النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
٥٠- باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْم الشّاةِ وَالسَّوِيقِ
وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﴿ لَحْمًا، فَلَمْ يَتَوَضَُّوا.
٢٠٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َ﴿ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى
وَلْ يَتَوَضَّأْ. [٥٤٠٤، ٥٤٠٥- مسلم: ٣٥٤ - فتح: ١ / ٣١٠].
٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَبِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَىْ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ يَجْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ
شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السّكِّينَ، فَصَلَّى وَلْ يَتَوَضَّأْ. [٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢،
٥٤٦٢- مسلم: ٣٥٥ - فتح: ٣١١/١]
يجوز في من لم يتوضأ روايتان إثبات الهمزة وسكونها علامة الجزم
وهو الأشهر في اللغة، وحذف الألف علامة الجزم مثل لم يخش.
قَالَ البخاري: وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﴿ لَحْمًا، فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.
وهذا أسنده ابن أبي شيبة (١) والترمذي(٢) وابن حبان(٣) وشيخه ابن
خزيمة (٤).
وأسنده قبلهم مالك في ((موطئه))(٥).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ
ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ
(١) ((المصنف)) ٥١/١ (٥٢١).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٨٠).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٤١٥/٣ (١١٣٠).
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) ٢٨/١ (٤٣).
(٥) ((الموطأ)) ص (٤٢).

٣٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأىْ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ
يَتَوَضَّأُ(١).
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. انتهى.
[قلت: كلام المصنف على هذين الحديثين سيأتي في الباب التالي].

=
كِتَابُ الوُضُوءِ
٣٦٣
٥١- باب مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ
وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ - مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ - أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّغْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولٍ
اللهِ وَّ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ أَذْنَى خَيْبَرَ- فَصَلَّى العَضْرَ، ثُمَّ
دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ
قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلْ يَتَوَضَّأْ. [٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥،
٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥- فتح: ٣١٢/١]
٢١٠ - وَحَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنٍِ عَمْرٌو، عَنْ بُكَثِرٍ، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلْ يَتَوَضَّأْ. [مسلم:
٣٥٦ - فتح: ٣١٢/١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ
ابْنِ يَسَارٍ -مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ- أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ -
فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ
فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ
وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أنا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ
يَتَوَضَّأُ.

٣٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الكلام عليهما من أوجه :
أحدها :
حديث(١) ابن عباس السالف أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي مسند
إسماعيل القاضي أن ذَلِكَ كان في بنت ضباعة بنت الحارث. وقال
يزيد بن هارون: بنت الزبير.
وحديث عمرو بن أمية أخرجه هنا، وفي الصلاة في باب: إذا دُعي
الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل(٣). وفي الجهاد في باب: ما يذكر في
السكين(٤). وفي الأطعمة أيضًا(٥). وأخرجه مسلم أيضًا(٦).
وحديث سويد(٧) سيأتي قريبًا أيضًا (٨)، وأخرجه في المغازي في
موضعين(٩)، وفي الأطعمة في ثلاثة مواضع(١٠)، وهو من أفراد
البخاري، بل لم يخرج مسلم عن سويد هذا في ((صحيحه)) شيئًا.
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ أخرجه ابن ماجه هنا والترمذي في
الأطعمة، والنسائي في الوليمة.
(٢) مسلم (٣٥٤) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار.
(٣) سيأتي برقم (٦٧٥) كتاب: الأذان.
(٤) سيأتي برقم (٢٩٢٣).
(٥) برقم (٥٤٠٨) كتاب: الأطعمة، باب: قطع اللحم بالسكين، وبرقم (٥٤٢٢)
كتاب: الأطعمة، باب: شاة مسموطة والكتف والجنب، وبرقم (٥٤٦٢) كتاب:
الأطعمة، باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه.
(٦) مسلم (٣٥٥) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار.
(٧) في هامش الأصل: من خط الشيخ أخرجه أيضًا ابن ماجه والنسائي.
(٨) سيأتي برقم (٢١٥) باب: الوضوء من غير حدث.
(٩) سيأتي برقم (٤١٧٥) باب: غزوة الحديبية، وبرقم (٤١٩٥) كتاب: المغازي،
باب: غزوة خيبر.
(١٠) سيأتي برقم (٥٣٨٤) باب: ليس على الأعمى حرج، وبرقم (٥٣٩٠) كتاب:
الأطعمة، باب: السويق وبرقم (٥٤٥٤، ٥٤٥٥) باب: المضمضة بعد الطعام.

