النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
والحديث عن علي لا يصح؛ لأن رواية النضر بن منصور(١)، عن
أبي الجنوب(٢)، عن علي، وهما غير حجة في الدين فلا يعتد
بنقلھما، ولو صح ذلك عن عمر لم یکن بالذي یبیح لابن عباس صب
الماء على يديه للوضوء إذ ذاك أقرب للمعونة من استقاء الماء له.
ومحال أن يمنع عمر استقاء الماء له ويبيح صب الماء عليه للوضوء،
مع سماعه من رسول الله يوليو الكراهية لذلك، وممن كان يستعين على
وضوئه بغيره من السلف.
قَالَ الحسن: رأيت عثمان أمير المؤمنين يُصب عليه من إبريق(٣)،
وفعله عبد الرحمن بن أبزى والضحاك بن مُزاحم. وقال أبو الضحى:
لا بأس للمريض أن توضئه الحائض (٤).
قَالَ غيره: واستدل البخاري من صب الماء عليه عند الوضوء أنه
يجوز للرجل أن يوضئه غيره؛ لأنه لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من
الإناء لأعضائه، وجاز له أن يكفيه ذَلِكَ غيره؛ بدليل صب أسامة
(١) النضر بن منصور الباهلي، روى عن أبي الجنوب، روى عنه بشر بن معاذ العقدي،
قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. انظر ترجمته في: ((التاريخ
الكبير)) ٩١/٨ (٢٣٠٢)، ((ضعفاء النسائي)) (٥٩٦)، ((تهذيب الكمال)) ٤٠٥/٢٩-
٤٠٦ (٦٤٣٦) في هامش الأصل حاشية بترت من المصورة.
(٢) هو عقبة بن علقمة اليشكري، أبو الجنوب الكوفي روى عن علي بن أبي طالب،
وروى عنه النضر بن منصور، ضعفه أبو حاتم ويحيى بن معين، قال ابن حجر:
ضعيف. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣١٣/٦ (١٧٤٣)، ((تهذيب الكمال))
٢١٣/٢ (٣٩٨٣)، ((التقريب)) (٤٦٤٦) وفي هامش الأصل حاشية بترت من
المصورة، مفادها ترجمة له.
(٣) أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ١٥٧/٧، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥/٧، ((موضح
أوهام الجمع والتفريق)» ٢/ ١٢٢ (٢١٠).
(٤) لم أجده إلا عن إبراهيم، انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٨٤/١ (٢١١٣).

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الماء على الشارع لوضوئه، والاغترافُ بعضُ عمل الوضوء، فكذلك
يجوز سائر الوضوء.
وهذا من باب القربات التي يجوز أن يعملها الرجل عن غيره بخلاف
الصلاة، ولما أجمعوا على أنه جائز للمريض الاستعانة في الوضوء
والتيمم إذا لم يستطع، ولا يجوز أن يصلى عنه إذا لم يستطع؛ دل
على أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة(١).
قُلْتُ: وأصرح في الدلالة من حديث أسامة؛ لأنه ليس فيه استدعاء
صب، إنما فيه إقراره عليه ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث ابن
عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: أتيت النبي و 8* بميضأة؛ فقال:
«اسكبي))(٢) فسكبت فذكرت وضوءه.
وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))، وقال: الشيخان لم يحتجا بابن
عقيل، وهو مستقيم الحديث، مقدم في الشرف(٣).
وجزم بذلك ابن المنير فقال في كلامه على أبواب البخاري:
(قَاس)(٤) البخاري توضئة الغير له على صبه عليه لاجتماعهما في
معنى الإعانة على أداء الطاعة(٥).
ثم ذكر البخاري حديث المغيرة في الصب أيضًا فقال:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ،
أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ
(١) انظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٧٨/١-٢٧٩.
(٢) انظر: (سنن الترمذي)) (٣٣)، وقال الألباني في ((صحيح الترمذي)): حسن.
(٣) ((المستدرك)) ١٥٢/١.
(٤) تحرفت في (س) إلى (قال). والمثبت من ((المتواري)) لابن المنير.
(٥) ((المتواري)) ص٦٨.

