النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
بأنفها)»(١)، وقال في الغنم: «فإنها سكينة وبركة))(٢).
وروي الفرق بينهما من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وفي
((الصحيح)) في حديث رافع بن خديج: ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد
(٣)
الوحش))(٣).
قَالَ ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم، على إباحة الصلاة
في مرابض الغنم، إلا الشافعي فإنه قَالَ: لا أكره الصلاة في مرابض
الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وممن روينا عنه إجازة
ذَلِكَ، وفعله ابن عمر(٤) وجابر(٥) وأبو ذر(٦) و(ابن الزبير)(٧) والحسن
(١) رواه الشافعي في ((مسنده)) ٦٧/١، والبيهقي في ((سننه)) ٤٤٩/٢.
(٢) رواه الشافعي في («مسنده)) ٦٧/١، والبيهقي في ((سننه)) ٤٤٩/٢.
(٣) سيأتي برقم (٥٥٠٣) كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما أنهر الدم ... ، ورواه مسلم
برقم (١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن
والظفر وسائر العظام.
(٤) روي عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٣٨/١ (٣٨٨٦) لكنه في
المطبوع بدار الكتب العلمية عن عمر وهو غير صحيح. ورواه ابن المنذر في
((الأوسط)) ١٨٨/٢. من طريق ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
(٥) روي عن جابر هو ابن سمرة كما عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٣٨/١ (٣٨٨٢)
ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) ١٨٨/٢، وروي عنه مرفوعًا كما عند مسلم
(٣٦٠) كتاب: الحيض، باب: الوضوء من لحوم الإبل مطولًا، وابن ماجه (٤٩٥)
مختصرًا، وأحمد ٨٦/٥، والطيالسي بنحوه ١٢٦/٢ (٨٠٣)، وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) ١٢٩/٣ (١٤٥٥، ١٤٥٦، ١٤٥٧)، وابن الجارود (٢٥)،
وابن المنذر في ((الأوسط)) ١٨٦/٢ - ١٨٧، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
٣٨٣/١، وابن خزيمة ٢١/١، كلهم عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٣٨/١ (٣٨٨٣)، ومن طريقه ابن المنذر في
((الأوسط)) ١٨٨/٢.
(٧) في الأصل: الزبير، والصواب ابن الزبير كما رواه ابن أبي شيبة ٣٣٨/١، وابن
المنذر ١٨٨/٢.

٤٦٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وابن سيرين(١) والنخعي(٢) وعطاء(٣).
وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي؛ لأن الحديث
ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من
البعر والبول، فدل على الإباحة وعلى طهارة البول والبعر (٤).
قُلْتُ: الشارع قد علل عدم الكراهة فيها بغير ذَلِكَ كما سلف، إذ
أعطان الإبل غالبًا لا تسلم من ذَلِكَ والكراهة باقية.
فرع :
قَالَ ابن المنذر: تجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لعموم قوله:
((أينما أدركتك الصلاة فصلٍّ)) (٥) وهو قول عطاء(٦) ومالك(٧).
قُلْتُ: قد ورد ذَلِكَ مصرحًا به، ففي ((مسند عبد الله بن وهب
المصري)» عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه، عن ابن المغفل:
نهى النبي ◌ّ أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح
البقر والغنم(٨).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٣٨/١ (٣٨٨٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٣٨/١ (٣٨٨٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٠٧/١ (١٥٩٤) وانظر: ((الأوسط)) ١٨٧/٢.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٨٣/٢.
(٥) سيأتي برقم (٣٣٦٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: (١٠).
(٦) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤١٠/١ (١٦٠٥).
(٧) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٢٣/١.
(٨) ورد بهامش الأصل ما نصه: في سنده مجهول وفي ((المسند)) ثنا حسن، ثنا ابن
لهيعة، عن حيي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه عن عبد الله بن عمرو
أن رسول الله وَّر كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر.
[المسند: ١٧٨/٢].

٤٦٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
٦٧- باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ
فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ
لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي
عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفٍ
العُلَمَّاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا.
وقَّالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. [فتح:
٣٤٢/١]
٢٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالٌِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي
سَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ)). [٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩،
٥٥٤٠- فتح: ٣٤٣/١]
٢٣٦- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ وََّ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((خُذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَ حُوهُ)).
قَالَ مَغْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُخْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. [انظر: ٢٣٥-
فتح: ٣٤٣/١]
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ
ابْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((كُلَّ كَلْم يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلٍ
اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْتَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًّا،ً اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمَ، وَالْعَرْفُ
عَرْفُ المِسْكِ)). [٢٨٠٣، ٥٥٣٣- مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٣٤٣/١]
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ).

