النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
كتاب العلم
وأما الراوي عنه فهو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة - بضم
الراء- أبو عتاب. ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله. ويقال: ابن
المعتمر بن عباد بن فرقد الكوفي السلمي، المجمع عَلَى جلالته وتوثيقه
وفضله وصلاحه وعبادته.
روى عن أبي وائل وغيره، وعنه السفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت
حديثًا قط. ومناقبه جمة. وهو أتقن من الأعمش، أُكْره عَلَى قضاء
الكوفة، وکان فيه تشیع.
ويقال: إنه صام أربعين سنة وقام ليلها وعمش من البكاء. مات سنة
اثنتين وثلاثين ومائة(١).
وأما حديث الزبير: فراويه حواري النبي 9ّ وابن عمته الزبير بن
العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. يلتقي مع
النبي ◌َّ في الأب الخامس وهو أول من سلَّ سيفه في سبيل الله،
وأمه صفية بنت عبد المطلب، هاجرت إلى المدينة، وهو أحد
العشرة، وأحد الستة الشورى.
آخى رسول الله وَلّ بينه وبين عبد الله بن مسعود من المهاجرين،
وبينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش من الأنصار، شهد بدرًا
والمشاهد كلها واليرموك وفتح مصر، وهاجر الهجرتين، وأسلم وهو
ابن ست عشرة سنة. وكان أسمر. وقيل: أبيض. ربعة معتدل اللحم
أشعر الكتف طويلًا تخط رجلاه بالأرض إِذَا ركب الدابة.
روى عنه ابناه عبد الله، وعروة، ونافع بن جبير. استشهد يوم الجمل
في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان ترك القتال وانصرف بوادي
(١) تقدمت ترجمته في حديث (٧٠).

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
السباع بناحية البصرة، فقتله عمرو بن جرموز بغيًا وظلما، وقبره هناك،
وسنه بضع وستون. وقيل: خمس وسبعون. وكان لَهُ ألف مملوك يؤدون
الخراج إليه، فيتصدق به في مجلسه، ما يقوم منه بدرهم، روي لَهُ ثمانية
وثلاثون حديثًا، اتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بسبعة (١).
وراويه عنه ولده عبد الله (ع) أبو بكر وأبو خبيب أمير المؤمنين،
روى عنه أخوه عروة، وابنه عامر وكان نهاية في الشجاعة، غاية في
العبادة، استخلف سنة أربع وستين. ومات شهيدًا في حصر الحجاج له
بالبيت العتيق سنة ثلاث وسبعين(٢).
وراويه عنه ولده عامر (ع) بن عبد الله أبو الحارث المدني أخو عباد
وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر كان عابدًا فاضلًا ثقة. مات قبل
هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة(٣).
والراوي عنه جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، وقيل: أبو صخر
الكوفي الثقة روى عنه شعبة وغيره، وهو قليل الحديث، لَّهُ نحو عشرين
(١) انظر ترجمته في: ((معرفة الصحابة)) ١٠٤/١ (٦)، ((الاستيعاب)) ٨٩/٢ (٨١١)،
((أسد الغابة)) ٢٤٩/٢ (١٧٣٢)، ((الإصابة)) ٥٤٥/١ (٢٧٨٩).
(٢) وانظر ترجمته في: ((الطبقات)) ١٠٠/٣، ((معرفة الصحابة)) ١٣١/٣ (١٠٠٠)،
و((الاستيعاب)) ٨٩/٢، ((أسد الغابة)) ٢٤٩/٢ (١٧٣٢)، و((الإصابة)) ٥٤٥/١.
(٣) سمع من أنس بن مالك وأبيه، وعمرو بن سليم، وعنه بيان بن بشر وخارجة
وسلمة بن دينار وابن جريج وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة، من أوثق الناس.
وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. قال مالك: كان يغتسل كل يوم طلعت
شمسه. روى له الجماعة.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) القسم المتمم ص ١١٠، ((التاريخ الكبير)) ٦/
٤٤٨ (٢٩٥١)، ((معرفة الثقات)) ١٤/٢ (٨٢٦) ((الجرح والتعديل)) ٦/ (١٨١٠)،
(ثقات)) ابن حبان ١٨٦/٥، ((تهذيب الكمال)) ٥٧/١٤ (٣٠٤٩).

٥٤٣
كتاب العلم
حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة ثمانٍ وعشرين(١).
وأما حديث أنس: ففيه عبد العزيز بن صهيب البُنَاني مولاهم
الأعمى التابعي الحجة، وعنه شعبة وغيره، مات سنة ثلاثين ومائة،
وقد سلف أيضًا.
