النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كتاب العلم
التهييج وهو معلوم عند علماء البيان، فاستحلال ذَلِكَ لا يليق بمن يؤمن
بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف(١)،
ومثله قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
وغير ذلك.
السابع عشر:
( ((يسفك)) ) بكسر الفاء وحكي ضمها، وهي قراءة شاذة في قوله
تعالى: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾(٢) [البقرة: ٣٠] والسفك لغة: صب الدم.
قَالَ المهدي: ولا تستعمل إلا فيه، وقد تستعمل في نشر الكلام إِذَا
(٣)
نشره(٣).
الثامن عشر :
سياق الحديث ولفظه يدلان عَلَى تحريم القتال لأهل مكة، وبه قَالَ
القفال من أصحابنا، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ
ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: من الغارات وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وهو
منقول من عادة العرب في احترامهم مكة.
= الصلوات الفائتة في أيام الكفر. انظر: ((لباب المحصول في علم الأصول)) ١/
٢٥٦، ((تخريج الفروع على الأصول)» ص٩٨، ((الوصول إلى الأصول)) ١/ ٩١.
وفي المسألة أقوال أخرى: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وهو رواية عن
الإمام أحمد. وقال بعضهم: إنهم مكلفون فيما عدا الجهاد. ((شرح الكوكب المنير))
٥٠١/١، ((روضة الناظر)) ص٥٠.
(١) انظر: ((إحكام الأحكام)) ص٤٥٩.
(٢) أوردها ابن خالويه في ((مختصر شواذ القرآن)» ص١٢ وعزاها لطلحة بن مصرف.
(٣) ((لسان العرب)) ٢٠٣٠/٤ مادة (سفك)، وقيل: الإراقة، وفيه: سفك الكلام:
نثره، بالثاء.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الماوردي(١) في ((أحكامه)): من خصائص حرم مكة ألا يحارب
أهله، فلو بغى أهله عَلَى أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغي بغير
قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلا به فقال جمهور
الفقهاء: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز
إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها(٢).
وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتَّى يرجعوا إلى
الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل (٣).
قَالَ النووي في ((شرح مسلم)): والأول هو الصواب المنصوص عليه
في ((الأم)) (و)(٤) في ((اختلاف الحديث))، و(سير الواقدي))، وقول
القفال غلط، وأجاب الشافعي في ((سير الواقدي)) (٥) عن الأحاديث
(١) الماوردي: الإمام العلامة قاضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب،
البصري الماوردي الشافعي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع والتفسير:
((الأحكام السلطانية)) و((أدب الدنيا والدين))، قال: بسطت الفقه في أربعة آلاف
ورقة. يعني: ((الإقناع)) وله ((الحاوي)) قال الأسنوي: ولم يصنف مثله. و((قانون
الوزارة)».
قال الخطيب: كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعيين، وُلِّي القضاء ببلدان شتى ثم
سكن بغداد. وقال ابن خيرون: كان رجلًا عظيم القدر متقدمًا عند السلطان. وقال
ابن كثير: وكان حليمًا وقورًا أديبًا، لم يرَ أصحابه ذراعه يومًا من الدهر من شدة
تحرزه وأدبه. وفي وفاته قال الخطيب: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع
مئة، وقد بلغ ستًا وثمانين سنة.
انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)» ١٠٢/١٢، و ((سير أعلام النبلاء)» ٦٤/١٨،
و((البداية والنهاية)) ٥٣٩/١٢، و((شذرات الذهب)) ٢٨٥/٣.
(٢) ((الأحكام السلطانية)) ص١٩٣ -١٩٤.
(٣) أنظر: ((إحكام الأحكام)) ص٤٥٨.
(٤) زيادة ليست في الأصول والسياق يقتضيها.
(٥) هذا الكتاب أحد الأبواب في كتاب ((الأم))، والنص بمعناه في ((الأم)) ٢٠٢/٤.

