النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
- كتاب العلم
قَالَ ابن الأنباري: هي خيط تنظم فيه خرزات ويلبسه الصبيان
والجواري. وقيل: قلادة من قرنفل ومسك ليس فيها من الجوهر شيء.
والفتخ بالخاء المعجمة، قَالَ البخاري عن عبد الرزاق: هي خواتيم
عظام(١). وأطلق غيره: أنها الخواتيم، واحدها فتخة. وقال الأصمعي:
هي خواتيم لا فصوص لها. وفي ((الجمهرة)): الفتحة: حلقة من ذهب
أو فضة لا فص لها، وربما أتخذ لها فص كالخاتم (٢).
وقوله فيما مضى: ((أقرطتهن)): قَالَ القاضي: صوابه قِرَطتهن؛ لأن
القرط يجمع عَلَى قرطة مثل خرج وخرجة، وعلى أقراط وقراط وقروط،
ولا يبعد أن يكون جمع الجمع لاسيما وقد صح في لفظ الحديث.
رابعها: في أحكامه :
الأول: افتقاد (٣) الإمام رعيته وتعليمهم ووعظهم الرجال والنساء في
ذَلِكَ سواء؛ لقوله: (فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن).
الثاني: عدم افتقار صدقة التطوع إلى إيجاب وقبول، بل يكفي فيها
المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من
بلال ولا من غيره، وهذا هو الصحيح عندنا، وأبعد من قَالَ بافتقاره.
الثالث: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف
ذَلِكَ عَلَى الثلث من مالها وهو مذهب الشافعي والجمهور، وقال مالك:
لا تجوز الزيادة عَلَى الثلث من مالها إلا برضا زوجها. وجه الدلالة
للجمهور: أنه وَ﴿ لم يسألهن هل أستأذنَّ أزواجهن في ذَلِكَ أم لا؟
(١) سيأتي برقم (٩٧٩) كتاب: العيدين، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد.
(٢) ((الجمهرة)) ٣٨٩/١.
(٣) في ((اللسان)) ٦/ ٣٤٤٤: وافتقد الشيء: طلبه.
٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهل. هو خارج عن الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل،
وأجاب القاضي: بأن الغالب حضور أزواجهن. وإذا كان كذلك
فتركهم الإنكار رضا منهم بفعلهن، وهو ضعيف كما قَالَ النووي؛
لأنهن معتزلات لا يعلم الرجال المتصدقة منهن من غيرها، ولا قدر
ما يتصدقن به ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا (١).
وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَله
قَالَ: ((لا يجوز لامرأةٍ أمر في مالها إِذَا ملك زوجها عصمتها)) رواه
أبو داود(٢) وله وللنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب، أن أباه
أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَّهِ قَالَ: ((لا تحل لامرأة
عطية إلا بإذن زوجها))(٣). قَالَ البيهقي: الطريق إلى عمرو بن شعيب
صحیح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثباته ".
فالجواب عنه من أوجه: أحدها: معارضته بالأحاديث الصحيحة
الدالة عَلَى الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه فقدمت عليه، وقد
يقال: هي واقعة حال؛ فيمكن حملها عَلَى أنها كانت قدر الثلث.
ثانيها: عَلَى تسليم الصحة، أنه محمول عَلَى الأولى والأدب
والاختيار، ذكره الشافعي في البويطي، قَالَ: وقد أَعْتَقَتْ ميمونة فلم
يعب النبي ◌َّ عليها.
(١) انظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٦/ ١٧٣.
(٢) رواه برقم (٣٥٤٦) كتاب: البيوع، باب: في عطية المرأة بغير إذن زوجها،
والحاكم ٤٧/٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه الألباني في
((السلسلة الصحيحة)) (٨٢٥).
(٣) رواه أبو داود (٣٥٤٧). والنسائي ٦٥/٥ - ٦٦. وابن ماجه (٢٣٨٨)، وصححه
الألباني في «الصحيحة» (٨٢٥).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٦/ ٦٠.