وأما حديث سلمة فراويه سلمة (ع) بن عمرو بن الأكوع (١) سنان
الأسلمي أحد من بايع تحت الشجرة. عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن
أبي عبيد، وكان راميًا محسنًا يسبق الفرس، مات سنة أربع وسبعين
عن ثمانين سنة، أحاديثه سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة
عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة، كلمه الذئب، وقيل: إنه
شهد مؤتة، ولما قتل عثمان خرج إلى الربذة، فتزوج هناك وأقام بها
إلى قبل موته بليال، فنزل المدينة ومات بها (١).
والراوي عنه یزید (ع) بن أبي عبيد مولاه، كنيته أبو خالد، روى عنه
مكي وغيره، ومات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة(٤).
(١) قال عنه يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال العجلي: هو شيخ عالٍ ثقة
وهو من قدماء شيوخ سفيان وكان شيخًا عاقلًا ثقة ثبتًا.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣١٨/٦، ((التاريخ الكبير)) ٢٤٠/٢-٢٤١
(٢٣٢٢)، ((معرفة الثقات)) ٢٦٥/١ (٢٠٩)، ((الجرح والتعديل)) ٥٢٩/٢
(٢٢٠١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٨٦/٤ (٨٨٩).
(٢) ورد بهامش الأصل: واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير، وكنية سلمة
أبو إياس وأبو مسلم.
(٣) أنظر: (معرفة الصحابة)) ١٣٣٩/٣ (١٢١٩)، ((الاستيعاب)) ١٩٨/٢-١٩٩
(١٠٢١)، ((أسد الغابة)) ٤٢٣/٢ (٢١٥٤)، ((الإصابة)) ٦٦/٢-٦٧ (٣٣٨٩).
(٤) يزيد بن أبي عبيد الحجازي الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه،
وعمير مولی لأبي اللحم، وهشام بن عروة. وروى عنه بکیر بن الأشج ویحیی
القطان وأبو عاصم وغيرهم. قال أبو داود: ثقه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) . =

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما حديث أبي هريرة: ففيه موسى وهو: ابن إسماعيل التبوذكي،
سلف، وأبو عَوَانة، واسمه: الوضاح. وقد سلف أيضًا.
وأبو حصين بفتح الحاء -كما سلف في الفصول أول الكتاب-
واسمه: عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، سمع ابن عباس وأبا
صالح وغيرهما، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا
صاحب سنة، من حفاظ الكوفة، مات سنة سبع أو ثمان وعشرين
ومائة(١)
.
الوجه الثالث: في فوائده:
وهو حديث جليل حفيل متواتر مقطوع به لا يوجد لَّهُ مشابه في طرقه
وكثرتها. قَالَ الحافظ أبو بكر البزار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين
صحابيًا(٢).
وقال ابن الصلاح: إنه حديث بلغ عدد التواتر، رواه الجم الكبير من
= وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: حجازي تابعي ثقة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٤٨/٨ - ٣٤٩ (٣٢٧٨)، ((معرفة الثقات))
٣٦٦/٢ (٢٠٢٦)، ((الجرح والتعديل)) ٢٨٠/٩ (١١٧٧)، ((الثقات)) ٣٥٣/٥،
«تهذيب الكمال)) ٢٠٦/٣٢ (٧٠٢٨).
(١) ويقال: عثمان بن عاصم بن كثير بن زيد بن مرة، أبو حصين الأسدي، قال أبو
حاتم: يقال: إنه من ولد عبيد بن الأبرص الشاعر. قال عبد الرحمن بن مهدي:
أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم،
منهم: أبو حصين الأسدي. وأثنى عليه أحمد بن حنبل، وقال العجلي: كان شيخًا
عاليًا وكان صاحب سنة، وقال أيضًا: كوفي ثقة. وقال يحيى وأبو حاتم
ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خِراش: ثقة.
انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٢١/٦، ((التاريخ الكبير)) ٢٤٠/٦ (٢٢٧٧)،
((معرفة الثقات)) ١٢٩/٢ (١٢١٣) ((تهذيب الكمال)) ٤٠١/١٩ (٣٨٢٨).
(٢) («مسند البزار)) ١٨٨/٣.

٥٤٥
- كتاب العلم
الصحابة، قيل: إنهم يبلغون ثمانين نفسًا، ولم يزل في اشتهار وكثرة
طرق في هذِه الأزمان(١).
وحكى أبو بكر الصيرفي (٢) في ((شرح الرسالة)): إنه رواه أكثر من
ستين صحابيًا، وجمع الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل
الدمشقي(٣) طرقه في جزء ضخم بلغ رواته فوق سبعين صحابيًا، وذكر
في جملة من رواه العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف.
وبلغ بهم الطبراني(٤) وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة،
ويجتمع من كلام ابن منده في ((مستخرجه)) وكلام ابن خليل نحو المائة.
وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ولم يزل في ازدياد. وقال
ابن دحية(٥) في كلامه عَلَى رجب بعد أن قَالَ روي من نحو تسعين
صحابيًّا: قد أخرج من نحو أربعمائة طريق. قَالَ بعضهم: ولا يُعْرَف
حديثٌ اجتمع عَلَى روايته العشرة سواه. وليس كما ذكر، فقد اجتمع
ذَلِكَ في رفع اليدين والمسح عَلَى الخفين، كما أوضحته في تخريج
أحاديث الرافعي (٦) ولله الحمد.
(١) ((علوم الحديث)) ص٢٦٩.
(٢) سبق ترجمته في المقدمة.
(٣) هو ابن قراجا عبد الله الإمام المحدث الصادق، الرحال النقال، شيخ المحدثين.
ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، طلب العلم في قرابة الثلاثین، كان حسن
الخلق مرضي السيرة، قال ابن الحاجب: متقن، حافظ ثقة، سمع من البوصيري
وإسماعيل بن ياسين وجماعة، وعنه الدمياطي وابن الظاهري وآخرون. توفي سنة
ثمانٍ وأربعين وست مائة.
انظر ترجمته في: ((تاريخ الإسلام)» ٤٠٦/٤٧ (٥٤٢)، ((سير أعلام النبلاء)» ٢٣/
١٥، ((تذكرة الحفاظ)) ١٤١٠/٤، ((شذرات الذهب)) ٢٤٣/٥.
(٤) في ((طرق حديث من كذب عليّ متعمدًا)) ط: المكتب الإسلامي.
(٥) ورد بهامش الأصل: نقله النووي في ((شرح مسلم)) في المقدمة.
(٦) ((البدر المنير)) ٥/٣، ٤٥٩/٣.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: معنى: ((فَلْيَتَبَوَّأْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)(١)) فليتخذ، قال
الخطابي: تبوأ بالمكان إِذَا أخذه موضعًا لمقامه، وأصله من مباءة
الإبل، وهي أعطانها (٢).
والمعنى بالحديث: لينزل منزله منها، وإن كان بلفظ الأمر فمعناه:
الخبر. أي: أن الله يبوؤه مقعده من النار، أو أنه استوجب ذَلِكَ واستحقه
فليوطن نفسه عليه. ويوضحه ما جاء في بعض طرق مسلم ١، وفي
حديث علي السالف: ((فليلج النار)) وقيل: معناه: التهديد والوعيد.
وقال الطبري: هو عَلَى معنى الدعاء منه ◌َِّ أي: بوأه الله ذَلِكَ؛
والمعنى: أنَّ هذا جزاؤه وقد يعفى عنه، وكل ما جاء من الوعيد
بالنار لأهل الكبائر غير الكفر ينزل عَلَى هذا ومنه: ((لا يدخل الجنَّةَ
نَمَّام))(٤) أي: جزاؤه أن لا يدخل الجنة.
ثانيها: الكذب عند الأشاعرة: الإخبار عن الشيء عَلَى خلاف ما هو
عليه، وإن كان سهوًا، واشترطت فيه المعتزلة العمدية، ودليل الخطاب
في هذِه الأحاديث عليهم؛ لأنه يدل عَلَى أن من لم يتعمد يقع عليه اسم
(١) زيادة من (ج).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١/ ٢١٢.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٣) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله وَله.
(٤) رواه مسلم (١٠٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة.
وأحمد ٣٩١/٥، ٣٩٦، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) ص١٥٣ (٢٥١)، والبزار
في («مسنده» ٣٠١/٧ (٢٨٩٨)، والدولابي في (الكنى)) ١/ ١٨٤ (٦٢٥) ترجمة:
محمد بن أبي إسماعيل. والبيهقي في ((الشعب)) ٧/ ٤٩٢-٤٩٣ (١١١٠١).
- والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٦٣/٦ (٣٢٩٥) ترجمة: إسماعيل بن إبراهيم
الخراساني.

٥٤٧
= كتاب العلم
الكذب(١)، وقيد بالعمد في رواية لبيان أنه يكون سهوًا وعمدًا،
والإجماع منعقد عَلَى أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول عَلَى
المقيد في الإثم.
ثالثها: الأحاديث دالة عَلَى تعظيم حرمة الكذب عليه وَّل، وأنه
كبيرة؛ والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله خلافًا للجويني
حيث قَالَ: يكفر ويراق دمه. وضعفه ولده الإمام، وجعله من هفوات
والده. نعم من كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت رواياته كلها
وإن تاب، وبه قَالَ أحمد بن حنبل(٢) وغيره.
وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إِذَا تاب، أنه لا تقبل شهادته.
وما قاله الشافعي(٣) وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق أو العداوة ثمَّ
تاب وحسنت (توبته و)(٤) حالته(٥)، لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من
التهمة في تصديق نفسه، وما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إِذَا
تاب لا تقبل شهادته أبدا(٦).