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهذا رواه عنه عبد الله بن وهب في ((جامعه)) فيما حكاه ابن عبد البر
عن يونس عنه(١)، وإنما ذكره البخاري من قول هذا الإمام؛ لأنه روي في
حديث أبي أمامة الباهلي وغيره، وإسناده ضعيف(٢). نعم، هو إجماع
(١) ((التمهيد)) ٣٢٧/١.
(٢) روي هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن أبي أمامة، والثانية: عن ثوبان، أما
طريق أبي أمامة فقد وردت من طريقين أيضًا: أحدهما: مسندة، رواه ابن ماجه
(٥٢١) من طريق مروان بن محمد عن رشدين، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن
سعد، عن أبي أمامة مرفوعًا: قال: ((إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه
وطعمه ولونه)).
والطبراني في ((الكبير)) ١٠٤/٨ (٧٥٠٣) من طريق مروان بن محمد به مثله دون
قوله ((لونه))، وفي ((الأوسط)) ٢٢٦/١ (٧٤٤) من طريق محمد بن يوسف، عن
رشدين به سواء ، وقال: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدین،
تفرد به محمد بن يوسف، قلت: بل تابعه مروان بن محمد، عن رشدين كما عند
ابن ماجه والطبراني كما سبق ذكره آنفًا.
ورواه الدارقطني في ((سننه)) ٢٩/١ من طريق محمد بن يوسف عن رشدين به،
وقال لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي، والصواب
في قول راشد، ورواه البيهقي ٢٥٩/١، ٢٦٠ أيضًا من طريق مروان بن محمد، عن
رشدين به دون لفظ ((لونه)) رواه بلفظ: ((إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء)) من
طريق آخر عن مروان بن محمد.
ثم رواه من طريق بقية بن الوليد وحفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن
سعد، عن أبي أمامة بمثل حديث ابن ماجه، ثم وجدته عند ابن عدي في ((الكامل))
٢٨٦/٣ - ٢٨٧ من طريق حفص بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد،
عن أبي أمامة به دون قوله: ((لونه)). وقال: هذا الحديث ليس يوصله عن ثور
إلا حفص بن عمرو، ورواه الأحوص بن حكيم مع ضعفه عن راشد بن سعد عن
النبي ◌َّ﴾ مرسلًا ولم يذكر أبا أمامة. اهـ
قلت: أما قوله ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمرو فغير صحيح، فقد رواه
البيهقي كما سبق من طريق بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد.
=

٤٦٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
==
ورواه ابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ١/ ٤١ من طريق الدار قطني
=
وأشار إلى ضعفه.
وذكره النووي في ((خلاصة الأحكام)) ٦٩/١ تحت الضعيف في أحاديث الباب،
وقال: والضعيف في أحاديث الباب، وقال: الضعف في الاستثناء فقط، وأوله
صحيح. وقال في ((المجموع)) ١/ ١٦٠: وأما الحديث الذي ذكره المصنف- يقصد
حديث أبي أمامة - فضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقد رواه ابن ماجه والبيهقي من
رواية أبي أمامة وذكرا فيه طعمه أو ريحه أو لونه واتفقوا على ضعفه ونقل الإمام
الشافعي -رحمه الله- تضعيفه عن أهل العلم بالحديث وبيّن البيهقي ضعفه، وهذا
الضعف في آخره وهو الاستثناء.
وقال ابن الملقن في ((البدر المنير)) ١/ ٤٠١: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف
لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف. وقال العراقي في ((المغني عن
حمل الأسفار)) ٧٧/١: رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف.
ثانيها: مرسلة. رواها عبد الرزاق في ((المصنف)) ٨٠/١ (٢٦٤) من طريق
الأحوص بن حكيم، عن عامر بن سعد، عن النبي ◌َّر به.
وقوله عامر بن سعد. مخالف لباقي الروايات الأخرى فقد جاء عن راشد بن سعد كما
في الحديث الموصول عن أبي أمامة. وهو عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/
١٦، والدارقطني في ((سننه)) ٢٨/١، وقال: مرسل، ووقفه أبو أسامة على راشد.
ورواه أيضًا من طريق آخر ٢٧/١. وقال: لم يجاوز به راشدًا، وقال البيهقي في
(سننه)) ١/ ٢٦٠: ورواه عیسی بن یونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن
سعد مرسلًا، ورواه أبو أسامة عن الأحوص، عن ابن عون، وراشد من قولهما
والحديث غير قوي ثم ذكر بإسناده إلى الشافعي تضعيفه للحديث.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٤/١: سألت أبي عن حديث رواه عيسى بن
يونس، عن الأحوص بن حکیم، عن راشد بن سعد فقال أبي : یوصله رشدین بن
سعد. يقول عن أبي أسامة، عن النبي وَّر ورشدين ليس بالقوي والصحيح مرسل.
ورواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٤١/١ من طريق الدار قطني به سواء، وقال: هذا
لا یصح.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٦٤٤): وبالجملة فالحديث ضعيف؛ لعدم وجود =

