النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ - ڪِتَابُ الوُضُوءِ تطهير الكلب حيًّا وإباحة سؤره بما ذكره من هذِه الأخبار وهي - لعمري- صحيحة، إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا، وتبعه على ما نحاه البخاري ابن بطال في ((شرحه)) فقال: ذكر في الباب أربعة أحاديث في الكلب، وغرضه في ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره، ووجه النظر أن غسل الإناء من شربه يجوز أن يكون لنجاسته، وأن يكون تعبدًا(١) ويترجح الأول برواية مسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)) وهي على شرطه أيضًا، وروايته أيضًا: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات))(٢). وأما غرف الماء فليس فيه أن الكلب شربه من الخف، أو قد يجمع بأن يكون غرفه به ثم صبه في مكان غيره، وعلى تقدير أن يكون شرب منه لا يلزمنا الأخذ به؛ إذ كان هذا في شريعة غيرنا على ما روي عن أبي هريرة، وشرعنا قتل الكلاب على خلاف فيه إلا ما رخّص في إمساكه، ولا يلزم من إقبالها وإدبارها فيه طهارتها. نعم؛ سيأتي فيه أنها كانت تبول فيه، وابن وهب يرى بطهارة بولها، وكأن الحدیث إنما سيق لترددها فيه، ولم يغلق، وعساها كانت تبول ولم يعلم موضعه، ولو علم لأمر بصب الماء عليه، وقد أمر به في بول الأعرابي وبول ما سواه في حكم النجاسة واحد. وأما حديث عدي فهو مسوق؛ لأن قتله ذكاة لا لنجاسة ولا طهارة، ألا تراه قَالَ: ((فكله)). ولم يقل: اغسل الدم، ويجوز أن يكون تركه اكتفاء (١) ((بشرح ابن بطال)) ٢٦٥/١-٢٦٦. (٢) ((صحيح مسلم)) (٨٩/٢٧٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح بغسل الإناء من وُلوغه. وذكر الإسماعيلي احتمالًا ثالثًا، وهو أن يكون قتله الصيد لما جعل ذكاة له أنتفت النجاسة عن المذكي بما جعل ذكاة له، إذا ظهر لك ذَلِكَ فلنتكلم على كل حديث على العادة سندًا ومتنا. أما حديث أبي هريرة فالكلام عليه من أوجه: أحدها : طريق مالك هُذِه أخرجه أبو داود في رواية ابن العبد، والنسائي وابن ماجه(١)، وأخرجه مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أيضًا(٢). وأخرجه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح؛ عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا ولغ)) بدل ((شرب))؛ ومن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)»(٣). وأخرجها أبو داود والنسائي، وكذا الترمذي وقال: ((أولاهن -أو أُخراهن (٤)- بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)) ثم قَالَ: حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: ذكر الهر موقوفة. وقال البيهقي: مدرج(٥). قَالَ ابن عبد البر: كذا قَالَ مالك في هذا الحدیث «شرب» أي على (١) رواه أبو داود (٧١)، والنسائي ١/ ٥٢، وابن ماجه (٣٦٤). (٢) ((صحيح مسلم)) (٩٠/٢٧٩) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. (٣) ((صحيح مسلم)) (٨٩/٢٧٩، ٩١) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. (٤) ((سنن أبي داود)) (٧٣)، ((سنن الترمذي)) (٩١)، ((سنن النسائي)) ٥٣/١- ٥٤، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٦٦): إسناده صحيح على شرطهما. (٥) ((السنن الكبرى» ٥٤٨/١. ٢٤٣ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ خلاف عنه، وغيره من الرواة يقول: ((إذا ولغ)) وهو الذي يعرفه أهل اللغة(١). وكذا استغرب هذِه اللفظة الإسماعيلي وابن منده الحافظان، ولم ينفرد بها مالك، بل توبع عليها كما أوضحته في كتابي ((البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير)) للرافعي رحمه الله (٢)، وهو أيضًا أخص من الولوغ، إذ كل كلب إذا شرب فهو والغ ولا عكس. ثانيها: في التعريف برواته، وقد سلف التعريف بهم. ثالثها : في فقهه: ظاهر الأمر بالغسل: التنجيس، ويؤيده الرواية السالفة ((طهور)) فإنها تستعمل عن الحدث تارة، وعن الخبث أخرى، ولا حدث على الإناء فتعين الخبث. وأما الإمام مالك فحمله على التعبد لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع، فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد أكتفى فيها بما دون السبع، وقد أمر بغسل الظاهر مرارًا لمعنى، كما في أعضاء الوضوء(٣) والحمل على الأول وهو التنجيس أقوى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى فالثاني أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى. (١) ((التمهيد)) ٢٦٤/١٨. (٢) ((البدر المنير)) ٥٤٥/١. (٣) انظر: ((التفريع)) ٢١٦/١، ((الكافي)) ص١٧، ((الأخيرة)) ١/ ١٨١. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع، ثم الذين عللوه قالوا: العلة النجاسة، وقيل: القذارة؛ لاستعماله النجاسات، وقيل: علته لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلظ عليهم بذلك. ومنهم من قَالَ: إن ذَلِكَ معلل بما تبقّى من كَلَب الكلب(١). والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، وأورد على هذا أن الكلب المكلب لا يقرب الماء، على ذَلِكَ جماعة الأطباء. ومن قَالَ بالتعبد يلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ وما لم يلقه؛ عملًا بحقيقة لفظ الإناء. ثم إن هذا الأمر وهو الأمر بالغسل ظاهره الوجوب، وعن مالك قول بحمله على الندب، وقد استدل بغسل الإناء على نجاسة عين الكلب؛ ولأنه إذا ثبت نجاسة فمه فبقية بدنه أولى؛ ولأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه ففمه أولى، ثم هذا الإناء يغسل سواء أكان فيه طعام أو ماء للعموم، ولمالك قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، وهو نص ((المدونة))(٢)؛ لأنه مصون، ولأن في الحديث الإراقة، وهي محرمة؛ لأنه إضاعة مالٍ. والظاهري لا يرى بالغسل إذا وقع اللعاب في الإناء من غير ولوغ (٣). ثم هذا الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات. ورواية التتريب قَالَ بها الشافعي وأصحاب الحديث وليست في (١) الكلب، بفتحات، شبه الجنون، وكَلِب الكلب، ضَرى وتعوَّد أكل الناس. «المحكم)) ٣٥/٧. (٢) انظر: ((المدونة)) ٥/١. (٣) انظر: ((المحلى)) ١٠٩/١- ١١٠. ٢٤٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = رواية مالك فلم يقل بها، وقيل: لأنه مضطرب حيث ورد: (أولاهن)) و((إحداهن))، وغير ذَلِكَ. والحنفية لا يقولون بتعين السبع ويعتذرون عنه بأوجهٍ: أحدها: أن أبا هريرة راويه كان يغسل ثلاثًا، وهذا على رأيهم أن العبرة بما رأى، وعندنا بما روى، بل ما صح عنه إلا السبع. ثانيها: أنه روي من طريق أبي هريرة مرفوعًا التخيير بين الثلاث والخمس والسبع، فلو كان السبع واجبًا (١) لم يخير بينه وبين الباقي؛ لكنه ضعيف (٢) كما نبه الدارقطني في ((سننه)) (١)، والبيهقي في ((خلافياته)) (٤). ثالثها: أن هذا الأمر كان إِذْ أمرَ بقتل الكلاب، فلما نَهى عن قتلها نسخ ذَلِكَ. رابعها: أن الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وعند الحسن البصري يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب(٥) بحديث عبد الله بن مغفل (٦)، وأجيب عنه؛ بأنه (١) ورد بهامش (س): نقل وجوب الغسل سبعًا عن أبي هريرة ابن المنذر، نقله عنه النووي. (٢) ورد بهامش (س): قوله: (لكنه ضعيف) زاد النووي في ((شرح المهذب)) باتفاق الحفاظ: عبد الوهاب بن عطاء مجمع على ضعفه وتركه. انتهى. قال الذهبي في ((الكاشف)) عن أبي داود: إنه كان يضع. (٣) ((سنن الدارقطني)) ٦٥/١ وذلك بقوله: تفرد به عبد الوهاب عن إسماعيل (يعني: ابن عياش) وهو متروك، وهو الصواب. (٤) ((الخلافيات)) ٢٣٥/١ (٢٨٠). (٥) انظر: ((البناية)) ٤٣١/١-٤٣٨. (٦) رواه مسلم (٢٨٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧٤)، والنسائي ٥٤/١. ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - مضطرب. ثم ظاهر الحديث عام في جميع الكلاب، وفي مذهب مالك أربعة أقوال: طهارته، نجاسته، طهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، رابعها لابن الماجشون: يفرق بين البدوي والحضري. وفي ((قنية المنية)) من كتب الحنفية وهو جزآن: الذي صح عندي من الروايات في ((النوادر)) و((الأمالي)) أن الكلب نجس العين عندهما، وعند أبي حنيفة ليس بنجس العين، وفائدته تظهر في كلب وقع في بئر وخرج حيًّا فأصاب ثوب إنسان، ينجس الماء والثوب عندهما خلافًا لأبي حنيفة. ومتعلقات هذا الحديث وفروعه كثيرة، وقد استقصينا القول فيها في ((شرح عمدة الأحكام)) فليراجع منه(١)، ونحن في هذا الشرح نتبه بأدنى إشارة خوف الطول. وتعلق برواية ((وَلَغَ)) أهل الظاهر، وقالوا: لو أدخل يده أو رجله في الإناء لا يسمى ولوغًا ولا يجري فيه حكمه؛ لأنه لا يقال: (ولغ) في شيء من جوارحه سوى لسانه، كما قال المطرز، لكن قال ابن جني في ((شرح المتنبي)): أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا. وأما حديث أبي هريرة الثاني فأخرجه البخاري في عدة مواضع: في الشرب(٢)، والمظالم(٣)، والأدب (٤). وأخرجه مسلم أيضًا (٥). (١) انظر: ((الإعلام)) ٢٩٦/١ - ٢٩٩. (٢) سيأتي برقم (٢٣٦٣) باب: فضل سقي الماء. (٣) سيأتي برقم (٢٤٦٦) باب: الآبار على الطرق إذا لم يُتأذَّ بها. (٤) سيأتي برقم (٦٠٠٩) باب: رحمة النَّاس والبهائم. (٥) مسلم (٢٢٤٤) كتاب: السلام، باب: فضل المحترمة البهائم المحترمة وإطعامها. ٠ ٢٤٧ كِتَابُ الوُضُوءِ - وأخرجه أبو داود في الجهاد من طريق مالك، عن سُمي، عن أبي صالح(١). وأخرجه البخاري أيضًا من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة أن أمرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت مُوقها فُغفر لها(٢). وفي رواية ((بغي من بغايا بني إسرائيل)) ذكره في ذكر بني إسرائيل(٣)، وفي بعض طرق الخبر زيادة: قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قَالَ: ((في كل كبدة رطبةٍ (٤) - وفي رواية: حرى- أجر))(٥). ثانيها : هذا الحديث اشتهر عن أبي هريرة، وعن أبي صالح عنه، واشتهر عن عبد الصمد بن عبد الوارث، فرواه عنه جماعات منهم إسحاق هذا، واختلف فيه فقال أبو نعيم الأصبهاني: هو ابن منصور الكوسج. وأما الكلاباذي والجياني(٦) فذكرا أن إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد(٧). (١) ((سنن أبي داود)) (٢٥٥٠). (٢) لم أجده في البخاري بهذا اللفظ، وإنما هذا لفظ مسلم رواه برقم (٢٢٤٥/ ١٥٤) عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأما حديث ابن سيرين عند البخاري يأتي برقم (٣٣٢١) بغير هذا اللفظ. (٣) سيأتي برقم (٣٤٦٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. (٤) سيأتي برقم (٢٣٦٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء. (٥) رواه ابن ماجه (٣٦٨٦)، وأحمد ٢٢٢/٢. (٦) انظر: ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٦٧ وعزا هذا القول لأبي نصر الكلاباذي. (٧) ورد بهامش الأصل: سنة ٢٢٩ قاله فى ((الكاشف)). ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ثالثها : في التعريف برواته غير من سلف : عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار من أفراد البخاري عن مسلم، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، وفيه لين(١). ووالده (ع) عبد الله -هو مولى ابن عمر - التابعي وليس في الستة سواه(٢)، نعم، في ابن ماجه: عبد الله (ق) بن دينار الحمصي، وهو (٣) لیس بقوي(٣). رابعها : الثرى: التراب الندي. قاله الجوهري(٤)، وصاحب ((الغریبین))، (١) عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار القرشي العدوي. قال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط. وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو أحمد بن عدي: وبعض ما يرويه منكر، لا يتابع عليه، وهو جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. وقال ابن حجر: احتج به البخاري كما قال الدار قطني. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣١٦/٥ (٩٩٩)، («الجرح والتعديل)) ٢٥٤/٥ (١٢٠٤)، ((المجروحين)) لابن حبان ٢/ ٥١، ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٤٨٥/٥ (١١٢٦)، (تهذيب الكمال)) ٢٠٨/١٧ (٣٨٦٦)، ((مقدمة الفتح)) ص ٤١٧. (٢) عبد الله هو ابن دينار. قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة. زاد ابن سعد: كثير الحديث. ومات سنة سبع وعشرين ومائة. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٤٦/٥ (٢١٧)، ((الثقات)) ١٠/٥، ((تهذيب الكمال)» ٤٧١/١٤ (٣٢٥١). (٣) عبد الله بن دينار الحمصي، قال عنه يحيى بن معين: شامي ضعيف. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي في الحديث. وقال الدار قطني: لا يعتبر به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٣٣/٧. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٨١/٥ (٢٢٢)، ((الجرح والتعديل)) ٤٧/٥ (٢١٨)، ((تهذيب الكمال)) ٤٧٤/١٤ (٣٢٥٢). (٤) انظر: ((الصحاح)) مادة (ثرا) ٢٢٩١/٦. ٢٤٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = وقال ((صاحب المحكم)): الثرى: التراب. وقيل: هو التراب الذي إذا بُل لم يصر طينًا لازبًا، والجمع أثراء(١)، وفي ((مجمع الغرائب)): أصل الثرى: الندئ، ولذلك قيل للعرق: ثرى. خامسها : فيه: الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله أو أبيح قتله، فإن ذَلِكَ إنما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذَلِكَ فقد أمرنا بإحسان القتلة. وفيه أيضًا: حُرمة الإساءة إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت(٢). وفيه أيضًا: وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها وهو إجماع. وأما الحديث الثالث : فالبخاري ذكره معلقًا عن شيخه أحمد بن شبيب، والإسماعيلي وصله فقال: حَدَّثَنَا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حَدَّثَني حمزة بلفظ: وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر. ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب (٢). ورواه أبو نعيم، عن أبي إسحاق، عن إسحاق بن محمد، ثنا «المحكم)) ١٦٨/١١. (١) (٢) حديثها سيأتي برقم (٣٣٣٨) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم. (٣) أنظر: ((سنن أبي داود)) (٣٨٢). وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٢٣٣/٢: إسناده صحيح على شرط البخاري. 45 ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = موسى بن سعيد، عن أحمد بن شبيب؛ وقال: رواه البخاري بلا سماع. وقال الإسماعيلي: ليس في حديث البخاري، تبول وهو كما قَالَ. وإن كان وقع في بعض نسخ البخاري. إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: في التعريف بمن بقي من رواته: حمزة بن عبد الله هو ابن عمر تابعي ثقة إمام(١). وأحمد بن شبيب(٢) شيخ البخاري، ولم يخرج له غيره، وهو بصري نزل مكة. مات بعد المائتين (٣). ووالده (خ. س) خرج له النسائي أيضًا، وهو صدوق (٤). (١) حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي. قال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني. سمعت يحيى بن سعيد يقول: فقهاء أهل المدينة اثنا عشر، فذكره فيهم. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٧/٣ (١٧٨)، ((معرفة الثقات)) ٣٢٢/١ (٣٥٨)، ((الجرح والتعديل)) ٢١٢/٣ (٩٣٠)، (تهذيب الكمال)) ٧/ ٣٣٠ (١٥٠٧). (٢) أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وروى له أبو داود في كتاب ((الناسخ والمنسوخ))، وفي ((حديث مالك))، والنسائي. انظر: ((الجرح والتعديل)) ٥٤/٢ (٧٠)، ((تهذيب الكمال)» ٣٢٧/١ (٤٧)، ((إكمال تهذيب الكمال)) ٥٤/١ (٥٣). (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: سنة ٢٢٩ قاله في ((الكاشف)). ثم بلغ في الثالث والأربعين له مؤلفه. (٤) شبيب بن سعيد التميمي الحبطي: أبو سعيد البصري. روى عن أبان بن تغلب، وشعبة بن الحجاج. وروى عنه: ابنه أحمد بن شبيب، وعبد الله بن وهب. قال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس . = ٢٥١ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ ثانیھا : قَالَ ابن بطال: فيه أن الكلب طاهر؛ لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب أن تجر فيه أنوفها وتلحس فيه الماء وفُتات الطعام؛ لأنه كان مبيت الغرباء والوفود وكانوا يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفة، ولو كان الكلب نجسًا لمنع من دخول المسجد؛ لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تجنب المساجد، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌُّ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. قَالَ: وقوله: (تقبل وتدبر) يدل على تكررها على ذَلِكَ، وتركهم لها يدل على أن لا نجاسة فيها؛ لأنه ليس في حي نجاسة، هذا كلامه(١)، وقد سلف الجواب عنه. ثالثها : قوله: (فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.) يريد - كما قَالَ ابن التين- أن الرش طهور لما يشك فيه، وإذ لم يرشوا دل على أنه غير نجس. وأما الداودي فإنه أورد هذا الحديث في ((شرحه)) بلفظ: (يرتقبون) بدل (يرشون) ثم فسرہ بأن معناه: لا يخافون ولا يختشون. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿خَيِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] ونقله عنه ابن التين ولم يعترض عليه وهو غريب، والظاهر أنه تحريف وما أحسن قول المنذري: إن المعنى أنها كانت تبول خارج المسجد من = روى له البخاري وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ). وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انظر: ((التاريخ الكبير)) ٢٣٣/٤ (٢٦٢٨)، ((الجرح والتعديل)) ٣٥٩/٤ (١٥٧٢)، ((الثقات)) ٣١٠/٨، ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٤٧/٥ (٨٩١)، ((تهذيب الكمال)) ٣٦٠/١٢-٣٦٢ (٢٦٩٠)، ((تهذيب التهذيب)) ١٥٠/٢-١٥١. (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٦٨/١. ٢٥٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تقتات في المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات ما ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من العبور فيه. وأما الحديث الرابع -وهو حديث عدي- فالكلام عليه من وجوه: أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع(١) والصيد والذبائح(٢). وأخرجه مسلم والجماعة في الصيد(٣)، واشتهر عن عدي، وعن عامر الشعبي. وابن أبي السفر اسمه عبد الله بن أبي السَّفَر - بفتح السين والفاء- سعيد بن يُحمد. ويقال: أحمد الهمداني الكوفي. قَالَ أحمد وابن معين: ثقة، أخرجوا له خلا الترمذي(٤). ثانیھا : سؤال عدي * يحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام (١) سيأتي برقم (٢٠٥٤). (٢) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) ورقم (٥٤٨٣ - ٥٤٨٧). (٣) (صحيح مسلم)) (١٩٢٩) باب: الصيد بالكلاب المعلمة، ((سنن أبي داود)) (٢٨٤٧-٢٨٥١)، ((سنن الترمذي)) (١٤٦٥)، (١٤٧٠)، ((سنن النسائي)) ٧/ ١٨٩ - ١٨١، ((سنن ابن ماجه)) (٣٢٠٨). (٤) عبد الله بن أبي السفر، واسمه سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال النسائي. وذكره ابن حبان في كتاب: ((الثقات)). انظر: ((التاريخ الكبير)) ١٠٥/٥ (٣٠٦)، ((الثقات)) لابن حبان ٣٢/٢ (٨٩٦)، ((تهذيب الكمال» ٤١/١٥ (٣٣٠٨). ٢٥٣ -- ڪِتَابُ الوُضُوءِ عليه، ولا شك أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، ويحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، فسأل