٤٨٣
كتاب العلم
ثالثها: الطعن فيه، قَالَ الشافعي: هذا الحديث سمعناه وليس
بثابت فيلزمنا أن نقول به، والقرآن يدل عَلَى خلافه، ثمَّ الأثر، ثم
المنقول، ثمَّ المعقول. قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا
فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ
مِنْهُ تَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِّيْئًا مَّيْئًا﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ
بِهِءُ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
[النساء: ١١]، وقوله: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَى﴾ [النساء: ٦] الآية ولم يفرق، فدلت
هُذِهِ الآيات عَلَى نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها، وقال وَه
لزوجة الزبير: ((ارضخي ولا توعي فيوعي الله عليك)) (١) متفق عليه.
وقال: ((يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن
شاة))(٢). واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها بكل شيء
فلم ينكر ذَلِكَ ابن عمر.
وأما أبو محمد بن حزم فإنه طعن في حديث عمرو بن شعيب بأن
قَالَ: صحيفة منقطعة وقد علمت أن شعيبًا صرح بعبد الله بن عمرو
(فلا)(٣) أنقطاع (٤)، وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة،
عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم عن عمرو به، ثمَّ قَالَ: صحيح
الإسناد(٥).
(١) سيأتي برقم (١٤٣٤) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة فيما استطاع. ومسلم برقم
(١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء.
(٢) سيأتي برقم (٢٥٦٦) كتاب: الهبة، باب: فضل الهبة. ومسلم (١٠٣٠) كتاب:
الزكاة، باب: الحث على الصدقة من حديث أبي هريرة.
(٣) في (ج): بلا.
(٤) انظر: ((المحلى)) ١٥١/١١.
(٥) في ((المستدرك)) ٢/ ٤٧.
٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثمَّ ذكره ابن حزم من حديث ابن عمر: سُئِلَ رسول الله ◌َّه: ما حق
الزوج عَلَى زوجته؟ قَالَ: ((لا تصدق إلا بإذنه، فإنْ فعلتْ كان له الأجْر
وکان عليها الوِزر)).
ثمَّ قَالَ: هذا خبر هالك؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول،
وليث بن أبي سليم، وليس بالقوي.
وهو غریب منه فإن موسی بن أعين روی عن جماعة، وعنه جماعة،
واحتج به الشيخان ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي(١)، نعم فيه
الحسن بن عبد الغفار(٢) وهو مجهول فليته أعله به.
ثُمَّ ذکر حدیث إسماعیل بن عیاش، عن شرحبیل بن مسلم الخولاني،
عن أبي أمامة رفعه: ((لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه)) قيل:
يا رسول الله، ولا الطعام. قَالَ: «ذَلِكَ أفضل أموالنا» ثمَّ قَالَ: إسماعيل
ضعيف وشرحبيل مجهول لا يدرى من هو (٣).
وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين،
وشرحبيل شامي وحاشاه من الجهالة.
روى عنه جماعة، وقال أحمد: هو من ثقات الشاميين، ووثقه.
(١) هو موسى بن أعين الجزري، أبو سعيد الحراني مولى بني عامر ابن لؤي، وهو
والد محمد بن موسى بن أعين، وعم الحسن بن محمد بن أعين. قال الجوزجاني
وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، كما ذكره ابن حبان في ((الثقات))، قدم مصر وكتب
بها وكتب عنه، وقال أبو سعيد بن يونس مات سنة خمس وسبعين ومائة، وقال ابن
حجر: ثقة عابد. سنة خمس أو سبع وسبعين ومائة. أنظر ترجمته في ((التاريخ
الكبير)» ٢٨٠/٧ - ٢٨١ (١١٩٠). ((الجرح والتعديل)) ٨/ ١٣٦ - ١٣٧ (٦١٦).
((تهذيب الكمال)) ٢٧/٢٩ - ٢٩ (٦٢٣٦).
(٢) ورد بهامش (س): الحسن بن عبد الغفار لم أر له ترجمة في الميزان.
(٣) انظر: ((المحلى)) ٣١٥/٨- ٣١٩ بتصرف.
٤٨٥
- كتاب العلم
نعم ضعفه ابن معين(١).
وقد أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن(٢).
الرابع: أن الصدقة تنجي من النار، فإنه ◌َ و أمرهن بها لما رآهن
أكثر أهل النار، وقيل: إنما أمرهن بها؛ لأنه كان وقت حاجة إلى
المواساة وكانت الصدقة يومئذ أفضل وجوه البر.