٣٦٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
وحديث ميمونة أخرجه مسلم أيضًا (١)، ولم يذكر السویق فیه، فليس
مطابقًا لما ترجم له، ولم يذكر السويق أيضًا في أحاديث الباب الأول مع
أنه ترجم له، وكأنه أراد أن يستنبطه منه، ولو جمعهما في باب واحد كان
أولى، وقد وجد كذلك في بعض النسخ.
ثانيها: عُقيل بضم أوله- ويُشير بن يسار بضم الباء الموحدة، وهو
تابعي(٢)، وليس في الكتب الستة بُشير بن يسار غيره، وسويد هذا
صحابي أوسي ممن بايع تحت الشجرة، وليس في الصحابة سويد بن
النعمان سواه(٣).
ثالثها: (يحتز) أي: يقطع. و(السكين): تذكر وتؤنث، سميت
بذلك؛ لتسكينها حركة المذبوح.
و(خيبر) كانت في جمادى الأولى سنة سبع، قاله ابن سعد (٤).
وقال ابن إسحاق: خرج ◌َّله في بقية المحرم(٥)، ولم يبق من السنة
السادسة إلا شهر وأيام. وسميت باسم رجل من العماليق نزلها واسمه
(١) مسلم (٣٥٦) كتاب: الحيض، باب: الوضوء مما مست النار.
(٢) بُشَير بن يسار الحارثي الأنصاري، مولا هم المدني، و کنیته أبو کیسان، قال عباس
الدوري عن یحیی بن معين: ثقة. وقال محمد بن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا وکان
قد أدرك عامة أصحاب رسول الله خلقه، وكان قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة.
انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٠٣/٥، (الجرح والتعديل)) ٣٩٤/٢
(١٥٤٠)، ((تهذيب الكمال)» ١٨٧/٤ (٧٣٤).
(٣) سويد بن النعمان بن مالك، الأنصاري الأوسي الحارثي، شهد أُحدًا وما بعدها
من المشاهد كلها مع رسول الله وَّ ه.
انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)» ٢٣٩/٢ (١١٢٩)، ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم
١٣٩٣/٣ (١٢٩٤)، ((أسد الغابة)) ٤٩٤/٢ (٢٣٦٠).
(٤) (طبقات ابن سعد)) ١٠٦/٢.
(٥) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٣٧٨/٣، ((البداية والنهاية)) ٤ / ٥٧٠.

٣٦٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
خيبر بن قابية بن مهلابيل وبينها وبين المدينة ثمانية بُرد(١).
قَالَ أبو عبيد(٢): وكان عثمان مصَّرها(٣). واختلفوا - كما قَالَ
القاضي عياض- هل فتحت صلحًا أو عَنْوة؟ أو جلا أهلها عنها بغير
قتال؟ أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة وبعضها جلا أهلها عنها بغير
قتال؟(٤) وعلى كل ذَلِكَ تدل الأحاديث الواردة.
والصهباء(٥): موضع على روحة من خيبر، كما ذكره البخاري في
موضع آخر(٦)، وفي رواية له: (وهي أدنى خيبر). وقال البكري: على
بريد، على لفظ تأنيث أصهب(٧).
السويق: معروف والصاد فيه لغة، كما قاله صاحب ((المحكم)) (٨)،
سمي بذلك لانسياقه في الحلق.
وقوله: (فثري) أي: صب عليه ماء ثم لُتّ، وفعل به ذَلِكَ لما لحقه
(١) ويطلق هذا الاسم على ولاية تشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير،
فتحت سنة سبع وقيل: ثمانٍ للهجرة، أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٥٢١/٢-٥٢٣،
«معجم البلدان)) ٤٠٩/٢-٤١٠.
(٢) ورد بهاشم الأصل ما نصه: يعني: البكري، قال ذلك في ((معجم ما استعجم)).
(٣) ((معجم ما استعجم)) ٥٢١/٢.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢٠٩/٥، وتمام كلامه:
وهذا أصح الأقاويل، وهي رواية مالك، ومن تابعه، وقول ابن عقبة، وفي كل
وجه ترمز فيه رواية مسلم أن رسول الله وَ له لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود
منها، وكانت الأرض حين ظهر لله ولرسوله وللمسلمين، يدل ظاهره على العنوة.
(٥) أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٨٤٤/٣، ((معجم البلدان)) ٤٣٥/٣.
(٦) سيأتي برقم (٥٣٨٤) كتاب: الأطعمة، باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾.
(٧) ((معجم ما استعجم)) ٣/ ٨٩٤.
(٨) ((المحكم)) ٣٢٦/٦، وورد بهامش الأصل ما نصه: قال في ((المطالع)): قال ابن
دريد: وبنو العنبر، يقولونه بالضاد.

