النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كِتَابُ الوُضُوءِ = خامسها: ترجم البخاري أيضًا لغسل ما يصيب من المرأة، ووجه استنباطه مما ذكره أن منيه * إنما كان من جماع، لأن الاحتلام ممتنع في حقه، وإذا كان من جماع فلابد أن يكون قد خالط الذكر الذي خرج منه المني شيئًا من رُطوبة فرج المرأة، وكذا مراده بقوله: أو غيرها. في الترجمة الثانية: رطوبة فرج المرأة. سادسها : قوله في الترجمة: (فلم يذهب أثره) ظاهر إيراده أن المراد: أثر المني؛ ولهذا أورد عقبه الحديث أن عائشة كانت تغسل من ثوب رسول الله ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. ورجحه ابن بطال، إذ قَالَ: قوله: وأثر الغسل. يحتمل أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء، فكأنه قَالَ: وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه، يعني: لا بقع الجنابة. ويحتمل أن يكون معناه: وأثر الغسل يعني: أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء الذي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء، وكلا الوجهين جائز. لكن قوله في الحديث الآخر: أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله وَ﴾، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. يدل على أن تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل(١). (١) (شرح ابن بطال)) ٣٤٤/١، ٣٤٥. ٤٤٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح سابعها : المراد بالجنابة هنا: المني، من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإن وجوده سبب لبعده عن الصلاة ونحوها. ثامنها: في فوائده: الأولى: ذهب الأكثرون من أهل العلم إلى طهارة مني الآدمي، وهو الأصح عن الشافعي(١) وأحمد(٢)، وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا بنجاسته. قَالَ مالك: فيغسل رطبًا ويابسًا(٣)، وقال أبو حنيفة: يفرك يابسًا ويكفي في تطهيره(٤). وسواء في الخلاف الرجل والمرأة، وأغرب من نجسه منها دونه، والفرك دال على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لم يكتف به. وفركه تنزهًا، وكذا الغسل، هذا حظ الحديثي من المسألة، وأما الجدلي فمحل الخوض معه كتب الخلافيات(٥). الثانية: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة. الثالثة: نقل أحوال المقتدى به وإن كان يُستحى من ذكرها عادة للاقتداء. الرابعة: طهارة رطوبة الفرج، وقد سلف. (١) انظر: ((الأم)) ٥٥/١، ((البيان)) ٤١٩/١، ٤٢١، ((المجموع)) ٥٧٤/٢. (٢) أنظر: ((التحقيق)) ١٥٦/١، ((الإفصاح)) ١٥٣/١، ((كشاف القناع)) ٢٢٤/١. (٣) أنظر: ((المدونة)) ٣٦/١، ((عيون المجالس)) ٢٠١/١. (٤) انظر: ((الأصل)) ١/ ٦١، ((مختصر الطحاوي)) ص٣١، ((مختصر اختلاف العلماء)» ١٣٣/١. (٥) انظر: ((الأوسط)) ١٦٠/٢. ٤٤٣ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ الخامسة: إن الأثر الباقي بعد الغسل](١) لا يضر، وقد قاس البخاري سائر النجاسات على الجنابة. السادسة: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه والخروج به إلى المسجد قبل جفافه. (١) هنا أنتهى السقط من (ج) وذلك من حديث (١٦٠ - ٢٣٣). ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٦٦- باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ. ٢٣٣- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَّاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوَا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ رَ بِلِقَاحِ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَخُوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ وَلّهِ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الَخَبَرُ فِي أَقَلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا أَزْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأَلْقُوا فِي الَحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فهؤلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ. [١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - مسلم: ١٦٧١ - فتح: ٣٣٥/١] ٢٣٤- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّحِ يَزِيدُ بْنُ مُمَيْدٍ، عَنْ أَنَّسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. [٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٣٤١/١] وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) فقال: حَدَّثَنَا وكيع، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصلاة فصلى بنا على روث (وتبن)(١) فقلنا له: (هُهنا تصلي)(٢) والبرية إلى جنبك. فقال: البرية وههنا سواء(٣). وأسنده أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأعمش بلفظ: صلى بنا أبو موسى في دار البريد، وثم السرقين الدواب وتبن، والبرية على (١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة)): نتن. (٢) في (ج): تصلي ههنا. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/ ١٧٢ (٧٧٥٣). ٤٤٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = الباب فقالوا: لو صليت على الباب؟ فقال: هُهنا وثم سواء. وقال ابن حزم: روينا من طريق شعبة وسفيان كلاهما، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين. وهذا لفظ سفيان، وقال شعبة: روث الدواب. . قَالَ: ورويناه من طريق غيرهما: والصحراء أمامه. وقال: (هُهنا)(١) وهناك سواء(٢). واعلم أن البخاري قاس بول غير المأكول على المأكول فيما ترجم له، واستشهد بفعل أبي موسى؛ ليدل على أرواث الإبل وأبوالها، وليس ذَلِكَ بلازم؛ لاحتماله بحائل وهو جائز إذ ذاك. نعم الأصل عدمه. فائدة : دار البريد: الموضع الذي ينزل فيه البريد، ومواضعها يكون فيه روث الدواب غالبًا. والسرقين -بكسر السين وفتحها حكاهما ابن سيده(٣): الزبل وبالجيم أيضًا فارسي، وكان الفارسي ينطق بها بين القاف والجيم، واقتصر القاضي وغيره على الكسر (٤). والبرية: الصحراء، والجمع البراري. ثم ذکر البخاري في الباب حدیثین: أحدهما: حديث أنس فقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عن حَمَّادِ بْنِ (١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من ((المحلى)): هنا. (٢) ((المحلى)) ١٧٠/١. (٣) ((المخصص)) ٣/ ٩٥ بنحوه. (٤) أنظر: ((مشارق الأنوار)) ٢١٣/٢، ((لسان العرب)) ١٩٩٩/٤. ٤٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = زيِّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ ناس مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ بَّهِ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُوا قَتَلُوا رَاعِيَّ النَّبِيِّ بَّهِ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا أَرْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بقطع أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَغْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهُؤْلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ. والكلام عليه من وجوه: أحدها : أنه حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه البخاري في عدة مواضع منها المغازي(١)، والجهاد(٢)، والتفسير(٣)، والحدود (٤)، وذكر أنهم كانوا في الصفة -يعني: أولًا - ولما خرجه في الزكاة من حديث قتادة، عن أنس(٥)، قَالَ آخره: تابعه أبو قلابة وحميد وثابت، عن أنس. وحديث أبي قلابة عَلِمْتَه، وحديث حميد أخرجه مسلم (٦)، وثابت أخرجه أبو داود(٧). وأخرجه مسلم في الحدود، وأدخل بين أيوب وأبي قلابة أبا رجاء (١) سيأتي برقم (٤١٩٢) باب: قصة عكل وعرينة. (٢) سيأتي برقم (٣٠١٨) باب: إذا حرّق المشرك المسلم هل يحرقه. (٣) سيأتي برقم (٤٦١٠) باب: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ﴾. (٤) سيأتي برقم (٦٨٠٣) باب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وكرره بعده مبوبًا عليه عدة أبواب. (٥) سيأتي برقم (١٥٠١) باب: استعمال إبل الصدقة ... (٦) مسلم برقم (٩/١٦٧١) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. (٧) أبو داود (٤٣٦٧). ٤٤٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = مولى أبي قلابة (١)، وذكر الدارقطني أن رواية حماد إنما هي عن أيوب، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة قَالَ: وسقوط أبي رجاء وثبوته صواب، ويشبه أن يكون أيوب سمع من أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين مجردة، وسمع من أبي رجاء، عن أبي قلابة حديثه مع عمر بن عبد العزيز، وفي آخرها قصة العُرنيين، فحفظ عنه حماد بن زيد القصتين، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة، وحفظ الآخرون عنه، عن أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين حسب. قَالَ: ورواه صالح بن كيسان، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا(٢). ثانیھا : هُذِهِ القصة كانت في شوال سنة ستٌّ، ورواها ابن جرير الطبري(٣) من حديث جرير (٤)، وفيه أنه وَلهو بعثه في أثرهم. وفيه نظر، لأن إسلامه كان في السنة العاشرة على المشهور، وعلى قول ابن قانع وغيره، أنه أسلم قديمًا يزول الإشكال(٥). ثالثها : عُكْل -بضم العين المهملة وإسكان الكاف، ثم لام- قبيلة نسبت (١) مسلم (١١/١٦٧١) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، ولم أجده في الحدود. (٢) ((العلل)) ١٢/ ٢٣٩ (٢٦٦٦). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: تخريج أحاديث الوسيط للمؤلف ما لفظه: وروى محمد بن الفضل الطبراني من حديث جرير أنه القذّي بعثه في أثرهم. [كذا في هامش الأصل: الطبراني، والصحيح الطبري كما في ((الإعلام)) ١٣٨/٩]. (٤) ((تفسير الطبري)) ٥٤٨/٤ (١١٨١٥)، أشار إليه ابن حجر في (تهذيب التهذيب))، وقال: لا يصح؛ لأنه من رواية موسى بن عبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف جدًّا. (٥) سبقت ترجمة جرير في حديث رقم (٥٧). ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == إلى عكل أمرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أُد بن طابخة فغلبت عليهم ونسبوا إليها، وزعم السمعاني أنهم بطن من تميم، ورده عليه ابن الأثير(١). وعُرَينة - بضم العين المهملة، وفتح الراء- بطن من بجيلة، وهو ابن بدير أو ابن عزيز بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد، وأم عبقر بجيلة، قاله الرشاطي، ووقع في ((شرح الداودي)) أن قوله: عُكْل أو عُرَينة من شك الراوي، قَالَ: وعُكْل هم عرينة. وهو عجيب(٢). فائدة : ◌ُكْل اشتقاق من عكلت الشيء إذا جمعته، قاله ابن دريد(٣)، وقال غيره: هو من عكل يعكل، إذ قَالَ برأيه، ورجل عكلي أي: أحمق. منهم جماعة من الصحابة: خزيمة بن عاصم بن قطن بن عبد الله بن عبادة بن سعد بن عوف، أهمله أبو عمر. والعون في اللغة: حلة تصيبٍ الفرس أو البعير في القوائم(2). رابعها : كان عدد العرنيين ثمانية. وقيل: كانوا سبعة، أربعة من عرينة وثلاثة من عُكْل، فقيل: العرنيون؛ لأن أكثرهم كان من عُرينة، زعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٥١/٢، ٣٥٢، وانظر: ((معجم البلدان)) ١٣٤/٤. (٢) انظر: ((معجم البلدان)) ١١٥/٤. (٣) ((الجمهرة)) ٩٤٦/٢، مادة: (عكل). (٤) انظر: ((صحاح الجوهري)) ٢١٦٣/٦، ((لسان العرب)) ٢٩١٥/٥. ٤٤٩ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ خامسها : (اجتووا) -بجيم ثم بمثناة فوق- استوخموها، كما جاء مصرحًا به في الرواية الأخرى(١). وقال ابن قتيبة: اجتويت البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها(٢) إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، والأول (٣) أشبه(٣). واللقاح: ذوات الألبان من الإبل، واحدها لِقحة بكسر اللام وفتحها، وأبوال الإبل التي ترعى الشيح والقيصوم، وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء. سادسها : هُذِهِ اللقاح كانت لرسول الله وير كما ثبت في ((الصحيح))، وثبت فيه أيضًا أنها إبل الصدقة، ولعل اللقاح كانت له، والإبل للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن في شرب لبنها على هذِه الرواية؛ لأنها كانت للمحتاجين، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة، استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل(٤). قَالَ ابن بطال: وغرضه بهذا التبويب إثبات دفع الصدقة في صنف واحد ممن ذكر في آيات الصدقة خلافًا للشافعي، قَالَ: والحجة به قاطعة؛ لأنه ﴿ أفرد أبناء السبيل بالصدقة دون غيرهم(٥). (١) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة. (٢) في الأصل: (استوبيتها)، والصواب ما أثبتناه كما في ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٤١٠/٢، ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ١٧٩/١. (٣) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٢/ ٤١٠، وقد عزاه لأبي زيد. (٤) سيأتي برقم (١٥٠١). (٥) ((شرح ابن بطال)) ٥٥٨/٣. ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- قُلْتُ: للإمام ذَلِكَ وليس محل النزاع فاعلمه. سابعها : عدد هذِهِ اللقاح خمس عشرة غرًا(١) ذكره ابن سعد في ((طبقاته)) قَالَ: وفقد منها واحدة (٢). وكانت ترعى بذي الجَدْر: ناحية قباء قريبًا من عَيْر على ستة أميال من المدينة(٣). ثامنها : اسم هذا الراعي يسار - بمثناة تحت في أوله- وهو مولى رسول الله وَل*، وكان نوبيًّا فأعتقه. تاسعها : استاقوا: حملوا، وهو من السوق، وهو السير السريع العنيف. والنعم -بفتح النون والعين المهملة، يذكر ويؤنث على الأصح؛ سميت بذلك لنعومة بطنها، وهي الإبل. قيل: والبقر. قيل: والغنم. وأما الأنعام فيطلق على الكل. عاشرها : بعث في آثارهم كُرْز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا، قاله ابن سعد في ((طبقاته))(٤). وفي ((صحيح مسلم)) وعنده شباب من الأنصار قريب من العشرين، فأرسل إليهم وبعث معهم قاصًا يقص أثرهم(٥). وقال موسى بن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد، وقد أسلفنا أنه (١) ذكر في هامش الأصل ما نصه: لعله غزارًا. (٢) ((طبقات ابن سعد)) ٢/ ٩٣. (٣) انظر: ((معجم البلدان)) ١١٤/٢. (٤) ٢ / ٩٣. (٥) مسلم (١٦٧١/ ١٣) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. ٤٥١ ـ كِتَابُ الوُضُوءِ بعث جريرًا أيضًا واستشكلناه. الحادي عشر: سمرت -بالميم المخففة وقد تشدد- أي: كحلت محماة، وفي البخاري في موضع آخر: ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها(١)، وفي معظم نسخ مسلم: فسمل باللام وتخفيف الميم، أي: فقأها، وقيل: بحديدة محماة. وقيل: إن اللام والراء بمعنى، وإنما سمل أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة كما ثبت في ((صحيح مسلم))(٢). الثاني عشر: الحرة: أرض تركبها(٣) حجارة سود(٤). قَالَ عبد الملك: تبعد من مسجد رسول الله. الثالث عشر: في أحكامه وفوائده مختصرة: الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإمام. الثانية: نظر الإمام في مصالحهم، وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم. الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب مالك وأحمد وقول (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد، باب: إذا حرق المشرك المسلم. (٢) ((صحيح مسلم)) (١٤/١٦٧١) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. وورد بهامش الأصل ما نصه: في أبي داود أيضًا والنسائي. (٣) كذا بالأصل، وفي ((أعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٣٩/٩. (٤) انظر: ((صحاح الجوهري)) ٦٢٦/٢، ((معجم البلدان)) ٢٤٥/٢، ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٦٥/١، ((لسان العرب)) ٨٢٨/٢. ٤٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الإصطخري وابن خزيمة والروياني من الشافعية(١)، وقيد ذَلِكَ المالكية بما إذا كانت لا تستعمل النجاسة، فإن كانت تستعملها، فإنه نجس على