النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كِتَابُ الوُضُوءِ ١١ - باب لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّ عِنْدَ البِنَاءِ حِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ ١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِ أَيُّوبَ الأَنَّصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الفَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)). [٣٩٤ - مسلم: ٢٦٤ - فتح: ٢٤٥/١] حَدَّثَنَا آدَمُ ثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)). الكلام عليه من أوجه: أحدها: في التعريف برواته. أما أبو أيوب فهو خالد (ع) بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدرًا والمشاهد، والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله ور حين قدم المدينة شهرًا، وهو من نجباء الصحابة، له مائة وخمسون حديثًا، أتفقا منها عَلَى سبعة. وانفرد البخاري بحديث: وفد عَلَيَّ ابن عباس البصرة فقال: إني أخرج عن مسكني كما خرجت لرسول الله وَله، فأعطاه ما أغلق عليه، ولما قفل أعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا(١)، ومناقبه جمة. ولما مرض قَالَ: أحملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت (١) رواه الطبراني ١٢٥/٤ (٣٨٧٦)، والحاكم ٤٦١/٣-٤٦٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٣٢٣، وقال: رجال الإسناد رجال الصحيح إلا أن حبيب بن ثابت لم يسمع من أبي أيوب. ١٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أرجلكم (١)؛ فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفى(٢). مات سنة (١) رواه ابن سعد ٣/ ٤٨٤-٤٨٥، وابن أبي شيبة ٢٢٢/٤، والطبراني ١١٨/٤ (٣٨٤٧). (٢) قلت: هذا الكلام مردود شرعًا عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه من البدع الدخيلة على دين الله، فإن زيارة القبور بنية التبرك هي زيارة بدعية شركية. قال شيخ الإسلام في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ص٤٠٠- ٤٠١: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية. ولم يثبت عن النبي ◌َّ * حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: ((من زارني، وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة)). و: ((من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي)). و: ((من حج ولم يزرني فقد جفاني)) ونحو هُذِه الأحاديث؛ كلها مكذوبة موضوعة لكن النبي (وَل رخص في زيارة القبور مطلقًا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))، وفي ((الصحيح)) عنه أنه قال: ((استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)) فهذِه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك. اهـ وزاد رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) ١١٥/١١: فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملًا بمعصية الله فهو غالط؛ وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره، وتقبيل الأرض عنده، ونحو ذلك يحصل له السعادة، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله؛ وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له، ويدخله الجنة بمجرد محبته، وانتسابه إليه، فهُذِه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة، فهو من أحوال المشركين، وأهل البدع. باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. والله أعلم. اهـ هذا في حق التبرك بقبور الأنبياء والصالحين. أما عن الاستشفاء الذي ذكره = ١٠٣ كِتَابُ الوُضُوءِ = خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل غير ذَلِكَ(١). فائدة: أبو أيوب في الصحابة ثلاثة: هذا أجلهم، وثانيهم: يماني له رواية(٢)، وثالثهم: روى عن علي بن مسهر، عن الأوزاعي، عن أبيه، عن أبي أيوب فلعله الأول(٣). ثانية: (أيوب) يشتبه بأثوب -بالمثلثة- بن عتبة صحابي، ذكره ابن قانع والمديني(٤). والحارث بن أثوب تابعي كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب بوزن صوغ، وأثوب بن أزهر زوج قيلة بنت مخرمة الصحابية(٥). = المصنف غفر الله له فهذا شرك أكبر. قال في ((فتح المجيد)) ص١٩٦-١٩٧ : الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي ◌َّ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله الفول من هذا المنافق، فقال النبي ◌َّر: ((إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله))، وكره * أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه، وتحذيرًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ◌َّ في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، وتطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله، وإذا كان هذا لا يجوز في حقه آل﴾ فغيره من باب أولى. (١) انظر ترجمته: في ((معرفة الصحابة)) ٩٣٣/٢-٩٣٨ (٧٩٩)، ((الاستيعاب)) ٩/٢- ١١ (٦١٨)، ((أسد