٢٨٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي سَفَرِ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ
المَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ
عَلَى الخُفَّيْنِ.
والكلام عليه من أوجهٍ :
أحدها :
هذا الحديث ذكره في المسح على الخفين (١)، والمغازي(٢) أيضًا
كما ستعلمه.
وأخرجه مسلم(٣)، وأبو داود(٤)، والنسائي(٥)، وابن ماجه (٦) في
الطهارة أيضًا، وهو مشهور من حديث المغيرة، رواه عنه ولداه عروة
وحمزة، وغيرهما، واشتهر عن عروة أيضًا فمن دونه.
ثانیھا :
فيه من لطائف الإسناد رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض من
یحیی إلى عروة(٧).
ثالثها :
المغيرة (ع) هذا أمير الكوفة مرات، ثقفي شهد الحديبية. عنه: بنوه،
(١) سيأتي برقم (٢٠٣) كتاب: الوضوء، باب: المسح على الخفين.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٢١) كتاب: المغازي.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢٧٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٤٩ - ١٥٠).
(٥)
((سنن النسائي)) ١/ ٨٢- ٨٣.
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٥٤٥).
(٧) ورد بهامش (س) ما نصه: عروة من جملة التابعين الأربعة.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أحصن خلقًا من النساء ثلثمائة (١) أو ألف امرأة، وبرأيه ودهائه يضرب
المثل، وهو من الأفراد، مات سنة خمسين عن سبعين سنة.
وولده عروة (ع) ولي الكوفة عن أبيه(٢).
ونافع (ع) شريف مفتي، مات سنة تسع وتسعين(٣).
وسعد (ع) بن إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي
المدينة، ثقة، إمام، يصوم الدهر ويختم كل يوم. مات سنة خمس
وعشرين ومائة (٤).
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: وإن كان [ ... ] كونه أحصن ثلاثمائة أو ألفًا. نقله النووي
عن ابن الأثير بصيغة (قيل)، وقد اقتصر الذهبي في ((الكاشف)) على سبعين،
فاعلمه.
(٢) عروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي. قال البخاري: قال الشعبي: كان خير أهل بيته.
وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال خليفة بن خياط: قدم الحجاج يعني الكوفة
سنة خمس وسبعين فولاها الحجاج عروة بن المغيرة بن شعبة.
انظر: ((التاريخ الكبير)» ٣٢/٧ (١٣٩)، ((معرفة الثقات)) ١٣٤/٢ (١٢٣٠)،
((الثقات)) ١٩٥/٥، ((تهذيب الكمال)) ٣٧/٢٠ (٣٩١٣).
(٣) نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل. قال العجلي: مدني، تابعي، ثقة. وقال
أبو زرعة: ثقة.
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش ثقة مشهور. وقال في موضع آخر: أحد
الأئمة.
((التاريخ الكبير)) ٨٢/٨ (٢٢٥٧)، ((معرفة الثقات)) ٣٠٨/٢ (١٨٣٢)، ((الجرح
والتعديل)» ٨/ ٤٥١ (٢٠٦٩).
(٤) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قال أحمد بن عبد الله العجلي، وأبو حاتم والنسائي، وغير واحد من العلماء: ثقة.
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني، وقيل له: سعد بن إبراهيم سمع
من عبد الله بن جعفر؟ قال: ليس فيه سماع. ثم قال علي: لم يلق سعد بن إبراهيم
أحدًا من أصحاب النبيِ وَّ﴾.
=

٢٨٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
-
ويحيى سلف التعريف به(١).
وعبد الوهاب (ع) هو ابن عبد المجيد الثقفي الحافظ، أحد أشراف
البصرة، وثقه ابن معين، وقال: اختلط بأخرة . ولد سنة ثمان ومائة،
ومات سنة أربع وتسعين.
وعمرو (ع) بن علي هو الفلاس أحد الأعلام الحفاظ، مات سنة
تسع وأربعين ومائتين(٢).
رابعها :
فقهه ظاهر لما ترجم له، وقد علمت ما فيه في الحديث قبله،
وسيأتي في المسح على الخفين إن شاء الله(٣).
قال أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة: لما عُزل سعد بن إبراهيم عن القضاء كان
=
يُتَّقى كما يُتَّقى وهو قاض.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٥١/٤ (١٩٢٨)، ((معرفة الثقات)) ٣٨٨/١ (٥٥٧)،
(تهذيب الكمال)) ٢٤٠/١٠ (٢١٩٩).
(١) تقدم ترجمته في حديث (١).
(٢) عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الباهلي.
قال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني وهو بصري صدوق.
قال حجاج بن الشاعر: لا يبالي أحدث من حفظه عمرو بن علي أو من كتابه
قال النسائي: ثقة، صاحب حديث، حافظ.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣٥٥/٦ (٢٦١٧)، ((الجرح والتعديل)) ٢٤٩/٦ (١٣٧٥)
(الثقات)) ٤٨٧/٨، ((تهذيب الكمال)» ١٦٢/٢٢ (٤٤١٦)
(٣) سيأتي برقم (٢٠٢).