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كما نقله الإمام الشافعي، حيث قَالَ: وما قُلْتُ من أنه إذا تغير طعم الماء
وريحه ولونه(١) كان نجسًا، فيروى عن النبي ◌َّهِ من وجهٍ لا يُثبت أهل
الحديث مثله، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه خلافًا(٢).
قَالَ ابن بطال: وقول الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي،
ومذهب أهل المدينة، وهي رواية أبي مصعب، عن مالك، وروي عن
ابن القاسم: أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، وإن لم يظهر
فيه(٣)، وهو قول الشافعي.
قَالَ المهلب: وهذا عند أصحاب مالك على سبيل الاستحسان
والكراهية لعين النجاسة وإن قلَّت(٤).
قَالَ البخاري: وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.
= شاهد معتبر له تطمئن النفس إليه، فإن مدار الحديث على راشد بن سعد كما
رأيت، وقد اختلف عليه، فمنهم من رفعه عنه، ومنهم من أوقفه عليه، وكل من
المسند والمرسل ضعيف لا يحتج بحديثه، على أنه لو كان المرسل ثقة، لكان
أرجح من المسند ولكان علة قادحة في الحديث، فكيف ومرسله ضعيف؟!
أما طريق ثوبان فأخرجه الدارقطني في ((سننه)) ٢٧/١ من طريق مروان بن محمد
عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال:
قال رسول الله صل﴿: ((الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه)).
وضعفه ابن الملقن في ((البدر المنير)) ٣٩٨/١ - ٣٩٩، وقال الألباني في
((الضعيفة)) (٢٦٤٤): حديث ثوبان لا يصح جعله شاهدًا لحديث أبي أمامة؛ لأن
مدارهما على رشدين كما عرفت، وهو من ضعفه جعله مرة من حديث هذا ومرة
من حدیث هذا.
(١) كذا بالأصل، وصوابه كما في ((اختلاف الحديث)) وغيره من الكتب: إذا تغير طعم
الماء أو ريحه أو لونه.
(٢) ((اختلاف الحديث)) ص٧٤.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٧٧/١.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٤٩/١.

٤٦٧
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
وهُذا رواه عبد الرزاق في ((مصنفه))، عن معمر، عن حماد بن أبي
سليمان أنه قَالَ: لا بأس بصوف الميتة، ولكنه يغسل، ولا بأس بريش
الميتة (١).
وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا؛ لقوله في عظام الفيل بناء على أصله
أن لا روح فيها، وعند مالك والشافعي نجسة.
وقال ابن حبيب: لا خير في ريش الميتة؛ لأنه له سَنَخ، أما
ما لا سنخ له مثل الزغب وشبهه، فلا بأس به إذا غسل(٢).
قَالَ ابن المنير: ومقصود البخاري بما ترجم له أن المعتبر في
النجاسات الصفات، فلما كان ريش الميتة لا يتغير بتغيرها؛ لأنه
لا تحله الحياة طَهُر، وكذلك العظام، وكذا الماء إذا خالطه نجاسة
ولم تغيره، وكذلك السمن البعيد عن موضع الفأرة، إذا لم يتغير (٣)،
کما ساقه البخاري بعد.
وقال ابن بطال: رواية ابن القاسم، عن مالك أن قليل الماء ينجس
وإن لم يتغير؛ يستنبط من حديث الفأرة فإنه هو منع من أكل السمن لما
خشى أن يكون سرى فيه من الميتة المحرمة، وإن لم يتغير لون السمن
أو ريحه أو طعمه بموت الفأرة فيه (٤).
قَالَ البخاري: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ :
أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ
به بَأْسًا.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦٧/١ (٢٠٦).
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٥٠/١- ٣٥١.
(٣) ((المتواري)) ص٧٢، ٧٣.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٤٩/١.

