النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب الإيمان = وترددها عليه، وأصله المصدر ثم نقل إلى هذا العضو، والتزمت العرب التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله، وقد قَالَ بعضهم: ليحذر اللبيب سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآَ إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. السادسة عشرة: قوله وَله: (((إِذَا صَلَحَتْ))) إلى قوله: ( ((أَلَا وَهِيَ القَلْبُ)) ) هذا أصل عظيم. فحق على كل مكلف السعي التام في إصلاح قلبه ورياضة نفسه وحملها على الأخلاق الجميلة المحصلة لطهارة قلبه وصلاحه. أعاننا الله تعالى على ذَلِكَ. السابعة عشرة: استدل بهذا ابن بطال على أن العقل في القلب، وأن ما في الرأس فهو من سبب العقل(١)، وهو مذهب أصحابنا، وذهب آخرون إلى أنه في الرأس (٢)، ولا دلالة في الحديث لواحد من المذهبين كما نبّه عليه النووي في ((شرحه)). الثامنة عشرة: استدل به بعض أصحابنا على أحد الوجهين فيما إذا حلف لا يأكل لحمًا، فأكل قلبًا أنه يحنث به. وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي، والأصح أنه لا يحنث به؛ لأنه لا يُسمَّى لحمًا عرفًا. (١) ((شرح ابن بطال)) ١١٧/١. (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ٢٩/١١. ٢٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤٠ - باب أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ ٥٣- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الَجَغْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي ◌َمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَفْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِيٍ. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَما أَتَوْا النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنِ القَوْمُ)) أَوْ (مَنِ الوَفْدُ؟)). قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًّا بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي شَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الَحِيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُزْنَا بِأَمْرٍ فَضْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَزْبَعِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَزَبَعِ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْتَمِ الخُمُسَ)). وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْزَقَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَِّ. وَقَالَ: ((احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)). [٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦ - مسلم: ١٧ - فتح: ١٢٩/١] ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَفْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ، فَيُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ◌َِهُ قَالَ: ((مَنِ القَوْمُ أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟)). قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: ((مَرْحَبًا بِالْقَوْم - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي الشَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هُذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَّنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ ٢٠٣ = كتاب الإيمان أَعْلَمُ. قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ)). وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالمقِيَرِ، وَالْمُزَقَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. وَقَالَ: ((احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)). الكلام عليه من وجوه : أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري في عشرة مواضع من ((صحيحه)) هنا كما ترى، وفي خبر الواحد: عن علي بن الجعد، عن شعبة، وعن إسحاق، عن النضر، عن شعبة(١). وفي كتاب: العلم عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٢)، وفي: الصلاة عن قُتيبة، عن عبَّاد بن عبَّاد(٣)، وفي: الزكاة عن حجَّاج بن المنهال، عن حمَّاد(٤)، وفي الخمس عن أبي النعمان، عن حمَّاد(٥)، وفي مناقب قريش عن مسدد، عن حمَّاد(٦)، وفي المغازي عن سُليمان بن حَرْب، عن حماد، و(٧)عن إسحاق، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨)، وفي الأدب: عن عمران بن ميسرة، عن (١) سيأتي برقم (٧٢٦٦) باب: وصاة النبي ◌َّ، وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم. (٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي ◌َّ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم. (٣) سيأتي برقم (٥٢٣) باب: ﴿﴿ مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٣١ اُلْمُشْرِكِینَ (٤) سيأتي برقم (١٣٩٨) باب: وجوب الزكاة. (٥) سيأتي برقم (٣٠٩٥) باب: أداء الخمس من الدين. (٦) سيأتي برقم (٣٥١٠). (٧) الواو: من (ف). (٨) سيأتي برقمي (٤٣٦٨، ٤٣٦٩) باب: وفد عبد القيس. ٢٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح عبد الوارٍث، عن أبي التياح(١)، وفي التوحيد: عن عَمْرو بن علي، عن أبي عاصم، عن قُرَّةٍ(٢). وأخرجه مسلم في : الإيمان والأشربة: عن خَلَف بن هشام، عن حمَّاد، وعن يحيى بن يحيى، عن عباد(٣)، وفي: الإيمان وحده، عن أبي موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وبندار، عن غندر، عن شعبة (٤)، وعن ابن معاذ، عن أبيه، عن قرة، وعن نصر بن علي، عن أبيه، عن قرة، كلهم عن أبي جمرة به(٥)، ولم يذكر البخاري في شيء من طرقه قصة الأشج وذكرها مسلم في الحديث فقال ◌َّ للأشج -أشج عبد القيس -: ((إن فيك الخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة)) (٦). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بابن عباس وشعبة، وأما أبو جمرة فهو -بالجيم والراء- وليس في ((الصحيحين)) من (يكنى)(٧) بهُذِه الكنية غيره ولا من اسمه جمرَة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضًا، ولا في ((الموطأ))، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم - بالحاء والزاي- وذلك وهم(٨)، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع الضبعي البصري. (١) سيأتي برقم (٦١٧٦) باب: قول الرجل مرحبًا. (٢) سيأتي برقم (٧٥٥٦)، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٣) مسلم (٢٣/١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ... ، (٣٩/١٧) بعد حديث (١٩٩٥) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت .. مختصرًا. (٥) مسلم (١٧/ ٢٥). (٤) مسلم (١٧/ ٢٤). (٦) مسلم (٢٥/١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله. (٧) من (ف). (٨) ((تقييد المهمل)) ١/ ١٥٧. ٢٠٥ كتاب الإيمان سمع: ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه: أيوب وغيره من التابعين وغيرهم. كان مقيمًا بنيسابور ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها تُوفيَّ سنة ثمان وعشرين ومائة، وثَقِتُّهُ مُتفقٌ عليها. والضبعي -بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة ثم عين مهملة- نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال أبو أحمد الحاكم: ليس في المحدثين أبو جمرة غيره وما عداه أبو حمزة بالحاء المهملة(١). وقد روى مسلم عن أبي حمزة - بالحاء المهملة - (عمران)(٢) بن أبي عطاء القصاب -بياع القصب- الواسطي حديثًا واحدًا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية وإرسال النبي وَّ ابن عباس خلفه(٣). قَالَ بعض الحفاظ : یروي شعبة عن سبعة یروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة - بالحاء والزاي- إلا هذا ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن ابن عباس أبو حمزة فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب أو الوصف (٤) كأبي حمزة القصاب في (١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٠٤/٨ (٢٣٥٢)، ((الجرح والتعديل)) ٤٦٥/٨ (٢١٣٠)، ((الثقات)) ٤٧٦/٥، ((تهذيب الكمال)» ٣٦٢/٢٩، ٣٦٥ (٦٤٠٨). (٢) في (ف): عمر. والمثبت من (ج) وهو