٥٢٣
كتاب العلم :
=
بأن معناها: تحريم نصب القتال عليهم، وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق
وغيره إِذَا لم يكن إصلاح الحال بدون ذَلِكَ، بخلاف ما إِذَا تحصن
الكفار ببلد آخر، فإنه يجوز قتالهم عَلَى كل وجه، وبكل شيءٍ(١).
ونازع الشيخ تقي الدين القشيري(٢) في ذَلِكَ وقال: إنه خلاف
الظاهر القوي الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي، والمأذون
له فيه هو مطلق القتال ولم يكن بما يعم(٣). وهو كما قَالَ، فالحديث
نص في الخصوصية، وقد اعتذر فيه عما أبيح لَهُ من ذَلِكَ وهو ما فهمه
راوي الحديث، وما أبعد من ادعى نسخ الحديث بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ذكرتها لأنبه عَلَى وهنها.
(١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٩/ ١٢٥.
(٢) «إحكام الأحكام)» ص٤٥٨-٤٥٩ حيث قال:
هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي، الذي دل عليه عموم النكرة في سياق
النفي، في قوله ◌َله: ((فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا))
وأيضًا فإن النبي وَّهِ بين خصوصيته؛ لإحلالها له ساعة من نهار وقال: ((فإن أحد
ترخص بقتال رسول الله وَليج، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم)) فأبان بهذا
اللفظ: أن المأذون للرسول ◌َليه فيه لم يؤذن فيه لغيره.
والذي أذن للرسول فيه: إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال رسول الله وسلم لأهل
مكة بمنجنيق وغيره مما يعم، كما حمل عليه الحديث في هذا التأويل.
وأيضًا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم
مطلق القتال فيها وسفك الدم. وذلك لا يختص بما يستأصل.
وأيضًا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه؛
لأن يحمل عليه الحديث. فلو أن قائلًا أبدى معنى آخر، وخص به الحديث لم يكن
بأولى من هذا.
(٣) أنظر: ((إحكام الأحكام)) ص٤٥٨.

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
التاسع عشر:
الحديث دال دلالة واضحة عَلَى تحريم مكة، وأبعدَ مَنْ قال: إن
إبراهيم الثّ أول من افتتح ذَلِكَ، والصواب أنها لم تزل محرمة من
يوم خلق الله السماوات والأرض، وإضافة التحريم إلى إبراهيم في
بعض الأحاديث؛ إما لأنه أول من أظهر ذَلِكَ بعد خفائه وبلَّغه، أو أنه
حرمها بإذن الله فأضيف التحريم إليه، أو أنه دعا لها فكان تحريم الله لها
بدعوته (١).
العشرون :
ربما استدل به أبو حنيفة عَلَى أن الملتجئ إلى الحرم إِذَا وجب عليه
قتل لا يقتل به؛ لأن قوله: ((لَا يَحِلُّ لإِمْرِئٍ .. أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًّ)) عام
يدخل فيه صورة النزاع.
قَالَ أبو حنيفة: بل يلجأ إلى أن يُخرج من الحرم، فيقتل خارجه
وذلك بالتضييق عليه (٢).
وهو قول عمر بن الخطاب وجماعات. وقال أبو يوسف ومالك
وجماعة: يُخرج فيقام عليه الحد(٣)
وحكاه القاضي عن الحسن وغيره، ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة
الحدود بالحرم غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قومًا من
الحرم إلى الحل فصلبهم.
(١) دل على ذلك ما رواه البخاري برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع
النبي صل ومده.
(٢) انظر: ((أحكام القرآن للجصاص)) ٧٣/١، ((بدائع الصنائع)) ١١٤/٧.
(٣) انظر: ((المحلى)) ٢٦٢/٧.

٥٢٥
= كتاب العلم
وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل ثمَّ لجأ إلى الحرم يخرج منه
فيقتل، وأما من تعدي عليه في الحرم فليدفع عن نفسه، قَالَ تعالى:
﴿وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الَْسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآية(١).
وحكى ابن بطال، عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي فيمن أصاب
حدًا من قتل أو زنا أو سرقة، أنه إن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد،
وإن أصابه في غيره لا يجالس ولا يؤوى حتَّى يخرج فيقام عليه الحد(٢).
وقال ابن الجوزي: أنعقد الإجماع عَلَى أن من جنى في الحرم يقاد
منه فيه ولا يؤمِّن؛ لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان(٣).
واختلف فيمن أرتكب جناية خارج الحرم، ثمَّ لجأ إليه، فروي عن
أبي حنيفة (٤) وأحمد: أنه يلجأ إلى الخروج فيقام عليه الحد(٥).
قُلْتُ: ومذهب الشافعي(٦) ومالك: يقام فيه(٧).
ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثمَّ قَالَ: ولا مخالف
لهم من الصحابة.
ثمَّ نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثمَّ شنع عَلَى مالك
والشافعي فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب
(١) انظر: ((المحلى)) ٢٦٢/٧، وروى هذا الأثر ابن أبي شيبة ٥٤٩/٥ (٢٨٩٠٩).
(٢) ((شرح ابن بطال» ٤٩٨/٤-٤٩٩.
(٣) ((زاد المسير)) ٤٢٧/١.
(٤) أنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٧٣/١، ((حاشية رد المحتار)) ٦/ ٥٤٧، ((بدائع
الصنائع» ٧ /١١٤.
(٥) انظر: ((الكافي)) ١٨٠/٥- ١٨٢، ((الإقناع)) ٢١٤/٤.
(٦) انظر: ((تقويم النظر)) ٤٣٣/٤، ((روضة الطالبين)) ٢٢٤/٩.
(٧) انظر: ((التفريع)) ٢١٧/٢، ((عيون المجالس)) ٢٠١٩/٥، ((عقد الجواهر الثمينة))
١١٠٦/٣.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والسنة(١). وليس كما قَالَ.
وأما قصة ابن خطل وقوله القذّا: ((اقتلوه))(٢). فأجيب عنها
(بأوجه)(٣):
أحدها: أنه أرتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي ◌َّه.
ثانيها: أنه لم يدخل في الأمان، فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد
متعلقًا بأستار الكعبة.
ثالثها: أنه كان ممن التزم الشرط وقاتل.
وأجاب بعضهم: بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له، وهو
غريب، فإن الساعة للدخول حتَّى استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن
خطل كان بعد ذَلِكَ، وبعد قوله: ((من دخل المسجد فهو آمن)) (٤) وقد
دخل لكنه أستثني مع جماعة غيره.
الحادي بعد العشرين:
قوله: ((فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ وَِّ)) فيه دلالة عَلَى أن مكة
- شرفها الله تعالى- فُتحت عَنْوة، وهو قول الأكثرين(٥).
(١) أنظر: ((المحلى)) ٧ / ٢٦٢ بتصرف.
(٢) سيأتي برقم (١٨٤٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: دخول الحرم ومكة.
(٣) في (ج): بأجوبة.
(٤) رواه أبو داود (٣٠٢٢).
ورواه الطبراني ١٢/٨ (٧٢٦٤). والبيهقي ١١٩/٩.
وأورده الهيثمي في («مجمع الزوائد» ١٦٧/٦ (١٠٢٣٤)، وقال: رواه الطبراني
ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٦٧١).
(٥) قال ابن القيم -رحمه الله- في ((زاد المعاد)) ٤٢٩/٣ - ٤٣٢.
وفيها [أي: في قصة فتح مكة] البيانُ الصريح بأن مكة فُتحت عَنْوَة كما ذهب إليه
جمهور أهل العلم، ولا يُعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد =

٥٢٧
كتاب العلم
1
= قوليه، وسياق القصة أوضحُ شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو
حامد الغزالي القول بأنها فُتحت صلحًا، حكى قول الشافعي أنها فُتحت عَنوة في
((وسيطه))، وقال: هذا مذهبُه.
قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوة، لقسمها رسولُ الله وَلفل بين الغانمين كما
قسم خيبر، وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات، فكان يُخمسها ويقسمها،
قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمنهم، كان هذا عقد صلح
معهم، قالوا: ولو فُتحت عَنوة، لملك الغانمون رباعها ودورها، وكانوا أحق بها
من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله وسيقار فيها بهذا
الحُكم، بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها، وهي بأيدي الذين
أخرجوهم، وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها،
وهذا مناف لأحكام فتوح العَنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها، فقال: ((
دخل دار أبي سُفيان، فهو آمن، ومن دخل داره، فهو آمن)).
قال أرباب العَنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد
داره، وإغلاقه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يُقاتهلم خالد ابن الوليد حتى قتل
منهم جماعة، ولم يُنكر عليه، ولما قتل مقيس ابن صُبابة وعبد الله بن خَطَل ومن
ذُكر معهما، فإن عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثنى فيه هؤلاء قطعًا، ولنقل هذا
وهذا، ولو فُتحت صُلحًا، لم يُقاتلهم، وقد قال: ((فإن أحد ترخص بقتال رسول
الله ◌َّهه، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم)).
ومعلوم أن هذا الإذن المختص برسول الله وَلّ، إنما هو الإذن في القتال لا في
الصلح، فإن الإذن في الصلح عام. وأيضًا فلو كان فتحها صلحًا، لم يقل: إن الله
قد أحلها له ساعة من نهار، فإنها إذا فُتحت صُلحًا كانت باقية على حرمتها، ولم
تخرج بالصلح عن الحرمة، وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حرامًا، وأنها
بعد أنقضاء ساعة الحرب عادت إلى حُرمتها الأولى.
وأيضًا فإنها لو فُتحت صلحًا لم يعبئ جيشه: خيالتَهم ورجالتهم مَيمنةً ومَيسرة،
ومعهم السلاح، وقال لأبي هريرة: ((اهتف لي بالأنصار))، فهتف بهم، فجاءوا،
فأطافوا برسول الله وَله، فقال: ((أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم))، ثم قال بيديه
إحداهما على الأخرى: ((احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا)»، حتى قال =

