النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
= كِتَابُ الوُضُوءِ
نَحْوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ.
هذا أسنده ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناده الصحيح فقال: حَدَّثَنَا
حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء فذكره (١)، وقد أسلفناه عن
حكاية ابن المنذر أيضًا(٢).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ
الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ).
وهذا الأثر رواه البيهقي في ((المعرفة)) من حديث إبراهيم بن عبد الله،
ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان: سئل جابر، فذكره.
قَالَ: ورواه أبو شيبة قاضي واسط، عن يزيد أبي خالد، عن أبي
سفیان مرفوعًا.
واختلف عليه في متنه، والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف (٣).
قُلْتُ: لا جرم، أقتصر البخاري على الوقف، وكذا قَالَ الدارقطني
عن أبي بكر النيسابوري: هذا حديث منكر، والصحيح عن جابر خلافه،
وفي لفظ عن جابر: لا يقطع التبسم الصلاة حتى يقرقر (٤).
قَالَ البيهقي: وروينا عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى
الأشعري، وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذَلِكَ، وهو قول الفقهاء
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٣/١ (٤١٢) كتاب: الطهارات، باب: في إنسان يخرج
من دبره الدود.
(٢) ((الإجماع)) لابن المنذر ص٢٩ - ٣٠.
((معرفة السنن والآثار)) ٤٣١/١ (١٢٢٠، ١٢٢٢- ١٢٢٣) كتاب: الطهارة، باب:
(٣)
الوضوء من الكلام والضحك في الصلاة.
(٤) (سنن الدارقطني)) ١/ ١٧٢، ١٧٤/١.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
السبعة وقول الشعبي وعطاء والزهري(١).
وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره(٢)، وإنما الخلاف في نقض
الوضوء به، فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا ينقض الوضوء.
وذهب النخعي والحسن إلى أنه ينقض(٣).
وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.
وحجة من لم يره حَدَثًا أنه لما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن
حدثًا فيها(٤).
وحديث أبي المليح، عن أبيه وأنس وعمران وأبي هريرة ضعفها
كلها الدارقطني، وقال: إنه يدور على أبي العالية -يعني مرسلًا(٥) -
وهو الصواب.
قال البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: إِذا أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أُو أَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ
خُفَّيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ).
هذا أسنده ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشيم، نا يونس عنه
وذكره أيضًا عن الحكم وعطاء وسعيد بن جبير وأبي وائل وابن عمر،
وعن علي ومجاهد وحماد: يعيد الوضوء(٦).
وعن إبراهيم: يجري عليه الماء(٧).
(١) ((معرفة السنن والآثار) ٤٣١/١ (١٢٢٤).
(٢) أنظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٧٤/١.
(٣) انظر: ((الأوسط)) ٢٢٦/١.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٦١/١-١٦٢، ((الإفصاح)) ١٤٥/١، ((بدائع
الصنائع)) ٣٢/١، ((المجموع)) ٧٠/٢-٧١.
(٥) ((سنن الدارقطني)) ١٦٢/١ - ١٦٥ (٤٦٢، ١١، ١٢).
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧١/١.
(٧) رواه عبد الرزاق ١٢٦/١ (٤٦٣)، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧٠/١ (١٩٦٣).

٢٦٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
قَالَ ابن بطال: ما ذكره عن الحسن هو قول أهل الحجاز والعراق،
وروي عن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد إيجاب الوضوء في
ذَلِكَ(١).
وقال عطاء والشافعي والنخعي: يمسه الماء (٢).
وأما من خلع نعليه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال:
أحدها: استئناف الوضوء من أوله، وبه قَالَ مکحول وابن أبي ليلى
والزهري(٣) والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم(٤).
ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل استأنف الوضوء. وبه قَالَ
مالك والليث.
ثالثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء. وبه قَالَ الثوري وأبو حنيفة
والشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور (٥).
رابعها: لا شيء عليه يصلي كما هو. وهو قول الحسن(٦) وقتادة،
(١) انظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٧٥/١.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٢٦/١، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧٠/١ (١٩٦٠).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ١٧٠ (١٩٦٢).
(٤) انظر: ((المغني)) ١/ ٣٦٧.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٠/١.