عن أمور أقتضت عنده الشك في بعض الصور، أو قام مانع من الإباحة التي علم أصلها. ثالثها : لم يذكر في هذه الرواية ما سأل عنه، لكن سياق الجواب دال أنه سأل عن صيد الكلب. رابعها : في جواز الاصطياد بالكلب المعلم، ولا نعلم فيه خلافًا، ولم يذكر حكم غير المعلم؛ لأنه لم يسأله عدي عنه وإن كان يوجد من تقييده وَّ بالمعلم نفي الحكم عن غيره. خامسها : يدخل تحت قوله وقال: ((إذا أرسلت كلبك)) مطلق الكلاب، واستثنى الإمام أحمد الكلب الأسود من الجواز، ونحوه عن الحسن البصري وإسحاق وقتادة والفارسي(١) من أصحابنا(٢). سادسها : لم يذكر فيه التسمية وهي في طريق آخر من حديث عدي، وإن كانت في آخره مذكورة. وقد اختلف العلماء في شرطها، ومذهبنا أنها سنة؛ خلافًا للظاهرية، وهو الصحيح عن أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري (١) ورد بهامش (س): يعني: أبا علي. (٢) انظر: ((المغني)) ٢٦٧/١٣. ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وجماعة: إن تركها سهوًا حلت الذبيحة، وإن تركها عمدًا فلا(١). سابعها : مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم تحل ذكاته أم لا ، وذكر ابن حزم في ((محلاه))(٢) عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته فقال: وقال قوم: لا يؤكل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكى. وروي في ذَلِكَ آثارًا منها: عن يحيى بن عاصم، عن علي أنه كره صيد باز المجوسي وصقره وصيده. ومنها: عن أبي الزبير، عن جابر قَالَ: لا نأكل صيد المجوسي ولا ما أصاب سهمه. ومنها عن خصيف قَالَ: قَالَ ابن عباس: لا تأكل ما صدت بكلب المجوسي، وإن سميت؛ فإنه من تعليم المجوسي قَالَ تعالى: ﴿تُعِمُونَهُنَّ مِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد بن علي، وهو قول سفيان الثوري(٣). ثامنها : الحديث ظاهر في اشتراط الإرسال حتى لو استرسل بنفسه يمتنع من أكل صيده، ولو أرسل كلبًا حيث لا صيد فاعترض صيدٌ فأخذه لم يحل على المشهور عندنا، وقيل: يحل(٤). فرع: الصيد حقيقة في المتوحش، فلو استأنس ففيه خلاف للعلماء. (١) ((حلية العلماء)) ٣٦٧/٣، ((تقويم النظر)) ١٩/٥، ((المعونة)) ٤٦٠/١، ((الهداية» ٤/ ٣٩٤، ((المغنى)) ٢٩٠/١٣. (٢) ((المحلى)) ٤٧٦/٧. (٣) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٤٣/٤ (١٩٦١٥) كتاب: الصيد، باب: في صيد كلب المشرك والمجوسي واليهودي والنصراني. (٤) انظر: ((حلية العلماء)) ٣٧٣/٣-٣٧٤، ((البيان)) ٥٥٤/٤. ٢٥٥ كِتَابُ الوُضُوءِ تاسعها : يؤخذ من الحديث أن من غصب كلبًا واصطاد به أن الصيد للغاصب لا له؛ لأنه لم يرسل كلبه. وقد يستدل به من يقول أن له عملًا بالإضافة(١). عاشرها : أجمع المسلمون عَلَى إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره. واختلفوا فيمن أصطاده للهو فإن فعله لیذکیه، فكرهه مالك، وأجازه الليث وابن عبد الحكم، وإن فعله من غير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا. الحادي عشر: قوله: (وإذا أكل فلا تأكل)) صريح في منع ما أكل منه الكلب. وفي حديث أبي ثعلبة الخشني في ((سنن أبي داود)) بإسناد حسن: ((كل وإن أكل منه الكلب))(٢) وسيأتي - إن شاء الله- الجمع بينهما في (٣) بابه(٣). (١) انظر: ((الذخيرة)) ١٧٤/٤. (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٨٥٢)، والحديث ضعفه البيهقي في ((السنن)) ٢٣٨/٩. وقال: إن صح وهو في الصحيحين وليس فيه ذكر الأكل. وقال الذهبي في ((الميزان)) ٢/ ٢٠٨: وهذا حديث منكر. وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) ٣٨٥/١٠: إسناده ضعيف ومتنه منکر. (٣) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) كتاب: الذبائح والصيد. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٣٤- باب مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّ مِنَ المَخْرَ جَيْ، مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَ لِ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْم، فَتَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الحَسِّنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاؤُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّم وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. وَبَزَقَ ابنِ أَبِي أَوْفَىْ دَمًا فَمَضَىْ فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالْحَسَنُ، فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ. ١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ)). فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الَحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَغْنِي: الضَّرْطَةَ. [٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧ - مسلم: ٣٦٢ - فتح: ٢٨٢/١] ١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَِّيمٍ، ٢٥٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ، قَالَ: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)). [انظر: ١٣٧ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ٢٨٣/١] ١٧٨- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَىِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ تُحَمَّدٍ ابن الحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلىّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءٌ، فَاسْتَخْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ الْوُضُوءُ)). وَرَوَاهُ شُغْبَةُ، عَنِ الأَغْمَشِ. [انظر: ١٣٢ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ٢٨٣/١] ١٧٩- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ ﴾، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَّتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ ﴿، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. [٢٩٢- مسلم: ٣٤٧ - فتح: ٢٨٣/١] ١٨٠- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِيِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَزْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟)). فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ تُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ)). تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَخْيَى، عَنْ شُغْبَةَ: ((الْوُضُوءُ)). [مسلم: ٣٤٥- فتح: ٢٨٤/١] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ اُلْغَايِطِ﴾ قد أسلفنا في باب: لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول(١)، أن الغائط أصله المكان المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به (١) سلف برقم (١٤٤). ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == إلا الخارج من الدبر فقط، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، وقد قام الإجماع على إلحاقه بالغائط في النقض، والريح ملحق بهما بالأحاديث الصحيحة، منها: حديث عبد الله بن زيد: ((حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحًا))(١). قَالَ ابن المنذر: أجمعوا أنه ينقض خروج الغائط من الدبر، والبول من القبل، والريح من الدبر، والمذي. قَالَ: ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء الأربعة (٢). قَالَ: واختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء (٣). وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه (٤). وروي ذَلِكَ عن النخعي (٥). وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر(٦). هذا آخر كلامه. ونقل أصحابنا عن مالك: أن النادر لا ينقض، والنادر کالمذي يدوم لا بشهوة، فإن كان بها