وما قاله أيضًا من أنه إِذَا ردت شهادة أحد الزوجين بالآخر ثمَّ مات
لا تسمع للتهمة، ولأنها مفسدة عظيمة؛ لأنه يصير شرعًا مستمرًّا إلى يوم
القيامة. فجعل ذَلِكَ تغليظًا وزجرًا من الكذب عليه بخلاف غيره.
(١) ورد بهامش الأصل: ثبت من خط المصنف: لم يصح التقييد بالعمد من طريق
الزبير في أبي داود.
(٢) انظر: ((الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية)) ص٥١٧.
(٣) أنظر: ((البيان)) ٣٢٢/١٣.
(٤) من (ج).
(٥) انظر: ((الاختيار لتعليل المختار)) ١٧٥/٢.
(٦) انظر: ((الاختيار لتعليل المختار)) ١٧٦/٢.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ عبد الله بن المبارك: من عقوبة الكذاب أنه يرد عليه صدقه.
وخالف النووي فقال: المختار القطع بصحة توبته من ذَلِكَ وقبول
روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا عَلَى قبول رواية من
كان كافرًا ثمَّ أسلم، وأجمعوا عَلَى قبول شهادته، ولا فرق بين
الرواية والشهادة(١).
رابعها: لا فرق في تحريم الكذب عليه وَّلقر بين ما كان في الأحكام
وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد
به، ولا عبرة بالكرَّامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب،
وتشبثهم برواية: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا ليُضل به))(٢) بهذِه الزيادة،
ولأنه کذب لَهُ لا علیه.
وهو من الأعاجيب، فهُذِه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، أو أنها
(١) وانظر ما قاله النووي في ((شرح مسلم)) ٧٠/١ - ٧١.
(٢) رواه بهذه الزيادة البزار في («مسنده)) ٢٦٢/٥ (١٨٧٦)، والشاشي في ((المسند)) ٢/
٢١٢ (٧٧٩)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٤١٥/٧ (٥٤٤٠، ٥٤٤٢)
وابن عدي في ((الكامل)) ٨٤/١، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٤/ ١٤٧، والقضاعي في
(مسند الشهاب)) ٣٢٩/١ (٥٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أسنده عن الأعمش، عن طلحة إلا يونس بن
بكير وقد رواه غير يونس، عن الأعمش مرسلًا. وقال الطحاوي: وهذا حديث
منكر، وليس أحدٌ يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير ... وقال ابن عدي: وهذا
الحديث اختلفوا فيه على طلحة بن مصرف: فمنهم من أرسله ومنهم من قال: عن
علي بدل عبد الله، ويونس بن بكير جود إسناده.
وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث طلحة والأعمش لم يروه مجودًا
مرفوعًا إلا يونس بن بکیر.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٤/١ وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو عند الترمذي والنسائي دون قوله: ليضل به الناس.اهـ.

٥٤٩
كتاب العلم
=
للتكثير لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ
النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أو أن اللام في ((ليُضِلَّ)) ليست للتعليل بل
للصيرورة والعاقبة، والمعنى عَلَى هذا يصير كذبه إلى الإضلال،
والكذب لَهُ لما بما لم يخبر به كذب عليه (١). ثمَّ الواضع عَلَى أقسام
بينتها في كتابي ((المقنع في علوم الحديث)) فليراجع منه (٢).
خامسها: من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا
الوعيد، إِذَا لم يبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله بَّهِ: (مَنْ
حدّث عنِّي بحديثٍ یری أنه گذِب فهو أحد الكاذبين)»(٣) ومن روی حديثًا
ضعيفًا، لا يذكره بصيغة الجزم بخلاف الصحيح والحسن.
تنبيه :
ينعطف عَلَى ما مضى: قَالَ أبو العباس القرطبي في ((المفهم)):
أستجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى
رسول الله وَّه نسبة قولية وحكاية نقلية، فنقول في ذَلِكَ: قَالَ رسول
الله ◌َخ كذا وكذا.
(١) أنظر في ذلك ((شرح مشكل الآثار)) ٤١٦/٧، ((شرح مسلم)) للنووي ٧٠/١ - ٧١،
((السلسلة الضعيفة)) (١٠١١). فقد بسط الألباني الكلام على هذه الزيادة بما يكفي.
(٢) ((المقنع)) النوع الحادي والعشرون ٢٣٣/١-٢٣٥ وانظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) في
النوع الحادي والعشرون ص٩٩.
(٣) رواه الترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٤١)، وأبو داود الطيالسي ٦٩/٢ (٧٢٥)،
وأحمد ٤/ ٢٥٠، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) ص٢٥٦ (٥٣٣)، وابن حبان في
((المجروحين)) ٧/١، والطبراني ٤٢٢/٢٠-٤٢٣، وأبو نعيم في ((الحليه)) ٤/
٣٧٨. وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١/ ٤١، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي))
٩٨/٢ (١٢٨٧). والبغوي في ((مسند الجعد)) ص٩٣ (٥٤١) من حديث المغيرة بن
شعبة. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي))
(٢١٤٤) .