(٦) ورد تعليقًا بهامش الأصل: قول الحسن ومن معه هو الذي أجازه النووي في ((شرح
المهذب))، وهو وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في مصنف له في
أصول الفقه كذا كلام في رأيته المؤلف قَالَ: وهو غریب نقلًا فجاز دليلًا. انتهى.
وقد رأيت حديثًا في ((أحكام عبد الحق)) ولعلها الوسطى عن عبد الرزاق في
((مصنفه))، ثنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبي قال: رأيت عليًّا
بال قائمًا حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه
وجعلهما في كمه، ثم صلى. قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس، عن النبي وَلقر بمثل صنيعه هذا. اهـ و[انظر: ((المجموع)) ١/ ٥٧٧، =

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ورؤي مثله عن النخعي(١).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ).
قد أسلفه مرفوعًا بنحوه من حديثه في باب: لا تقبل صلاة بغير
طهور (٢)، وحديثه السالف قريبًا: ((لا وضوء إلا من صوت أو ربح))
بمعناه ورواه أبو عبيد في كتاب ((الطهور)) بلفظ: ((لا وضوء إلا من
حَدَثٍ أو صوتٍ أو ریح)»(٣).
قَالَ البخاري: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ◌ِّهِ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ
الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْم، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي
صَلَاتِهِ).
وهذا قد أسنده أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن إسحاق
قَالَ: حَدَّثَني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن أبيه جابر به
مطولًا (٤).
والرجل الذي نزفه الدم عباد بن بشر، والنائم المذكور فيه هو
عمار بن ياسر، والسورة التي قَالَ: (لم أقطعها): الكهف، كما ذكره
ابن بشكوال وغيره. وقيل: الأنصاري: عمارة بن حزم، والمشهور أنه
عباد، حكى ذلك المنذري بزيادة أنه جهر بالسورة، عن البيهقي.
= ((المصنف)) لعبد الرزاق ٢٠١/١].
(١) انظر: ((مصنف عبد الرزاق)) ١٢٦/١، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧١/١.
(٢) سبق برقم (١٣٥) كتاب: الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور.
(٣) أنظر: ((الطهور)) لأبي عبيد ص٤٠٤ (٤٠٤) باب: الانصراف في الصلاة للمحدث
ووقت وجوبه.
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٩٨)، ((صحيح ابن حبان)) ٣٧٥/٣ (١٠٩٦). وقال الألباني في
((صحيح أبي داود)) ١/ ٣٥٧ (١٩٣): إسناده حسن.

٢٦٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
وقوله: (فنزفه الدم). أي: سال دمه كله. قَالَ ابن التين: كذا رویناه،
والذي عند أهل اللغة نُزِفَ دَمُهُ، أي: سال كله، على ما لم يسم فاعله،
وضبط هُذا في بعض الكتب بفتح الزاي والنون. كذا ذكره.
وفي ((المحكم)): أَنْزَفَتْ هي: نُزِحت، يعني: البئر(١). وقال ابن
جني: نَزَقْتُ البئر وأَنَزِفَت هي. جاء مخالفًا للعادة. وقال ابن طريف:
تميم تقول: أنزفت، وقيس: نزفت: رجع، ونَزَفه الحجام يَنزِفُهُ
ويَنْزُفُه: أخرج دمه كله. والنُّزْفُ: الضعف الحادث عن ذَلِكَ. ونَزَفَهُ
الدَّمُ، وإن شئتَ قُلْتَ: أنزفه.
وحكى الفراء: أنزفت البئر: ذهب ماؤها. وفي ((الصحاح)): ينزفه
الدم: إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف فهو نزيف ومنزوف (٢).
فائدة :
غزوة ذات الرقاع كانت في الثانية من سني الهجرة، وذكرها
البخاري بعد خيبر مستدلاً بحضور أبي موسى فيها(٣)، وأنهم لما
نقبت أقدامهم لفوا عليها خرقًا؛ فسميت ذات الرقاع. وسيأتي بسط
ذَلِكَ في موضعه.
قَالَ البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي
جِرَاحَاتِهِمْ).
روى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن أنه كان
(١) ((المحكم)) ٩/ ٥١.
(٢) ((الصحاح)) ١٤٣١/٤، مادة (نزف).