الغابة)) ٩٤/٢-٩٦ (١٣٦١)، و((الإصابة)) ٤٠٥/١ (٢١٦٣). (٢) كذا في الأصل وها (اليماني) وما في المصادر أبو أيوب (اليمامي). («أسد الغابة)) ٢٦/٦ (٧٨٦٨)، ((الإنابة)) ٢٦٢/٢ (١١٣٥)، و((الإصابة)) ١٢/٤ (٧٨). (٤) ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٥٩/١ (٥٥). (٣) انظر ترجمته فى: ((أسد الغابة)) ٢٦/٦ (٥٧٠٩). (٥) انظر: ((الإكمال)) ١١٧/١، ((تهذيب مستمر الأوهام)) ص٨٣. ١٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما (عطاء) فهو أبو يزيد عطاء (ع) بن يزيد الليثي ثمَّ الجندعي المديني ويقال: الشامي التابعي، سمع أبا أيوب وغيره. وعنه الزهري وغيره، مات سنة سبع، وقيل: خمس ومائة عن أثنتين وثمانين سنة(١). وأما (الزهري) فهو الإمام محمد بن مسلم، سلف قريبًا. وأما (ابن أبي ذئب) فهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، روى عن نافع وخلق. وعنه ابن المبارك وخلق، وكان كبير الشأن. ولد سنة ثمانين، ومات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة(٢). وأما (آدم) فقد سلف. فائدة : [هذا الإسناد على شرط الستة إلا الأخير فإنه من رجال البخاري وباقي السنن خلا أبي داود. فائدة ثانية](٣): هُذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد دخل (آدم) إليها أيضًا. (١) هو أبو محمد. قال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: عطاء بن يزيد، أبو زيد شامي ثقة وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٤٥٩/٦ (٢٩٩)، ((معرفة الثقات)) ١٣٨/٢ (١٢٤٤)، ((الجرح والتعديل)) ٣٣٨/٦ (١٨٦٦)، ((الثقات)) ٢٠٠/٥، ((تهذيب الكمال)) ١٢٣/٢٠ (٣٩٤٥). (٢) محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. انظر: ((الطبقات)) ٢٠٩/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٤٥/١ (٤٣٦)، ((الجرح والتعديل)) ٣١٣/٧ (١٦٩٩)، ((تهذيب الكمال)) ٥٩٨/٢٥ (٥٣٩٤)، ((الكاشف)) ١٩٤/٢ (٥٠٠١). (٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج). ١٠٥ كِتَابُ الوُضُوءِ - الوجه الثاني : الحديث ليس مطابقًا لما بوب له، بل راويه فهم عموم النهي في الصحراء والبنيان، فإنه قَالَ: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها، ونستغفر الله لك. ذكره في باب: قبلة أهل المدينة(١) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. لا جرم تعقبه الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي أورده دلالة عَلَى الاستثناء الذي ذكره، إلا أن يريد أن في نفس الخبر الذهاب إلى الغائط، وذلك في التبرز في الصحراء. وأجاب ابن بطال عن ذَلِكَ فقال: هذا الاستثناء ليس مأخوذًا من الحديث ولكن لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت بوب عليه؛ لأن حديثه ◌َ﴿ كله كأنه شيء واحد، وإن اختلف طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. وتبعه ابن التين في ((شرحه)» وزاد: فإن البخاري عقبه به، وهو جواب حسن (٢). الوجه الثالث : (الغائط): المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثمَّ أستعمل للخارج وغلب عَلَى الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته في الحديث الآخر بينهما في قوله: (الغائط (أو)(٣) بول)) (٤)، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإن الحكم عام. (١) سيأتي برقم (٣٩٤) كتاب: الصلاة. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٣٦/١. (٣) في الأصل: (ولا)، والمثبت من (ج) (٤) رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. ١٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الوجه الرابع: في أحكامه : وهو دال عَلَى المنع من استقبال القبلة واستدبارها. وحاصل ما للعلماء في ذَلِكَ أربعة مذاهب: أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي الحديث وجماعة منهم: أحمد في رواية، وحكاه ابن التين في ((شرحه)) عن أبي حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي عَلَى العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضعها الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، وهو معنى مناسب ورد النهي عَلَى وفقه فيكون علة له(١). وقد روي في حديث ضعيف التعليل به، فلا فرق فيه بين البنيان والصحراء، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى، وورد من قول الشعبي أنه علل ذَلِكَ بأن الله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وينبني عَلَى العلتين ما إِذَا كان بالصحراء وتستَّر بشيء. المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقًا، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود(٢). ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد، عن جابر. نهانا رسول الله وَالقر أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثمَّ رأيته قبل أن يقبض بعام (١) انظر: ((الهداية)) ٧٠/١، ((عيون المجالس)) ١٢٥/١، ((المغني)) ٢٢٠/١- ٢٢١. (٢) انظر: ((المحلى)) ١٩٤/١، ((عيون المجالس)) ١٢٦/١. ١٠٧ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ يستقبلها (١)، حسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه البخاري وغيره، واستدلالهم بالنسخ ضعيف(٢)؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع (١) رواه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) قال الترمذي: حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب. وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي)) (٩). (٢) قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٢/١-٢٣ بعد قول الحافظ زكي الدين: (وقال الترمذي: حديث غريب): وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحدیث، فقال: حدیث صحیح. وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابن مفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث. وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولی لهم، المكي، روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، استشهد بروايته البخاري في ((صحيحه)) عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي. وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض. تم كلامه. وهو -لو صح- حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟ فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: ذكر عند رسول الله في أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله وَله: ((أو قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة؟)). فالجواب: أن هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب: ((العلل)) عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها. وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده. خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة، أنها كانت تنكر ذلك. فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم = ١٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهو ممكن كما ستعلمه. المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ويرده حديث أبي أيوب هذا (١). الرابع: وهو قول الجمهور، وبه قَالَ مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن العباس وابن عمر (٢)، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث ورد النسخ، إذ لا يصار إليه إلا بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، والجمع ولو من وجه أولى إذ في تركه إلغاء للبعض، واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي عَلَى الأثر وبأحاديث أخر، ولما في المنع في البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف الصحراء، ويتعلق بالمسألة فروع محل الخوض فيها كتب الفروع وقد = يرفعه، ولا يجاوز به عائشة. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك. مع صحة الأحاديث عن النبي * وشهرتها بخلاف ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل)) عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله، وذکر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي ور هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ماله ولعائشة؟ إنما يرويه عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت. فإن قيل: قد روى مسلم في ((صحيحه)) حديثًا عن عراك عن عائشة، قيل: الجواب: أن أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها. (١) أنظر: ((الهداية)) ٧٠/١. (٢) أنظر: ((المحلى)) ١٩٤/١، ((عيون المجالس)) ١٢٦/١. ١٠٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = بسطناها فيها، فلا حاجة إلى التطويل بها؛ لئلا نخرج عن موضوع الشرح. وقوله : ((شرقوا أو غربوا)) هو خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته عَلَى هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامن أو يتشأم. قَالَ الداودي: واحتج قوم في أمر القبلة بهذا الحديث وقالوا: إن ما بين المشرق والمغرب مما يحاذي الكعبة أنه يصلي (إليه)(١) من جهتين ولا يشرق ولا يغرب، وقد أسلفنا أن الحديث ليس مطلقًا بل محمول عَلَى قوم، واستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النيرين في حالة الغائط والبول وقال: إن الحديث يدل له. وكأنه قاسه عَلَى استقبال القبلة وليس الإلحاق بظاهر. (١) في (ج): إليها. ١١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٢ - باب مَنْ تَبَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْ ١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ أَزْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لَحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَذْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَغْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرَضِ. [١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢ - مسلم ٢٦٦ - فتح: ٢٤٦/١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدِ أَرْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ عَلَىْ لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ (القوم)(١) الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَذْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. الكلام علیه من وجوه: أحدها: في التعريف برواته غير من سلف. أما واسع (ع) فهو ابن حبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- الأنصاري النجاري المازني الثقة، والد حبان بن واسع بن حبان. روى عن ابن عمر وغيره، وعنه ابنه حبان، وابن أخيه محمد بن (١) فوقها في الأصل علامة أنها نسخة. ١١١ كِتَابُ الوُضُوءِ يحيى بن حبان، وحَبَّان نسبة لعدة أسماء ذكرتهم في مقدمات هذا (١) الشرح(١). وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله المازني الفقيه الثقة محمد (ع) بن يحيى بن حبان، كان صاحب حلقة بالمدينة، روى عن أبيه، وعمه واسع، وأنس، وعنه الزهري وربيعة، ومالك، مات سنة إحدى وعشرين ومائة (٢). وباقي الإسناد سلف. فائدة : هُذا الإسناد كله عَلَى شرط الشيخين وباقي الستة إلا عبد الله بن يوسف فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي، وكلهم مدنیون سواه، فإنه مصري تنيسي بكسر المثناة فوق. وفي هذا الإسناد طرفة أخرى وهي رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: یحیی بن سعید، ومحمد بن یحیی، وواسع بن حبان. (١) واسع بن حبان بن منقذ بن عمرو بن مالك. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال العجلي : ثقة، وكذا قال: الذهبي. انظر: ((التاريخ الكبير)) ١٩٠/٨ (٢٦٥٥)، ((معرفة الثقات)) ٣٣٨/٢ (١٩٢٥)، (تهذيب الكمال)) ٣٩٦/٣٠ (٦٦٦٠)، ((الكاشف)) ٣٤٦/٢ (٦٠٢٦). (٢) محمد بن يحيى بن حبان أبو عبد الله المازني الفقية. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم والنسائي: ثقة. ذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد الرسول (، وکان یفتي وكان ثقة، كثير الحديث. انظر: ((التاريخ الكبير)) ٢٦٥/١ (٨٤٨)، ((الجرح والتعديل)) ١٢٢/٨ (٥٤٩)، (الثقات)) ٣٧٦/٥، ((تهذيب الكمال)) ٦٠٥/٢٦ (٥٦٨١)، ((سير أعلام النبلاء)» ١٨٦/٥ (٦٦). ١١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الوجه الثاني : هُذا الاطلاع من ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن تجسسًا وإنما كان اتفاقيًّا من غير قصد، ولم ير إلا أعاليه فقط، ويحتمل كما أبداه القاضي أن يكون عن قصد التعلم مع أمنه من الاطلاع عَلَى ما لا يجوز الاطلاع عليه(١)، لكن قد يبعده رواية البخاري الآتية قريبًا: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي(٢). ويجمع بين قوله: (بيت لنا) و(بيت حفصة) بأن بيت حفصة بيته، أو بأنه كان لها بيت في بيت عمر يعرف بها أو صار إليها بعد. الثالث : قوله: (فرأيته عَلَىْ لَبِنَتَيْنِ): يحتمل كما قَالَ القاضي أن يكونا مبنيتين فيكون حجة لمن قَالَ: إنه لا يكلف الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة، خلافًا لما ذهب إليه أبو أيوب كما سلف في الحديث قبله. وفي رواية صحيحة لابن حزم: رأيته يقضي حاجته محجر عليه باللبن(٣). وفي رواية للبزار: رأيته في كنيف مستقبل القبلة. ثمَّ قَالَ: لا نعلم رواها عن نافع إلا عيسى الحناط(٤)، وهو ضعيف(٥). (١) انظر: ((إكمال المعلم)) ٧٣/٢. (٢) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت. (٣) ((المحلى)) ١٩٥/١. (٤) ورد بهامش (س) تعليق نصه: عيسى حناط وخيَّاط وصباغ الخَبَط. (٥) ((مسند البزار)) ٢٠٨/١٢ (٥٨٩٣)، ورواه ابن ماجه (٣٢٣) قال الحافظ البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٤٧/١: إسناده ضعيف لضعف عيسى الحناط. وقال الألباني في ((ضعيف سنن ابن ماجه)) (٦٧) ضعيف جدًّا. ١١٣ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ الرابع : قوله: (فرأيته مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) كذا هنا، وسيأتي قريبًا مستقبل الشام مستدبر القبلة(١). ووقع في ((صحيح ابن حبان)): مستقبل القبلة مستدبر الشام؛ وكأنه مقلوب(٢). الخامس : اختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث، فمنهم من رأه ناسخًا لحديث أبي أيوب السالف(٣)، واعتقد الإباحة مطلقًا، وقاس الاستقبال عَلَى الاستدبار، وطرح حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف مُلْغَى الاعتبار فيه، ومنهم من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه واعتقد هُذا خاصًّا بالنبي ◌َّ؛ ومنهم من جمع بينهما وأعملهما كما سلف في الحديث قبله، ومنهم من توقف في المسألة، ولمن خصه بالشارع أن يستدل بأن نظر ابن عمر كان اتفاقيًّا كما سلف، وكذا جلوسه وَّل من غير (قصد) (٤) لبيان حكم؛ لأنه لو كان ذَلِكَ حكمًا عامًّا لبينه بالقول كغيره من