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٦- باب قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيْهِ
وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ،
وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ حَمَّدٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ:
إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.
١٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ
-مَؤْلَى ابن عَبَّاسِ - أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَهُ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةً - زَوْجِ
النَّبِيِّ وَِّ، وَهِيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ إِ لَه
وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَتَامَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ حَتَّى إِذَا أَنْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ
بِقَلِيلٍ، أَسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ وَّ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ
الآيَاتِ الَخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلٍ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنِّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ
وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابن عَبَّاسِ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ
فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِ الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ
اضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
[انظر: ١١٧- مسلم: ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢٨٧]
ما حكاه عن إبراهيم هو ما حكاه ابن المنذر عنه (١)، لكن في ((مسند
الدارمي)) عنه الكراهة (٢). أعني: القراءة في الحمام فتكون عنه خلاف.
وحكاها أصحابنا عن أبي حنيفة(٣)، ونقلت عن أبي وائل شقيق بن
سلمة التابعي الجليل والشعبي ومكحول والحسن وقبيصة بن ذؤيب(٤).
(١) ((الأوسط)) ١٢٥/٢.
(٢) (مسند الدارمي)) ٦٨٠/١ (١٠٣٣) باب: الحائض تذكر الله ولا تقرأ القرآن.
(٣) أنظر: ((المجموع)) ١٨٩/٢، وانظر: ((بدائع الصنائع)) ٣٨/١.
(٤) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ١٢٤/٢.

٢٨٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
وقال محمد بن الحسن بعدم الكراهة(١). ونقله صاحبا ((العدة))،
و ((البيان))(٢) من أصحابنا. وبه قَالَ مالك(٣). ووجهه عدم ورود الشرع
بها فلم تكره كسائر المواضع.
فائدة :
حماد هذا الراوي عن إبراهيم: هو ابن أبي سليمان مسلم،
الأشعري مولاهم (٤).
فرع :
كره جمهور العلماء مس المصحف على غير وضوء كما نقله عنهم
ابن بطال(٥)، وأجازه الشعبي ومحمد بن سيرين(٦). وسيأتي الخلاف في
قراءة الجنب له.
(١) أنظر المصدرين السابقين.
(٢) أنظر: ((المجموع)) ١٨٩/٢، وانظر: ((بدائع الصنائع)) ٣٨/١.
(٣) أنظر: ((المغني)) ٣٠٨/١، ((كشاف القناع)) ١٦٠/١.
(٤) حماد بن أبي سليمان واسمه مسلم. روى عن إبراهيم النخعي. روى عنه ابنه
إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان.
قال النسائي: ثقة إلا أن مرجئ. قال أبو أحمد بن عدي: حماد كثير الرواية خاصة
عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث لا بأس
به، ویحدث عن أبي وائل وغيره بحديث صالح.
وقال ابن حجر: فقيه صدوق له أوهام أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٢/٦-٣٣٣،
((التاريخ الكبير)) ١٨/٣-١٩ (٧٥)، ((الجرح والتعديل)) ١٤٦/٣ (٦٤٢)،
((الكامل)) ٢٩٥/٣ (٤١٣)، ((تهذيب الكمال)) ٢٦٩/٧ (١٤٨٣)، («تقريب
التهذيب)) (١٥٠٠).
(٥) انظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٨٠/١.
(٦) انظر: ((الإفصاح))، ((البيان)) ٢٠١/١-٢٠٢، ((المغني)) ٢٠٢/١-٢٠٣، ((المحلى)»
٧٧/١-٧٨، ((بدائع الصنائع)) ٣٣/١، ((عيون المجالس)) ١٢١/١- ١٢٢.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم قَالَ البخاري رحمه الله :
حدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ
-مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةً
-زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَهِيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ،
وَاضْطَّجَعَ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِوَ لِّ حَتَّى
إِذَا أَنْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، أَسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ
فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ
سُورَةٍ آلٍ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنَّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ
وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ،
ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الیُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ
بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ أَضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ
المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَى الصُّبْحَ.
والكلام علیه من أوجهٍ :
أحدها :
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب السمر في العلم(١)،
وسيأتي -إن شاء الله- في الصلاة في الإمامة والتوبة والتفسير (٢).
وأخرجه مسلم في الصلاة (٣)، والأربعة، وأبو داود(٤)، والترمذي
(١) سبق برقم (١١٧) كتاب: العلم.
(٢) سيأتي بالأرقام الآتية (٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩) كتاب: الأذان.
(٤٥٦٩) باب: قوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
(٣) مسلم (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
((سنن أبي داود)) (١٣٥٣) ..
(٤)