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
هو مذهب أبي حنيفة- أعني: في عظم الفيل ونحوه-، وخالف
مالك والشافعي فقالا بنجاسته لا يدهن فيه ولا يمتشط، إلا أن مالكًا
وأبا حنيفة(١) قَالَ: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر (٢). وخالف الشافعي
فقال: الذكاة لا تعمل في السباع(٣).
وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل؛ لأنه ميتة.
وفي لفظ: إنه كان يكره عظام الفيل (٤) - يعني: مطلقًا-، وفي
((المصنف)): وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس(٥).
وأما حديث ابن عباس الموقوف: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها
وهو اللحم، فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال(٦).
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: المعروف عن مالك هذا فقط، وأبو حنيفة لم يوافقه
على هذا، وكذا حكاه النووي عن مالك وحده.
(٢) كذا وقع في الأصل، وهو خطأ كما قال الناسخ، وقد جاءت هذه الفقرة على
الصواب عند ابن بطال ١/ ٣٥٠ فقال: وأما ريش الميتة وعظام الفيل ونحوه فهو
طاهر عند أبي حنيفة، نجس عند مالك والشافعي، لا يدهن ولا يمتشط إلا أن
مالكًا قال: إذا ذكي الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في
السباع.
ثم كررها ابن بطال ٣٥١/١ على الخطأ فقال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن ذكي
الفيل فعظمه طاهر، والشافعي يقول: إن الذكاة لا تعمل في السباع.
فلعل المصنف قد نقلها من ابن بطال أو ممن نقل عن ابن بطال.
(٣) أنظر (بدائع الصنائع)) ٦٣/١، ((المجموع)) ٢٩١/١، ((المغني)) ٩٧/١، ٩٨،
((الذخيرة)) ١٨٣/١، ١٨٤.
(٤) رواه عن الشافعي البيهقي في ((السنن)) ٢٦/١.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٣٢/٥، ٢٣٣ (٢٥٥٤٤ - ٢٥٥٤٧).
(٦) رواه الدارقطني في ((سننه)) ١/ ٤٧ -٤٨، والبيهقي في ((سننه)) ٢٣/١، وابن الجوزي
في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ١/ ٩٠. وقال الدارقطنى: عبد الجبار ضعيف . =

٤٦٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
فتفرد به أبو بكر الهذلي، عن الزهري كما قَالَ يحيى بن معين وليس
بشيء، قَالَ البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم - وهو ضعيف-
عن الزهري شيئًا معناه(١).
وحديث أم سلمة مرفوعًا: ((لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ،
ولا بشعرها إذا غسل بالماء))(٢) إنما رواه يوسف بن السفر، وهو
متروك، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل
ولم يطلق تحريمهما؛ لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا
الأمتشاط بها.
قَالَ ابن حبيب: وأجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف
وأصبغ الامتشاط بها والادهان فيها، فأما بيعها فلم يرخص فيه إلا ابن
وهب، قَالَ: إذا غليت جاز بيعها، وجعله كالدباغ الجلد الميتة يدبغ أنه
يباع.
وقال البيهقي أيضًا عقب حديث ابن عباس الذي في الصحيحين: ((إنما حرم
=
أكلها)»: وقد روى أبو بكر الهذلي، عن الزهري في هذا الحديث زيادة لم يتابعه
عليها ثقة. وقد روى هذه الزيادة الدارقطني في ((سننه)) ٤٨/١، ومن طريقه ابن
الجوزي في ((التحقيق)) ٩٠/١.
وقال الدار قطني: أبو بكر الهذلي متروك، ورواه البيهقي في ((سننه)) أيضًا ٢٣/١،
وروى البيهقي بإسناده إلى يحيى بن معين. قال: أبو بكر الهذلي ليس بشيء.
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٢٣/١-٢٤.
(٢) رواه الدارقطني ٤٧/١، والطبراني في ((الكبير)) ٢٥٨/٢٣ (٥٣٨) مختصرًا،
والبيهقي ٢٤/١، وابن الجوزي في ((تحقيق في أحاديث الخلاف)) ١/ ٩٠، ٩١،
وقال الدراقطني: لم يأت به غير يوسف بن السفر، وهو متروك يكذب. قال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢١٨/١: رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه يوسف بن
السفر، وقد أجمعوا على ضعفه.

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال الليث وابن وهب: إن غلي العظم في ماء سخن وطبخ، جاز
الأدهان به والامتشاط (١).
فائدة :
قول الزهري: يُذْهنون يجوز في قراءته ثلاثة أوجهٍ: ضم الياء
وإسكان الدال، أي: يُدهنون رءوسهم ولحاهم ونحو ذَلِكَ.
وثانيها: تشدید الدال وفتح الهاء وتشديدها.
ثالثها: فتح الدال وتشديدها وكسر الهاء من أدَّهن افتعل. قَالَ
السفاقسي: وهو ما رويناه وقدم الأول وقال: الآخران جائزان.
قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ.
وهذا التعليق عن ابن سيرين أسنده عبد الرزاق في ((مصنفه)) فقَالَ:
حَدَّثَنَا الثوري عن هشام، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج
بأسًا(٢)، وهذا إسناد صحيح، ورخص في بيعه عروة وابن وهب(٣).
قَالَ ابن بطال: ومن أجازه فهو عنده طاهر (٤).
قَالَ ابن سيده: والعاج: أنياب الفِيَلَة. ولا يسمى غير الناب
عاجًا (٥). وقال القزاز: أنكر الخليل أن يسمى غيره عاجًا وذكر
غيرهما أن الذبل يسمى عاجًا، وممن صرح به الخطابي، حيث قَالَ:
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٥٠/١ - ٣٥١.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦٨/١ (٢١١).
(٣) (مصنف عبد الرزاق)) ٦٩/١ (٢١٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٣٢/٥
(٢٥٥٤١، ٢٥٥٤٢، ٢٥٥٤٣).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٣٥١/١.
(٥) (المحكم)) ٢٠٤/٢.