(١) شرحبيل بن مسلم بن حامد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ضعيف
لكن نقل عباس الدوري عنه أنه ثقة. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال ابن حجر: صدوق فيه لين، من الثالثة. أنظر ترجمته في: ((التاريخ
الكبير» ٢٥٢/٤ (٢٧٠٠). و((معرفة الثقات)) ٤٥١/١ (٧٢٢). ((الجرح والتعديل))
٣٤٠/٤ (١٤٩٥). ((ثقات ابن حبان)) ٣٦٣/٤. ((التقريب)) ٢٦٥ (٢٧٧١).
(٢) الترمذي (٦٧٠)، ابن ماجه (٢٢٩٥).
٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٣ - باب الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي
عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ
أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ
أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى
الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، خَالِصًا
مِنْ قَلْبِهِ - أَوْ - نَفْسِهِ)). [٦٥٧٠ - فتح: ١ / ١٩٣]
حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي
عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهُ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هذا الحَدِيثِ أَحَدٌ
أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي
يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ - أَوْ - نَفْسِهِ)).
الكلام علیه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه هنا عن عبد العزيز، عن سليمان بن بلال.
وأخرجه في صفة الجنة عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر كلاهما عن
عمرو به، وفيه: قُلْتُ: (يا رسول الله)(١). والحديث من أفراد
البخاري لم يخرجه مسلم.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا شيخ البخاري، وعمرو بن أبي عمرو.
(١) سيأتي برقم (٦٥٧٠) كتاب: الرقاق.
٤٨٧
كتاب العلم
-
أما عمرو (ع): فهو أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو ميسرة، وميسرة
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي المدني.
عن أنس بن مالك وغيره. وعنه: مالك، والدراوردي.
قَالَ أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وأما يحيى بن معين
فقال: ضعيف ليس بالقوي وليس بحجة. وقال ابن عدي: لا بأس به؛
لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي إلا عن صدوق ثقة. مات في أول خلافة
المنصور وكانت أول سنة ست وثلاثين ومائة وزياد بن (عبيد) ٢ الله عَلَى
.. (٢)
المدينة(٢).
وأما شيخ البخاري فهو أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن
عمرو بن أويس بن (سعد)١) بن أبي سرح بن حذيفة بن نصر بن مالك بن
حسل بن عامر بن لؤي بن فهر أبو القاسم القرشي العامري الأويسي
المديني الثقة.
روى عنه البخاري بغير واسطة، وأبو داود والترمذي عن رجل عنه،
وروى البخاري في الإصلاح عن محمد بن عبد الله مقرونًا بالفروي عنه،
عن محمد بن جعفر. قَالَ أبو حاتم: مديني صدوق. وعنه قَالَ: هو أحب
إلي من يحيى بن بكير".
(١) في (ج): عبد.
(٢) انظر ترجمته في ((الجرح والتعديل)) ٢٥٢/٦ (١٣٩٨). ((الكامل)) لابن عدي ٦/
٢٠٥ (١٢٨٢). ((تهذيب الكمال)) ١٦٨/٢٢ (٤٤١٨)، («ميزان الاعتدال)» ٢٠١/٤
(٦٤١٤)، ((جامع التحصيل)) (٥٧٩).
(٣) في الأصل: سعيد، وهو خطأ. انظر ترجمته من ((التعديل والتجريح)) ٨٩٨/٢.
(٤)
انظر ترجمته فى ((الثقات)) ٣٦٩/٨. ((الجرح والتعديل» ٣٨٧/٥ (١٨٠٤). ((تهذيب
الكمال)» ١٦٠/١٨ (٣٤٥٧)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٨٩/١٠ (١٠٦)، ((الكاشف))
٦٥٦/١ (٣٣٩٧).
،
٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثالثها :
قوله: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ): كذا وقع في رواية أبي ذر، والصواب
حذف قيل كما جاء عند الأصيلي والقابسي (١)؛ لأن السائل هو أبو هريرة
نفسه، وقد أسلفنا أن البخاري رواه مرة بلفظ: (قُلْتُ: يا رسول الله).
رابعها :
قوله: ((أَوَّلُ مِنْكَ)) يجوز في أول الرفع عَلَى الصفة والنصب عَلَى
الظرف، والرواية بالرفع. وذكر بعضهم أنه روي بالنصب أيضًا، أي:
قبلك.