الصواب. (٣) مسلم (٢٦٠٤) كتاب: البر والصلة، باب: من لعنه النبي ◌َّر أو سبه. (٤) أنظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٣٦٣، و((صيانة صحيح مسلم)) ص١٤٩. قال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ص٣٩٤: وفيه نظر من حيث أن شعبة قد يروي عن غير نصر بن عمران ويطلقه فلا يذكر اسمه ولا نسبه مثاله ما رواه أحمد في «مسنده» ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة سمعت ابن عباس يقول: مر بي رسول الله وَ﴿ه وأنا ألعب مع الغلمان = ٢٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == آخر ((صحيح مسلم)) في قصة معاوية كما أسلفناه. وأما علي بن الجعد (خ، د) فهو: الإمام أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي، سمع: الثوري ومالكًا وغيرهما من الأعلام، وعنه: أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم. قَالَ موسى بن داود: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يحض على الكتابة عنه. وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم ثقة (ثقة)(١) فقيل له : هذا الذي (قد)(٢) كان منه -يعني: أنه كان يتهم بالجهم - فقال: ثقة صدوق، وقيل: إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد، وأقوالهم في الثناء عليه والحفظ والإتقان مشهورة. وبقي ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، وُلِد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد(٣). = فاختبأت من خلف باب .. الحديث فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة وليس هو نصر بن عمران وإنما هو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي القصاب واسمه عمران بن أبي عطاء. ثم قال: وقد يروي شعبة أيضًا عن أبي جمرة، عن ابن عباس وهو نصر بن عمران وينسبه، مثاله ما رواه مسلم في الحج من رواية محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت أبا جمرة الضبعي يقول: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس ... الحديث فهذا شعبة لم يطلق الرواية عن أبي جمرة بل نسبه بأنه الضبعي، وهذا لا يرد على عبارة المصنف ولكن أردت بإيراده أنه ربما نسب أبا جمرة الذي بالجيم وربما لم ينسب أبا حمزة الذي بالحاء كما تقدم من («مسند أحمد» والله أعلم. أهـ (١) من (ج). (٢) من (ج). (٣) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٦٦/٦ (٢٣٦٢)، ((الجرح والتعديل)» ١٧٨/٦ (٩٧٤)، ((الثقات)) ٤٦٦/٨، ((تهذيب الكمال)) ٣٤١/٢ - ٣٥٢ (٤٠٣٤). ٢٠٧ كتاب الإيمان الوجه الثالث: في بيان ألفاظه ومعانيه وفوائده: الأولى: قوله: (كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ). يعني زمن ولايته البصرة من قِبلَ علي رضي الله (عنهما) (١) وللبخاري في كتاب العلم عنه: كنت أترجم بين ابن عباس والناس(٢)، ولمسلم: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس(١٣). قيل: إن لفظة يدي زائدة؛ لتتفق الروايات. وقيل: التقدير بينه وبين الناس. والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، وقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عمن تكلم بها. قَالَ ابن الصلاح: وعندي أنه كان يترجم عن ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس لزحام أو لاختصار يمنع من فهمه، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بأخرى، فقد أطلقوا على (قولهم) (٤) باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعد. قَالَ النووي: والظاهر أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم (٥). وفي لفظ: فجاءته أمرأة فسألته عن نبيذ الجر فقال: الحديث(٦). الثانية: فيه جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة على المشهود، وبوب عليه (١) في (ج): عنه. (٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي ◌َّ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم. (٣) مسلم (١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ◌َّر وشرائع الدين والدعاء إليه ... (٤) من (ف). (٥) ((مسلم بشرح النووي)) ١٨٦/١ وما قبله أيضًا من كلام