(٣) ورد بهامش (س): وجه استدلال البخاري بحضور أبي موسى؛ لأن أبا موسى
جاء وأصحاب الشعبي وجعفر وأصحابه وهم وصلوا بعد الانصراف من خيبر،
وكان قد جاء رسول الله وَ﴿ قبل الهجرة، وأسلم ثم هاجر إلى الحبشة.

٢٦٦
=
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا(١).
قَالَ البخاري: وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ:
لَيْسَ فِي الدَّم وُضُوءٌ.
وهذا رواه ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن
طاوس أنه كان لا يرى في الدم السائل وضوءًا يغسل عنه الدم ثم حسبه.
وحكي نحو هذا عن سعيد بن المسيب، وكذا عن أبي قلابة وسعيد بن
جبير وجابر وأبي هريرة(٢).
قَالَ ابن بطال: حديث جابر السالف يَدُل على أن الرعاف والدم
لا ينقضان الوضوء، وهو قول أهل الحجاز، ورد على أبي حنيفة،
وفي الحجامة عند أبي حنيفة وأصحابه الوضوء، وهو قول أحمد بن
حنبل.
وعند ربيعة ومالك والليث وأهل المدينة: لا وضوء عن الحجامة،
وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وقالوا: ليس في الحجامة إلا غسل
مواضعها فقط(٣).
وقال الليث: يجزئ أن يمسحه ويصلي ولا يغسله.
وسائر ما ذكره البخاري في الباب من أقوال الصحابة والتابعين، أنه
لا وضوء في الدم والحجامة؛ مطابق للترجمة أنه لا وضوء في غير
(١) (مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ١٢٧ (١٤٥٩).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٧/١ (١٤٦٤)، ١٢٨/١ (١٤٦٥ - ١٤٦٦، ١٤٧٠،
١٤٧١، ١٤٧٤).
(٣) انظر: ((المبسوط)) ٧٦/١ - ٧٧، ((مختصر خلافيات البيهقي)) ٢٩٨/١-٣١٦،
((البناية)) ١٩٧/١-٢٠١، ((المغنى)) ٢٤٧/١-٢٤٩، ((الأخيرة)) ٢٣٦/١، ((البيان))
١٩٢/١-١٩٣.

٢٦٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
المخرجين، وكذلك أحاديث الباب حجة فيه أيضًا(١).
قُلْتُ: فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل فلا ينقض عند
جمیعهم، وانفرد مجاهد بالإيجاب من یسیر الدم.
قَالَ البخاري: (وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ).
وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناده الصحيح عن
عبد الوهاب، ثنا سليمان التيمي عن بكر قَالَ: رأيت ابن عمر عصر
بثرة في وجهه، فخرج منها شيء من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى
ولم يتوضأ. ثم روى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه أدخل أصابعه
في أنفه فخرج منه دم، فمسحه وصلى ولم يتوضأ(٢).
وعن أبي هريرة أنه كان لا يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في
الصلاة بأسًا. وعن أبي قلابة أنه كان لا يرى بأسًا به، إلا أن يسيل
أو يقطر. وعن جابر وأبي سوار العدوي نحوه(٣).
وحديث: ((الوضوء من كل دم سائل)) له طرق لا يصح منها شيء (٤).
(١) انظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٧٥/١-٢٧٦.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٨/١ (١٤٦٩).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٧/١ - ١٢٨.
(٤) رواه الدار قطني ١/ ١٥٦ من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن
عبد العزيز، عن تميم الداري. وابن الجوزي في ((التحقيق)) ١٣٤/١ (٢٢٠) من طريق
الدار قطني، به. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري،
ویزید بن خالد ویزید بن محمد مجهولان. ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٣١٣/١
(ترجمة أحمد بن الفرج) من حديث زيد بن ثابت. قال ابن عدي: هذا حديث لا نعرفه
إلا من حديث أحمد هذا. وقال ابن حجر في ((الدراية)) ٣٠/١: حديث تميم الداري فيه
ضعف وانقطاع. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٧٠): ضعيف.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ ابن الحصَّار (١) في ((تقريب المدارك)): لا يصح في الوضوء من الدم
شيء إلا وضوء المستحاضة.