٠٫٠
٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول
=
الله وَله: ((من أغلق بابه، فهو آمن)). وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن كان قد
تقدم صلح -وكلا - فإنه ينتقضُ بدون هذا.
وأيضًا فكيف يكون صلحًا، وإنما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله
خیل رسوله ورکابه عنها، کما حبسها یوم صلح الحديبية، فإن ذلك اليوم كان يوم
الصلح حقًّا، فإن القصواء لما بركت به، قالوا: خلأت القصواءُ، قال: ((ما خلأت
وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والله لا يسألوني خطة
يُعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها)).
وكذلك جرى عقدُ الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملاٍ من المسلمين
والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثل هذا الصلح في يوم
الفتح، ولا يُكتب ولا يُشهد عليه، ولا يحضره أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط
فيه! هذا من الممتنع البين أمتناعه.
وتأمل قوله: ((إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين))، كيف
يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان
يدخلها عليهم عَنوة، فحبسه عنهم، وسلط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها
عنوة بعد القهر، وسلطان العنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجل قدرًا،
وأعظم خطرًا، وأظهر آية، وأتم نصرة، وأعلى كلمة من أن يدخلهم تحت رقٌ
الصلح، واقتراحِ العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العَنوة وعِزها وظفرها في
أعظم فتح فتحهَ على رسوله، وأعز به دينه، وجعله آية للعالمين.
قالوا: وأما قولكم: أنها لو فتحت عنوة، لقُسمت بين الغانمين، فهذا مبني على أن
الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها،
وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأن الأرض ليست داخلة في
الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإن بلالًا
وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب ﴾ أن يقسم بينهم الأرض التي افتتحوها
عَنوة وهي الشام وما حولها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا
غير المال، ولكن أحبسه فيًا يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه
﴿ه: أقسمها بيننا، فقال عمر: ((اللهم أكفني بلالًا وذويه))، فما حال الحول ومنهم =

٥٢٩
- كتاب العلم
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكنه مَنّ عَلَى أهلها
وسوغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولا جعلها فيئا (١).
قَالَ أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد، وقال الشافعي
وغيره: فُتِحَتْ صلحًا(٢)، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزًا له
لو أحتاج إليه، لكن يضعفه قوله: (فإن ترخص أحد لقتال رسول الله
وَّد) فإنه يقتضي وجود قتال منه ظاهرًا(٣)
وقوله: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) (٤) إلى غيره من الأمان
المعلق عَلَى أشياء مخصوصة، وتوسط الماوردي في المسألة فقال:
= عين تطرف، ثم وافق سائر الصحابة ﴾ عمر ﴾ على ذلك، وكذلك جرى في فتوح
مِصر والعراق، وأرض فارس، وسائر البلاد التي فُتحت عَنوة لم يَقسم منها
الخلفاء الراشدون قرية واحدة.
ولا يَصح أن يقال: إنه استطاب نفوسهم، ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعُوه في
ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلالٍ وأصحابه ﴾ وكان الذي رآه وفعله عين
الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قُسمت، لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم، فكانت
القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة، أو صبي صغير، والمقاتلة لا شيء بأيديهم،
فكان في ذلك أعظمُ الفساد وأكبره، وهذا هو الذي خاف عمر ﴾ منه، فوفقه الله
سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفًا على المقاتلةِ تجري عليهم فيئًا حتى
يغزو منها آخرُ المسلمين، وظهرت بركةُ رأيه ويُمنه على الإسلام وأهله، ووافقه
جمهور الأئمة.
(١) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٣/١٢ ..
(٢) انظر المرجع السابق.
(٣) انظر: ((إِحكام الأحكام)) ص ٤٦٠.
(٤) رواه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، وأبو داود
(٣٠٢٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ٣٨٢/٦-٣٨٣ (١١٢٩٨)، والطيالسي ١٨٨/٤
(٢٥٦٤)، وأحمد ٢٩٢/٢، وابن خزيمة ٢٣٠/٤ (٢٧٥٨)، وابن حبان ١١/ ٧٥
(٤٧٦٠)، والبيهقي في ((السنن)) ١١٧/٩، وفي ((دلائل النبوة)) ٥٥/٥-٥٦، من
حديث أبي هريرة.