٤٧١
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
العاج: الذبل(١). وأنكر عليه(٢)، وفي ((الصحاح)) و((المجمل)): العاج:
عظم الفيل(٣). وفي ((الصحاح)) أيضًا: المسك: السوار من عاج أو ذبل (1)
فغایر بینهما.
وروي أنه (ّليه امتشط بمشط من عاج(٥).
(١) ((معالم السنن)) ١٩٧/٤ وتتمة كلامه: فأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب
الفيلة.
(٢) قلت: قد أنكر على الخطابي قوله هذا غيرُ واحد من العلماء، منهم التوربشتي فيما
نقله عنه شمس الحق العظيم آبادي في ((عون المعبود)) ٢٧٠/١١ قال: قال
التوربشتي بعدما نقل عبارة الخطابي هذِه: من العجيب العدول عن اللغة المشهورة
إلى ما لم يشتهر بين أهل اللسان، والمشهور أن العاج عظم أنياب الفيلة وعلى هذا
يفسره الناس أولهم وآخرهم. اهـ
وقال الحافظ في ((الفتح)) ١/ ٣٤٣: وفي كلام الخطابي نظر. وكذا قال الزيلعي في
(نصب الراية)) ١٢٠/١.
وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٢٧/١: كان الواجب عليه أتباع الحديث
وترك رأيه ولم يفعل كذلك، بل رد الحديث إلى رأيه وأوهم بقوله: الذي تعرفه
العامة. أنه ليس من صحيح لغة العربي وليس كذلك.
(٣) ((الصحاح)) ٣٣٢/١، ((المجمل)) ٦٤١/٢.
(٤) (الصحاح)) ١٦٠٨/٤.
(٥) رواه البيهقي في ((سننه)) ٢٦/١، وضعفه وقال الذهبي في ((المهذب)) ٢٧/١: وهذا
لا يصح.
وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٢٧/١: وقال في ((الخلافيات)): عمرو بن
خالد الواسطي ضعيف، والمفهوم من كلامه ههنا أن الواسطي مجهول، وهو ليس
کذلك.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) ٤١١/١٠: وأنا أظن أنه عمرو بن خالد القرشي
أبو خالد الكوفي نزيل واسط، وهو مشهور بالكذب والوضع. ولذا ضعفه في
((الضعيفة)) برقم (٤٨٤٦).

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى أبو داود أنه س ◌ُ قَالَ لثوبان: ((اشتر لفاطمة سوارين من
عاج)) (١) لكنهما ضعيفان، ثم العاج هو: الذبل كما قدمناه، وهو بذال
معجمة، ثم باء موحدة، ثم لام، وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية،
صرح به الأصمعي وابن قتيبة وغيرهما من أهل اللغة. وقال أبو علي
البغدادي (٢): العرب تسمي كل عظم عاجًا.
(١) أبو داود (٤٢١٣)، ورواه أحمد ٢٧٥/٥، والطبراني ١٠٣/٢ (١٤٥٣)، وابن
عدي في ((الكامل)) ٣/ ٧٠ - ٧١ الترجمة (٤٣٤). وقال: وحميد الشامي هذا إنما
أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه ولم أعلم له غيره، والبيهقي في («سننه» ١/
٢٦، ((شعب الإيمان)) (٥٦٥٩) مختصرًا. وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٢/
٣١٥ (١٣٣٦)، وفي ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ٩٢/١ - ٩٣، والمزي في
((تهذيب الكمال)) ٤١٣/٧ - ٤١٤، و١١١/١٢ - ١١٢.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في ((تاريخه)) (٢٦٨): قلت: فحميد الشامي كيف
حديثه الذي يروي حديث ثوبان، عن سليمان المنبهي؟ فقال: ما أعرفهما.
وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٩٣/١: هذا الحديث لا يصح. حميد وسليمان
مجهولان. قال أحمد: لا أعرف حميدًا. وقال الذهبي في ((المغني)) (١٧٨٩):
روى عنه ابن جحادة خبرًا منكرًا في ذكر فاطمة، لا يعرف، ولينه بعضهم، وقال في
((التنقيح)) ١٤٠/١: فحميد وشيخه مجهولان. وقال الألباني في ((المشكاة))
(٤٤٧١): وإسناده ضعيف.
(٢) هو أبو علي، إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عيذون البغدادي القالي العلامة
اللغوي، صاحب كتاب ((الأمالي)) في الأدب أخذ العربية عن ابن دريد، وأبي
بكر بن الأنباري، وابن درستويه، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى،
ودخل بغداد في ٣٠٥هـ، وأقام بها إلى سنة ٣٢٨هـ وكتب بها الحديث، ثم خرج
من بغداد قاصدًا الأندلس. له كتاب ((المقصور والممدود))، ((الإبل ونتاجها وجميع
أحوالها))، ((أفعل من كذا))، ((البارع في اللغة))، ((البارع في غريب الحديث))،
((تفسير غريب أبي تمام))، ((الخيل))، ((تبويب لحن العامة للسجستاني)). وانظر:
((سير أعلام النبلاء)) ٤٥/١٦، ((تاريخ الإسلام)» ١٣٨/٢٦ - ١٣٩، ((وفيات
الأعيان)) ٢٢٦/١، ((شذرات الذهب)) ١٨/٣.