فائدة :
البثرة: خراج صغير. وجمعه بثر. وفي ((الصحاح)) بثر وجهه بالضم
والكسر والفتح ثلاث لغات(٢). قَالَ ابن طريف(٣): والكسر أفصح.
قَالَ البخاري: وَبَزَقَ ابنِ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ.
وهذا رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناده الصحيح، عن
عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قَالَ: رأيت ابن أبي أوفى
بزق دمًا وهو يصلي ثم مضى في صلاته. وعند أبي موسى بزق علقة،
ثم روي عن الحسن في رجل بزق فرأى في بُزاقه دمًا، أنه لم ير ذَلِكَ
شيئًا حتى يكون عبيطًا.
وعن ابن سيرين: ربما بزق، فيقول لرجل أنظر هل تغير الريق؟ فإن
قَالَ تغير، بزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيرًا، فإنه يتوضأ، وإن لم
يكن في الثالثة متغيرًا لم ير وضوءًا، وعن إبراهيم والحارث العلكي:
إذا غلبت الحمرة البياض توضأ، وعكسه لا يتوضأ. وبزق سالم دمًا
أحمر ثم مضمض ولم يتوضأ وصلى.
(١) هو العلامة قاضي الجماعة، أبو المطرف، عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن
محمد بن بشر بن غرسيه، القرطبي المالكي، ابن الحصار. تفقه بأبي عمر
الإشبيلي، وروى عن أبيه والإمام أبي محمد الأصيلي. ولي قرطبه سنة سبع
وأربعمائة، فأحسن السيرة، لقد كان عالمًا بمذهب مالك مع قوته في علم اللغة
والنحو، توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. أنظر: ((الصلة)) ٣٢٦/٢ - ٣٢٧،
((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) (الصحاح)) ٥٨٤/٢، مادة: (بثر).
(٣) سبق ترجمته في حديث رقم (١٥٥).

٢٦٩
= كِتَابُ الوُضُوءِ
وعن حماد: في الرجل يكون على وضوء فيرى الصفرة في البزاق
فقال: ليس بشيء إلا أن يكون دمًا سائلًا. وعن سالم والقاسم وسئلا عن
الصفرة في البزاق فقالا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وعن عامر
الشعبي: لا يضره(١).
قَالَ البخاري: وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ أَحتَجِمٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ
إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
وهذان رواهما ابن أبي شيبة، قَالَ في ((مصنفه)): حَدَّثَنَا ابن نمير، ثنا
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه(٢)
-وفي ((المحلى)): غسله بحصاة(٣) فقط- وحَدَّثَنَا حفص، عن أشعث،
عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يقولان: يغسل أثر المحاجم.
وحَدَّثَنَا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن ومحمد أنهما كانا يقولان
في الرجل يحتجم: يتوضأ ويغسل أثر المحاجم. وحَدَّثَنَا عبد الأعلى
عن يونس، عن الحسن أنه سئل عن الرجل يحتجم ماذا عليه؟ قَالَ:
يغسل أثر محاجمه(٤).
ولما ذكر ابن بطال في ((شرحه)) أثر ابن عمر والحسن قَالَ: هكذا
رواه المستملي وحده بإثبات (إلا)(٥)، ورواه الكشميهني وأكثر الرواة
بغير (إلا)، قَالَ: والمعروف عن ابن عمر والحسن أن عليًّا غسل
محاجمه، ذكره ابن المنذر(٦).
(١) انظر هذِه الآثارفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١١٦/١-١١٧ (١٣٢٩ -١٣٣٦).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٩/١.
(٣) ((المحلى)) ٢٥٥/١.
(٤) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ٤٧.
(٥) انظر: ((اليونينية)) ٤٦/١.
(٦) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ١٨٠/١.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فرواية المستملي هي الصواب(١).
قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي
المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ)). فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ
يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِي: الضَّرْطَةَ.
وهذا الحديث رجاله سلف التعريف بهم(٢).
وفيه: فضل أنتظار الصلاة فإنه في صلاة، وأن من تعاطى أسباب
الصلاة يسمى مصليًّا. والبخاري ساقه؛ لأجل تفسير أبي هريرة الحدث
بالضرطة، وهو إجماع.