النووي. (٦) مسلم (١٧). ٢٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - البخاري في بعض طرقه: باب الترجمة بين يدي الحاكم (١). الثالثة: السرير: معروف وجمعه: سُرُر - بضم الراء - كما جاء به القرآن الكريم، ويجوز فتحها، وكذا ما أشبهها من المضعف كجدید وجُدُد ودليل ودُلُل ونظائره، ويجوز فيها ضم الثاني وفتحه، والضم أشهر، والفتح حكاه الواحدي والجوهري وغيرهما (٢)، ولا وجه لمن أنكره. الرابعة: فيه استحباب إكرام كبير القدر من جلسائه، ورفع مجلسه (وتخصيصه)(٣) فيه على غيره. الخامسة: معنى قوله: (أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي) أقم عندي لتساعدني على فهم کلام السائلین، فإنه کان یترجم له كما سلف، ويخبره بمراد السائل الأعجمي ويخبر السائل بقول ابن عباس. السادسة: الوفد: الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقى العلماء، والمصير إليهم في المهمات. واحدهم: وافد. قَالَ ابن سيده: يُقال: وفد عليه وإليه وفدًا ووُفُودًا، ووِفَادة وإِفَادة على البدل: قَدِمَ، وأوفده عليه، وهم الوفد والوفود. فأما الوفد: فاسم (للجمع)(٤)، وقيل: جمع. وأما الوفود فجمع (وافد)(٥) وفد أوفده إليه(٦). (١) سيأتي معلقًا قبل حديث (٧١٩٦) كتاب: الأحكام. (٢) ((الصحاح)) ٢/ ٦٨٢، مادة: (سرر). (٣) في (ف): تخصصه. (٤) في (ج): لجمع. (٥) في (ف): واحد، وفي (ج): وفد، والمثبت من ((المحكم)). (٦) ((المحكم)) ١٠/ ١٤٠. ٢٠٩ كتاب الإيمان = وفي ((الجامع)) للقزاز: ووفوده والقوم يفدون وأوفدتهم أنا إيفادًا وواحد الوفد: وافد. وفي ((الصحاح)): وفد فلان على الأمير رسولًا، والجمع: وُفُد، وجمع الوُفُد: أوفاد، والاسم: الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير: أرسلته(١). وفي ((المغيث)) و((مجمع الغرائب)): الوفد قوم يجتمعون فيردون البلاد(٢). وما ذكرته أولًا هو قول صاحب ((التحرير)) وجزم به النووي في ((شرحه)) لهذا الكتاب(٣)، وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركبانًا(٤)، ويؤيد ما ذكره أن ابن عباس فسَّر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ اٌلْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا ﴾﴾ [مريم: ٨٥] قَالَ: ركبانًا (٥). السابعة: وفد عبد القيس تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله ﴿ وكانوا أربعة عشر راكبًا رئيسهم الأشج العصري واسمه: المنذر بن عائذ -بالذال المعجمة، وقال الكلبي: المنذر بن الحارث ابن زياد، وقيل: المنذر بن عامر، وقيل: ابن عبيد، وقيل: عبد الله بن عوف، قاله ابن سعد(٦)، ولُقّب بالأشج؛ لأثر كان في وجهه(٧) وسبب (١) ((الصحاح)) ٥٥٣/٢، مادة: (وفد). (٢) ((المجموع المغيث)) ٤٣٨/٣. (٣) وذكره أيضًا النووي في ((شرح مسلم)) ١/ ١٨١. (٤) ((مشارق الأنوار)) ٢/ ٢٩٢ مادة (و.ف.د). . (٥) رواه الطبري في تفسيره)) ٣٨٠/٨ (٣٢٩٣١). (٦) ((الطبقات الكبرى)) ٥٥٨/٥- ٥٥٩. (٧) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) ١٠٣/٣، ((معرفة الصحابة)) ٣٥٨/١، ((الاستيعاب)) ٢٢٦/١، ((أسد الغابة)) ١١٦/١-١١٧، ٢٦٧/٥. ٢١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفادتهم؛ أن منقذ بن (حيان)(١) أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الهجرة فمر به النبي ◌َّقر فنهض منقذ إليه فقال النبي ◌ُّ لمنقذ بن حيان: ((كيف جمع قومك؟)) ثم سأله عن أشرافهم (وتسميتهم)(٢). فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة وأُقْرِأَ ثم رحل إلى هجر. فكتب النبي ◌َّ إلى جماعة عبد القيس فكتمه، ثم أَطَّلَعَتْ عليه امرأته -وهي بنت المنذر بن عائذ -بالذال المعجمة- (بن المنذر)(٣) بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر بن عوف بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن (عمرو)(٤) بن وديعة بن لُكَيْز - بالزاي- بن قصي بن عبد القيس بن أفصى -بالفاء ثم صاد مهملة- بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار (بن معد بن عدنان)(٥)، والمنذر هذا هو: الأشج -كما سلف- سماه بَّه به؛ لأثر كان في وجهه -كما سلف- وكان منقذ (يُصلي ويقرأ)(٦)، فذكرت لأبيها فتلاقيا، فوقع الإسلام في قلبه ثم ثار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله وَلل فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على السير إلى رسول الله ◌َطهور، فسار الوفد، فلما دنوا من (١) في (ج): حبان والمثبت هو الصواب كما في ((الطبقات الكبرى)) ٥٦٣/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٨/٨ (١٩٩٤)، ((الجرح والتعديل)) ٣٦٧/٨ (١٦٧٨)، وقال ابن حبان في ((الثقات)) ٥١١/٧ (١١٢٢١): وقد قيل: منقذ بن حبان.