من المسجد كيده
ورأسه ورجله لا يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج
منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث.
فائدة :
روي أن أمرأة وقفت على قوم منهم: يحيى بن معين، وأبو حنيفة(٣)،
وخلف بن سالم وجماعة يتدارسون الحديث، فسألتهم عن الحائض
تغسل الموتى، وكانت غاسلة، فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم
ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور فقالوا لها: عليك بهذا المقبل.
فسألته، فقال: يجوز لها ذلك لحديث عائشة: ((إن حيضتك ليست في
يدك))، فإذا غسلت رأس الحي فالميت أولى.
(١) انظر: ((الذخيرة)) ٣٧٩/١.
(٢) في (ج): فإنه.
(٣) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وأين أبو حنيفة وهؤلاء ولا دليل، وذكر أبي حنيفة
هنا خطأ إذ قد توفي أبو حنيفة ١٥٠هـ، ويحيى بن معين، ولد في آخر سنة ١٩٨ هـ.
وخلف بن سالم، وإن لم أقف على مولده، لكنه توفي سنة ٢٢١هـ ويبعد أن يكون
عالمًا في زمن أبي حنيفة يذاكر، وأما أبو ثور، فإنه توفي في صفر سنة ٢٤٠هـ،
وأبو ثور كان من أصحاب أصحاب أبي حنيفة.