٣٦٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
من اليبس والقدم.
ووجه المضمضة منه أنه ربما احتبس في الأسنان ونواحي الفم،
فربما شغل المصلي بما يتتبعه بلسانه.
رابعها: وهو مقصود البابين، أنه لا وضوء مما مست النار، وقد
صح في عدة أحاديث كثيرة الوضوء منه، وهو عند الجمهور من
الصحابة والتابعين منسوخ، وبه قَالَ الأئمة الأربعة وأنه آخر الأمر،
وقد كان فيه خلاف لبعضهم في الصدر الأول، ثم وقع الإجماع على
خلافه، وحمل بعضهم الوضوء على اللغوي وهو غسل الفم والكفين،
دون الشرعي، وصح الأمر بالوضوء من لحوم الإبل من حديث البراء
وجابر بن سمرة(١).
(١) أما حديث البراء بن عازب.
فرواه أبو داود (١٨٤) عن البراء بن عازب، قال سئل رسول الله وق لقه عن الوضوء
من لحوم الإبل، فقال: ((توضئوا منها)) وسئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضَّئوا
منها))، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: ((لا تُصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها
من الشياطين)) وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: ((صلوا فيها فإنها بركة)).
ورواه أيضًا الترمذي (٨١) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم
الإبل، وابن ماجه (٤٩٤) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم
الإبل، وأحمد ٢٨٨/٤، وابن الجارود ٣٤/١ (٢٦) كتاب: الطهارة، باب:
الوضوء من لحوم الإبل، وابن خزيمة في ((صحيحه)) ٢١/١-٢٢ (٣٢) كتاب:
الوضوء، باب: الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار» ٣٨٤/١.
وقال الترمذي: وفي الباب عن جابر بن سمرة، وأسيد بن حُضير، وقال: وقد
روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
البراء بن عازب. وهو قول أحمد وإسحاق.
وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) ١٧٨: صحيح.
=

٣٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال به أحمد وجماعة أهل الحديث، وعامة الفقهاء على خلافه،
وأن المراد به النظافة ونفي الزهومة(١).
إذا عرفت ذَلِكَ ففي أحاديث الباب أحكام أخر:
الأول: إباحة الزاد في السفر خلافًا لمن تنطع في ذَلِكَ.
الثاني: نظر الإمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد وجمعها؛ ليقوت
من لا زاد معه من أصحابه.
الثالث: أن القوم إذا فني أكثر زادهم فواجب أن يتواسوا في زاد من
بقي من زاده شيء.
الرابع: أن للسلطان أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام إلى
الأسواق عند قلته، فيبيعوه من أهل الحاجة بسعر ذَلِكَ اليوم.
الخامس: جواز قطع اللحم بالسكين؛ لدعاء الحاجة إليه لصلابة
اللحم وكبر القطعة. نعم، يكره من غير حاجة. قال(٢) ابن التين:
وإنما نهى عن قطع الخبز بالسكين. قاله الخطابي (٣).
= وأما حديث جابر بن سمرة: فرواه مسلم (٣٦٠) كتاب: الحيض، باب: الوضوء
من لحوم الإبل.
(١) انظر: ((عيون المجالس)) ١٥١/١، (اختلاف الفقهاء)) ص ١٠٠ - ١٠١، ((عارضة
الأحوذي)) ١١٠/١-١١٢، (بدائع الصنائع)) ٣٢/١-٣٣، ((المجموع» ٦٥/٢-
٦٩، ((المغني)) ٢٥٠/١ - ٢٥٤، ((الإقناع)) ٦٠/١، ((نيل الأوطار)) ٣١٢/١-
٣١٥.
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: قاله.
(٣) الذي في ((معالم السنن)) ١/ ٦٠: وفيه جواز قطع اللحم بالسكين، وقد جاء النهي
عنه في بعض الحديث ورويت الكراهة فيه وأمر بالنهي ويشبه أن يكون المعنى في
ذلك كراهية زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على
مذهب النخوة والترفع عن مس الأصابع الشفتين والفم، وليس يضيق قطعه =