٥٣٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عندي أن أسفلها دخله خالد بن الوليد عَنْوةَ، وأعلاها دخله الزبير بن
العوام صلحًا، ودخلها الشارع من جهته (فصار حكم جهته
الأغلب)(١)، ولم يغنم أسفل مكة؛ لأن القتال كان عَلَى جبالها ولم
یکن فیھا.
قَالَ الخطابي: وتأول غيرهم الإذن لَهُ في ساعة من نهار عَلَى معنى
دخوله إياها من غير إحرام. لأنه رسّير دخلها وعليه عمامة سوداء، وقيل:
إنما أُحل لَهُ في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر
ما حَرُمَ عَلَى الناس(٢).
الثاني بعد العشرين :
قوله: ( ((وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» ) أي: يقطع بالمُعْضَد وهو: سيف
يمتهن في قطع الشجر. ويقال: المعضاد أيضًا فهو معضود يقال منه:
عَضَدَ بالفتح يَعْضِد بالكسر كضرب يضرب، ويعضُد بالضم إِذَا أعان؛
والمعاضَدة: المعاونة، فقوله: ((وَلَا يَعْضِدَ)) هو بكسر الضاد فقط أي:
لا يقطع أغصانها.
قَالَ المازري: ويقال: عضد واستعضد (٣).
وقال الطبري: معنى ((لَا يَعْضِدَ)): لا يفسد ويقطع، وأصله من عَضَد
الرجل إِذَا أصاب عضده، لكنه يقال منه: عضده يعضده بالضم في
المضارع كما سلف فيما إذا أعانه، بخلاف العضد بمعنى: القطع،
والشجر: ما كان عَلَى ساق (٤).
(١) في (ج): فصار الأغلب من جهته.
(٢) ((أعلام الحديث)) ١/ ٢١٠.
(٣) انظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) ٣٧٥/١.
(٤) ((تهذيب الآثار)) مسند ابن عباس: السفر الأول ص٤٤.

٥٣١
كتاب العلم :
=
الثالث بعد العشرين:
فيه دليل عَلَى تحريم قطع شجر الحرم، وهو إجماع (١) فيما لا يستنبته
الآدميون في العادة، وسواء الكلأ وغيره، وسواء كان لَهُ شوك يؤذي
أم لا.
وقال جمهور الشافعية: لا يحرم قطع الشوك، لأنه مؤذ فأشبه
الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، وصحح المتولي منهم
التحريم مطلقا وهو قوي دليلًا لقوله وَ لهم في ((الصحيح)) أيضًا: ((ولا
يعضد شوكه))(٢) وفى لفظ: ((ولا يخبط شوكه))(٢) والخبط: ضربه
بالعصا؛ ليسقط الورق. ولأن غالب شجر الحرم ذو شوك.
والقياس المذكور ضعيف؛ لقيام الفارق، وهو أن الفواسق الخمس
تقصد الأذى بخلاف الشجر (4).
وقال الخطابي: أكثر العلماء عَلَى إباحة الشوك، ويشبه أن يكون
المحظور منه ما يرعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي
لا ترعاه، فيكون ذَلِكَ كالحطب وغيره (٥).
أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت "
خلافًا للمالكية (٧) ولأصحاب أبي حنيفة.
(١) نقل الإجماع النووي في ((المجموع)) ٧/ ٤٥١، وابن قدامة في ((المغني)) ١٨٥/٥.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٣) رواه مسلم برقم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها
وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، وابن حزم في ((المحلى)) ٢٥٨/٨،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٩٥/٥.
(٤) انظر: ((البيان)) ٢٥٨/٤، ((المجموع)» ٤٥١/٧.
(٥) ((معالم السنن)) ١٩٠/٢.
(٧) انظر: ((التفريع)) ٣٣١/١.
(٦) انظر: ((البيان)) ٢٥٨/٤.

٥٣٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فرع: لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ قَالَ مالك: لا، ويأثم(١).
وقال الشافعي وأبو حنيفة: نعم. ثمَّ اختلفا، فقال الشافعي: في
الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة (٢). كما جاء عن ابن عباس
وابن الزبير، وبه قَالَ أحمد(٣). وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع
القيمة(٤). قَالَ الشافعي: ويضمن الخلى بالقيمة(٥)، والخَلَى
والعشب: اسم للرطب، والحشيش: اسم لليابس منه عَلَى الأشهر،
والكلأ يطلق عليهما.
فرع: يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلا الشجر(٦).
وقال أبو حنيفة (٧) وأحمد(٨) ومحمد: لا يجوز.
الرابع بعد العشرين :
قوله: ((وَلْيُبَلُّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)) ) فيه صراحة بنقل العلم وإشاعة
السنن والأحكام، وهو إجماع، وقد أسلفنا ذَلِكَ، وكل من حضر شيئًا
وعاينه فقد شهده، وقيل: لَهُ شاهد. والغائب: من غاب عنه، وهذا
اللفظ قَدْ جاء في عدة أحاديث، وقد ذكر البخاري منها ثلاثة(٩).
(١) انظر: ((عيون المجالس)) ٨٨٠/٢، ((الذخيرة)) ٣٣٧/٣.
(٢) انظر: ((البيان)) ٢٦٠/٤، ((المجموع)) ٤٥٥/٧.
(٣) انظر: ((المغني)) ١٨٨/٥، ((الفروع)» ٤٧٨/٣.
(٤) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٢١٠/٢، ((البحر الرائق)) ٧٧/٣.
(٥) انظر: ((البيان)) ٢٦١/٤.
(٧) (بدائع الصنائع)) ٢١٠/٢.
(٦)
((البيان)) ٢٦١/٤، ((المجموع)) ٤٥٧/٧.
(٨) وللحنابلة وجهان: أحدهما: لا يجوز، والآخر: يجوز. أنظر: ((الكافي)) ٢/
٣٩٦، ((المغني)) ١٨٧/٥ - ١٨٨.
(٩) منها حديث هذا الباب وحديث ابن عباس يأتي برقم (١٧٣٩) كتاب: الحج،
باب: الخطبة أيام منى.