(١) انظر: ((شرح ابن بطَّال)) ٢٧٢/١، قلت: قال ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ٢٨٢: وقع
في رواية الأصيلي وغيره: ليس عليه غسل محاجمه بإسقاط أداة الاستثناء، وهو
الذي ذكره الإسماعيلي، وهي في نسختي ثابتة من رواية أبي ذر. وقال الكرماني في
(شرحه)) ١٥/٣: فُقِد لفظ (إلا) والنسخة الواجدة هي الصحيحة.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في ((منحة الباري)) ١/ ٤٦٧: في نسخة: ليس
عليه غسل محاجمه. بإسقاط (إلا). والأولى هي الشائعة.
وقال العيني في ((عمدة القاري)) ٣٥٤/٢: ومقصود ابن بطال والكرماني من
تصحيح هذِه الرواية إلزام الحنفية، ولا يصعد ذلك معهم؛ لأن جماعة من
الصحابة رأوا وفيه الغسل منهم: ابن عباس وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي
طالب، وروته عائشة رضي الله عنها، عن النبي ◌َّر.
قلت: وواضح من كلام المصنف في تخريج التعليق المذكور يؤيد ثبوت إلا في
النص. وهذا التعليق وصله أيضًا البيهقي في ((السنن)) ١/ ١٤٠ عن ابن عمر، وسنده
صحيح كما قال الألباني في ((مختصر صحيح البخاري)) ١/ ٨٠.اهـ
(٢) تقدم برقم (١٠).

٢٧١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
ثم قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم،
عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قَالَ: ((لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ
ڕِیحًا».
وهذا الحديث ساقه البخاري أيضًا؛ ليبين أن الحدث الصوت
أو الريح، وهو إجماع أيضًا وسلف الكلام عليه في باب لا يتوضأ من
الشك حتى يستيقن(١).
وأبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي سلف.
وعم عباد: هو عبد الله بن زيد بن عاصم كما سلف (٢).
ثم قَالَ البخاري :
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ،
عَنْ مُحَمَّدٍ ابن الحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ
أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ
الوُضُوءُ)). وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وهذا الحديث ساقه البخاري للدلالة على نقض الوضوء بالمذي،
وهو مذهب الجمهور، وحكي الإجماع فيه أيضًا، وطريق شعبة هذِه
أخرجها النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد عنه، عن
الأعمش به(٣).
سبق برقم (١٣٧).
(١)
(٢) تقدمت ترجمته في حديث (١٣٧).
(٣) أنظر: ((السنن)) ١/ ٩٧.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثم الكلام علیه من أوجهٍ :
أحدها :
جرير (ع): هو ابن عبد الحميد الضبي الثقة ذو التصانيف، وقد
سلف(١).
ومنذر بن يعلى كوفي ثقة (٢).
ومحمد بن الحنفية: هو ابن علي بن أبي طالب(٣). والحنفية أمه كما
سلف في كتاب العلم(٤).
ثانیھا :
(كنتُ) هُذِه تحتمل أن تكون على بابها. والظاهر أن هذِه حالة
مستدامة له.
ومعنى (مذاء): كثير المَذّي، وهو بفتح الميم وتشديد الذال
المعجمة على الأفصح، وبالمد صيغة مبالغة.
ثالثها :
قوله: (فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ) كذا هو في ((صحيح البخاري)) ومسلم(٥).
(١) سبقت ترجمته في حديث (٧٠).
(٢) المنذر بن يعلى الثوري. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة
وقال: كان ثقة، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة.
وكذلك قال العجلي، وابن فراس.
انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣١٠/٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٥٧/٧ (١٥٤٠)، («الجرح
والتعديل)) ٨/ ٢٤٢ (١٠٩٣)، ((تهذيب الكمال)) ٥١٥/٢٨ (٦١٨٧).
(٣) سبقت ترجمته في حديث (١٣٢).
(٤) سبق برقم (١٣٢) باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال.
(٥) سبق برقم (١٣٢) كتاب: العلم، باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال وانظر:
((صحيح مسلم)) (٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.

٢٧٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
وفي رواية للبخاري: فأمرت رجلًا(١). وفي النسائي: فأمرت عمار بن
ياسر(٢). وفي ((صحيح ابن خزيمة)) أن عليًّا سأل(٣).