قَالَ سيبويه: معنى أول منك: أقدم منك. وقال السيرافي: يقال:
هُذا أول منك، ورأيت أول منك، ومررت بأول منك، فإذا حذفوا
منك قالوا: هو الأول، ولا يقولوا: الأول منك؛ لأن الألف واللام
تعاقب منك.
وقال أبو علي الفارسي: أول تستعمل اسمًا وصفة، فإن استعملت
صفة كانت بالألف واللام أو بالإضافة أو بـ(من) ظاهرة أو مقدرة،
فإن كانت بـ (من) جرت في الأحوال كلها عَلَى لفظ واحد تقول: هذا
أول من زيد. والزيدان أول من العمرين، ولا ينصرف لوزن الفعل
والصفة.
قَالَ: وإن شئت نصبت أول عَلَى الظرف، وإن كان معناه الصفة
تقول: رأيت زيدًا أول، تريد أول من عامنا، فأول بمنزلة قبل، كأنك
قُلْت: رأيت زيدًا عامًا قبل عامنا، فحكم له بالظرف، حتَّى قالوا:
أبدأ بهذا أوله، وبنوه عَلَى الضم. كما قالوا: أبدأ به قبل. فصار كأنه
(١) («اليونينية)) ٣١/١.
٤٨٩
= كتاب العلم
قطع عن الإضافة، ومن النصب عَلَى الظرف قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ
أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كما تقول: الركب أمامك، وأصله
الصفة، وصار أسفل ظرفًا، والتقدير: والركب في مكان أسفل من
مكانكم، ثمَّ حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، فصار أسفل
منكم بمنزلة تحتكم، ومن لم يجعل أولًا صفة صرفه، يقول: ما ترك
لنا أولًا ولا آخرًا.
وأما أصله، فقال الجوهري: أَوْأَلْ بهمزة متوسطة فقلبت الهمزة واوًا
وأدغمت، يدل عليه قولهم: هذا أول منك، والجمع الأوائل،
والأوائل: عَلَى القلب، وهذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون:
وزنه فوعل أصله وَوْأَل فنقلوا الهمزة إلى موضع الفاء، ثمَّ أدغموا
الواو في الواو، وهو من وَأَلَ إِذَا نجا، كأن في الأول النجاة.
خامسها: في فوائده:
الأولى: الحرص عَلَى العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى
البحث عن الغوامض، ودقيق المعاني؛ لأن الظواهر يستوي الناس في
السؤال عنها؛ لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل
عنها إلا الراسخ، فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليه أجرها وأجر
من عمل بها إلى يوم القيامة.
الثانية: تفرس العالم في متعلمه وتنبيهه عَلَى ذَلِكَ؛ ليكون أبعث
عَلَى اجتهاده.
الثالثة: سكوت العالم عن العلم إِذَا لم يُسأل حتَّى يُسأل، ولا يكون
ذَلِكَ كتمًا؛ لأن عَلَى الطالب السؤال، اللَّهُمَّ إلا إِذَا تعين عليه فليس لَهُ
السكوت.
٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الرابعة: أن الشفاعة إنما تكون في أهل التوحيد، وهو موافق لقوله
وَلِهِ : ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ، وإني اختبأت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فهي
نائلة إن -شاء الله تعالى- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئً))(١).
الخامسة: ثبوت الشفاعة، والأحاديث جارية مجرى القطع في
ذَلِكَ، وهو مذهب أهل السنة، وأنها جائزة عقلًا وواجبة بضريح
الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لمذنبي المؤمنين، وهو
إجماع السلف ومن بعدهم منهم.
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث عَلَّن
زيادات الدرجات والثواب، واحتجوا بقوله تعالى: {فَ قَفَعُهُمْ شَفَلَةُ
الشَّفِمِينَ ﴾﴾ [المدثر: ٤٨] وقوله: ممّا المظليينَ مِنْ خَيرٍ وَلاَ شَعِيـ
يُطَاع﴾ [غافر: ١٨]. وهذا إنما جاء الى الكفار، والخالث مصر
بها في (الموحدين)(٢) المؤمنين.
ثمَّ هي أقسام:
أحدها: الإراحة من هول الموقف.
الثانية، في إدخال قوم الجنة بغير حساب.
الثالثة: عدم دخول النار لمن أستوجبها بذنبه.
الرابعة: في إختراجهم منها، ويشفع في هذِه المؤدون أيضًا.