٣٦٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
السادس: جواز بل استحباب استدعاء الأئمة للصلاة إذا حضر
وقتها.
السابع: قبول الشهادة على النفي إذا كان المنفي محصورًا مثل هذا.
أعني: قوله: (ولم يتوضأ).
= بالسكين وإصلاحه به والحز منه إذا كان اللحم طابقًا أو عضوًا كبيرًا كالجنب
ونحوه فإذا كان عراقًا ونحوه، فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر،
وقطعه بالسکین مباح عند الحاجة إليه غير ضيق.

٣٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٥٢- باب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ؟
٢١١- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَبِرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َّ شَرِبَ
لَبَنَا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَمًّا)). تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[٥٦٠٩- مسلم: ٣٥٨ - فتح: ٣١٣/١]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَّهِ شَرِبَ لَبَنَا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَمًّا)). تَابَعَهُ يُونُسُ
وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
هذا الحديث أخرجه البخاري(١) أيضًا في الأشربة(٢)، وأخرجه
مسلم أيضًا(٣)، ومتابعة يونس أخرجها مسلم عن حرملة، عن ابن
وهب، ثنا يونس، عن ابن شهاب به، وتابعه أيضًا الأوزاعي(٤)
وعمرو بن الحارث(٥)، وذكر ابن جرير الطبري فيه اضطرابًا حيث
روي عن الزهري، عن ابن عباس، وعنه عن عبيد الله بحذف ابن
عباس، وذلك غير قادح.
وفيه: استحباب المضمضة من شرب اللبن، ويلحق به غيره من
المأكول والمشروب، كما نص عليه العلماء؛ لئلا يبقى منه بقايا
(١) في الأصل فوقها: الأربعة.
(٢) سيأتي برقم (٥٦٠٩) باب: شرب اللبن.
(٣) مسلم (٣٥٨) كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار.
(٤) في الأصل فوقها: أبو داود.
(٥) الموضع السابق.

٣٧١
كِتَابُ الوُضُوءِ
يبتلعها حال صلاته، ولتقطع لُزوجته ودسمه ويتطهر فمه.
واختلف العلماء في غسل اليد قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه
أولًا إلا أن يتيقن نظافة اليد من الوسخ والأنجاس، وبعد الفراغ إلا أن
لا يبقى على اليد أثر للطعام بأن كان يابسًا أولم يمسه بها.
وقال مالك: لا يستحب غسل اليد للطعام، إلا أن يكون على اليد
أولًا قذر أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة(١).
قَالَ المهلب: وقوله: ((إن له دسمًا)) بيان العلة التي من أجلها أُمروا
بالوضوء مما مست النار في أول الإسلام، وذلك -والله أعلم- على
ما كانوا عليه من قلة التنظيف في الجاهلية. فلما تقررت النظافة
وشاعت في الإسلام نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المؤمنين(٢).
وقال ابن جرير الطبري في ((تهذيبه)): ليس في الخبر إيجاب
المضمضة ولا الوضوء إذ كانت أفعاله غير لازمةٍ لأمته العمل بها إذا
لم تکن بیانًا عن جملة فرض في تنزيله.
قُلْتُ:
لكن في ((سنن أبي داود)) من حديث ابن عباس أيضًا مرفوعًا:
((مضمضوا من اللبن فإن له دسمًا))(٣) وكذا من طريقين آخرين(٤).
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٧/ ٢٤٧.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١٨/١.
(٣) (سنن أبي داود)) (١٩٦).
وقال الألباني في: ((صحيح أبي داود)) (١٩١): إسناده على شرط الشيخين وقد
أخرجاه.
(٤) رواهما ابن ماجه في ((سننه)) (٤٩٩، ٥٠٠) من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد
مثله.