٥٥٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ: ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة (تشهد)(١)
متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة
كلام سيد المرسلين، مع أنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا، فهؤلاء
شملهم النهي والوعيد(٢).
سادسها: ذهب قوم إلى أن هذا الحديث ورد في رجل بعينه، كذب
على النبي وَّل في حياته وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم
وأموالهم، فأمر ◌َّ بقتله إن وجد حيًّا وبإحراقه إن وجد ميتًا.
والصواب عمومه في كل خبر تعمد به الكذب عليه في الدين
والدنيا، ولا يخص بالدين، ولهذا قال رَّ﴾: ((إنَّ كذبًا عليَّ ليس
ككذبٍ عَلَى أحدِكم))(٣). ومما يؤيد عمومه استدلال عمر والزبير بهذا
الوعيد لتوقفهم عن (التحديث)(٤)، ولو كان في رجل بعينه أو مقصورًا
عَلَى سبب لما حذروا، وذكر ابن الجوزي سبب وروده من طرق في
مقدمة كتابه ((الموضوعات)»(٥).
سابعها: فيما يظن دخوله في النهي: اللحن وشبهه، ولهذا قَالَ
العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم
به من قول ما لم يقل.
قَالَ الأصمعي: أخوف ما أخاف عَلَى طالب العلم إِذَا لم يعرف
النحو أن يدخل في قوله وَّل: ((من كذب علي .. )) الحديث؛ لأنه وَلّ
(١) في الأصول: تشبه، والمثبت من ((المفهم)).
(٢) ((المفهم)) ١١٥/١.
(٣) سيأتي برقم (١٢٩١) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت.
(٤) في (ج): الحديث.
(٥) ((الموضوعات)) ٥٠/١-٥٣.

٥٥١
كتاب العلم
لم يكن يلحن فمهما لحن الراوي فهو كذب عليه(١).
وكان الأوزاعي يعطي كتبه إِذَا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا
صح في روايته كلمة غير مقيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها
عَلَى ما يجوز فيه، روي ذَلِكَ عن أحمد وغيره، قَالَ أحمد: يجب
إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون (٢).
وقال النسائي فيما حكاه القابسي: إِذَا كان اللحن شيئًا تقوله العرب
-وإن كان في غير لغة قريش- فلا يغير؛ لأنه وسير كان يكلم الناس
بلسانهم، وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن(١).
قَالَ الأوزاعي: كانوا يعربون، وإنما اللحن من حملة الحديث
فأعربوا الحديث(٤). وقيل للشعبي: أسمع الحديث ليس بإعراب،
أفأعربه؟ قَالَ: نعم.
فرع :
لو صح في الرواية ما هو خطأ، فالجمهور عَلَى روايته عَلَى
الصواب، ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية: كذا
وقع، وصوابه كذا وهو الصواب. وقيل: يغيره ويصلحه، روي ذَلِكَ
عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وعن عبد الله بن أحمد بن
حنبل قَالَ: كان أبي إِذَا مر به لحن فاحش غيره، وإن كان سهلًا تركه(٥).
(١) ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٨٨/١٨.
(٢) رواه بمعناه الخطيب في (الكفاية)) ص٢٨٦.
(٣) أنظر التخريج السابق.
(٤) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٣٣٩/١ (٤٥٤، ٤٥٥) والخطيب في
((الكفاية)) ٢٩٦/١.
(٥) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص٢٨٦-٢٨٧.

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعن أبي زُرعة أنه كان يقول: أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث
إلى اليوم(١).
ومحل بسط ذَلِكَ ((علوم الحديث))، وكذا ما يتعلق به من استفهام
الكلمة الساقطة عَلَى الراوي من المستملي، وكذا رواية الحديث
بالمعنى، وغير ذلك، وقد أوضحت ذَلِكَ في ((علوم الحديث))(٢).
ثانيها: توقى جماعة(٣) من الإكثار في الرواية خوف دخول الوهم
علیهم ولقيام غیرهم به.
وأما حديث أبي هريرة:
((تسموا باسمي .. )) إلى آخره، فاختلف في هذا النهي، هل هو عام
أو خاص أو منسوخ؟ عَلَى أقوال.
ومذهب الشافعي وأهل الظاهر المنع مطلقًا، ومنع قوم تسمية الولد
بالقاسم؛ لكيلا يكون سببًا للتكنية، وقيل: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا
دون غيره، وفيه حديث(٤) صحيح، ووقع في بعض نسخ ((الروضة)) التعبير
عنه بعكسه، وهو أنه يجوز لمن اسمه محمد دون غيره(٥)، وهو سھو
فاحذره، فإن أحدًا لم يقل به.
