النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كِتَابُ الوُضُوءِ = ١٨ - باب اللَّهْي عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ - عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)). [١٥٤، ٥٦٣٠ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٣] حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، ثَنَا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَكَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)). الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث قد ذكره بعد، وفي الأشربة أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) أيضًا وباقي الجماعة، وفي ((صحيح ابن خزيمة)) التصريح بإخبار ابن أبي قتادة عن أبيه، وصح اتصاله وارتفع توهم من توهم تدلیس یحیى فيه(٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما (أبو قتادة) فهو الحارث وقيل: النعمان وقيل: عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلِمة -بكسر اللام- السلمي -بفتحها، ويجوز في لغة كسرها- المدني فارس (١) سيأتي برقم (٥٦٣٠) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن التنفس في الإناء. (٢) مسلم (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين. (٣) ((سنن أبي داود)) (٣)، ((سنن الترمذي)) (١٥)، ((سنن النسائي)) ٢٥/١، ((سنن ابن ماجه)) (٣١٠)، وانظر: ((صحيح ابن خزيمة)) ٤٣/١ (٧٩). ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = رسول الله وَالله، شهد أحدًا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا. روي له مائة حديث وسبعون حديثًا، أنفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتففا عَلَى أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة وقيل: بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقول عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهُذِه الكنية سواه(١). وأما ولده عبد الله (ع) فهو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وسبعين(٢). وأما (معاذ بن فضالة) فهو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره. وعنه البخاري وغيره(٣). وباقي رجاله سلف التعريف به. الوجه الثالث: التنفس هنا خروج النفس من الفم يقال: تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، (وذوات)(٤) الماء لا رئات لها كما قاله الجوهري(٥). (١) انظر ترجمته في: ((معجم ابن قانع)) ١٦٩/١، ((الاستيعاب)) ٣٥٣/١ (٤١٤)، («أسد الغابة)) ٣٩١/١ (٨٧٩)، ((الإصابة)) ١٥٥/٧. (٢) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي أبو إبراهيم. قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عدي: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. انظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٢/٥ (١٣٩)، ((الثقات)) ٢٠/٥، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٨٣/١، ((تهذيب الكمال)) ٤٤٠/١٥ (٣٤٨٧). (٣) معاذ بن فضالة الزهراني، ويقال: الطفاوي. ويقال: القرشي. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال أبو سعيد: توفي بعد سنة مائتين. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣٦٦/٧ (١٥٧٥)، ((الثقات)) ١٧٧/٩، ((المنتظم)» ٥/ ١٤٦، ((تهذيب الكمال)) ١٢٩/٢٨ (٦٠٣٤). (٤) كذا في الأصول، وفي ((الصحاح)): (ودواب). (٥) انظر: ((الصحاح)) ٩٨٤/٣. ١٤٣ كِتَابُ الوُضُوءِ و(التمسح): الاستنجاء. الوجه الرابع: في فوائده: وهو حديث جامع لآداب نبوية. الفائدة الأولى: كراهة التنفس في الإناء. ووجهه: ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من (الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغیر بالريح، والنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف)(١) للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (فنقَّى)(٢) ما على القلب من هم وقذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما (في)(٣) القلب فيقع في الماء ثمَّ يشربه فقد يتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها (٤) فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن(٥). (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (٢) كذا في (س) وفي (ج): فينقى. (٣) في (ج): على. (٤) ورد بهامش (س) تعليقًا: قوله: (فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها)، روی الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي هريرة أن النبي ◌َّ كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات، وفي أواخرها ثلاث تحميدات. ورجاله ثقات. (٥) قال ابن القيم في زاد المعاد)) ٢٣٥/٤-٢٣٦: وأما النفخ في الشراب، فإنه يُكسِبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تُخالطه، ولهذا جمع رسولُ الله ( بين النهي عن التنفس في الإناء = ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثلیث. واختلف العلماء في أي هذِه الأنفاس الثلاثة أطول عَلَى قولين: أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها؛ ليجمع بين السنة والطب؛ لأنه إِذَا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث ((مصوا الماء مصًّا ولا تعُبُّوه عبَّا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ)(١)(٢). = والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس ﴾، قال: نهى رسول الله ( أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه. فإن قيل: فما تصنعون بما في ((الصحيحين)) من حديث أنس، أن رسول الله ( كان يتنفسُ في الإناء ثلاثا؟ قيل: نقابله بالقبول والتسليم، ولا مُعارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثًا، وذكر الإناء لأنه آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم بن رسول الله ( مات في الثدي، أي: في مدة الرضاع. (١) ورد بهامش (س) ما نصه: الذي وقفت عليه حديث: كان يمص الماء مصًّا ولا يعبه عبًّا. بلفظ الخبر عن الشارع لا أنه أمر ( ... ) والطبراني ( ... ) وابن منده ( ... ) من حديثه ( ... ) عرضًا وبه ( .. ) من حديث ( ... ) الشيخ من ( ... ). اهـ (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ١١٥/٥ (٦٠٠٩). وابن عدي في ((الكامل)) ٤٤٨/٣. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٤٢٨): ضعيف. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ٢٣٠/٤-٢٣٢: وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه ( على مجامعها بقوله: ((إنه أروى وأمراً وأبرأ)) فأروئ: أشد ريًا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يُبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضًا فإنه أسلمُ لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلة واحدة ونهلة واحدة. وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يُقلع عنها ولما تُكسر = ١٤٥ - كِتَابُ الوُضُوءِ سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل = والتدریج. وأيضًا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يُروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يُضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة. وقوله: ((وأمرأ)): هو أفعل من مري الطعام والشراب في بدنه؛ إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع؛ ومنه: ﴿فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء: ٤]، هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المريء آنحداره. ومن آفات الشرب وهلة واحدة أنه يُخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك. ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخاني الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب مرة واحدة، أتفق نزول الماء البارد وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة، ولا يتهنأ الشارب بالماء، ولا يُمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي ◌َّر: ((إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصًّا، ولا يعب عبًّا، فإنه من الكبار)). والكباد -بضم الكاف وتخفيف الباء- هو وجع الكبد، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا، لم يضاد حرارتها ولم يضعفها، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر، وهي تفور، لا يضرها صبه قليلا قليلا. وقد روى الترمذي في ((جامعه)) عنه وَّل: ((لا تشربوا نفسًا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم)). = ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ (١). وفي ((جامع الترمذي)) مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه رَّر نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاه أراها في الإناء؟ فقال: ((أهرقها)). قَالَ: فإني لا أروى من نفس واحد. قَالَ: ((فأبن القدح إذًا عن فيك))(٢). وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه وكلور: كان يتنفس في الشراب ثلاثًا(٣). فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه. الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن أشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إِذَا أنتم شربتم، واحمدوا إِذَا أنتم رفعتم)) (٤). الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها. = وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثيره عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حل. (١) انظر: ((المعونة)) ٥٨٣/٢. (٢) ((سنن الترمذي)) (١٨٨٧)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (١٥٣٨). (٣) سيأتي برقم (٥٦٣١) كتاب: الأشربة، باب: الشرب بنفسين أو ثلاث، ومسلم (٢٠٢٨) كتاب: الأشربة، باب: كراهية التنفس في نفس الإناء. (٤) سنن الترمذي (١٨٨٥)، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٦٢٣٣). ١٤٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط(١). السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد، الاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا (٢). والذي قاله بعض الشافعية كصاحب ((المهذب)) وغيره التحريم فقط(٣). وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك. فرع : إِذَا استنجى بالماء صبه بيمنه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين. فرع : من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده؛ لأنه إِذَا نزهت اليمنى عن ذَلِكَ، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية ((العتبية)) في ذَلِكَ منكرة لا يحل ذكرها. السابعة: فضل التيامن. ((المحلى)) ٧٧/٢. (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤٤/١. (٢) أنظر: ((المجموع)) ١٢٦/٢. (٣) ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ ١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ، عَنْ يَخْیَى بْنِ أَبِي كَثٍِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَلِّ قَالَ: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ)). [انظر: ١٥٣ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ٢٥٤/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». هذا الحديث قَدْ عرفت فقهه في الباب قبله. ورجاله سلف التعريف بهم مفرقًا، وذكر بعض الحفاظ أن أبان بن يزيد تفرد عن يحيى دون أيوب وهشام والأوزاعي وشيبان وإبراهيم القناد بقوله: ((وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا))(١). قَالَ: وإنما المعروف رواية هؤلاء: ((ولا يتنفس في الإناء)). ووقع في مسلم عن يحيى، عن عبد الله، عن أبي قتادة، عن أبيه. وصوابه إبدال (عن) بـ (ابن)، وفي بعض أصوله: عن ابن مهدي، عن همام، عن يحيى؛ وصوابه (هشام)(٢). كما قاله أبو مسعود وخلف. (١) رواه أبو داود (٣١) من حديث أبي قتادة: ((إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه .. ))، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤): إسناده صحيح على شرط الشیخین. (٢) (صحيح مسلم)) (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين. ١٤٩ - ڪِتَابُ الوُضُوءِ ٢٠ - باب الاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ ١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَكِتُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو المَكْيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتََّعْتُ النَّبِيَّ بَهُ وَخَرَجَ لَحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلَا تَأْتِي بِعَظْم وَلَا رَوْثٍ)). فَأَتَيْتُهُ بِأَخْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. [٣٨٦٠ - فتح: ٢٥٥/١] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَكِّيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْم وَلَا رَوْثٍ)). فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَىْ جَنْبِهِ وَأَعْرَضَّتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَىْ أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث من أفراد البخاري وذكره في ذكر الجن مطولًا(١). وأخرج مسلم(٢) نحوه وكذا ابن ماجه والنسائي(٣). ثانيها : في التعريف برواته : أما أبو هريرة فسلف. وأما (جد عمرو) فهو سعید بن عمرو (خ. م. د. س. ق) بن سعید ابن العاصي بن أبي أحيحة التابعي الكوفي الثقة. عن ابن عباس (١) سيأتي برقم (٣٨٦٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن. (٢) مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة عن سليمان. (٣) ((سنن النسائي)) ٣٨/١، ((سنن ابن ماجه)) (٣١٣). قال الألباني: حسن صحيح. ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وغيره. وعنه ابناه إسحاق وخالد، وحفيده عمرو بن يحيى. أخرجوا له خلا الترمذي(١). وحفيده (عمرو) قرشي مكي صالح، روى عن أبيه وجده، وعنه سويد وغيره. روى له مع البخاري ابن ماجه فقط(٢). وأما أحمد (خ) بن محمد فهو أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي الثقة. عنه البخاري، وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله، وأبو جعفر الترمذي، وطائفة. وروى عن مالك وغيره. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين(٣). (١) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة، الأموي. قال أبو زرعة: ثقة. وكذا النسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الزبير بن بكار: كان من علماء قريش بالكوفة وولده بها. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وانظر ترجمته في ((الجرح والتعديل)) ٤٩/٤ (٢٠٩)، ((الثقات)) ٣٥٣/٦، ((تهذيب الكمال)» ١٨/١١ (٢٣٣٢)، («سير أعلام النبلاء)) ٢٠٠/٥ (٧٥). (٢) عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، روئ له ابن ماجه. وقال ابن حجر: ثقة. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣٨٢/٦ (٢٧٠٧)، ((الجرح والتعديل)» ٢٦٩/٦ (١٤٨٨)، ((الكامل)) ٢١٦/٦ (١٢٨٨)، ((تهذيب الكمال)) ٢٩٤/٢٢ (٤٤٧٤)، ((التقريب)) (٥١٣٨). (٣) أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة الأزرق بن عمرو بن الحارث قال: أبو حاتم الرازي وأبو عوانة الإسفراييني: ثقة. وكذا قال ابن حجر. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٣/٢ (١٤٩٢)، ((الجرح والتعديل)) ٧٠/٢ (١٢٨)، ((الثقات)) ٧/٨، ((تهذيب الكمال)) ٤٨٠/١ (١٠٤)، ((التقريب)) (١٠٤). ١٥١ كِتَابُ الوُضُوءِ = ثالثها: في ألفاظه : معنى (اتَّبَعْتُ)(١): لحقت وهو رباعي يقال: أتبعته إِذَا سبقك فلحقته، وتبعته واتبعته إِذَا مشيت خلفه، أو مر بك فمضيت معه، كذا قاله ابن التين في ((شرحه)) وقال: يحتمل الحديث الوجهين. وتبعه شيخنا قطب الدين في ((شرحه))، وهذا ما حكاه ابن سيده بعد أن قرر أن معنى تبعه واتبعه وأتبعه: قفاه، قَالَ: وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَنْحَ سَبِيًّا (٨٩) [الكهف: ٨٩] ومعناها: تبع وقرأ أبو عمرو (ثم أتَّبع)(٢) أي لحق وأدرك، كذا حكاه عنه، وحكى القزاز عن الكسائي أنه كان يقرأ: (ثم أتبع سببا) يريد لحق وأدرك(٣)، وحكي مثله عن أبي عمرو أنه قرأ: (ثم أتبع سببا) (٤). وقال ابن طريف(٥) في ((أفعاله)): المشهور: تبعته: سرت في أثره، واتبعته: لحقته. وكذلك فسر في التنزيل ﴿فَأَتْعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ ٦٠ [الشعراء: ٦٠] أي: لحقوهم. وقَالَ الجوهري: تبعت القوم إِذَا مشيت أو مر بك فمضيت معهم. وقال الأخفش: تَبِعْتُه وأَتْبَعْتُه بمعنى(٦). قوله: (وكان لا يلتفت) هذِه كانت عادة مشيه وَجله (١) انظر: ((الصحاح)) ١١٩٠/٣. (٢) انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٣٩٧، (الكوكب الدري)) للنويري ص٤٨٢. (٣) انظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٣٩٨. (٤) سبق تخريجه. (٥) هو عبد الملك بن طريف القرطبي أبو مروان، نحوي لغوي، أخذ عن ابن القوطية وغيره، وتوفي في حدود سنة ٤٠٠هـ، من آثاره كتاب في الأفعال. انظر ترجمته في ((الوافي بالوفيات)) ١٧٠/١٩ (١٥٧)، ((كشف الظنون)) ٢/ ١٣٩٤، ((معجم المؤلفين)) ٣١٧/٢ - ٣١٨. (٦) ((الصحاح)) ١١٨٩/٣ - ١١٩٠، مادة: (تبع). ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله: (فدنوت منه) أي: لأستأنس به وأنظر حاجته، وقد جاء في رواية: فدنوت منه أستأنس وأتنحنح فقال: ((من هذا؟)) فقلت: أبو هريرة (١). وقوله: ( ((ابغني أحجارًا)) ) قَالَ ابن التين: رويناه بالوصل، (قال الخطابي(٢): معناه: أطلب لي، فإذا قطعت الألف فمعناه: أعني على الطلب. وقال الخطابي: معناه: أطلب لي. من قولك: بغيت الشيء: طلبته)(٣). وبغيتك الشيء: طلبته لك، وأبغيتك الشيء: جعلتك طالبًا له، قَالَ تعالى: ﴿يَبَغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: يبغونها لكم. وقوله: ( ((أستنفض بها)) ) أي: أستنج بها وهو مأخوذ من النفض؛ لأن المستنجي ينفض عن نفسه أذى الحدث والاستمرار. قَالَ القزاز: كذا روي هذا الحرف كأنه استفعل من النفض وهذا موضع أستنظف. أي: أنظف نفسي بها ولكن هكذا روي. وقوله: (أو نحوه) الظاهر أنه أراد أو نحو هذا من الكلام. وقوله: (بطرف ثيابي) جاء في ((صحيح الإسماعيلي)): في طرف ملائي. رابعها: في فوائده : الأولى: جواز الاستنجاء بالأحجار، وقد سلف ما فيه في باب: الاستنجاء بالماء. الثانية: مشروعية الاستنجاء، وقد اختلف في وجوبه عَلَى قولين: (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٢٤/١. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢٤٦/١. (٣) ساقط من (ج). ١٥٣ : ڪِتَابُ الوُضُوءِ = أحدهما: أنه واجب وشرط في صحة الصلاة، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود، وجمهور العلماء ومالك في رواية (١). وثانيهما: أنه سنة، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك، وحكي عن المزني أيضًا(٢)، وجعل أبو حنيفة هذا أصلًا للنجاسة، فما كان منها قدر درهم بغلي عُفي عنه؛ وإن زاد فلا، وكذا عنده في الاستنجاء: إن زاد الخارج عَلَى درهم وجب وتعين الماء، ولا يجزئه الحجر. ولا یجب عنده الاستنجاء بالحجر. واحتجوا بحديث أبي هريرة المروي في ((سنن أبي داود)) وابن ماجه: ((من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن؛ ومن لا فلا حرج))(٣)؛ ولأنها نجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث، ولأنه لا يجب إزالتها بالماء فلم يجب بغيره. قَالَ المزني: ولأنا أجمعنا عَلَى جواز مسحها بالحجر فلم يجب إزالتها كالمني، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أيضًا الثابت: ((وليستنج بثلاثة أحجار)) (٤). رواه الشافعي؛ وقال: إنه حديث ثابت. (١) انظر: ((الإفصاح)) ١٢٧/١، ((التحقيق)) ١٨١/١-١٨٧، ((البيان)) ٢١٣/١-٢١٤، ((المغني)) ٢٠٦/١، ((عيون المجالس)) ١٢٨/١. (٢) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٢٧/١-١٢٩، ((مختصر اختلاف العلماء)» ١٥٦/١، ((المنتقى)) ٤١/١، ((الهداية)) ٣٩/١. (٣) رواه من حديث أبي هريرة أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، والدارمي ١/ ٥٢٤ (٦٨٩)، وابن حبان ٤/ (١٤١٠)، ضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٨). (٤) رواه الشافعي في ((مسنده)) ١٦٣/١ (٣٣)، النسائي ٣٨/١، وابن ماجه (٣١٣). والحميدي ٢٠٤/٢ (١٠١٨)، وابن خزيمة ٤٣/١ (٨٠)، وابن حبان ٢٧٩/٤ (١٤٣١)، ٢٨٨/٤ (١٤٤٠)، قال الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٥٢): حسن صحيح. ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ورواه الأربعة خلا الترمذي، وبحديث سلمان الثابت في ((صحيح مسلم)): نهانا رسول الله * أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار(١). وبحديث عائشة الثابت في ((مسند أحمد)) و((سنن أبي داود)) وابن ماجه أن رسول الله وَ ل﴿ قَالَ: ((إِذَا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه))(٢). قَالَ الدارقطني بعد أن أخرجه: إسناده حسن صحيح. ومنها حديث خزيمة: سُئِلَ رسول الله وَله عن الاستطابة فقال: ((بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)) رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه(٣)، وفي الباب عن جابر في مسلم(٤)، والسائب وأبي أيوب عند ابن عبد البر(٥)، وأنس عند البيهقي(٦). وسهل(٧)؛ وابن عباس عند الدارقطني(٨)، وحسن الأول. واحتج أصحابنا أيضًا بحديث ابن عباس الآتي ((أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول»(٩) وفي الاستدلال به وقفة؛ ولأنه نجاسة (١) أنظر: ((صحيح مسلم)) (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. (٢) انظر: ((سنن أبي داود)) (٤٠)، ((مسند أحمد» ١٠٨/٦، ١٣٣، ((سنن الدارقطني)) ٥٤/١-٥٥، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٠): حديث حسن. (٣) (سنن أبي داود)) (٤١)، ((سنن ابن ماجه)) (٣١٥)، ((سنن الدارقطني)) ٥٦/١، ((التمهيد)) ٣٠٩/٢٢. قال الألباني في ((صحيح أبي دواد)) ٧٢/١ (٣٢): حديث حسن صحيح. (٤) (صحيح مسلم)) (٢٦٣) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. (٥) ((التمهيد)» ٣١٢/٢٢. (٦) ((سنن البيهقي)) ١١٢/١. (٧) ((سنن الدار قطني)) ٥٦/١. (٨) ((سنن الدارقطني)) ٥٧/١. (٩) سيأتي برقم (٢١٨) كتاب: الوضوء. ١٥٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = لا تلحق المشقة في إزالتها غالبًا فلم تصح الصلاة دونه. والجواب عن حديثهم بأن في إسناده مقالًا، ولئن سلمنا حسنه فالمراد: ولا حرج في ترك الإيتار أي: الزائد عَلَى ثلاثة أحجار جمعًا بينه وبين باقي الأحاديث كحديث سلمان وغيره. وعن قياسهم (على)(١) دم البراغيث عظم المشقة بخلاف أصل الاستنجاء، ولهذا تظاهرت الأحاديث الصحيحة عَلَى الأمر بالاستنجاء، ولم يرد خبر بإزالة دم البراغيث. وقياس غير المني عَلَى المني لا يصح لطهارته ونجاسة غيره (٢). الفائدة الثالثة : لا يتعين الحجر للاستنجاء بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، وبه قَالَ العلماء كافة إلا ما حكي عن داود من تعيينه وأن غيره لا يجوز (٣)، وإن أنكر القاضي أبو الطيب حكايته عنه وقال: إن مذهبه كمذهب الكافة. حجة الكافة: نهيه ◌َّيهِ عن الروث والعظم، وهو دال عَلَى عدم تعيينه وأن غيره يقوم مقامه، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي معنى، وأما تنصيصه وَّل عَلَى الأحجار فلكونها الغالب المتيسر وجودها بلا مشقة فيها ولا كلفة في تحصيلها، ومنعه أصبغ(٤) في الخرق واللحم (١) في (ج): في. (٢) أنظر: ((المجموع)) ١١١/٢-١١٢. (٣) أنظر: ((المحلى)) ٩٧/١-٩٨. (٤) أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، الشيخ الإمام الكبير، مفتي الديار المصرية، وعالمها أبو عبد الله الأموي مولاهم المصري المالكي. مولده بعد الخمسين ومائة. وطلب العلم وهو شاب كبير ففاته مالك والليث. فروى عن: عبد العزيز الدّراوردي، وأسامة بن زيد بن أسلم، وأخيه عبد الرحمن بن زيد، وحاتم بن = ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ونحوهما مما هو طاهر ولا حرمة له ولا هو من أنواع الأرض وقال: يعيد إن فعل في الوقت(١). الرابعة: أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، وهو مذهب الجمهور، وجه الاستنباط منه أنه نبه بالروث على جنس النجس. وجوزه أبو حنيفة بالروث(٢)، وحكاه ابن وهب عن مالك(٣). وحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة يرد عليهما. الخامسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بعظم، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة ومالك: يصح الاستنجاء به، وقال بعض الشافعية: إنه يجزئه إن كان طاهرًا لا زهومة عليه، لحصول المقصود؛ حجة الأولين أنه رخصة فلا تحصل بحرام(٤). إسماعيل، وعيسى بن يونس السبيعي، وعبد الله بن وهب، حدَّث عنه: البخاري، = وأحمد بن الحسن الترمذي، ويحيى بن معين، وأحمد بن الفرات، والربيع بن سليمان الجيزي، وإسماعيل بن سمويه، وغيرهم كثير. وثقه العجلي وأبو حاتم وابن معين. توفي لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٣٦/٢ (١٦٠٠)، ((الجرح والتعديل)) ٣٢١/٢ (١٢١٩)، ((وفيات الأعيان)) ٢٤٠/١ (١٠١)، (سير أعلام النبلاء)) ٦٥٦/١٠-٦٥٨ (٢٣٧)، («شذرات الذهب)) ٥٦/٢. (١) انظر: ((الحاوي)) ١٦٦/١-١٦٩، ((المغني)) ٢١٣/١-٢١٥، ((المجموع)) ١٣٠/٢- ١٣١. (٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٨/١، ((فتح القدير)) ٢١٤/١-٢١٥. (٣) انظر: ((مواهب الجليل)) ٤١٧/١. (٤) انظر: ((الهداية)) ٤٠/١، ((المجموع)) ١٣٥/٢-١٣٦، ((المعونة)) ٦٠/١، ((المغني)) ٢١٥/١-٢١٦، ((الاختيار لتعليل المختار)) ٤٩/١. ١٥٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = فرع : لو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان حكاهما الماوردي من أصحابنا : أحدهما: يجوز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته. والثاني: لا؛ لعموم النهي عن الرمة وهي: العظم البالي، ولا فرق بين البلى بالنار أو بمرور الزمان، وهذا أصح(١). فائدة : الحكمة في النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه زاد إخواننا من الجن كما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن مسعود ((لا تستنجوا بالعظم والبعر، فإنهما طعام إخوانكم من الجن))(٢). وقد أخرجه البخاري في ((صحيحه)) في أثناء المناقب من حديث أبي هريرة ولفظه: فلما فرغ فقلت: ما بال العظم والروث؟ فقال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- يسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا))(٣). قُلْتُ: وقد يأكله بعض الناس؛ للضرورة. وقيل: نهى عنه؛ لأنه لزج لا يكاد يتماسك فيزيل الأذى إزالة تامة، والحكمة في النهي عن الروث ما ذكرناه أيضًا، ومر بي أنه زاد لدوابهم. وقيل: لأنه يزيد في نجاسة الموضع؛ لأنه يمد النجاسة ولا يزيلها. (١) أنظر: ((الحاوي)) ١٧٤/١. (٢) ((صحيح مسلم)) (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصحيح والقراءة على الجن. (٣) سيأتي برقم (٣٦٨٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن. ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - السادسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بجميع المطعومات، فإنه وَّله نبه بالعظم عَلَى ذَلِكَ، ويلحق بها المحرمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذَلِكَ. السابعة: إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن التلويث. ١٥٩ كِتَابُ الوُضُوءِ ٢١ - باب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ ١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ وَهُ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةٍ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةٌ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَلَّقَى الرَّوْثَّةَ، وَقَالَ: ((هذا رِكْسٌ)). وَقَالَ إِنْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. [فتح: ١ / ٢٥٦] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةً ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ◌َِّ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنٍ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةٌ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: ((هذا رِكْسٌ)). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم، وأخرجه النسائي وابن ماجه(١). ثانیھا : هُذا التبويب في بعض النسخ وفي بعضها حذفه، وذكر هذا الحديث مع حديث أبي هريرة. وقوله: (قَالَ إبراهيم) إلى آخره، هو ثابت في بعض النسخ وذكره (١) رواه النسائي ٣٩/١-٤٠، وابن ماجه (٣١٤). ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === (أبو)(١) مسعود وخلف وغيرهما عن البخاري. ثالثها: في التعريف برواته: أما عبد الله(٢) والأسود(٣) فسلفا، وكذا أبو نعيم(٤)، وزهير(٥)، وأبو إسحاق(٦). وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو أبو حفص النخعي كوفي عالم عامل. روى عن أبيه وعائشة. وعنه الأعمش وغيره. مات سنة تسع (٧) وتسعین (٧). فائدة : في البخاري أيضا عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، زهري تابعي، وليس فيه غيرهما، ووقع في كتاب الداودي وابن التين أن عبد الرحمن الواقع في رواية البخاري هو ابن عبد يغوث، وهو وهم منهما فاجتنبه (٨). (١) في (ج): ابن. (٢) سبقت ترجمته في حديثه رقم (٣٢). (٣) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢٦). (٤) سبقت ترجمته في حديث رقم (٥٢). (٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٠). (٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٤٠). (٧) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٥٢/٥ (٨١٥)، ((معرفة الثقات)) ٧٣/٢ (١٠٢٠)، ((الجرح والتعديل)) ٢٠٩/٥ (٩٨٦)، ((الثقات)) ٧٨/٥، ((تهذيب الكمال)» ٥٣٠/١٦ (٣٧٥٨). (٨) قال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، رجل صالح من كبار التابعين. قال الدارقطني: ثقة. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٥٣/٥ (٨١٦)، ((معرفة الثقات)) ٧٢/٢ (١٠١٩)، ((الجرح والتعديل)) ٢٠٩/٥ (٩٨٧)، ((الثقات)) ٢٥٨/٣، ٧٦/٥، ((تهذيب الكمال)» ٥٢٥/١٦ (٣٧٥٦).