اهـ (٢) في (ف): يسميهم. (٣) من (ف). (٤) في (ف): عمر. والمثبت هو الصواب كما في ((معجم الصحابة)) ١٠٣/٣، ((أسد الغابة)) ٢٦٧/٥. (٥) من (ج) . . (٦) في (ج): يقرأ ويصلي. ٢١١ كتاب الإيمان = الوديعة قَالَ النبي وَّ: ((أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين)) إذ لم يسلم قوم حتى وتروا(١). قَالَ القاضي: وكان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي بَّ إلى مكة(٢). فائدة : القيس في اللغة: الشدة، وبه سُميَّ أمرؤ القيس. أي: رجل الشدة(٣). الثامنة: قوله: قَالَ: ( ((مَنِ القَوْمُ)) أَوْ ((مَنِ الوَفْدُ؟)) ) هو شك من بعض الرواة قالوا: ربيعة هذا نسبة إلى جدهم الأعلى فإن عبد القيس هو ابن (أفصى) (٤) بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة كما سلف. التاسعة: قوله: ( ((قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْم)) ) هو من الرُّحب -بضم الراء- وهو: السعة، والرَّحب بالفتح: الشيء الواسع. ومرحبًا منصوب بفعل مضمر لا يظهر أي: صادفت رحبًا، وأتيت رحبًا وسعة فاستأنس. وقال الفراء: معناه: رحب الله بك مرحبًا كأنه وضع موضع الترحيب، والعرب أيضًا تقول: يرحبك الله ويسهلك، ومرحبًا بك وسهلًا. ذكره الهروي وغيره، وأكثرت العرب منه ومرادها: البر والإكرام وحسن اللقاء. العاشرة: قوله: ( ((غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)) ) هكذا وقع هنا، وجاء في (١) انظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١٨١/١. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/١. (٣) انظر: ((لسان العرب)) ١٨٨/٦. (٤) في (ج): قصي. ٢١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == غير ذا الموضع ((غَيْرَ الخَزَايَا وَلَا النَدَامَى)) (١) بالألف (واللام)(٢) فيهما، وفي رواية لمسلم: (غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَدَامَى))(٣) وكله صحيح و(غير)) منصوب على الحال. هكذا الرواية، وتُؤيده رواية البخاري في موضع آخر: ((مرحبًا بالقوم الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى))(٤). وأشار صاحب ((التحرير)) إلى أنه روي بالكسر على الصفة للقوم، والمعروف الأول، وأما معناه: فالخزايا جمع خزيان كحيران وحيارى، والخزيان: المستحيي. وقيل: الذليل المهان (وبه جزم ابن التين في المغازي فقال: أي غير أذلاء ولا مهانين، يقال: خزي الرجل يخزى خزيًا إذا هلك، وخزي إذا استحيا قال: ويحتمل أن يريد: أنكم لن تقعوا في بلية، قال ابن السكيت(٥): خزي إذا وقع في بلية)(٦). وأما الندامى فقيل: جمع ندمان، بمعى: نادم وهي لغة في نادم حكاها القزاز والجوهري وغيرهما(٧) وعلى هذا هو على بابه، وقيل: جمع نادم إتباعًا للخزايا، وكان الأصل نادمين فأُتْبع لخزايا تحسينًا للكلام، وهذا الإتباع كثير في كلام العرب، وهو فصيح. (١) رواها ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٢٥٤/٣ (١٦١٦)، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ١/ ٤٠٠ (٣٩١)، وأبو نعيم في ((مستخرجه على مسلم)) ١/ ١١١ (١٠٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤/ ٦٠. (٢) من (ج). (٣) مسلم (١٧/ ٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله. (٤) سيأتي برقم (٦١٧٦). (٥) ((إصلاح المنطق)) ص ٣٧٣. (٦) من (ج). (٧) ((الصحاح)) ٢٠٤٠/٥، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٦/٥، وانظر: ((لسان العرب)) ٤٣٨٦/٧، مادة: (ندم). ٢١٣ - كتاب الإيمان ومنه قوله مَّله: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))(١) أتبع