فيحتمل المجاز ويحتمل الحقيقة، وأن كلَّا سأل، وقد بسطنا الكلام
عليه في آخر كتاب العلم في باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال (٤).
ثم قَالَ البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَىُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ
عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ
﴿، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنٍ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ
لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَسَأَلْتُ
عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأَبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﴾، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.
والكلام علیه من أوجهٍ:
أحدها :
هُذِهِ الزيادة وهي قوله: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ .. ) إلى آخره. من أفراد
البخاري عن مسلم(٥)، وأخرجه البخاري في الغسل من حديث
عبد الوارث، عن الحسين قَالَ يحيى: وأخبرني أبو سلمة به. وفي
آخره: فأخبرني أبو سلمة أن عروة أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع
ذَلِكَ من رسول الله وَّةٍ(٦).
(١) سيأتي برقم (٢٦٩) كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه.
(٢) ((سنن النسائي) ٩٦/١-٩٧ وقال الألباني في ((ضعيف النسائي)): منكر بذكر عمار.
((صحيح ابن خزيمة)) ١٥/١ (٢٠).
(٣)
(٤)
سبق برقم (١٣٢).
ورد بهامش (س) ما نصه: من خط المصنف، أخرجه مسلم في الطهارة.
(٥)
(٦) سيأتي برقم (٢٩٢) كتاب: الغسل، باب: غسل ما يصيب من فرج المرأة.

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي هذا رد على قول الدارقطني: لم يسمعه أبو أيوب من رسول
الله ◌َّه، إنما سمعه من أبي بن كعب (١). سيأتي الكلام على طريق
الحسين هذا، والرد على من طعن فيه هناك إن شاء الله.
ثانیھا :
سعد (خ) هذا هو الطلحي الضخم. مات سنة خمس عشرة ومائتين.
ولم يرو عنه غير البخاري من الكتب الستة، وهو من أفراده، وفي
النسائي: سعيد بن حفص بزيادة (ياء)، النفيلي مات سنة سبع وثلاثين
(٢)
ومائتین(٢).
ثالثها :
يُمْن: بضم أوله وإسكان ثانيه وهو الأفصح وبه جاءت الرواية، وفيه
لغة ثانية: فتح الياء، وثالثة: ضمها مع فتح الميم وتشديد النون.
رابعها :
في الحديث تقديم وتأخير تقديره: يغسل ذكره ويتوضأ، وإن كانت
الواو لا تدل على الترتيب، وإنما تدل على الجمع المطلق.
خامسها :
هذا كان في أول الإسلام وهو منسوخ بقوله: ((إذا جلس بين شعبها
الأربع .. ))(٣). وغيره كما ستعلمه في موضعه.
(١) أنظر: ((العلل)) ٣٢/٣، ٣٣ (٢٦٧).
(٢) سعد بن حفص الطلحي. روى عنه: حفص بن عمر بن الصباح الرقي. ذكره ابن
حبان في ((الثقات)). روى له النسائي في ((اليوم والليلة)).
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٥٥/٤ (١٩٤٢)، ((الجرح والتعديل)) ٨٢/٤ (٣٥٦)،
((تهذيب الكمال)) ٢٦٠/١٠ (٢٢٠٦).
(٣) سيأتي برقم (٢٩١) كتاب: الغسل، باب: إذا التقى الختانان.

٢٧٥
ـ كِتَابُ الوُضُوءِ
ثم قال البخاري:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: ثنا النَّضْرُ، عن شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَرْسَلَ إِلَى رَّجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ،
فَجَاءً وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ له رسولُ اللهِ وَّهِ: (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟». فَقَالَ:
نَعَمْ. فَقَالَ: ((إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ)). تَابَعَهُ وَهْبٌ، ثَنَا
شُعْبَةُ. وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَىُ، عَنْ شُعْبَةً: ((الْوُضُوءُ)).