٣٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
لكن فيه من حديث أنس أنه ◌َ ﴿ شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ
وصلى(١). واستدل به أبو حفص البغدادي على نسخ المضمضة فيه.
نعم، روي عن أنس أنه كان يمضمض منه ثلاثًا (٢) وكذا أبو موسى
الحارث الهمداني، رواه ابن أبي شيبة(٣). وكان يرى الوضوء منه
أبو سعيد الخدري وأبو هريرة قالا: لا وضوء إلا من اللبن .
وعن ابن عون: سألت القاسم عن المضمضة أو الوضوء من اللبن
فقال: لا أعلم به بأسًا. وحكي أيضًا عن حذيفة وغيره(٤) وفي ((سنن ابن
ماجه)) من طريقين: ((توضؤا من ألبان الإبل، ولا توضؤا من ألبان الغنم)).
وإسنادهما فيه ضعف(٥).
(١) ((سنن أبي داود)) (١٩٧).
(٢) رواه عبد الرزاق ١٧٧/١-١٧٨ (٦٨٨)، وابن أبي شيبة ٦٠/١ (٦٣١).
(٣) ابن أبي شيبة ١/ ٦٠.
(٤) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٦٠/١.
(٥) ابن ماجه (٤٩٦) من حديث أسيد بن حضير، و(٤٩٧) من حديث عبد الله بن عمر،
وضعفهما البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص١٠٢-١٠٣، وضعفهما أيضًا
الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (١٠٩، ١١٠).

٣٧٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
٥٣- باب الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّفْسَةِ
وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا.
٢١٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلَِّ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى
يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ،
فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)). [مسلم: ٧٨٦]
٢١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَتَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا
يَقْرَأُ)). [فتح: ٣١٥/١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ
عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبَّ
نَفْسَهُ».
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى
يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ)).
الكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها :
حديث عائشة أخرجه مسلم (١)، وللدارقطني من حديث عبد الوهاب بن
عطاء، عن مالك: ((لعله يريد أن يستغفر فيدعو على نفسه)). وحديث أنس
(١) مسلم (٧٨٦) كتاب: الصلاة، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه
القرآن أو الذكر بأن يرقد.

٣٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
انفرد به البخاري، وانفرد مسلم عنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا
قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول
فليضطجع))(١) وسيأتي حديث أنس عند البخاري أنه لو دخل المسجد
وحبل ممدود فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: حمنة بنت جحش تصلي فإذا
عجزت تعلقت به فقال: ((ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر
فلير قد))(٢).
قَالَ الإسماعيلي في حديث أنس: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب
فوقفه. ورواه عبد الوهاب، عن أيوب، فلم يجاوز أبا قلابة، ووافق
عبد الوارث وهيب والطفاوي.
فائدة :
أبو معمر هذا المفْعَد وهو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج
المنقري(٣)، وفي الصحيحين أبو معمر اثنان آخران:
(١) (صحيح مسلم)) (٧٨٧/ ٢٢٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في
صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد.
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (١١٥٠) أبواب: التهجد، باب: ما يكره من التشديد في
العبادة، وفيه حمنة مكان زينب، والحديث أيضًا عند مسلم برقم (٧٨٤) وفيه
أيضًا: زينب. وليس حمنة. وسيأتي عندما يتعرض المصنف لشرح هذه الرواية ذكر
الخلاف في تسميتها.
(٣) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج واسمه ميسرة التميمي المنقري المقعد
البصري قال يحيى بن معين: ثقة ثبت. نبيل عاقل، وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة
ثبت، وقال العجلي: ثقة. وکان یری القدر ولكن قال أبو داود: كان لا يتكلم فيه.
وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ وكان له قدر
عند أهل العلم. مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
وانظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١١٩/٥ (٥٤٩)، ((تاريخ بغداد)» ٢٥/١٠
(٥١٤٣)، ((تهذيب الكمال)) ٣٥٣/١٥ (٣٤٤٩).