٢٨٩
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
في ((شمائله)) (١)، والنسائي فيه وفي التفسير(٢)، وابن ماجه في
الطهارة (٣).
ثانیھا :
مخرمة هذا أسدي والبي مدني ثقة، قتل بقديد(٤) سنة ثلاثين ومائة
عن سبعين سنة. وليس في الكتب الستة مخرمة غيره(٥) .
نعم، في مسلم وأبي داود والنسائي مخرمة بن بكير الأشج مختلف
(٦)
فیه(٦).
(١) ((الشمائل)) ص١١٨ (٢٢٦).
(٢) (سنن النسائي)) ٢١١/٣، وفي ((الكبرى)) ٣١٨/٦ (١١٠٨٧).
(٣)
((سنن ابن ماجه)) (٥٠٨).
(٤) قديد بضم أوله على لفظ التصغير: قرية جامعة، مذكورة في رسم الفرع، وفي رسم
العقيق، وهي كثيرة المياه والبساتين. وسميت قديدًا لتقدد السيول بها، وهي
لخزاعة. انظر: (معجم ما استعجم)) ١٠٥٤/٣، ((معجم البلدان)) ٣١٣/٤.
(٥) مخرمة بن سليمان الأسدي الوالبي.
قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات)).
انظر: ((التاريخ الكبير)) ١٥/٨ (١٩٨٣)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦٣/٨ (١٦٥٩)،
((تهذيب الكمال)) ٣٢٨/٢٧ (٥٨٣٠)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤١٧/٥ (١٨٣).
(٦) مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي.
روى عن أبيه بكير بن عبد الله. روى عنه: حماد بن خالد الخياط.
قال زید بن بشر عن ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: حدثني مخرمة بن بكير، وكان
رجلًا صالحًا. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا الذي
يقول مالك بن أنس حدثني الثقة من هو ؟ قال: مخرمة بن بكير.
وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير: هو ثقة، ولم يسمع
من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه وقال ابن حجر: صدوق.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ١٦/٨ (١٩٨٤)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦٣/٨ (١٦٦٠)،
((تهذيب الكمال)»٣٢٤/٢٧ (٥٨٢٩)، ((تقريب التهذيب)) ص ٥٢٣ (٦٥٢٦).

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثالثها :
عَرض الوسادة -بفتح العين- قَالَ ابن التين: ضمها غير صحيح
ورويناه بفتحها عن جماعة. وقال ابن عبد الملك: روي بفتح العين
وهو ضد الطول، وبالضم الجانب، والفتح أكثر.
وقال الداودي: عُرضها بضم العين. وأنكره أبو الوليد، وقال
صاحب (المطالع)) (١): الفتح أكثر عند مشايخنا، ووقع لجماعة الضم
والأول أظهر.
رابعها :
الوسادة بكسر الواو: المتكأ وجمعها وسائد، والوساد: ما يتوسد
عند المنام، والجمع وُسُد، وقد توسد ووسده إياه، وفي ((الصحاح))
أنها المخدة (٢).
وقال ابن التين: إنها الفراش الذي ينام عليه.
قَالَ أبو الوليد: وكان اضطجاع ابن عباس في عرضها عند رءوسهما
أو أرجلهما، قَالَ: والظاهر أنه لم يكن عندها فراش غيره، فلذلك ناموا
جميعًا، وفيه عند أبي داود: كانت أدمًا حشوها ليف(٣).
خامسها :
فيه دلالة لما ترجم به البخاري من قراءة القرآن على غير وضوء،
وهو راد على من كرهه، ووجهه قراءته القيا العشر الآيات من آخر آل
(١) لمؤلفه أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي المعروف بابن قرقول،
المتوفى سنة (٥٦٩) يوجد مخطوطًا بدار الكتب المصرية وفي مكتبة القرويين
بفاس.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ٢/ ٥٥٠، مادة: وسد.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤١٤٦ - ٤١٤٧).