الخامسة: فيزيادة الدرجات فى الجنة لأملها.
السادسة: في تخفيف العذاب كما فى سحق أمل الطلب
(١) سيأتي برقم (٧٤٧٤) كتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة. رواه مسلم برقم
(١٩٩) كتاب: الإيمان، باب: اختباء التي 8* دعوة الشفاعة لأمته.
(٢) من (ج).
٤٩١
كتاب العلم
=
السابعة: فيمن مات بالمدينة كما صح في الحديث . .
وقد أوضحتُ هُذِه الأقسام في كتابي ((غاية السّؤْل في خصائص
الرسول)) (١)، وقد عُرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة،
ولا التفات إلى من كره سؤالها؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فقد
تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثمَّ كل عاقل معترف
بالتقصير مشفق من الأمر الخطير، ويلزم هذا القائل أن لا يدعي
بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب وهذا كله خارج عن
المطلوب. اللَّهُمَّ لا تحرمنا شفاعة رسولك يا علام الغيوب.
(١) ص ١٨٠: ص١٨٤.
٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ؟(١)
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: أَنْظُرْ مَا
كَانَ مِنْ حَدِيثٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفَّتُ دُرُوسَ
العِلْم وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ◌ِّهه
وَلْتُفْشُّوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ
العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الَجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسلِمٍ، عَزْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
دِينَارٍ بِذَلِكَ يَغْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ.
١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ
اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضٍ
العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، أَتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّلًا، فَسُئِلُوا، فَأَقْتَوْا
بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلَّوا وَأَضَلَّوا)). قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسَ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنَّ هِشَامِ نَخوَهُ. [٧٣٠٧ - مسلم: ٢٦٧٣ - فتح: ١٩٤/١]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ يَقُولُ:
(إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا، يَتْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضٍ
العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، أَتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَقْتَوْا
بِغَيْرِ عِلْمِ، فَضَلَّوا وَأَضَلُّوا)). قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ،
حَدَّثَنَا جَّرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ، نَحْوَهُ.
الكلامُ عَلَى ذَلِكَ من وجوهٍ:
(١) ورد بهامش (س): ثم بلغ في الثاني بعد الثلاثين كتبه مؤلفه، غفر الله له.
٤٩٣
كتاب العلم
=
أحدها :
حديث عبد الله بن عمرو أخرجه هنا كما ترى، وفي الاعتصام عن
سعيد بن تليد، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي
الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة به (١).
وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة، عن جرير وغيره، عن هشام، وعن
حرملة، عن ابن وهب، عن أبي شريح، عن أبي الأسود به ١. وفي
بعض طرق البخاري: ((فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلّونَ وَيَضِلُّونَ)) (١). وفي
بعض طرق الحديث: ((لكن يقبضُ العلماءَ فيرفع العِلم مَعَهم)) (٤).
ثانیھا :
قوله: (حَدَّثَنَا العلاء) إلى قوله: (ذِهاب العلماء). وقوله: (قَالَ
الفربري) إلى قوله: (نحوه) سقط عند الكُشْمِيْهَني، وذكره البرقاني عن
الإسماعيلي: حَدَّثَنَا العلاء كما ذكره البخاري سواء.
ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما ابن حزم: فهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن
لوذان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري المدني.
قَالَ الخطيب: إن اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد. ومثله أبو بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، كنيته أبو عبد الرحمن.
قَالَ: ولا نظير لهما. أي: ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من
اشتهر بكنيته ولم يعرف لَهُ اسم غيره فكثير، ذكر ابن عبد البر وغيره
سيأتي برقم (٧٣٠٧) باب: ما يذكر من ذم الرأي.
(١)
سيأتي برقم (٢٦٧٣) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل.
(٢)
(٣)
سيأتي برقم (٧٣٠٧).
رواه مسلم برقم (٢٦٧٣).
(٤)
١
٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
منهم جماعة كثيرة. وقد قيل في أبي بكر بن محمد: أنه لا كنية لَّهُ غير أبي
بكر اسمه. وقال ابن عبد البر: قيل اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا
المغيرة. ولا يصح.
وَلِي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك. وعمر بن
عبد العزيز، وكان يخضب بالحناء والكتم ويتختم في يمينه. مات سنة
عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك. ابن أربع وثمانين سنة.