٤٧٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
قُلْتُ: فلا يكون العظم -أعني: عظم الفيل- هنا مرادًا؛ لأنه ميتة
فلا تستعمل، وواحدة العاج عاجة.
ثم ذكر البخاري في الباب حديث ميمونة وحديث أبي هريرة.
أما حديث ميمونة فقال فيه:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ
سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ)).
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا مَعْنٌ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِهِ
سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((خُذُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا
فَاطْرَحُوهُ)). قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ لَا أُخْصِيهِ يَقُولُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ،
عَنْ مَيْمُونَةَ.
وهذا الحديث أخرجه في الذبائح(١) أيضًا وهو من أفراده عن
مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي في الأطعمة (٢) والنسائي في
الذبائح(٣)، وأفاد البخاري بالطريق الثاني، -وإن كان نازلا - متابعة
إسماعيل وقول معن السالف.
وفي إسناده اختلاف كثير بينه الدارقطني، حيث روي تارة بإسقاط
ميمونة من حديث الزهري ومالك، وتارة بإسقاط ابن عباس، وتارة
(١) سيأتي برقم (٥٥٣٨، ٥٥٤٠) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في
السمن الجامد أو الذائب.
(٢) (سنن أبي داود)) (٣٨٤١)، ((سنن الترمذي)) (١٧٩٨).
(٣) (سنن النسائي)) ١٧٨/٧.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
من حديث ابن مسعود، وتارة من حديث سالم، عن أبيه قَالَ: وهو
وهم(١). وقال أبو عمر: هذا اضطراب شديد من مالك(٢).
ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة (٣) وقال الإسماعيلي: الحديث
معلول، وفي رواية سئل الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن،
وهو جامد أو غير جامد تقع فيه الفأرة أو غيرها فقال: بلغنا أن
رسول الله ﴿ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطرح، ثم
أكل (٤).
وفي سنن أبي داود: ((إن كان مائعًا فلا تقربوه))(٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فالإجماع قائم كما نقله ابن عبد البر على أن الفأرة
وشبهها من الحيوان تموت في سمن جامد أو ما كان مثله من
الجامدات، أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره، إذا
استوثق أن الميتة لا تصل إليه.
وكذا أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعًا ذائبًا، فماتت
فيه فأرة أو وقعت فيه وهي ميتة، أنه نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة
أو حية، فماتت ينجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور
(١) ((علل الدار قطني)) ٢٨٥/٧، ٢٨٧ (١٣٥٧).
(٢) ((التمهيد)» ٣٤/٩.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٨٤٢). قال الألباني في ((ضعيف أبي داود)»: شاذ.
(٤) سيأتي برقم (٥٥٣٩) كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وقعت الفأرة في السمن
الجامد أو الذائب.
(٥) ((سنن أبي داود)) (٣٨٤٢)، ورواه أحمد ٢٦٥/٢، وابن حبان في ((صحيحه)) ٤/
٢٣٧ (١٣٩٣)، والبيهقي ٣٥٣/٩، والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٥٧/١١
(٢٨١٢). قال الترمذي: في ((العلل)) ٧٥٩/٢: ليس له أصل، وقال أبو حاتم في:
(«العلل)) ١٢/٢: وهم.

٤٧٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
الفقهاء وجماعة العلماء، وقد شذ قوم (١) فجعلوا المائع كله كالجامد،
ولا وجه للاشتغال بشذوذهم، ولا هم عند أهل العلم ممن يُعد لهم
خلاف.
وسلك ابن علي (٢) في ذَلِكَ مسلكهم، إلا في السمن الجامد
والذائب، فإنه يتبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل
والخل، وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما
ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن.
قَالَ: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته.
فقالت طائفة من العلماء: لا يستصبح به ولا ينتفع بشيء منه، وممن قَالَ
ذَلِكَ: الحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، محتجين بالرواية السالفة:
((وإن كان مائعًا فلا تقربوه)) ولعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز.
وقال آخرون بجواز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل
والبيع، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري، أما الأكل
فمجمع على تحريمه، إلا الشذوذ الذي ذكرناه، كما نبه عليه ابن
(٣)
عبد البر(٣).
وأما الاستصباح فروي عن علي(٤) وابن عمر(٥) أنهما أجازا ذَلِكَ،
ومن حجتهم في تحريم بيعها قوله: ((لعن الله اليهود، حرمت عليهم
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: [ ... ] ذهب إليه البخاري في الصحيح وهو مذهب
غيره أيضًا.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: يعني: داود الظاهري.
(٣) ((التمهيد)) ٤٠/٩ - ٤١، ٤٢.
(٤) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨٥/٢.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١٢٧/٥ (٢٤٣٨٧)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨٦/٢.