والكلام علیه من أوجهٍ :
أحدها :
هذا الحديث والذي قبله وجه سياق البخاري لهما هنا، أن أقل
أحوالهما حصول المذي لمن جامع ولم يُمْن هما في معنى حديث
المقداد من وجهٍ؛ إلا أن جماعة العلماء وأئمة الفتوى مجمعون على
الغسل من مجاوزة الختان لأمر الشارع بذلك، وهو زيادة على ما في
هذين الحديثين يجب الأخذ بها، إذ الأغلب في ذَلِكَ سبق الماء
للمولج وهو لا يشعر به، لمغيب العضو إذا ذَلِكَ بدءًا للذة وأول
العسيلة فلزم الغسل من مغيبها إلا من شذ كما ستعلمه.
ثانیھا :
هذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه أيضًا في الطهارة من حديث
غندر، عن شعبة وهو مشهور من حديث أبي سعيد، رواه عنه ولده
عبد الرحمن وأبو صالح، واشتهر عن شعبة، عن الحكم، رواه عنه
النضر بن شميل وغيره(١).
(١) ((صحيح مسلم)) (٣٤٥) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء، ((سنن ابن
ما جه)) (٦٠٦).

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثالثها :
إسحاق شيخ البخاري مشهور، فرواه له أبو نعيم الأصبهاني في
(المستخرج)) من طريقه. وقال إسحاق بن إبراهيم: أنا النضر. ورواه
من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن النضر.
وقال في آخره: أخرجه - يعني: البخاري- عن إسحاق الكوسج،
عن النضر. فهذا يدل على أن الإسحاقين روياه عن النضر، وأن
إسحاق الذي روى عنه البخاري الكوسج كما صرح به أبو نعيم، ولم
يقل أنه الذي رواه من طريقه، ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره الجَيَّاني أن في
نسخة الأصيلي في هذا السند: حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور، أنا النضر،
فذكره(١).
وذكر الكلاباذي أن النضر روى عنه إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن
(٢)
منصور(٢).
رابعها :
هذا الرجل من الأنصار هو عتبان بن مالك الأنصاري الخزرجي
السالمي البدري، وإن لم يذكره ابن إسحاق فيهم، كما جاء في رواية
مسلم.
وأغرب ابن بشكوال(٣)، فذكر أنه صالح الأنصاري السالمي، وساقه
أبو نعيم بإسناده، وحكى قولًا آخر: أنه رافع بن خديج. وقيل: هو ابن
عتبان، وهو غلط كما نبه عليه النووي. والصواب عتبان، كما سلف.
(١) (تقييد المهمل)) ٩٦٥/٣.
(٢) ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٥٣٠/٢.
(٣) ورد بهامش (س): أعلم أن ابن بشكوال بدأ في ((مصنفه)) بأن الرجل عتبان بن
مالك، وثنى برافع بن خديج، وثلث بصالح، وساق لكل من الأقوال شاهدًا.

٢٧٧
= كِتَابُ الوُضُوءِ
خامسها :
((أُعجِلت -بضم الهمزة وكسر الجيم - أو قحطت)) كذا رأيناه في
البخاري بالألف، وذكره ابن بطال بحذفها، ثم قَالَ: كذا وقع في
الأمهات (١).
وذكر صاحب ((الأفعال)) أنه يقال: أقحط الرجل: إذا أكسل في
الجماع عن الإنزال(٢) ولم يذكر قحط.
وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحطت بفتح
القاف، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: الصواب ضم القاف،
وفي مسلم: أَقحطت بفتح الهمزة والحاء (٣)، وعند ابن بشار بضم
الهمزة وكسر الحاء كأُعجلت. والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط
هنا : عدم إنزال المني، وهو استعارة من قحوط المطر وهو: أنحباسه،
وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات.
وحكى الفراء قحط المطر بالكسر. وأصله بالفتح، وفي ((المحكم))
الفتح أعلى، وقحِط الناس بالكسر لا غير، وأقحطوا، وكرهها
بعضهم ولا يقال: قُحطوا ولا أُقحطوا. وقال أبو حنيفة: قَحِط
القوم(٤). وقال ابن الأعرابي: قِحِط الناس بالكسر. وفي ((أمالي
الهجري)): أقحط الناس.
(١) ((بشرح ابن بطال)) ١/ ٢٧٧.
(٢) ((الأفعال)) لابن القوطية ص٥٥.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٣٤٥) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء.
(٤) ((المحكم)) ٣٩٥/٢، حفظ، مقلوبة.