٥٣٣
- كتاب العلم
الخامس بعد العشرين :
قول عمرو لأبي شريح: (أنا أعلم منك يا أبا شريح) إلى آخره. هو
كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم في ذَلِكَ في ((محلاه))
في كتاب الجنايات، فقال: لا كرامة للطيم الشيطان الشرطي الفاسق،
يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله ◌َ له، قَالَ: وهذا الفاسق هو
العاصي لله ولرسوله ومن ولَّاه أو قلده، وما حامل الخَرْبة في الدنيا
والآخرة إلا هو ومن أمره وأيده وصوب قوله(١).
وكان ابن حزم إنما ذكر ذَلِكَ؛ لأن عمرًا ذكر ذَلِكَ عَلَى اعتقاده في
ابن الزبير، وقد أعترض عليه أيضًا غير واحد في ذَلِكَ.
قَالَ ابن بطال: ما قاله ليس بجواب؛ لأنه لم يختلف معه في أن من
أصاب حدًّا في غير الحرم ثمَّ لجأ إلى الحرم هل يقام عليه، وإنما أنكر
عليه أبو شريح بعثه البعوث إلى مكة واستباحة حرمتها بنصب الحرب
عليها، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث،
وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح بعد ولا ينصب الحرب عليها
بقتال بعدما حرمها الشارع (٢).
وقال القرطبي: قول عمرو ليس بصحيح للذي تمسك به أبو شریح،
وحاصل كلام عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل(٣).
فرع: هل تأويل الصحابي للحديث أولى ممن يأتي بعده؛ لأنه أعلم
بمخرجه أم لا إِذَا لم يصبه؟ خلاف.
(١) ((المحلى)) ٤٩٨/١٠.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١/ ١٨٠.
(٣) ((المفهم)» ٣/ ٤٧٥.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ المازري في ((شرح البرهان)): مخالفة الراوي لما رواه مخالفة
كلية أو ظاهرة عَلَى وجه التخصيص، أو لتأويل محتمل أو مجمل كله،
فيه خلاف. وعند الشافعي: العبرة بما روى لا بما رأى خلافًا لأبي
.(١)
حنيفة(١).
وقال الرازي: ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويله مخالفًا
للظاهر رجع إلى الحديث، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه (٢).
السادس بعد العشرين :
معنى ((لا يعيذ)): لا يعصم. والاستعاذة: الأستجارة بالشيء
والاعتصام به. والفار: الهارب. والخَرْبَة: بفتح الخاء المعجمة
وسكون الراء عَلَى المشهور في جميع الروايات غير الأصيلي فقال:
بضم الخاء أي: الفعلة الواحدة(٣).
ورواه بعضهم كما ذكره ابن بَزيزة: بخزية - بالمثناة تحت - وأصلها :
سرقة الإبل وكذا الخرابة، وتطلق عَلَى كل جناية سواء كانت في الإبل
أو غيرها. والحرابة - بالحاء المهملة - تقال في كل شيء، وقد سلف
تفسيرها بالسرقة، وفي موضع آخر منه: بالبلية، ذكره في المغازي (4).
والأول رواية المستملي. وقال الخليل: هي الفساد في الدين من
الخارب: وهو اللص المفسد، وقيل: هي العيب ().
(١) ((إيضاح المحصول من برهان الأصول)) للمازري ص٣٢٨.
(٢) ((المحصول)) للرازي ٤/ ٦٣١.
(٣) أنظر: مادة (خرب) في ((الصحاح)) للجوهري ١١٨/١، ((غريب الحديث)) ٣١٤/٢،
((النهاية في غريب الحديث)) ١٧/٢.
(٤) سيأتي برقم (٤٢٩٥) كتاب: المغازي، باب: منزل النبي وَله.
(٥) ورد بهامش الأصل (س): ثم بلغ في الثالث بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له.