٢٩١
كِتَابُ الوُضُوءِ
عمران بعد قيامه من نومه قبل وضوئه.
وقد قَالَ عمر ﴾ لأبي مريم الحنفي حين قَالَ له: أتقرأ يا أمير
المؤمنين على غير وضوء؟! فقال له عمر: من أفتاك بهذا، أمسيلمة؟
وحسبك بعمر في جماعة الصحابة(١).
ومن الحجة أيضًا أنه تعالى لم يوجب فرض الطهارة على عباده
إلا إذا قاموا إلى الصلاة، وقد صح عنه أنه وَلّ خرج من الخلاء فأُتي
بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: ((أريد أن أصلي فأتوضأ؟))(٢).
فرأى ◌َل تأخير الطهارة بعد الحدث إلى إرادته الصلاة.
ثم الإجماع قائم على ذَلِكَ- أعني: جواز قراءة القرآن للمحدث
الحدث الأصغر- نعم؛ الأفضل أن يتوضأ لها.
قَالَ إمام الحرمين وغيره: ولا يقال قراءة المحدث مكروهة، فقد
صح عن النبي ◌َّ أنه كان يقرأ مع الحدث.
فرع :
المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر كالمحدث.
سادسها :
اختلف في فتله وَلّ أذن ابن عباس على أقوال حكاها ابن التين:
أحدها: فعله تأنيسًا. ثانيها: لاستيقاظه. ثالثها: ليدور. رابعها:
للتأدب وليكون أذكر للقصة، قَالَ بعضهم: المتعلم إذا تُعهّدَ بفتلِ أذنِه
كان أذكر لفهمه. خامسها : لينفي عنه العين لما أعجبه قيامه معه.
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٩٨/١ (١١٠٦).
(٢) رواه مسلم (١١٨/٣٧٤) كتاب: الحيض، باب: جواز أكل الحدث الطعام وأنه
لا كراهة في ذلك، وأن الوضوء ليس على الفور.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
سابعها :
إدارته إياه من ورائه؛ لكي لا يتقدم على إمامه، كما نبه عليه
البيهقي(١)، أو لأجل المرور بين يديه.
ثامنھا :
فيه رد على من قَالَ لا يجوز للمصلي أن يؤم أحدًا إلا أن ينوي
الإمامة مع الإحرام، وفيه غير ذَلِكَ مما سلف في الباب السالف.
(١) ((السنن الكبرى)) ٩٩/٣.

٢٩٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
٣٧- باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّ مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ
١٨٤- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنِ آَمْرَأْتِهِ
فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َلِ﴾-
حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلَّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا
لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَنْ
نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَِّ الغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ
رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ
فِي مَقَامِي هذا حَتَّى الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَّيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ
مِثْلَ - أَوْ- قَرِيب مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ- لَا أَدْرِي أَيَ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ
فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوِ المُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ
قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدىُ، فَأَجَبْنَا
وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا المُنَافِقُ - أَوِ
المُرْتَابُ. لَا أَدْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ
يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)). [انظر: ٨٦- مسلم: ٩٠٥- فتح: ٢٨٨/١]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ
فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةً
-زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ- حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ .. الحديث.
وقد سلف في العلم في باب: من أجاب الفتيا بالإشارة مطولًا(١)،
وبينًا هناك المواضع التي أخرجه البخاري فيها، ومنها الكسوف وغيره
كما سيأتي(٢).
(١) سبق برقم (٨٦).
(٢) سيأتي برقم (١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١)، وسيأتي أيضًا بالأرقام الآتية: (١٢٣٥،
١٣٧٣، ٢٥١٩، ٧٢٨٧).