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه))(١).
وقال آخرون: ينتفع به وجائز أن يبيعه ويبيِّن ولا يأكله، وممن قَالَ
ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي عن أبي موسى
الأشعري(٢) والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، ((وإن كان
مائعًا، فاستصبحوا به وانتفعوا)) والبيع من باب الأنتفاع(٣).
وأما قوله في حديث عبد الرزاق: ((وإن كان مائعًا، فلا تقربوه))
يحتمل أن يريد به الأكل. وقد أجرى وقليل التحريم في شحوم الميتة في
كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها، وقد أباح في السمن يقع فيه
الميتة الانتفاع به، فدل على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل،
ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات.
وأما الزيت يقع فيه الميتة، فإنها تنجس بالمجاورة، وما ينجس
بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره.
وأما قوله: ((إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه)). فإنما خرج على
شحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك
الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة،
(١) الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد في ((المسند)) ٢٤٧/١ من حديث ابن عباس،
ورواه أبو داود (٣٤٨٨)، وكذا البيهقي ١٣/٦ بزيادة لفظ ((ثلاثًا)) فقال: ((لعن الله
اليهود ثلاثًا)) والحديث عند البخاري من حديث جابر بن عبد الله (٢٢٣٦) في
البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١) في المساقاة، باب: تحريم
بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. بلفظ: ((قاتل الله اليهود، إن الله لمَّا حرم
شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)) وفي الباب عن عمر بن الخطاب.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٨٧/١ (٢٩٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
١٢٧/٥ (٢٤٣٨٥)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨٦/٢.
(٣) ذكره ابن المنذر فى ((الأوسط)) ٢٨٦/٢، ٢٨٧.

٤٧٧
ـ كِتَابُ الوُضُوءِ
وروي عن مالك أيضًا (١)، وصفته: أن تَعْمُد إلى ثلاث آوان أو أكثر،
فيجعل الزيت النجس في واحدة منها، حتى يكون نصفها أو نحوه،
ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من على الماء، ثم
يجعل في آخر ويعمل به كذلك، ثم في آخر. وهو قول ليس لقائله
سلف، ولا تسكن إليه النفس؛ لأنه لو كان جائزًا لما خفي على
المتقدمين.
وقد روي عن عطاء قولُ تفرد به، روى عبد الرزاق، عن ابن جريج
عنه، قَالَ: ذكروا أنه يدهن به السفن ولا يمس، ولكن يؤخذ بعود. قُلْتُ:
يدهن به غير السفن؟ قَالَ: لم أعلم. قُلْتُ: وأين يدهن به من السفن؟
قَالَ: ظهورها ولا يدهن بطونها. قُلْتُ: فلابد أن تمس؟ قَالَ: تغسل
اليد من مسه(٢).
وقد روي من حديث جابر المنعُ من الدهن به(٣)، وعند سحنون أن
موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك :
إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر، فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه
أزيل ذَلِكَ منه ولم ينجس، وإن ماتت فيه ينجس وإن كثر (٤).
ووقع في كلام ابن العربي أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافًا لأبي حنيفة
والشافعي(٥)، ولا نعلم عندنا خلافًا في طهارتها في حال حياتها(٦).
(١) الذي في ((النوادر والزيادات)) ١/ ١٤٢: وروى ابن رشيد عن ابن نافع عن مالك في
الزيت إذا أصابته النجاسة أنه يغسل.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦٧/١ (٢٠٨).
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٦) كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام.
(٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٨٠/٤، ((المنتقى)) ٢٩٢/٧.
(٥) ((عارضة الأحوذي)) ٧/ ٣٠٠.
(٦) انظر: ((الوسيط)) ٤٧/١، ((روضة الطالبين)) ١٣/١.