سُئِلَ يحيى بن معين عن حديث عثمان بن حكيم، عن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عرضت عَلَى النبي ◌ِّ، فقال: مرسل .
وأما عبد العزيز بن مسلم: فهو القسملي مولاهم أخو المغيرة بن
مسلم الخراساني المروزي، نسبه إلى القساملة، وقيل لهم ذَلِكَ؛
لأنهم من ولد قسملة، واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم بن
غنم بن دوس بن عدثان، وهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل،
وقيل: نزل فيهم فنسب إليهم.
وكان عبد العزيز هذا من الأبدال ، وثقه يحيى بن معين وغيره.
(٣)
مات سنة سبع وستين ومائة .
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات)) ٦٩/٥. (الجرح والتعديل)) ٣٣٧/٩ (١٤٩٢).
((الثقات)) ٥٦١/٥. ((تهذيب الكمال)) ١٣٧/٣٣ (٧٢٥٤)، ((التقريب)» (٧٩٨٨).
(٢) أنظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٩٤/٥ (١٨٣١). ((الثقات)) ١١٦/٧.
((تهذيب الكمال)) ٢٠٢/١٨ (٣٤٧٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٢/٨ - ١٩٣ (٣٠)،
(التقريب)) (٤١٢٢).
(٣) سئل شيخ الإسلام عن الأبدال وغيرها من الأسماء التي تسمى بها أقوام مثل غوث
الأغواث، وقطب الأقطاب وغيرها. فقال: هذه أسماء ليست موجودة في كتاب
الله تعالى، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي ◌َّر بإسناد صحيح، ولا ضعيف يحمل
عليه ألفاظ الأبدال. ((مجموع الفتاوى)) ٤٣٣/١١.
٤٩٥
كتاب العلم
وأما العلاء (خ.ت.ق) فهو أبو الحسن العلاء بن عبد الجبار البصري
العطار الأنصاري مولاهم، سكن مكة، روى لَّهُ البخاري هنا عن
عبد العزيز، عن ابن دينار هذا الأثر، لم يخرج عنه غيره. وثقه
أبو حاتم والعجلي، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، روى الترمذي
وابن ماجه، والنسائى فى ((اليوم والليلة)) عن رجل عنه ولم يخرج لَّهُ
مسلم شيئًا (١).
رابعها :
معنى كتاب عمر بن عبد العزيز الحض على أتباع السفن وضبطها إذ
هي النعجة عند الاستلامية والتنازع، وإنما بسوع الأجتهاد عند عدمها،
وإنه ينبغي للعالم نشر العلم وإذاعته.
وَمَعنى: " إِنَّ اللهُ لَا يَقْبِضُ العِلْمُّ أَتْهِرَاعًا
حب العلم
ـ لهم فق
لخلقه ثمّ ينتزعه بعد تفضله عليهم، ولا يسترجع
العلم المؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون انتزاعه
.. بقبض
بتفيهعهم العلم فلا يوجد من يخلفه شق ..
والمراد به
الخير كله، قَالَ الداودي: فالحديث خرج مخرج
الخصوص كقوله : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق
مع الجمع
حتَّى يأتي أمر اللهال(! وقد تقدم الكلام على هذا
الدین.
باب: من جهزه
چبينه وبين ما خالة
ـيل ٤ ٣٥٨/٦
(١) أنظر ترجمته في: التاريخ الكبير) ٠١٨/٦ (٣١٧٢) ..
(١٩٧٧). (ثقات السملي)) ١٥٠/٢ (١٢٨١). ((تهذيب الكمال)»: ٥١٧/٢٢
(٤٥٧٦)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٢/١١ (٩٠).
(٢) رواه مسلم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، باب: قوله: (لا تزال طائفة).
٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٥ - باب هَلْ يُجْعَلُ
لِلنَّسَاءِ يَوْمٌّ عَلَى حِدَةٍ فِيِ العِلْمِ
١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابنِ الأَصْبَهَاِّ قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا صَالِحِ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ
الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ،
فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: ((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ
النَّارِ)). فَقَالَتِ أَمْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: ((وَاثْنَتَيْنٍ)). [١٢٤٩، ٧٣١٠ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح:
١٩٥/١]
١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَاِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ بهذا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَاِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((ثَلاثَةً لَمْ
يَبْلُغُوا الحِنْثَ)). [١٢٥٠ - مسلم: ٢٦٣٤ - فتح: ١٩٦/١]
حدثنا آدَمُ ثنا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي ابن الأَصْبَهَانِيِّ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ
يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: غَلَبَنَّا عَلَيْكَ
الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ،
فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: ((مَا مِنْكُنَّ أَمْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ
وَلَدِهَا إِلَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنٍ؟ فَقَالَ:
((وَاثْنَتَيْنِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِهُذا. وَعَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
قَالَ: قَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ)).
٤٩٧
كتاب العلم
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع: هنا كما ترى، وفي
الجنائز عن مسلم، عن شعبة به (١). وعن بُندار، عن غندر، عن شعبة
به، وزاد غندر طريق أبي هريرة. قَالَ البخاري: وقال شَريك، عن ابن
الأصبهاني: حَدَّثَنِي أبو صالح، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن
النبي وََّ، قَالَ أبو هريرة: (ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ))(٢).
ورواه في كتاب الاعتصام عن مسدد، عن أبي عوانة، عن ابن
الأصبهاني، عن أبي صالح، عن أبي سعيد(٣).
وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي كامل، عن أبي عوانة، وعن أبي
موسى وبُندار، عن غندر، عن شعبة. وعن عبد الله بن معاذ، عن أبيه،
عن شعبة كلاهما عن ابن الأصبهاني، عن أبي سعيد به، وزاد في حديث
شعبة طريق البخاري عن أبي هريرة (٤).
وسيأتي في الجنائزِ من حديث أنسٍ مرفوعًا: ((مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِم
يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَيِّهٍ
إِيَّاهُمْ)) (٥). ورواه مسلم بلفظ: ((لا يَمُوتَنَّ ثلاثةٌ من الولدِ فتحتسِبُهُ
إِلا دَخَلَتِ الجنَّةَ)) (٦).
سيأتي برقم (١٢٤٩) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(١)
(٢) سيأتي برقم (١٢٥٠، ١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٣) سيأتي برقم (٧٣١٠) باب: تعليم النبي ◌َّر أمته من الرجال والنساء.
رواه برقم (٢٦٣٤) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه.
(٤)
(٥) سيأتي برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٦) برقم (٢٦٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه، من
حديث أبي هريرة.
٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((لَا يَمُوتُ لِمُسْلِم ثَلَاثَةٌ مِنَ
الوَلَدِ، فَتمسهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)»(١).
وأخرج في الرقاق من حديثه أيضًا: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي
المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ أحْتَسَبَهُ
إِلَّا الجَنَّةُ))(٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به :
فأبو حازم (ع) اسمه: سلمان الأشجعي، مولى عزة الأشجعية. مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كوفي تابعي ثقة(٣).
قُلْتُ: وأبو حازم (ع) سلمة بن دينار الزاهد آخر يروي عن سهل بن
سعد. وعنه: مالك وغيره، وهو ثقة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة،
وقيل: سنة ثلاث. وقيل: بعد الأربعين (٤).
(١) سيأتي برقم (١٢٥١) باب: فضل من مات له ولد .. وفي مسلم برقم (٢٦٣٢)
كتاب: البر والصلة.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٢٤) باب: العمل الذي يبتغي به وجه الله.
(٣) وثقه أبو داود، وابن معين، والعجلي، وابن حجر.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٣٧/٤ (٢٢٤٠). (معرفة الثقات)) ٤٢٣/١
(٦٥٢). ((الجرح والتعديل)) ٢٩٧/٤ - ٢٩٨ (١٢٩٣). ((التقريب)) ٢٤٦ (٢٤٧٩).
(٤) سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم،
مولى الأسود بن سفيان المخزومي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقد اختلف في
وفاته، فقيل مات سنة ثلاث وثلاثين، وقيل فيما بين الثلاثين والأربعين، وقال
يحيى بن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال خليفة: مات سنة خمس
وثلاثين، وقال العجلي عنه: ثقة تابعي رجل صالح.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٧٨/٤ (٢٠١٦). ((معرفة الثقات) ٤٢٠/١
(٦٤١). ((الجرح والتعديل)) ٥٩/٤ (٧٠١). ((تهذيب الكمال)) ٢٧٢/١١ (٢٤٥٠)،
((سير أعلام النبلاء)) ٩٦/٦، ((شذرات الذهب)) ٢٠٨/١.