(١) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٧١.
(٢) (المقنع في علوم الحديث)) ٣٧٨/١ وما بعده.
(٣) ورد بهامش الأصل: بخط المصنف في الهامش: منهم عمر وعلي والزبير وسعد.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه : ... المصنف بقوله: (وفيه حديث ... ) الذي رواه أحمد
وأبو داود ... من حديث أبي الزبير، عن جابر ... ((من تسمى باسمي فلا يكتني
بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي)». وقال الترمذي: حسن غريب.
والبيهقي بعد إخراجه ... هذا إسناد صحيح ... أيضًا ابن حبان وابن السكن ...
مذهب أبي حاتم بن حبان.
(٥) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٥/٧.

٥٥٣
كتاب العلم
ومذهب مالك أنه يجوز التكني به مطلقًا، وجعل النهي مختصًا
بحياته(١)؛ لأن الحديث ورد عَلَى سبب، فإن اليهود تكنوا به، وكانوا
ينادون يا أبا القاسم، فيلتفت رسل* فيقولون: لم نَعْنِكَ؛ إظهارًا
للإيذاء، وقد زال ذَلِكَ المعنى. قَالَ في ((الروضة)): وهذا المذهب
أقرب(٢).
ومنع قوم، كما قَالَ القاضي التسمية بالقاسم، كيلا يكون سببًا
للتكنية (٣) ويؤيد هذا قوله فيه: ((إنما أنا قاسِم)) (٤) فأخبر بالمعنى الذي
اقتضى اختصاصه بهذه الكنية.
وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة(٥)،
ونقل عن الجمهور وسمى جماعة أبناءهم محمدًا وكنوهم بأبي القاسم.
وفي (سنن أبي داود)) من حديث محمد بن الحنفية قَالَ: قَالَ علي:
يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟
قَالَ: ((نعم))(٦).
قَالَ أحمد بن عبد الله: ثلاثة تكنوا بأبي القاسم، رخص لهم:
محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن
عبيد الله، وسيأتي لنا عودة إلى هُذِه المسألة في كتاب الأدب إن شاء
الله تعالى ذلك وقدره، وقد أوضحتها في كتابي ((الخصائص)) (٧) أيضًا.
(١) انظر: ((المنتقى)) ٢٩٦/٧، ((الذخيرة)) ٣٣٨/١٣.
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٦/٧.
(٣) أنظر: ((إكمال المعلم)» ٨/٧.
(٤) سلف برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله بن خيرًا.
(٥) سيأتي في شرح حديث (٦١٨٧-٦١٨٩) كتاب: الأدب، باب: قول النبي وَليل
((تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي)).
(٦) ((سنن أبي داود)) (٤٩٦٧).
(٧) ((خصائص النبي ◌َّ﴾)) ص ٢٠٣ - ٢٠٧.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما قوله وَّ: ( (وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَام فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي))). وجاء في موضع آخر: ((ومن رآني فقد رأى
الحق))(١).
وجاء أيضًا: ((فسيراني في اليقظة))(٢) وجاء أيضًا: ((فكأنما رآني في
اليقظة))(٣). وجاء أيضًا: ((فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي))(٤) وهو
تفسير للأولى واختلف في تأويله، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني:
إنها صحيحة وليست بأضغاث أحلام(٥).
وقال غيره: معناه: رآه حقيقة(٦). وفي قول ثالث: إنه إن رآه عَلَى
صفته فهو حقيقة، وإن رآه عَلَى غيرها فهو رؤيا تأويل لا حقيقة، قاله
ابن العربي والقاضي وضعفه النووي وصوب الثاني (٧).
ومعنى: ((فسيراني)) أي: يرى تفسيره؛ لأنه حق، أو يراه في
القيامة، أو المراد أهل عصره ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام
علمًا لَهُ عَلَى رؤيته في اليقظة أقوال. وخص ◌َّي بذلك؛ لئلا يكذب
عَلَى لسانه في النوم، كما منعه أن يتصور في صورته في اليقظة؛
إكرامًا له، وقد ذكرت فروعًا فقهية تتخرج عَلَى ذَلِكَ في ((الخصائص))(٨)
فراجعها منه.
(١) سيأتي برقم (٦٩٩٦) كتاب: التعبير، باب: من رأى النبي ◌َّ في المنام.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٩٣) كتاب: التعبير، باب: مَنْ رأى النبي في المنام.
(٣) رواه مسلم (٢٢٦٦) كتاب: الرؤيا، باب: قول النبي ◌َّر: ((من رآني في المنام)).
(٤) رواه مسلم (٢٢٦٨) كتاب: الرؤيا، باب: قول النبي ◌َّ: ((من رآني في المنام)).