فليس بنادر(٧). (١) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر. (٢) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ص٢٩ - ٣٠. (٣) انظر: ((البيان)) ٧٢/١ - ((المغني)) ٢٣٠/١. (٤) انظر: ((المصنف)) لعبد الرزاق ١٦٢/١ (٦٢٩)، («المدونة» ١٠/١. (٥) رواه عبد الرزاق ١٦٣/١ (٦٣٠)، ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٣/١ (٤١٧). (٦) ((الموطأ)) ١/ ٢٤٠ باب: وضوء النائم. (٧) أنظر: ((المدونة)) ١١/١ - ((المعونة)) ٤٥/١ - ((الكافي)) ص١٠. ٢٥٩ بِ كِتَابُ الوُضُوءِ وكذا نقله ابن بطال عنه؛ فقال: وعند مالك أن ما خرج من المخرجين معتادًا ناقض، وما خرج نادرًا على وجه المرض لا ينقض الوضوء، كالاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدود والدم(١). وقال أبو محمد بن حزم: المذي والبول والغائط من أي موضع خرجوا من الدبر والإحليل والمثانة أو البطن، وغير ذَلِكَ من الجسد أو من الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره وَّله بالوضوء منها ولم يخص موضعًا دون موضع، وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه: قَالَ تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦] وقد يكون خروج الغائط والبول من غير المخرجين. وقال داود: لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي للحديث(٢). واحتج لمن قَالَ: (لا ينقض النادر) بقوله وَله: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح))(٣) حديث صحيح، صححه الترمذي من طريق أبي هريرة، وبحديث صفوان بن عسال الصحيح، لكن من غائط وبول ونوم(٤)، ولأنه نادر فلم ينقض كالقيء وكالمذي. واحتج أصحابنا بحديث علي الآتي في الباب في المذي(٥). (١) أنظر: ((بشرح ابن بطال)) ٢٧٣/١. (٢) أنظر: ((المحلى)) ٢٣٢/١، ((البناية)) ١٩٤/١-١٩٧. (٣) (سنن الترمذي)) (٧٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في ((صحيح الترمذي)»: صحيح. (٤) رواه الترمذي (٣٥٣٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ٩٨/١، والحميدي ١٣٠/٢ (٩٠٥)، وأبو نعيم ٣٠٨/٧، وابن حبان ١٤٩/٤ -١٥٠ (١٣٢١)، والبيهقي في ((المعرفة)) ١٠٩/٢-١١٠ (١٩٩٩). وقال الألباني في صحيحي الترمذي والنسائي : حسن. (٥) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وعن ابن مسعود وابن عباس قالا: في الودي الوضوء. رواه البخاري(١)؛ ولأنه خارج من السبيل فنقض كالريح والغائط؛ ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد الذي تعم به البلوى فغيره أولى. والجواب عن حديث: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) أنا أجمعنا على أنه ليس المراد به حصر ناقض الوضوء في ذَلِكَ، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح. وأما حدیث صفوان فیبینُ فیه جواز المسح ونقض ما يمسح بسببه، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ولهذا لم يستوفها، ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع. وأما القيء فلأنه من غير السبيل فلم ينقض كالريح. وأما سلس المذي فللضرورة، ولهذا نقول: هو محدث، ولا يجمع بين فرضين، ولا يتوضأ قبل الوقت. واحتج بعض أصحابنا بحديث: ((الوضوء مما خرج)) وهو خبر رواه البيهقي عن علي وابن عباس، وروي مرفوعًا، ولا يثبت(٢). وقال أبو حنيفة: لا ينقض خروج الريح من قبل الرجل والمرأة(٣). ووافقنا أحمد على النقض به. قَالَ البخاري: وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ (١) لم أجده عند البخاري لكن رواه عبد الرزاق ١٥٩/١ (١٦٠)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١/ ١٣٥، البيهقي ١١٥/١ عن ابن عباس، ورواه البيهقي ١١٥/١ عن ابن مسعود. (٢) (السنن الكبرى)) للبيهقي ١١٦/١ (٥٦٨) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الربح يخرج من أحد السبيلين. (٣) انظر: ((البناية)) ١٩٤/١.