٤٩٩
كتاب العلم
وابن الأصبهاني (ع): عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي مولى لجديلة
قيس -وهم بطن من قيس غَيْلان وهم: فهم وعدوان ابنا عمر بن قيس،
أمهم جَديلة بفتح الجيم نُسبوا إليها، أصله من أصبهان، خرج منها حين
افتتحها أبو موسى الأشعري. قَالَ أبو حاتم: لا بأس به. مات في إمارة
خالد عَلَى العراق، قاله ابن منجويه(١).
ثالثها: في ألفاظه:
المراد بالحِنْث: الإثم، المعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف،
فلم تكتب عليهم الآثام، وخص الحكم بالذين لم يبلغوا الحنث -وهم
الصغار- لأن قلب الوالدين عَلَى الصغير أرحم وأشفق دون الكبير؛ لأن
الغالب عَلَى الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه وعقوقهم.
وقوله: ((إِلَّا كَانَ لَهَا)) كذا جاء هنا: ((كان)) وفي كتاب الاعتصام
ومسلم: ((إلا كانوا لها)). وفي البخاري في الجنائز: ((إلا كن لها»
وأتى بلفظ التأنيث عَلَى معنى النسمة والنفس كقوله تعالى: ﴿فَأَدْخُلِ فِى
[الفجر: ٢٩].
عِبَدِی
وقوله: (وَاثْنَتَيْنٍ)) قاله بوحي عقب السؤال ويجوز أن يكون قبله.
والمراد: بالحِدَةِ في تبويب البخاري: الناحية، يعني: منفردات
وحدهن، والهاء في آخر الكلمة عوض من الواو المحذوفة من
أول الكلمة، كما فعلوا في عدة وزنة أصلها وعدة ووزنة من الوعد
والوزن.
(١) وقال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وابن حجر: ثقة. قال ابن
حجر: مات في إمارة خالد القسرى على العراق، وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر ترجمته فى: ((معرفة الثقات)) ٨٠/٢ (١٠٥١). ((الجرح والتعديل)) ٢٥٥/٥
(١٢٠٧). ((تهذيب الكمال)) ٢٤٢/١٧ - ٢٤٣ (٧٣٧٩). ((التقريب)) ٣٤٥ (٣٩٢٦).
٥٠٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رابعها: في فوائده:
الأولى: فضل تقديم الأولاد، وقد جاء في الترمذي وقال: غريب.
وابن ماجه ذكر الواحد من حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((من قدَّمَ ثلاثةً مِنَ
الوَلَد لم يبلغوا الحِنْثَ كانوا لَهُ حصنًا حصينًا من النار)) فقال أبو ذر:
قدمت أثنين قَالَ: ((واثنين)). قَالَ أبي بن كعب: قدمت واحدًا قَالَ:
((وواحدً))(١).
واستنبط القابسي وغيره الواحد من حديث أبي هريرة السالف في
الرقاق، وهذا صريح فيه.
الثانية: ما ترجم لَّهُ وترجم عليه في الجنائز: فضل من مات لَّهُ ولد
فاحتسب. والاحتساب والحسبة والحسبان بالكسر: أدخار الأجر عند
الله، وأن يعتبر بمصابه ويحتسبه من حسناته، فهذا الثواب حاصل لمن
أحتسب أجره عَلَى الله وصبر.
الثالثة: إن مفهوم العدد لا يدل عَلَى الزائد ولا عَلَى الناقص؛
لقولها: (واثنتين يا رسول الله؟) وهي من أهل اللسان، كذا قاله
عياض(٢) وابن بطال(٣) وغيرهما، وفيه نظر.
الرابعة: أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه إِذَا أدخل الآباء الجنة
بفضل رحمة الأبناء فالأبناء أولى بها.
قَالَ المازري: وهو إجماع في حق أطفال الأنبياء، وقول الجمهور
في أولاد من سواهم من المؤمنين وبعضهم لا يحكي خلافًا، ويحكي
(١) رواه الترمذي (١٠٦١). وابن ماجه (١٦٠٦). وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن ابن
ما جه)» (٣٥١).
(٢) أنظر: ((إكمال المعلم)) ١١٥/٨.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤٦/١.