(٥) (٦) أنظر: ((البخاري بشرح الكرماني)) ١١٧/٢.
(٧) أنظر: ((عارضة الأحوذي)) ٩/ ١٣٠، و((إكمال المعلم)) ٢١٨/٧-٢٢١، و((صحيح
مسلم بشرح النووي)) ٢/ ٢٤.
(٨) ص٢١٤.

٥٥٥
كتاب العلم
=
فائدة :
اختلف في حقيقة الرؤيا هل هي اعتقادات أو إدراكات يخلقها الله
تعالى في قلب العبد؟ عَلَى قولين: وبالأول قَالَ القاضي أبو بكر،
وبالثاني قَالَ الشيخ أبو إسحاق.
ومنشأ الخلاف كما قَالَ ابن العربي إن الشخص قَدْ یری نفسه بهيمة
أو ملكًا أو طيرًا، وهذا ليس إدراكًا، لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي
إلى أنها اعتقادات، لأن الاعتقاد قَدْ يأتي عَلَى خلاف المعتقد (١).
قَالَ: وذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل، والإدراك إنما يتعلق
بالمثل (٢) وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره.
(١) ((عارضة الأحوذي)) ١٣٠/٩-١٣٢ وانظر: ((الفتح)) ٣٥٢/١٢-٣٥٣.
(٢) أنظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢٥/٩-١٢٦، ((طرح التثريب)) ٢٠٥/٧-٢٠٦،
((عارضة الأحوذي)) ٩/ ١٣٠-١٣٢.

٥٥٦
٣٩ - باب ڪِتَابَةِ العِلْم
١١١ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ
الشَّغِيِّ، عَنْ أَبِي ◌ُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلىّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّ كِتَابُ اللهِ،
أَوْ فَهُمْ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هذِه
الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢،
٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ٢٠٤/١]
١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خَزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ
قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ وَهِ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ
مَكَّةَ القَتْلَ - أَوِ الفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِنَّهِ وَ الْمُؤْمِنِينَ،
أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي
سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ
شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ
يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ)». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: أَكْتُبْ لِي
يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ إِلَ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ
اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِلَّ الِإِذْخِرَ، إِلَّ الإِذْخِرَ)). قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ
هذِهِ الْخَطْبَةَ. [٢٤٣٤، ٦٨٨٠ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح: ٢٠٥/١]
١١٣ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ:
أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
وَّ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا
أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [فتح: ٢٠٦/١]
١١٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،

٥٥٧
- كتاب العلم
عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ◌َه
وَجَعُهُ قَالَ: ((اثْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)). قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ
رََّ غَلَبَهُ الوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: ((قُومُوا عَنِّي،
وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ)). فَخَرَجَ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ
بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَهِ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. [٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - مسلم: ١٦٣٧
- فتح: ٢٠٨/١]
ذكر فيه رحمه الله أربعة أحاديث:
الحديث الأول:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ، أنا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ:
لَا، إِلَّ كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ
الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فِي هُذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ
الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
الكلام عليه من (أوجه)(١) :
أحدها :
هذا الحدیث خرجه البخاري أيضًا في الجهاد عن أحمد بن يونس،
عن زهير، عن مطرف(٢)، وفي الديات عن صدقة بن الفضل، عن ابن
عيينة، عن مطرف(٣).
قَالَ أبو مسعود الدمشقي: یقال: إن حديث وكيع، عن سفيان هو
ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه قَالَ: وقد رواه يزيد العدني عن
(١) في (ج): وجوه.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٤٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: فكاك الأسير.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٠٣) كتاب: الديات، باب: العاقلة.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
الثوري أيضًا.
قَالَ الغساني: هو محفوظ من حديث سفيان بن عيينة.
وانفرد به البخاري عن مسلم من طريق أبي جحيفة، واتفقا عَلَى
معناه بدون بيان ما في الصحيفة من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه،
(١)
عن علي (١).
ورواه أبو داود من حديث قيس بن عباد عن علي (١١)، ورجاله رجال
الصحيح.
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف:
أما أبو جحيفة فهو وهب (ع) بن عبد الله السُوَائي - بضم السين وفتح
الواو - ويقال: وهب بن وهب. ويقال: وهب الخير، من بني حرثان بن
سواءة بن عامر بن صعصعة، كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول
الله ◌َُّ ولم يبلغ الحلم. نزل الكوفة، (روي لَّهُ خمسة وأربعون حديثًا،
أتفقا عَلَى حديثين، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بثلاثة، وكان علي
یکرمه ويحبه ويثق به، وجعله عَلَى بيت المال بالكوفة)(٢) وشهد مشاهده
كلها. مات سنة أربع وسبعين في خلافة بشر بن مروان (٤).