٣٧٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
أحدهما: عبد الله بن سخبرة الأزدي تابعي (١).
وثانيهما: إسماعيل بن إبراهيم الهذلي شيخه وشيخ مسلم (٢).
ثانیھا :
وجه مطابقة الحديثين لما بوب عليه، فإن ظاهره النهي عن الصلاة
مع النعاس فقط، لا عدم الوضوء من النعاس الخفيف. إن مفهوم
تعليل النهي عن الصلاة معه بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس
الأمر، يريد أن يدعو فيسب نفسه، أنه إذا لم يبلغ هذا المبلغ صلى
به، أو أنه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة يقتصر على إتمام ما هو
فيه ولا يستأنف أخرى، فتماديه على حالته دال على أن النعاس
الكثير لا ينافي الطهارة، ويحتمل قطع الصلاة التي هو فيها،
إذ لا يستأنف غيرها.
ثالثها :
النَّعْسة - بفتح النون -: السِّنة. بخلاف النوم فإنه: الغلبة على العقل،
وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس، والنعاس بغير الحواس من
(١) هو أبو معمر الكوفي من أزد شنوءة روى عن خباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود
وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب وعلقمة بن قيس، وروى عنه إبراهيم
النخعي وعمارة بن عمير وغيرهما. قال يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال محمد بن سعد: توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. روى له الجماعة.
وانظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ١٠٣/٦، ((الجرح والتعديل)) ٦٨/٥
(٣٢١)، ((الثقات)) ٢٥/٥، ((تهذيب الكمال)) ٦/١٥ (٣٢٩١).
(٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي الهروي،
نزيل بغداد، وقال ابن حجر في ((التقريب)): ثقة مأمون من العشرة، مات سنة ست
وثلاثين ومائتين، انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١٥٧/٢ (٥٢٧)، ((تهذيب
الكمال)» ١٩/٣ (٤١٦)، ((التقريب)» ص ١٠٥ (٤١٥).

٣٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
غير سقوطها. وفي كتاب ((العين)) النعاس: النوم(١). وقيل: مقاربته. وفي
((المحكم)): النعاس: النوم. وقيل: ثقلته(٢). قَالَ ابن دريد: وخفق
خفقة: نعس نعسة ثم انتبه(٣). وقال أبو زيد: خفق برأسه من النعاس:
أماله(٤).
وقوله: نَعَس هو بفتح العين، والعامة يضمها، وهو خطأ كما قاله
أبو حاتم ومضارعه ينعُس. وحكى صاحب ((الموعب)) عن بعض بني
عامر فتح العين من المضارع.
رابعها :
فيه: الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط.
وأمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النُعاس، وهذا عام في
صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهب الشافعي
والجمهور، لكن لا يخرج الفريضة عن وقتها، وحمله مالك وجماعة
كما قَالَ القاضي (٥) على نفل الليل؛ لأنها محل النوم غالبًا(٦).
وقد ذكر ◌َّي العلة، وهي ( ... )(٧) الاستغفار بالسب، ومن صار في
مثل هذه الحالة من ثقل النوم أدى إلى نقض طهارته وبطلان صلاته،
(١) (العين)) ٣٣٨/١ مادة: (نعس).
(٢) ((المحكم)) ٣٠٨/١ مادة [نعس].
(٣) ((الجمهرة)) ٦١٤/١.
(٤) أنظر: ((الصحاح)) ٩٨٣/٣، ((النهاية في غريب الحديث والأثر) ٨١/٥، ((لسان
العرب)» ٧/ ٤٤٧٣.
(٥) ((إكمال المعلم)) ١٥١/٣.
(٦) انظر: ((المنتقى)) ٢١٢/١، ((طرح التثريب)) ٩٠/٣-٩١، ((حاشية الطحطاوي))
ص٢٢٧.
(٧) كلمة مطموسة بالأصل ولعلها (إبدال).