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحاصل الحديث فوائد: إلقاء ما نجس من الطعام مع العين
النجسة، وأكل ما لم يصبه، وأن هذا حكم الجامد (١).
أما المائع فمخالف له كما سلف في الرواية الأخرى ((وإن كان
مائعًا، فلا تقربوه)) جمعًا بين الروايتين، وعن سحنون: أنه إذا طال
مكث الميتة يطرح السمن كله؛ أي: لأنه قد يذوب في بعض تلك
الأحوال، فتخالطه النجاسة، حكاه الداودي في ((شرحه)).
الحديث الثاني :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا عَبْدُ اللهِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ قَالَ: ((كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ
القِيَامَةِ كَهَيْتَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًّا، الَّّوْنُ لَوْنُ الدَّم، وَالْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ)».
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
عبد الله هو ابن المبارك وقد سلف. وأحمد شيخ البخاري فيه ثلاثة
أقوال :
أحدها: أنه أحمد بن محمد بن موسى عُرف بمِرْدويه، قاله الحاكم
أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر(٢) حامد بن محمود بن علي
(١) أنظر: ((المغني)) ٥٣/١.
(٢) هو أبو نصر حامد بن محمود بن عليّ بن عبد الصمد الرازي من أهل الري فقيه
فاضل مناظر حسن السيرة جميل الأمر تفقه بنيسابور وببخارى وبرع في الفقه وكان
راغبًا في سماع الحديث حريصًا على كتابته.
تنبيه: في الأصل: الفزاري، ولعل الصواب الرازي كما في مصادر الترجمة.
انظر ترجمته في: ((التحبير في المعجم الكبير)) ص ٢٤٣، ((التدوين في أخبار
قزوين)) ٣٤٣/١، ٢/ ٤٦٧.

٤٧٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
الفزاري في كتابه ((مختصر البخاري))، وأخرج له مع البخاري أبو داود،
والنسائي، وقال: لا بأس به، وهو المروزي السمسار، قدم بغداد،
وأغفله الخطيب. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين(١).
ثانيها: أنه أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي الماخواني
-قرية من قرى مرو- عرف بشبويه، قاله الدارقطني، وهذا روى عنه
أبو داود، ومات سنة تسع وعشرين -أو ثلاثين- ومائتين(٢).
ثالثها: أنه لا يعرف، قَالَ أبو أحمد بن عدي: أحمد بن محمد، عن
عبد الله، عن معمر لا يعرف (٣).
(١) هو أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار المعروف بمردويه،
وربما نسب إلى جده. ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة فيمن قدم بغداد، ولم يذكره
الخطيب في ((تاريخه)). وفي كتاب: ((الزهرة)) كان فقيهًا ويعرف بصاحب ابن
المبارك، روى عنه- يعني: البخاري- اثني عشر حديثًا. وقال ابن وضاح: ابن
مردويه خرساني ثقة ثبت.
انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٤٧٣/١ (١٠٠). و((إكمال مغلطاي)) ١٣٩/١
(١٤٦)، و((تهذيب التهذيب)) ٤٥/١.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد الخزاعي، أبو الحسن
ابن شبويه المروزي الماخواتي. وهو والد عبد الله بن أحمد بن شبويه.
قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: أحمد شبويه ثقة.
روى البخاري في الوضوء، والأضاحي، والجهاد عن أحمد بن محمد، عن
عبد الله بن المبارك، فقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن شبویه هذا،
وقال أبو نصر الكلاباذي، وغير واحد: إنه أحمد بن محمد بن موسى مردويه
المروزي السمسار، فأيهما كان، فهو ثقة. وجزم ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ٣٤٤ أنه
ابن مردويه.
انظر: ترجمته في: ((معرفة الثقات)) ١٩٢/١ (٤)، ((الجرح والتعديل)) ٥٥/٢
(٧١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٣٣/١ (٩٤)، ((إكمال مغلطاي)) ١١٢/١ (١٤٢).
(٣) ((أسامي من روى عنهم البخاري)) ص ٨٦ (٢٢).

٤٨٠
-
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثانیھا :
هذا الحديث أخرجه مسلم في الجهاد(١).
ثالثها :
الكلم -بفتح الكاف- الجرح. ويكلمه بإسكان الكاف. والعرف
-بفتح العين- الرائحة.
رابعها :
مجيئه يوم القيامة کھیئتها تفجر له فوائد:
الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في الفصل
شاهد عجب.
الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف، بانتشار رائحة المسك من
جرحه الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى.
الثالثة: أن هذا الدم خلعة خلعها الله عليه في الحقيقة أكرمه بها في
الدنيا، فناسب أن يأتي بها يوم القيامة.
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به يوم التزاور في الثوب الذي خلقًا (٢)
(١) مسلم (١٠٦/١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٢) قال أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧٣/١٠:
أنشدني منصور بن محمد المفري قال: أنشدني أحمد بن نصر بن منصور الشاذابي
المقري قال قيل لأبي بكر الشبلي: مزقت وأبليت كل ملبوسك والعيد قد أقبل
والناس يتزينون وأنت هكذا؟ فأنشأ يقول:
فقلت خلعة ساق حبه جزعا
قالوا أتى العيد ماذا أنت لابسه
قلب يرى إلفَهُ الأعياد والجمعا
فقر وصبر هما ثوباي تحتهما
والعيد ما كنت لي مرءًا ومستمعًا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي
يوم التزاور في الثوب الذي خلعا
أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به