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقولها: (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) إنما فعلت ذَلِكَ ليزول
الغشي، ولا ينقض- أعني: الغشي الخفيف- وضوءها، ولو كان
كثيرًا لنقض، وهذا موضع الترجمة؛ لأن قوله: المثقل حتى يخرج
هذا؛ لأنه يصير والحالة هذِه كالإغماء، وهو ناقض بالإجماع.
والغشي: مرض يعرض من طول التعب والوقوف، يقال منه غشي
عليه وهو ضرب من الإغماء، إلا أنه أخف منه(١). وقال صاحب
((العين)): غشي عليه: ذهب عقله، وفي القرآن: ﴿كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
اُلْمَوْنِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ (٢)
[يس: ٩].
(١) أنظر: ((لسان العرب)) ٣٢٦١/٦، مادة: غشي.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الرابع والثلاثين كتبه مؤلفه، غفر الله له.

٢٩٥
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
٣٨- باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وَقَالَ
ابن المُسَيَّبِ: المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَىْ رَأْسِهَا.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَغْضَ الرَّأْسِ؟ فَاحْتَجَّ
بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ.
١٨٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى المَازِّ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ - وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى -: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ
تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ،
فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَفَسَلَ آيَدَهُآ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ
ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِزْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا
وَأَذْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المكَانِ الذِي بَدَأَ
مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ٢٨٩/١]
(لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بُِءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وَقَالَ ابن
المُسَيَّبِ: المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا). هذا رواه ابن أبي
شيبة بإسناد صحيح فقال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم
يعني : -ابن مالك-، عن سعيد بن المسيب: المرأة والرجل في مسح
الرأس سواء(١).
ثم قَالَ البخاري: (وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِيُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ؟
فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ).
قَالَ ابن التين: قرأناه غير مهموز وضبط في بعض الكتب بالهمز،
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٠/١ (٢٤١).

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وضم الياء على أنه رباعي من أجزأ، ومراده بحديث عبد الله بن زيد الذي
ساقه فقال :
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِئِيِّ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ -وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى -:
أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ
زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ
مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ
مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ
بِمُقَدَّم رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَّانِ الذِي
بَدَأَ مِنَّهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وسيأتي قريبًا في مواضع
عقبه (١)، وفي المضمضة(٢)، ومسح الرأس مرة(٣)، والوضوء منَ
المخضب(٤) ومن التور(٥).
وأخرجه مسلم(٦) وباقي الجماعة في الطهارة أيضًا (٧).
(١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين.
(٢) سيأتي برقم (١٩١).
(٣) سيأتي برقم (١٩٢).
(٤) سيأتي برقم (١٩٧).
(٥) سيأتي برقم (١٩٩).
(٦) مسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي ◌َّر.
(٧) ((سنن أبي داود)) (١١٨)، ((سنن الترمذي)) (٢٨)، ((سنن النسائي)) ٧١/١-٧٢،
(سنن ابن ماجه)) (٤٠٥).

٢٩٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
ثانيها :
فيه سؤال المتعلم ممن لديه علم.
ثالثها :
هذا الإناء الذي أفرغ منه كان تورًا كما سيأتي في بابه(١).
ومعنى (أفرغ): قلب.
رابعها: فيه الإفراغ على اليدين معًا، وقد سلف الكلام عليه في
حديث عثمان في باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (٢).
خامسها :
فيه تثنية غسل اليد، وسيأتي عنه في باب: مسح الرأس مرة (٣)
التثليث، وكلاهما سائغ.
سادسها :
فيه استحباب غسل اليد قبل إدخالها الإناء في ابتداء الوضوء.
سابعها :
جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية
الا غتراف.
ثامنها :
الترتيب بين غسل اليدين والمضمضة، وقد سلف في حديث عثمان،
وسلف فيه أيضًا الكلام على المضمضة (٤).
(١) سيأتي برقم (١٩٩) باب: الوضوء من التور.
(٢) سبق برقم (١٥٩).
(٣) سيأتي برقم (١٩٢).
(٤) سبق برقم (١٥٩).