٣٧٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
وادعى المهلب قيام الإجماع على بطلان طهارة وصلاة من انتهى إلى
هُذِهِ الحالة. قَالَ: فأشبه من نهاه الله عن مقاربة الصلاة في حال
السكر بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] على أنّ الضَّحَّاك أَوَّلَ السكرَ بالنوم في الآية(١)
والأكثر على أنها نزلت في سكر الخمر.
وقد دل حديث عائشة وأنس على أن من قد يقع منه ذَلِكَ فقد حصل
من فَقْدِ (العقل)(٢) في منزلةٍ من لا يعلم ما يقول، كما في السكر، ومن
كان كذلك فلا تجوز صلاته، ودل القرآن على ما دلت عليه السنة، أنه
لا ينبغي للمصلي أن يقرب الصلاة مع شاغل يشغله عنها.
خامسها :
معنى يستغفر هنا يدعو كما قاله القاضي عياض(٣)، والرواية التي
أسلفناها: ((لعله يريد أن يستغفر فيدعو على نفسه)) دالة على ذَلِكَ.
فإن قُلْتَ: فقد جاء في حديث ابن عباس في نومه وَّر في بيت
ميمونة: فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة أذني(٤). ولم يأمره بالنوم.
قُلْتُ: لأنه جاء تلك الليلة؛ للتعلم منه ففعل ذَلِكَ؛ ليكون أثبت له.
سادسها :
وهو مقصود الباب، أن النوم اليسير لا ينقض، وهو إجماع كما قاله
ابن بطال إلا المزني وحده قَالَ: وخرق الإجماع قَالَ: وأجمعوا على
(١) روى ذلك الأثر الطبري في: ((تفسيره)) ٩٩/٤ (٩٥٣٥-٩٥٣٦)، وابن أبي حاتم
في : «تفسيره)» ٩٥٩/٣ (٥٣٥٦).
(٢) في الأصل: العلم، والمثبت هو الصواب كما في ((شرح ابن بطال)) ٣١٩/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٥١/٣.
(٤) رواه مسلم (١٨٥/٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل.

٣٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
النقض بالاضطجاع، واختلفوا في هيئات النائمين: فقال مالك: إن نام
قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء(١) قَالَ: وفرَّق الشافعي بين نومه
في الصلاة وغيرها، فقال: إن كان في الصلاة لا ينقض كما لا ينقض نوم
القاعد.
قَالَ: وله قول آخر كمذهب مالك.
قُلْتُ: وهما خلاف مشهور مذهبه كما ستعلمه، وعند الثوري وأبي
حنيفة: لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط(٢). وفيه حديث عن ابن عباس
مرفوعًا(٣) وهو معلول. والقائم والراكع والساجد يمكن خروج الريح
(١) أنظر: ((المدونة)) ٩/١-١٠، ((عارضة الأحوذي)) ١٠٤/١-١٠٨، ((الأخيرة))
٢٣٠/١-٢٣٢.
(٢) أنظر: (بدائع الصنائع)) ٣٠/١-٣١، ((تبيين الحقائق)) ٩/١-١٠.
(٣) رواه أبو داود (٢٠٢) بلفظ: إن رسول الله و لوقال: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)).
والترمذي (٧٧)، وفي ((العلل الكبير)) ١٤٨/١ (٢٨)، وأحمد ٢٥٦/١، وأبو يعلي
٣٦٩/٤ (٢٤٨٧)، والطبراني ١٥٧/١٢، والبيهقي ١٢١/١.
قال أبو داود: قوله: ((الوضوء على من نام مضطجعًا)) هو حديث منكر لم يروه
إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا
شيئًا من هذا.
ثم قال: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له
وقال: ما ليزيد الدالاني يُدْخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث.
وقال البيهقي: فأما هذا الحديث فإنه قد أنكره على أبي خالد الدالاني جميع
الحفاظ، وأنكر سماعه من قتادة أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وقال
الترمذي في ((علله)) ١٤٩/١ :
سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء. رواه سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولا أعرف لأبي خالد الدالاني
سماعًا من قتادة. قلت: أبو خالد كيف هو؟ قال: صدوق وإنما يهم في الشيء،
قال محمد: وعبد السلام بن حرب صدوق.

٣٧٩
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
منه؛ لانفراج موضع الحدث منه، ولا يشبه القاعد المنضم الأطراف
إلا أن يطول نومه جدًّا في حال قعوده، فعليه الوضوء عند مالك
والأوزاعي وأحمد(١) ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس
في القلة والكثرة، وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال(٢).
وحاصل المذاهب في النوم تسعة :
أحدها: أنه غير ناقض بحال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري
وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز وحميد بن عبد الرحمن الأعرج
والشيعة(٣)، وروى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن طارق:
حدثتني منيعة(٤) بنت وقاص، عن أبيها أن أبا موسى: كان ينام بينهن
حتى يغط فتنبهه فيقول: هل سمعتموني أحدثت، فنقول: لا. فيقوم
فيصلي(٥).
قَالَ ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعي، وهو قول صحيح عن جماعة
من الصحابة وغيرهم ومنهم مكحول وعبيدة السلماني، قَالَ: وادعى
بعضهم الإجماع على خلافه جهلًا وجرأة (٦) ثم ساق من حديث أنس
(١) أنظر: ((المدونة)) ٩/١-١٠، ((التحقيق)) لابن الجوزي ٣٠٩/١، ((الكافي)) لابن
قدامة ١/ ٩٢، ٩٣.
(٢) (بدائع الصنائع)) ٣١/١، ((البيان)) ١٧٨/١.
(٣) أنظر: ((البيان)) ١٧٥/١، ((المغني)) ٢٣٤/١، ((نيل الأوطار)) ٢٩٧/١.
(٤) ورد بهامش الأصل: منيعة كذا في ((ثقات ابن حبان)). بنت وقاص، ولفظه: وقاص
شيخ يروي عن أبي موسى الأشعري، تروي عنه ابنته منيعة لا أدري من هو. انتهى.
وقد ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ولم يذكر فيه شيئًا لا جرحًا
ولا تعدیلًا.
(٥) ((المصنف)) ١٢٤/١ (١٤١٥).
(٦) ((المحلى)) ٢٢٤/١.

٣٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كان أصحاب رسول الله له ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من
ينام، ثم يقومون إلى الصلاة. وإسناده صحيح.
وفي مسلم من هذا الوجه: كان أصحاب رسول الله وَّل ينامون ثم
يصلون ولا يتوضئون(١). وعند البزار: يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ
ومنهم من لا يتوضأ(٢).
ولما ذكره الأثرم للإمام أحمد تبسم. وقال: هذا مرة يضعون
جنوبهم. زاد أحمد بن عبيد(٣) في ((مسنده)): على عهد رسول الله وَّيات.
وعند البيهقي: كان الصحابة يوقظون للصلاة، وإني لأسمع لأحدهم
غطيطًا ثم يصلون ولا يتوضئون.
قَالَ ابن المبارك: هذا عندنا، وهم جلوس. قَالَ البيهقي: وعلى هذا
حمله ابن مهدي والشافعي(٤).
قُلْتُ: وهشيم، كذا أفاده الطبري في ((تهذيبه))، وما أسلفناه يخالفه.
المذهب الثاني: أنه ناقض مطلقًا، وهو مذهب الحسن البصري
والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه، وحُكي عن
الشافعي أيضًا وهو غريب، قَالَ ابن المنذر: وبه أقول، قَالَ: وروي
معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة (٥).
(١) مسلم (٣٧٦/ ١٢٥) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض
الوضوء.
(٢) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) ١٤٧/١ (٢٨٢).
(٣)
((السنن الكبرى» ١٢٠/١.
(٤)
((الأوسط)» ١٤٦/١، ١٤٧.
هو أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفار، كان ثقة ثبتًا، صنف ((المسند)) وجوده.
(٥)
انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٤٣٨/١٥.