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
سادسها :
قوله: ((فعليك الوضوء)) هو منسوخ كما سلف، ولم يقل بعدم نسخه
إلا ما روي عن هشام بن عروة والأعمش وابن عيينة وداود(١)، وادعى
القاضي عياض أنه لا يعلم من قَالَ به بعد خلاف الصحابة إلا الأعمش
ثم داود(٢).
(١) ورد بهامش (س): من خط المصنف في الهامش حكاه في ((شرح الهداية)).
(٢) انظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١٩٦/٢.

=
كِتَابُ الوُضُوءِ
٢٧٩
٣٥- باب الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ
١٨١- حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ - مَوْلَى أَبن عَبَّاسٍ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَنِدِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
لَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّغبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ
أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: ((الْمُصَلَّى أَمَامَكَ)).
[انظر: ١٣٩ - مسلم ١٢٨٠ - فتح: ٢٨٥/١]
١٨٢- حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَخْيَى بْنَ
سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي سَعْدُ بْنُ إِنِرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ
عُزْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ أَلۇ في
سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لَحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةً جَعَلَ يَصُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْحُقَّيْنِ. [٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١،
٥٧٩٨، ٥٧٩٩- مسلم: ٢٧٤ - فتح: ٢٨٥/١]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى
ابْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَّىّ ابن عَبَّاسِ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
وَ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ
زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ:
((الْمُصَلَّى أَمَامَكَ)).
هذا الحديث سلف الكلام عليه في باب إسباغ الوضوء(١)، واشتهر
عن يحيى بن سعيد، فرواه عنه يزيد وحماد بن زيد والليث، ورواه عن
يزيد محمد بن سلام وغيره.
وقوله: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) هو موضع الترجمة، وهو قول
(١) سلف برقم (١٣٩) كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
جماعة العلماء، كما نقله عنهم ابن بطال(١)، وهو رد لما روي عن ابن
عمر وعلي أنهما نهيا أن يُسْتَقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن
يشركنا في الوضوء (أحدٌ)(٢)، وروَيا ذَلِكَ عن رسول الله وََّ(٣).
وروي عن ابن عمر: ما أبالي أعانني رجل على طهوري أو على
ركوعي وسجودي (٤).
قَالَ الطبري: وقد صح عن ابن عمر أن ابن عباس صب على يدي
عمر الوضوء بطريق مكة، حين سأله عن المرأتين اللتين تظاهرتا على
رسول الله وَلة، وثبت عن ابن عمر خلاف ما ذكر عنه(٥).
روى شعبة، عن أبي بشير، عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر
الماء ويغسل رجليه(٦)، وهذا أصح مما خالفه عن ابن عمر؛ لأن راويه
أيفع وهو مجهول(٧).
(١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٢٧٨/١.
(٢) في الأصل: أحدًا، ووجهه الرفع؛ إلا أن يكون أتى به منصوبًا اكتفاءً بالقرينة
المعنوية. انظر: ((شرح ابن عقيل)) ٤٨٥/١.
(٣) رواه أبو يعلى ١/ ٢٠٠ (٢٣١)، والبزار (٢٦٠) من طريق النضر بن منصور، ثنا
أبو الجنوب، عن علي مرفوعًا. قال النووي في ((المجموع)) ٣٨٢/١: هذا حديث
باطل لا أصل له. وذكره ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) ٩٧/١ وقال: قال عثمان
الدارمي: قلت لابن معين: النضر بن منصور، عن أبي الجنوب وعنه ابن أبي معشر
تعرفه؟ قال: هؤلاء حمالة الحطب.
(٤) انظر: ((التاريخ الكبير)) ٦٣/٢ (١٦٩٦).
(٥) أنظر: ((تفسير الطبري)) ١٥٣/١٢ (٣٤٤١٣).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه)) ٢٦/١ (١٩٠).
(٧) ضعفه النسائي، والذهبي، وابن حجر. انظر: (التاريخ الكبير)) ٦٣/٢ - ٦٤
(١٦٩٦)، (تهذيب الكمال)) ٤٤٢/٣ (٥٩٦)، ((الكاشف)) ٢٥٩/١، ((التقريب))
(٥٩٤) وفي هامش الأصل: حاشية بترت من التصوير.