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
تاسعها :
لم يذكر هنا (الاستنشاق) وذكر بدلها (الاستنثار)، وقد قيل: إنه
هو، لكن الأصح التغاير كما سلف، وقد ذكر الثلاثة في باب: مسح
الرأس مرة، كما ستعلمه(١).
عاشرها :
فيه تثليث المضمضة والاستنثار، وذلك سنة، والأصح الجمع في
المضمضة ثلاث غرف، وورد الفصل أيضًا بغرفتين وصُحح، لكن
الأصح الأول.
حادي عشرها :
فيه تثليث غسل الوجه، وقام الإجماع على سنية ذَلِكَ.
الثاني عشر:
فيه تثنية غسل اليدين إلى المرفقين، وهو جائز، والأفضل ثلاثًا كما
مر، وقد سلف الكلام على المرفق وإدخاله في حديث عثمان السالف،
وكذا على مسح الرأس وغسل الرجلين (٢).
الثالث عشر :
فيه استيعاب الرأس بالمسح، والإجماع قائم على مطلوبيته، لكن
هل ذَلِكَ على وجه الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف أسلفته هناك،
والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة في الحديث.
وقد ذكرت في ((شرح العمدة)) في معنى: أقبل وأدبر، ثلاثة مذاهب
فراجعها منه، ووجهين آخرين أيضًا(٣).
(٢) سبق برقم (١٥٩).
(١) سيأتي برقم (١٩٢).
(٣) انظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٨٠/١-٣٨٤.

٢٩٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
ومما احتج به على عدم وجوب الاستيعاب حديث المغيرة بن شعبة
أنه ولد مسح بناصيته وعلى عمامته (١).
وأجاب ابن القصار(٢) عنه بأنه يحتمل أيضًا إرادة الكل كقوله
تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَسِى وَالْأَقْدَاِ﴾ [الرحمن: ٤١] فإنها هنا الرءوس
ولا يراد بعضها. ثم أُعَلَّ حديث المغيرة بمعقل بن مسلم قَالَ:
وصحيحه مرسل عن المغيرة.
قَالَ: ولو صح فلا حجة فيه؛ لأنه لم يقتصر عليها بل على العمامة
أيضًا، ويصرف مسحه عليها للعذر، وفي الحديث جواز غسل بعض
أعضاء الوضوء مرة وبعضها أكثر من ذَلِكَ.
وادعى ابن بطال أن قوله في الحديث جميعه: (ثم) لم يُرد بها
المهلة، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل، وأن (ثم) هنا بمعنى
الواو، ولا يسلم له ذَلِكَ(٣).
(١) رواه مسلم (٨٣/٢٧٤) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الناصية والعمامة.
(٢) هو علي بن عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن القصار، أبو الحسن، فقيه،
أصولي، ولي قصاء بغداد، من أثاره ((عيون الأدلة))، و((إيضاح الملة في
الخلافيات)). ووثقه الخطيب، مات سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
انظر: ((تاريخ بغداد)» ٤١/١٢، ((سير أعلام النبلاء)» ١٠٧/١٧، ((شذرات الذهب»
١٤٩/٣.
(٣) انظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٨٥/١.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٩- باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الكَعْبَيْنِ
١٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ
أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ وَِّ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءِ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ
وُضُوءَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الثَّوْرِ، فَفَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الثَّوْرِ،
فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ
غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى اِزْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ
مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ. [انظر: ١٨٥ - مسلم: ٢٣٥ - فتح: ٢٩٤/١]
حَدَّثَنِي مُوسَى، ثنا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِهِ، شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ
أَبِي حَسَنِ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ النَّبِّ ◌َِّ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ،
فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِّ وَِّ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الثَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا،
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ
أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنٍ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ،
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ
إِلَی الکَعْبَیْنِ.
الكلام علیه من أوجهٍ :
أحدها :
(عمرو بن أبي حسن) ذكره أبو موسى في ((الصحابة)).
و(عمرو بن يحيى) ثقة. مات بعد المائة(١). ووالده ثقة أيضًا(٢).
(١) تقدمت ترجمته في حديث (٢١، ٢٢).
(٢) يحيى بن عمارة بن أبي حسن. قال محمد بن إسحاق بن يسار: كان ثقة. وقال
النسائي، وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
انظر: ((التاريخ الكبير» ٢٩٥/٨ (٣٠٥٨)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٥/٩ (٧٢٥)،
((الثقات)) ٥٢٢/٥، ((تهذيب الكمال)) ٤٧٤/٣١ (٦٨٨٩)