٥٣٥
كتاب العلم :
٣٨ - باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ بَهُ
١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ الْجَغدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ:
سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّ: ((لَا تَكْذِبُوا
عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ)). [مسلم: ١ - فتح: ١٩٩/١]
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: قُلْتُ لِلِزُّبَيْرِ: إِّ لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ
وَلَّ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَقُلَانٌ. قَالَ: أَمَا إِّي لَمْ أُفَارِقْهُ ولنكن سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). [فتح: ٢٠٠/١]
١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ
لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِرًا أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأُ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). [مسلم: ٢ - فتح: ٢٠١/١]
١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
[فتح: ٢٠١/١]
١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِ صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: (تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي
فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ
مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). [٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣ - مسلم: ٣، ٢١٣٤، ٢٢٦٦
- فتح: ٢٠٢/١]
حدثنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ
حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رسول اللهِ وَّهِ: ((لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ،
فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ)).
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلِزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولٍ
اللهِ وَيِّ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: أَمّا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ ولكن سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قال: قَالَ أَنَسٌ:
إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ
كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ،
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ بَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ
مِنَ النَّارِ)).
حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِّرِ قَالَ: ((تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِيَ، وَمَنْ
رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
الكلام عَلَى هذِه القطعة من وجوه:
أحدها :
حديث علي ، أخرجه مسلم في المقدمة من حديث غُنْدر، عن
شعبة به(١). وحديث (ابن الزبير)(٢) من أفراده.
وزاد أبو داود فيه: ((متعمدًا)»(٣) والمحفوظ في البخاري والنسائي
(١) ((صحيح مسلم)) (١) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله اليه .
(٢) بهامش الأصل تعليق نصه: صوابه حذف ابن؛ لأن الحديث من مسند الزبير لا من
مسند ابنه.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٦٥١) كتاب: العلم، باب: التشديد في الكذب على رسول الله

٥٣٧
- كتاب العلم
=
حذفها(١).
وحديث أنس أخرجه مسلم عن زهير، عن ابن عُلَيَّة، عن عبد العزيز
به(٢). ودعوى الحميدي في ((جمعه)) (٣) أنه من أفراد مسلم غريب، فإنه في
البخاري كما تراه.
وحديث سلمة من ثلاثيات البخاري، وهو من أفراده. وحديث أبي
هريرة سيأتي واضحًا في الأدب إن شاء الله (٤)، وأخرجه مسلم أيضًا (٥)،
وأخرجه مع البخاري أيضًا من حديث المغيرة أيضًا (٦).
الوجه الثاني: (في)(٧) التعريف برواتها غير من سلف:
أما حديث علي فراويه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -واسمه
عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم- ابن عم النبي ◌َّر وصهره،
وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة، كناه النبي ◌َلقي أبا
تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت
هاشميًّا، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت وصلى عليها النبي
وَّله ونزل قبرها - وكان علي أصغر من جعفر وعَقِيل وطالب، وهو
أول الناس إسلامًا في قول جماعة، قيل: إنه أسلم وهو ابن عشر
سنين وقيل: خمس عشرة.
(١) ((السنن الكبرى)) ٤٥٧/٣ (٥٩١٢) كتاب: العلم، باب: من تعلم؛ ليقال: فلان تعلم.
(٢) (صحيح مسلم)) (٢) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله وَلـ
(٣) ((الجمع بين الصحيحين)) ٦٥٢/٢ (٢١٥٣).
(٤) سيأتي برقم (٦١٨٨) كتاب: الأدب، باب: قول النبي ◌َّر («تسموا باسمي ... )).
(٥) ((صحيح مسلم)) (٣) المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله وَ ل.
(٦) سيأتي برقم (١٢٩١) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت. وفي
(صحيح مسلم)) (٤) المقدمة، باب: تغليظ الكذب.
(٧) زائدة من (ج).

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها إلا تبوكًا، فإنه وَلـ
خلفه عَلَى أهله، وآخاه رسول الله وَ له مرتين، وقال في كل منهما: ((أنت
أخي في الدنيا والآخرة)) (١) وفضائله مشهورة، وسيأتي بعضها حيث ذكره
البخاري إن شاء الله(٢).
وحديث: ((أنا مدينة العلم)) (٣) وفي لفظ: ((أنا دار الحكمة وعلي
بابها)) (٤) منكر كما قاله الترمذي. ولي الخلافة خمس سنين وقيل:
(١) رواه الترمذي (٣٧٢٠) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي. وابن عدي في
((الكامل)) ٢/ ٥١٠ ترجمة حكيم بن جبير. والحاكم ١٤/٣ كتاب: الهجرة كلهم من
حديث ابن عمر. قال الألباني في ((السلسة الضعيفة)) (٣٥١): موضوع.
(٢) ستأتي برقم (٣٧٠١ - ٣٧٠٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب علي.
(٣) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٤٧٣/٤ (٨٤٠)، ١٣٠/٦ (١٢٤٤). والطبراني ١١/
٦٥ - ٦٦. والحاكم ١٢٦/٣ كتاب: معرفة الصحابة. والخطيب في ((تاريخ بغداد)»
٤٨/١١ ترجمة عبد السلام بن صالح، وفي إسناده عبد السلام بن صالح. قال ابن
حبان في ((المجروحین) ٢/ ١٥١ ترجمة عبد السلام بن صالح يروي عن حماد بن زيد
وأهل العراق العجائب في فضائل علي وأهل بيته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد،
وهو الذي روى عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وقال: هذا لا أصل له، ليس من حديث ابن عباس ولا مجاهد ولا الأعمش
ولا أبي معاوية حدث به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: بل موضوع،
وقال: أبو الصلت لا ثقة ولا مأمون. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١١٤/٩ : رواه
الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي في
((الموضوعات)) ١١٠/٢ - ١١٨ (٦٥٤ - ٦٦٦): في ذكر مدينة العلم: وفيه عن
علي، وابن عباس، وجابر ...
ثم ذكر طرق كل حديث وأوضح ما بها من علل وذكر ما فيها من وضع.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٩٥٥): موضوع.
(٤) رواه الترمذي (٣٧٢٣) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي بن أبي طالب. وراجع
التخريج السابق.