وأما مُطَرِّف (ع) فهو أبو بكر ويقال: أبو عبد الرحمن مطرِّف بن
طريف الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو،
(١) سيأتي برقم (١٨٧٠) كتاب: فضائل المدينة، باب: حرم المدينة، ومسلم برقم
(١٣٧٠) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي وَّ فيها بالبركة.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٥٣٠).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٧٩/٣ (١١٥٤)، ((الاستيعاب))
٤/ ١٢١ (٢٧٦١)، ((أسد الغابة)) ٤٦٠/٥ (٥٤٨٦)، ((الإصابة)) ٦٤٢/٣ (٩١٦٦).

٥٥٩
كتاب العلم
ويقال: الخارفي - بالخاء المعجمة والفاء - نسبة إلى خارف بن عبد الله.
وثقه أحمد وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين
وأربعين(١).
وأما وكيع فهو أحد الأعلام الثقات أبو سفيان وكيع بن الجراح بن
مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة، وقيل: غيره. أصله من قرية من قرى
نيسابور، الرؤاسي الكوفي، من قيس غيلان، روى عن الأعمش وغيره،
وعنه أحمد، وقال: إنه أحفظ من ابن مهدي.
وقال حماد بن زيد: لو شئت قُلْتُ: إنه أرجح من سفيان. ولد سنة
ثمان وعشرين ومائة، ومات بفيد سنة سبع وتسعين ومائة (٢).
ثالثها: في فوائده:
الأولى: كتابة الحديث: وقد اختلف الصدر الأول في ذَلِكَ، فمنهم
من كره كتابته وكتابة العلم وأمروا بحفظه، ومنهم من جوز ذَلِكَ(٣).
(١) وثقه أحمد وأبو حاتم وأبو داود.
وقال الشافعي: ما كان ابن عينية بأحد أشد إعجابًا منه بمطرف، وقال علي بن
المديني: كان ثقة. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات. وانظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣١٣/٨
(١٤٤٨)، و((الثقات)) ٤٩٣/٧، و((تهذيب الكمال)) ٦٢/٢٨ (٦٠٠).
(٢) وقال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ. وقال: كان مطبوع
الحفظ، وكان حافظًا حافظًا، وقال: عليكم بمصنفات وكيع. وقال ابن معين:
ما رأيت أفضل من وكيع. وقال نوح بن حبيب القومسي: رأيت الثوري ومعمرًا
ومالكا فما رأت عيناي مثل وكيع. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيع القدر
كثير الحديث حجة. وانظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٧/٩ (١٦٨)،
و(تهذيب التهذيب)) ٣١١/٤-٣١٥.
(٣) أنظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح النوع الخامس والعشرون من ص١٨١ -٢٠٨
و((المقنع)) ٣٣٧/١-٣٦٧.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وجاء في النهي حديث: ((لا تكتبوا عني شيئًا (إلا القرآن)(١) ومن
كتب عني غير القرآن فليمحه)) أخرجه مسلم (٢).
وفي الإباحة الحديث الآتي: ((اكتبوا لأبي شاة))(٣) ولعل الإذن لمن
خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف أتكاله، أو نهى حين خيف
اختلاطه بالقرآن، وأذن حين أمن، ثم إنه زال ذَلِكَ الخلاف وأجمعوا
عَلَى الجواز، ولولا تدوينه لدرس في الأعصار الأخيرة (*).
(١) ساقطة من (ج).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٠٠٤) كتاب: الزهد والرقائق، باب: التثبت في الحديث
وحكم كتابة الحديث.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٤) أختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الحديث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: كراهة الكتابة. وإليه ذهب ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو
موسی وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وآخرون.
القول الثاني : إباحة الكتابة. وإليه ذهب عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمرو وأنس
وجابر وابن عمر والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز.
وحكاه القاضي عن أكثر الصحابة والتابعين.
القول الثالث: الكتابة ثم المحو بعد الحفظ. وهذا القول حكاه الرامهرمزي في
كتابه «المحدث الفاصل)).
قلت: وقيل بخلاف ما ذكره المصنف من تعليل الكراهة والإباحة ما يلي:
١- أن المراد النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لأنهم كانوا
يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها، فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه.
٢- أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره.
٣- أن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: لا تكتبوا عني شيئًا ..... الحديث.
معل، والصواب وقفه عليه، كما قاله البخاري وغيره.
انظر: المحدث الفاصل ص٣٧٩ - ٣٨٣، ((تقييد العلم)) ص ٣٠ - ٦٣، ((مقدمة ابن
الصلاح)) ص ١٨١ - ١٨٣، (التقييد والإيضاح)) ص ١٩٠ - ١٩١، ((المقنع)) ١/
٣٣٧- ٣٤٢، ((تدريب الرواي)) ١٠٥/٢ - ١٠٧.