الأحكام، فلما لم يقع ذَلِكَ دل عَلَى الخصوص، وفيه بحث. السادس : يؤخذ منه تتبع أحواله كلها وَّيه ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية. (١) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٦٦/٤-٢٦٧ (١٤١٨). (٣) سلف برقم (١٤٤) باب: لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدار .. (٤) بياض في (س)، والمثبت من (ج). ١١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = السابع : جواز استقبال القبلة في البنيان وأنه (مخصص) (١) لعموم النهي وقد سلف(٢). الثامن : استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذَلِكَ للاقتداء والعمل. التاسع : من أستقبل بيت المقدس، وهو بالمدينة فقد استدبر الكعبة، وقد أسلفنا أنه جاء في رواية أخرى: مستقبل الشام مستدبر القبلة. قَالَ الخطابي: وقد يتوهم السامع من قول ابن عمر: (أن ناسًا يقولون .. إلى آخره) أنه يريد إنكار ما روي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته وَّل زر يقضي حاجته مستدبر القبلة وليس الأمر في ذَلِكَ عَلَى ما يتوهم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء ويجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثل بما شاهد من قعوده في الأبنية، ويشبه أن يكون بلغه قول أبي أيوب، فإنه كان يرى عموم النهي كما سلف، وإليه كان مذهب سفيان الثوري(٣). (١) بياض في (س)، والمثبت من (ج). (٢) سلف برقم (١٤٤). (٣) ((أعلام الحديث)) ٢٤١/١. ١١٥ - كِتَابُ الوُضُوءِ العاشر : جاء في ((مسند الإمام أحمد))، و((سنن أبي داود))، وابن ماجه من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي ﴿ قَالَ: نهى رسول الله وَالقيل أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط(١). سكت عليه أبو داود وضعفه ابن حزم، وأجاب أصحابنا عنه بجوابين: (أحدهما)(٢): أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة فجمع الراوي بينهما. (وثانيهما)(٣): أنه المراد بالنهي أهل المدينة؛ لأن من أستقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة وإن استدبره استقبلها، والمراد بالنهي عن استقبالها النهي عن أستقبال الكعبة واستدبارها، وفي كل من التأويلين نظر كما نبه عليه النووي في ((شرح المهذب)». والظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة دون حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل (٤)، وقد صرح أصحابنا بعدم الحرمة وأنه يكره، لهذا قَالَ: وإنما حملنا النهي على التنزيه للإجماع فلا نعلم من يُعَتَدُّ به حرَّمه. (١) (سنن أبي داود)) (١٠)، ((سنن ابن ماجه)) (٣١٩)، ((مسند أحمد)» ٢١٠/٤. وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) ١١/٩ (٢): منكر، وأبو زيد ليس بالمعروف، وقال في ((ضعيف ابن ماجه)) (٦٦): ضعيف. (٢) من (س). (٤) انظر: ((المجموع)) ٢ /٩٥. (٣) من (س). ١١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قُلْتُ: قد حكى ابن أبي الدم(١) الشافعي وجهًا أن النهي للتحريم، فأين الإجماع؟ وقال ابن بطال: لم يقل بحديث معقل السالف أحد من الفقهاء إلا النخعي وابن سيرين ومجاهد، فإنهم كرهوا استقبال القبلتين واستدبارهما ببول أو غائط، وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل عَلَى أن النهي إنما أريد به الصحراء لا البيوت، وقال أحمد: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره بغائط وبول، والدليل عَلَى هذا ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثمَّ جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قَالَ: إنما نهي عن هذا في الفضاء، وأما إِذَا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك (٢) فلا بأس(٢). (١) هو العلامة شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن أبي الدم الحموي الشافعي. حدث بمصر ودمشق وحماة ((بجزء الغطريف)). وولي القضاء بحماة وترسل عن ملكها وصنف ((أدب القضاة)) و((مشكل الوسيط)) وجمع تاريخًا وألف في الفرق الإسلامية، وغير ذلك، وله نظم جيد وفضائل وشهرة. توفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وله ستون سنة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ١٢٥/٢٣-١٢٦ (٩٦)، ((الوافي بالوفيات)» ٣٣/٦-٣٤ (٢٤٦٥)، ((طبقات الشافعية)) للسبكي ٤٧/٥، ((طبقات الشافعية)) للإسنوي ٥٤٦/١-٥٤٧ (٥٠٤)، ((شذرات الذهب)) ٢١٣/٥. (٢) حديث ابن عمر رواه أبو داود (١١)، وابن خزيمة ٣٥/١ (٦٠)، والحاكم ١/ ١٥٤، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٨): إسناده حسن. انظر: ((شرح ابن بطال)» ٢٣٧/١. ١١٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = الحادي عشر: في قوله: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: كذا) دلالة عَلَى أن الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع عَلَى عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف. الثاني عشر: قوله: (لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) قد فسره مالك كما سلف، فيؤخذ منه اشتراط ارتفاع الأسافل عَلَى الأعالي وهو الأصح عندنا(١). (١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. ١١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٣ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرّازِ ١٤٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَبِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وََّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ◌َ: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةً - زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَّالي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِزْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهَ آيَةَ الِحِجَابِ. [١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ٢٤٨/١] ١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ)). قَالَ هِشَامٌ: يَغْنِي: البَرَازَ. [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ١ /٢٤٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِ عُقَيْلُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَل ◌َ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ◌َّ: أَحْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمَّ يَكُنْ النبيِ نَّهِ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةً -زَوْجُ النَّبِيِّنَّهِـِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ. الكلام علیه من أوجه: أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا. ثانيها : معنى (تبرزن): خرجن إلى البراز للبول والغائط. ١١٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = و(المناصع): المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، واحدها منصع قَالَ الزبيدي والأزهري: أراها مواضع خارج المدينة (١). وقال الداودي: هي التي يؤتى ذَلِكَ فيها فيضع الإنسان ويذهب عنه فعل ذَلِكَ. وعبارة ابن الجوزي في ((غريبه)) ومن خطه نقلت: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، وكان صعيدًا أفيح خارج المدينة يقال لَهُ: المناصع(٢). وهو بمعنى ما سلف. و(الصعيد): وجه الأرض. و(الأفيح): المتسع، ودارًا فيحاء: واسعة(٣). و(البراز) في ترجمة البخاري بفتح الباء وهو لغة - ما برز من الأرض واتسع، كنى به عن الحدث كما كنى بالغائط وهو المطمئن من الأرض. وفي ((سنن أبي داود))، وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((اتقوا الملاعن الثلاث))(٤)، وعُدَّ منها البراز في الموارد، قَالَ الخطابي: هو بفتح الباء وغلط من رواه بكسرها (٥)، ولا يسلم له. (١) (تهذيب اللغة)) ٣٥٨٦/٤، مادة: (نصع). (٢) ((غريب الحديث)) ٤١٢/٢. (٣) انظر: ((أعلام الحديث)) ٢٤٣/١. (٤) رواه مسلم (٢٦٩) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن التخلي في الطرق والظلال، وأبي داود (٢٥)، وأحمد ٢/ ٣٧٢، وأبو عوانة ١٦٦/١ (٤٨٦)، وابن حبان ٤/ ٢٦٢ (١٤١٥)، والحاكم ١٨٥/١-١٨٦، والبيهقي ١/ ٩٧ كلهم عن أبي هريرة بلفظ: ((اتقوا اللاعنين)) عدا أبي عوانة فلفظه: ((اجتنبوا .. )) أمَّا لفظ المصنف: ((اتقوا الملاعن الثلاث)) فقد روي مرفوعًا عن معاذ بن جبل عند أبي داود برقم (٢٦)، وابن ماجه برقم (٣٢٨) وفي الباب عن ابن عباس رواه أحمد ٢٩٩/١. (٥) ((غريب الحديث)) ١٠٧/١، ((لسان العرب)) ٢٥٥/١. مادة: (برز). ١٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: مراجعة الأدنى للأعلى في الشيء المتبين. الثانية: فضل المراجعة إِذَا لم يقصد بها التعنت؛ فإنه قد تبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] كان سبب المراجعة. الثالثة: فضل عمر، فإن الله أيد به الدين، وهذه إحدى ما وافق فيها ربه. وثانيها: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. وثالثها: قوله: لو أتخذت من مقام إبراهيم مصلى. وهُذِه الثلاثة ثابتة في الصحيح كما ستعلمه في الصلاة (١). ورابعها: موافقته في أسرى بدر (٢). خامسها: في منع الصلاة عَلَى المنافقين. وهاتان في ((صحيح (٣) مسلم))(٣). سادسها: موافقته في آية المؤمنين؛ روينا في ((مسند أبي داود الطيالسي)) من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت (٤). (١) سيأتي برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها. (٢) يشير المصنف إلى ما كان سببًا في نزول قول الله ذلك: ﴿مَا كَانَ لِنَبِ أَنْ يَكُونَ لَهُ, أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ [٦٧: الأنفال]. فقد رواه الحاكم ٣٢٩/٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صحيح على شرط مسلم. (٣) مسلم (٢٣٩٩، ٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر ﴾. (٤) رواه أبو داود الطيالسي ٤٦/١-٤٧ (٤١). قلت: والحديث أصله في الصحيحين =