٥٣٩
كتاب العلم
إلا شهرًا، بويع لَّهُ بعد عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ.
روي لَهُ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى
عشرين، وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر. روى عنه بنوه
الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وخلق.
ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي -وهو من حمير - بسيف
مسموم فأوصله دماغه في ليلة الجمعة ومات بالكوفة ليلة الأحد تاسع
عشر رمضان سنة أربعين.
ولما ضربه ابن ملجم قَالَ: فزت ورب الكعبة، ولما فرغ من وصيته
قَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثمَّ لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله
حتَّى مات عن ثلاث وستين سنة في قول الأكثر. وكان آدم اللون، أصلع
ربعة أبيض الرأس واللحية وربما خضب لحيته.
وأولاده: الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم من فاطمة،
ومحمد بن الحنفية وغيره من غيرها. وليس في الصحابة من اسمه
علي بن أبي طالب غيره. وإن كان في الرواة علي بن أبي طالب ثمانية
سواه ذكرتهم في ((العدة في معرفة رجال العمدة)) وبسطت فيه ترجمته
وقد أُفردت بالتأليف (١).
وأما الراوي عنه فهو ربعي بن حراش -بكسر الحاء المهملة- بن
جحش بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن
بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس (بن)(٢) سعد بن غيلان بن مضر
(١) انظر: ((معرفة الصحابة)) ١٩٦٨/٤ (٢٠٢٦)، ((الاستيعاب)) ١٩٧/٣ (١٨٧٥)،
((أسد الغابة)) ٩١/٤ (٣٧٨٣) - ((الإصابة)) ٥٠٧/٢ (٥٦٨٨).
(٢) زائدة من (ج)، (ف).

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الغطفاني العبسي -بالموحدة- أبو مريم الكوفي، أخو مسعود الذي تكلم
بعد الموت(١)، وأخوهما ربيع.
قَالَ الكلبي: كتب النبي ◌َّ- إلى حراش بن جحش، فحرق كتابه،
وليس لربعي عقب، والعقب لأخيه مسعود.
قَالَ ابن سعد: روى عن عمر وعلي، وخرشة بن (الحر)(٢)، قَالَ:
قيل لشعبة: أدرك ربعي عليًّا؟. قَالَ: نعم حدّث عن علي. ولم يقل:
سمع(٣). وعن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي
غير هذا الحديث، وقدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية.
قَالَ العجلي: تابعي ثقة، لم يكذب كذبة قط، وكان لَهُ ابنان يعصيان
عَلَى الحجاج، فقيل للحجاج: إنه لم يكذب كذبة قط، فلو أرسلت إليه
فسألته عنهما، فأرسل إليه. فقال: أين ابناك؟ فقال: هما في البيت.
فقال: قد عفونا عنهما بصدقك(٤).
وقيل: إنه آلى أن لا يفتر ضاحكًا حتَّى يعلم أين مصيره، فما ضحك
إلا بعد موته. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقيل: توفي سنة أربع
ومائة(٥).
(١) كذا في ((تهذيب الكمال)) ٥٤/٩ (١٨٥٠) في ترجمة ربعي بن حراش، في ((الحلية))
٣٦٧/٤ أن الذي تكلم بعد الموت الربيع، وفي «سير أعلام النبلاء)» ٣٥٩/٤
(١٣٩) في ترجمة ربعي، ذكر أنه العبد الصالح مسعود، ثم ذكر رواية أبي نعيم
المثبت فيها الربيع، والله أعلم بالصواب.
(٣) ((طبقات ابن سعد)) ٦/ ١٢٧.
(٢)
في (ج): الحسن، والذي فى ((الطبقات)): الحر.
(٤) ((معرفة الثقات)) ٣٥٠/١ (٤٤٧).
(٥) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٢٧/٣ (١١٠٦)، ((الجرح والتعديل) ٥٠٩/٣
(٢٣٠٧)، ((تاريخ بغداد)) ٤٣٣/٨، (تهذيب الكمال)) ٥٤/٩ (١٨٥٠).