المشهور، وأجاب المخالفون وهم الحنفية، وجمهور الشافعية القائلون بنجاسة بوله وروثه: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات(٢). واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة الشرب ما جاز التداوي بها؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاء هذِه الأمة فيما حرم عليها(٣)، وقد يجاب عن ذَلِكَ: بأن الضرورة جوزته. وفي المسألة قول ثالث: أن بول كل حيوان وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير بول ابن آدم، وهو قول ابن علية وأهل الظاهر(٤) وروي مثله عن الشعبي، ورواية عن الحسن. وظاهر إيراد البخاري يوافقه حيث ذكر الدواب مع الإبل والغنم. وأما حديث جابر والبراء مرفوعًا: ((ما أكل لحمه، فلا بأس ببوله)) (١) أنظر: ((صحيح ابن خزيمة)) ١/ ٦٠، ((عارضة الأحوذي)) ٩٦/١، ٩٧، ((عيون المجالس)) ٢٠١/١، ((المجموع)) ٥٦٧/٢، ٥٦٨، ((الكافي)) ١٨٤/١، «كشاف القناع)) ١/ ٥٤٧، ٥٤٨. (٢) أنظر: ((اختلاف الفقهاء)» للمروزي ص١٠٢، ١٠٣، ((مختصر اختلاف العلماء)» ١٢٥/١، ١٢٦، ((بدائع الصنائع)) ٨٠/١، ٨١، ((روضة الطالبين)) ١٦/١، ((تبيين الحقائق)) ٢٧/١، ٢٨. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)). رواه البيهقي من رواية أم سلمة وصححه ابن حبان، وهو في البخاري ... موقوف على ابن مسعود ... مسلم ... الفنية قال: ((إنه ليس بدواء ولكنها داء)). من رواية طارق وسوید ... «إنما ذلك داء وليس بشفاء)). رواه أبو داود وابن ماجه. (٤) انظر: ((المجموع)) ٢ / ٥٦٧. ٤٥٣ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ فضعيفان كما بينه الدارقطني وغيره (١). وأما الحديث في غزوة تبوك، فكان الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده(٢)، وإسناده على شرط الصحيح، كما قاله الضياء، قَالَ ابن خزيمة: لو كان الفرث إذا عصره نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده. قُلْتُ: قد يقال: إنه فعل للتداوي. وأما حديث ابن مسعود الآتي في باب إذا ألقي على ظهر المصلى قذرًا أو جيفة لم تفسد عليه صلاته(٣)، لا حجة فيه كما قَالَه ابن حزم، لأنه بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النَّجو (١) حديث جابر رواه ابن عدي في (الكامل)) ٢٦/٩، والدارقطني ١٢٨/١، وقال: لا يثبت، عمرو بن الحصين، ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوار بن مصعب أيضًا متروك، واختلف عنه، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره، والبيهقي في ((الكبرى)) ٤١٣/٢، وضعفه أيضًا، وابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ١٠١/١ (٨٥)، وحديث البراء رواه الدار قطني ١٢٨/١، وقال: إن فيه سوار بن مصعب فقلب أسمه وسماه: مصعب بن سوار، والبيهقي ٤١٣/٢، ابن الجوزي في ((التحقيق)) ١٠١/١ (٨٤). ولفظ الدارقطني من حديث البراء ((لا بأس بسؤره)). قال ابن الجوزي بعد ذكره لهذين الحديثين: فيهما مقال. وذكرهما ابن حجر في ((التلخيص)) ٤٣/١ (٣٧)، وقال: إسناد كل منهما ضعيف جدًّا. (٢) رواه من حديث عمر بن الخطاب البزار ٣٣١/١ (٢١٤)، والفريابي في ((دلائل النبوة)) (٤٢)، والطبري فى ((تفسيره)) ٥٠٢/٦ (١٧٤٤٣، ١٧٤٤٤)، وابن خزيمة ٥٢/١- ٥٣ (١٠١)، وابن حبان ٢٢٣/٤ (١٣٨٣)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) ٣٢٣/٣-٣٢٤ (٣٢٩٢)، والحاكم ١٥٩/١، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والبيهقي ٣٥٧/٩، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)» ١٦٠/١ - ١٦١، والضياء في ((المختارة)) ٢٧٨/١ -٢٨٠ (١٦٨ - ١٦٩). (٣) سيأتي برقم (٢٤٠) كتاب: الوضوء، باب: إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر أو جیفة لم تفسد صلاته. ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح والدم، قَالَ: فسار منسوخًا بلا شك. وأما حديث ابن عمر: كانت الكلاب تقبل وتدبر (وتبول)(١) في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذَلِكَ(٢). فأجاب ابن حزم عنه: بأنه غير مسند؛ لأنه ليس فيه أنه ◌ّ عرف ببول الكلاب في المسجد وأقره، فسقط الاحتجاج به (٣). وأما حديث سويد بن طارق أنه سأل رسول الله (٤) [وَل عن الخمر فنهاه، ثم سأله، فنهاه فقال: يا نبي الله إنها دواء فقال: ((لا، ولكنها داء)»(٥). وحديث أم سلمة مرفوعًا: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم (١) ساقطة من (ج). (٢) سبق برقم (١٧٤) كتاب: الوضوء، باب: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. (٣) ((المحلى)) ١٧١/١. (٤) هنا بداية سقط كبير من النسخة (ج) سنشير إلى انتهائه والمعتمد لدينا النسخة الأصل. (٥) رواه مسلم (١٩٨٤) كتاب: الأشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر. وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وعبد الرزاق ٩/ ٢٥١ (١٧١٠٠)، وأحمد ٣١١/٤، وأبو عوانة ١٠٧/٥ (٧٩٧٩)، ٧٩٨٠)، (٧٩٨٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/١، وابن حبان في ((صحيحه)) ٢٣١/٤، ٢٣٢ (١٣٨٩)، ورواه أيضًا ٤٢٩/١٣، ٤٣٠ (٦٠٦٥)، والطبراني ٨/ ٣٢٣ (٨٢١٢)، والدارقطني ٢٦٥/٤، والبيهقي ٤/١٠، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢٣٦/٢، ٢٣٧ ترجمة (١١٢٢) وقال: هكذا قال شعبة سويد بن طارق أو طارق بن سويد على الشك وقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سويد ولم يشك ولم يقل: عن أبيه. وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٧٤/٤ - ٧٥، صححه ابن عبد البر. ٤٥٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = عليكم))(١). قَالَ ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن في الأول: سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست بدواء، ولا خلاف بيننا في أن ما ليس دواء فلا يحل تناوله. وفي الثاني: سلمان الشيباني، وهو مجهول (٢)، هذا لفظه، وليس كما ذكر فيهما. أما الأول: فأخرجه مسلم في ((صحيحه))، وكذا ابن حبان والحاكم. والثاني: أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، ودعواه أن المذكور في إسناده سلمان وهم وإنما هو سليمان بزيادة ياء، وهو أحد الثقات، أكثر عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما. الرابعة: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه وَّ بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه أبو حنيفة وأثبته مالك والشافعي(٣). الخامسة: شرعية المماثلة في القصاص، والنهي عن المثلة محمول على من وجب عليه القتل، لا على طريق المكافأة. (١) رواه أبو يعلى ٤٠٢/١٢ (٦٩٦٦)، وأحمد في ((الأشربة)) ٣٢/١ (١٥٩)، وابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) ٢٢/١ (١٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) ٢٣٣/٤ (١٣٩١)، والطبراني ٣٢٦/٢٣، ٣٢٧ (٧٤٩)، والبيهقي ٥/١٠ وقال الذهبي في ((المهذب)) ٣٩٦٦/٨: إسناده صويلح، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨٦/٥: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن حجر في ((المطالب العالية)) ٢٠٤/١١ (٢٥٠٠): صححه ابن حبان. (٢) ((المحلى)) ١٧٥/١، ١٧٦. (٣) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٥١/٦، ((البيان)) ٥٠١/١٢، (الكافي)) ٣٣٩/٥. ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال محمد بن سيرين: إن ذَلِكَ قبل أن تنزل الحدود(١) ذكره البخاري في حديث أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة (٢)، والنهي عن المثلة(٣). وفي البخاري أيضًا عن قتادة أنه قَالَ: بلغنا أنه نَّهِ بعد ذَلِكَ كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة(٤)، لا جرم أدعى الشافعي نسخه، وكذا ابن شاهين(6) والداودي، وتوقف فيه ابن الجوزي في ((إعلامه)) وقال: ادعاء النسخ يحتاج إلى التأريخ، والنهي عن المُثْلَة كان في أُحد سنة ثلاث. السادسة: إن فعل الإمام بهم ذَلِكَ ليس من عدم الرحمة بل هو رحمة؛ لما فيه من كف اليد العادية عن الخلق. السابعة: عقوبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] وهل (أو) فيها للتخيير أو للتنويع؟ قولان، وبالثاني قَالَ الشافعي، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الفروع. الثامنة: جواز التطبب وأن يطب كل جسم بما أعتاد، وقد أدخله البخاري في الطب(٦)، وترجم عليه باب الدواء بألبان الإبل وأبوالها. (١) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل. (٢) المائدة: ٣٣: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. (٣) النمل: ١٢٦ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بٌِ﴾. (٤) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة. (٥) ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٤٢٠. (٦) سيأتي برقم (٥٦٨٦) كتاب: الطب، باب: الدواء بأبوال الإبل. ٤٥٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة(١) أو مستحبة خلاف مشهور، ورأيت من يجيب عن الحديث بأن هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب؛ لأنه يجب قتله، فلا معنى لها(٢). العاشرة: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه قَالَ الشافعي ومالك وجماعة، وخالف فيه أبو حنيفة، ولابد من اعتراف القاتلين أو الشهادة عليهم (٣). الحادية عشرة: سماهم أبو قلابة سُرَّاقًا؛ لأنهم أخذوا النعم من حرز مثلها، وهو وجود الراعي معها ويراها أجمع، وإنما هم محاربون. وقيل: كان هذا حكم من حارب حتى أنزل الله فيهم آية المحاربة، وهو يلزم مالكًا في مشهور قوله: إنه إذا قتل المحارب يتحتم قتله. ووقع له في ((المختصر)): إذا أخذهم وقد قتلوا ولم يدر من قتله فالإمام مخير إن شاء قتلهم أو صلبهم (٤). الثانية عشرة: قام الإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء، أنه لا يُمْنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان، وإنما لم يسقوا هنا معاقبة لجفائهم وكفرهم سَقْيِهم ألبان تلك الإبل، فعوقبوا بذلك فلم يسقوا؛ ولأنه وَّو دعا عليهم فقال: ((عَطّش الله من عَطّش آل محمد الليلة)) أخرجه النسائي(٥) فأجيب دعاؤه، وأيضًا هؤلاء ارتدوا (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: الصحيح من مذهب الشافعي وجوبها. (٢) أنظر: ((البيان)) ٤٧/١٢، ((الهداية)) ٤٥٨/٤، ((الإقناع)» ٢١٩/٤. (٣) انظر: ((البيان)) ٣٢٦/١، ٣٢٧، ((الإقناع)) ٩٤/٤. (٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٤ / ٤٦٢. (٥) النسائي ٩٧/٧، ٩٩، وقال الألباني في ((ضعيف سنن النسائي)) ١٦٠/١: ضعيف الإسناد. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فلا حرمة لهم. ثم أعلم أن البخاري أيضًا ذكر هذا الحديث في باب: إذا حرق المشرك هل يحرق؟(١) ووجهه أنه ◌ّير لما سمل أعينهم، وهو تحريق بالنار، استدل به البخاري من أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار- ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة- أنه أولى بالجواز بتحريق المشرك إذا أحرق المسلم. قَالَ ابن المنير: وكأن البخاري جمع بين حديث ((لا تعذبوا بعذاب الله))(٢) وبين هذا، بحمل الأول على غير سبب، والثاني على مقابلة السبب بمثلها من الجهة العامة، وإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلا فما في هذا الحديث أن العُرنيين فعلوا ذَلِكَ بالرعاة (٣). قُلْتُ: قد أسلفنا من عند مسلم(٤) أنهم فعلوا ذَلِكَ، وادعى المهلب أن البخاري لم يذكره، لأنه ليس من شرطه. وفي الحديث أيضًا طاعة الرسول وَل ﴿ فيما يأمر به، فإنه من طاعة الله تعالى، فإنه لما بعث في آثارهم سارعوا إليه، وكذا القطع والسمر فطاعة الإمام العدل واجبة، ولا يحتاج إلى التوقف على الموجب لذلك. وسئل مالك عن القسامة في القتل فضعفها، وقال: لم يتقدم الفعل بها، ثم ذكر الحديث في الحرابة. (١) سيأتي برقم (٣٠١٨) كتاب: الجهاد والسير. سيأتي برقم (٣٠١٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله. (٢) (٣) ((المتواري)) ١٦٩ - ١٧٠. (٤) مسلم (١٤/١٦٧١) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: حكم المحاربين والمرتدين. ٤٥٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = الحديث الثاني : حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. ثم سمعته بَعْدُ يقول: كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. هذا الحديث أخرجه في باب الصلاة في مرابض الغنم أيضًا(١)، وأخرجه مسلم هناك(٢). ومرابض الغنم: مباركها ومواضع مبيتها، ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة. قَالَ ابن دريد: ويقال ذَلِكَ أيضًا لكل دابة من ذوات الحافر والسباع(٣). وقال ابن سيده: هو كالبروك للإبل والأصل للغنم(٤). وقد يستدل به من يقول بطهارة بول المأكول وروثه، وقد ينازع فيه. نعم، فيه الصلاة في مرابض الغنم ولا كراهة فيها بخلاف أعطان الإبل، وقد قَالَ رَّه: ((إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)). رواه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال: حسن صحيح(٥). وقال البيهقي: وقفه أصح(٦). وللحاكم في: ((تاريخ نيسابور)) من حديث أبي حيان، عن أبي (١) سيأتي برقم (٤٢٩) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مرابض الغنم. (٢) (صحيح مسلم) برقم (٥٢٤) كتاب: المساجد، باب: ابتناء مسجد النبي وَّر وورد بهامش الأصل ما نصه: من خط المصنف: وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح. (٣) ((الجمهرة)) ٣١٤/١. (٤) ((المحكم)) ١٣١/٨، ١٣٢، مادة: (ربض). (٥) ((سنن الترمذي)) (٣٤٨). قال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. (٦) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٤٤٩/٢، ٤٥٠. ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلَّوا في مرابضها))، وللبزار في ((مسنده)): ((أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى))(١). وفي حديث عبد الله بن المغفل(٢): ((صلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلّوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين))(٣) وفي لفظ: ((فإنها جن خلقت من جن، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ (١) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٣٢٩). قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا سعيد بن محمد ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٦٦/٤: رواه البزار وأعله بسعيد بن محمد ولعله الوراق، فإن كان هو الوراق فهو ضعيف. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث ابن مغفل في النسائي، وابن ماجه وهو في ((المسند)) مطولًا. (٣) أخرجه النسائي مختصرًا ٥٦/٢، وابن ماجه (٧٦٩)، وأحمد ٨٥/٤، والشافعي في («مسنده)) ٦٧/١، والطيالسي ٢/ ٢٣٠ (٩٥٥)، وعبد الرزاق ((مصنفه)) ٤٠٩/١ (١٦٠٢)، وابن أبي شيبة في «مصنفه)) ٣٣٧/١ (٣٨٧٧)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٤٥٠/١ (٥٠٠)، والروياني في ((مسنده)) ٩٨/٢-٩٩ (٨٩٨)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٨٤/١، وابن حبان في ((صحيحه)) ٤/ ٦٠١ (١٧٠٢)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٠٢/٥-٣٠٣، من طرق عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٣٣٣/٢٢: حديث عبد الله بن مغفل متواتر، رواه نحو خمسة عشر رجلًا عن الحسن، وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦/٢: رواه أحمد والطبراني، وقد رواه ابن ماجه والنسائي باختصار، ورجال أحمد ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بقوله: حدثنا. وقال البوصيري في «زوائده)) ١٣١ : رواه أبو داود من حديث البراء بن عازب وإسناد ابن ماجه فيه مقال وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) ٤٥/١ (١٥١): حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن مغفل - يعني: عبد الله بن مغفل -. وقال الألباني في ((الثمر المستطاب)) ٣١٧/١: إسناده صحيح.