مأزورات المأجورات، ولو أفرد ولم يتبع لقال: موزورات. كذا قاله الفراء وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. جمعوا الغداة: غدايا؛ إتباعًا لعشايا، وأصله: غدوات. وأما معنى ((غير ندامى)) فالمقصود: أنه لم يكن منهم تأخُّر عن الإسلام ولا عناد، ولا أصابكم إسار ولا سبيًا ولا ما أشبه ذَلِكَ مما يستحيون بسببه أو يذلون أو يهانون أو يندمون، فهذا إظهار لشرفهم حيث دخلوا في الإسلام طائعين من غير خزي ثم لما أسلموا احترموا. (١) روي من حديث علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ومورق العجلي، أما حديث علي فرواه ابن ماجه (١٥٧٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في أتباع النساء الجنائز، والبزار في («مسنده)) ٢٤٩/٢ (٦٥٣)، والبيهقي في ((السنن)) ٧٧/٤ كتاب: الجنائز، باب: ما ورد في نهي النساء عن اتباع الجنائز، وابن الجوزي في ((العلل)) ٤٢٠/٢ (١٥٠٧)، وجوَّد إسناده، وقال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٤٤/٢: هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار، وإسماعيل بن سلمان أورده ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ورواه الحاكم من طريق إسرائيل، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي. أما حديث أنس بن مالك، فرواه أبو يعلى ١٠٩/٧ (٤٠٥٦)، ٢٦٨/٧ (٤٢٨٤) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٠١/٦، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨/٣: رواه أبو يعلى، وفيه الحارث بن زياد، قال الذهبي: ضعيف. وقال المناوي في ((فيض القدير)) ١/ ٦٠٥ بعدما أورد كلام ابن الجوزي والهيثمي: وقال الدميري: حديث ضعيف تفرد به ابن ماجه وفيه إسماعيل بن سليمان الأزرق ضعفوه. ثم قال: وبهذا التقرير أنكشف أن رمز المصنف لصحته صحيح في حديث علي لا في حديث أنس فَخُذْه منقحًا.اهـ بتصرف ، ورد الألباني قول المناوي وضعف الحديث كما فى ((الضعيفة)) (٢٧٤٢). وأما حديث مورق العجلي، فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٥٦/٣ - ٤٥٧ (٦٢٩٨) عن الثوري، عن رجل عنه مرسلًا. وقد صح النهي عن اتباع النساء الجنائز كما في ((صحيح مسلم)) (٩٣٨). ٢١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الحادية عشرة: قوله: (إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الحَرَامِ). المراد: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي رواية لمسلم: (في أشهر الحرم)(١). أي: في أشهر الأوقات الحرم، وإنما مكنوا في هذه الأشهر دون غيرها؛ لأن العرب كانت لا تقاتل فيها، وما ذكرناه من عد الأشهر الحرم هو المستحسن في عدها وتظاهرت عليه الأخبار، وقيل: تعد من سنة واحدة. الثانية عشرة: قوله: (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هُذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ). أي: في طريقنا من المدينة نمر عليهم. وأصل الحي: منزل القبيلة ثم سُميت به أتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله في ((المطالع))، وقال ابن سيده: إنه بطن من بطون العرب (٢). قَالَ الكلبي: وأول العرب شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر(٣). وقدم الأزهري العشائر على الفصائل قَالَ: وهم الأحياء. (١) مسلم (١٨) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ... من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) ((المحكم)) ٣٠٣/٣. (٣) وقد نظمها بعضهم، قال العلامة محمد بن عبد الرحمن الغرناطي: الشعبُ ثم قبيلةٌ وعِمَارة فالشعبُ مجتمعُ القبيلةِ كُلّها والبطنُ تَجْمَعُه العمائِرُ فاعلَمَنْ والفخْذُ يجمع للفصائل هَاكَها فخزيمةٌ شَعْبٌ وإنّ كِنانةً وقريشها تُسْمَى العِمَارةَ يا فتى ذا هاشمُ فَخِذٌ وذا عَبّاسُهَا انظر: ((تاج العروس)) ١١٤/٢ مادة (شعب). بظنٌ وفخْذٌ فالفصيلة تابِعَهْ ثم القبيلة للِعمارةِ جامِعَهْ والفَخْذُ تَجْمَعُه البطونُ الواسِعَهْ جاءت على نَسَق لها متتابِعَةْ لقبيلةٌ منها الفضائلُ نابِعَهْ وقُصيُّ بطنٌ للأَعَادي قَامِعَه كَثْزُ الفصيلةِ لا تُناطُ بِسَابِعَهْ ٢١٥ = - كتاب الإيمان وذكر الجواني(١) في (الفاضلية)) أن العرب على طبقات عشر أعلاها الجذم ثم الجمهور ثم الشعوب - واحدها: شعب- ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط. وقال ابن دريد: الحي: الشعب العظيم من الناس (٢). الثالثة عشرة: قوله: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَضْلٍ). أي: بين واضح ينفصل به المراد ولا يشكل. قاله الخطابي وغيره (٣). الرابعة عشرة: قوله: (نُخْبِر) هو بالرفع على الصفة لأمر، قَالَ القرطبي : كذا قيدناه على من يوثق. وقوله: (وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ) يجوز رفعه على الصفة وجزمه على (جواب)(٤) الأمر. قَالَ القرطبي: قيدناه بهما كأنه قال إن أمرتنا بأمر واضح فعلناه ورجونا دخول الجنة به(٥). (١) هو محمد بن أسعد بن عليّ بن معمر بن عمر بن عليّ بن الحسين بن أحمد بن عليّ ابن إبراهيم بن محمد بن الحسن محمد الجواني، الشريف أبو علي، ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وكان علامة النسب في عصره، وولي نقابة الأشراف مدة بمصر، من مصنفاته: كتاب ((طبقات الطالبيين))، و(تاج الأنساب ومنهاج الصواب))، و((المقدمة الفاضلية في الأنساب))، و((ديوان العرب وجوهرة الأدب في إيضاح النسب))، توفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. انظر ترجمته في: ((تاريخ الإسلام)) ٣٠٧/٤١ - ٣٠٨، (الوافي بالوفيات)) ٢/ ٢٠٢، ((هدية العارفين)) ص ٧٤٧. (٢) الذي ذكره في ((جمهرة اللغة)) ٣٤٣/١: أن الشعب: الحي العظيم من الناس نحو حِمير وقُضاعة وجُرْهُم. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٨٥/١. في (ف): جواز. (٤) (٥) («المفهم)) ١٧٤/١. ٢١٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقوله: (وَنَدْخُل)، كذا هو هنا بالواو وفي البخاري أيضًا ومسلم بحذفها(١). الخامسة عشرة: قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وحده) إلى آخره. وعدَّ خمسة ويجاب: بأنّه أمرهم بالأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين كفار مضر فكانوا أهل جهاد، ويكون قوله: ( ((وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْتَم الخُمُسَ)) ). معطوفًا على أربع أي: أمرهم بأربع وبأن يعطوا، والَشهادتان في حكم واحد. وجواب ثانٍ وهو أن أول الأربع إقام الصلاة، وذكر كلمة التوحيد؛ لأنها الأساس، وقد رواه البخاري في كتاب: الأدب وفيه: ((أقيموا الصلاة))(٢) إلى آخره وليس فيه ذكر الشهادة، وفي بعض طرقه حذف الصوم(٣). السادسة عشرة: هذا الحديث موافق لحديث: ((بُني الإسلام على خمس)) (٤) ولتفسير الإسلام بخمسة في حديث جبريل التقلي(٥) وقد سلف أن ما يُسمى إسلامًا يُسمى إيمانًا. قيل: وإنما لم يذكر هنا (١) البخاري (٦١٧٦) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل مرحبًا، و(٧٢٦٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: وصاة النبي ◌َّر وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم، ومسلم (١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله. (٢) سيأتي برقم (٦١٧٦) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل مرحبًا. (٣) سيأتي برقم (٢٥٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ﴿﴿ مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾، و(١٣٩٨) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة. و(٣٥١٠) كتاب: المناقب، و(٤٣٦٩) كتاب: المغازي، باب: وفد عبد القیس. (٤) سبق برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾: إيمانكم. (٥) سبق برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي وَله. ٢١٧ = كتاب الإيمان الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ بعد، وفيه نظر؛ لأن هذا كان عام الفتح، والحج فُرض قبل ذَلِكَ إما سنة خمس أو سنة ست. قَالَ القاضي: والجهاد لم يكن فُرِضَ أيضًا؛ لأن فرضه العام نزل في سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح. قَالَ: وجاء في بعض طرق هذا الحديث حذف الصوم وهو إغفال من الراوي؛ لعدم الحفظ من بعضهم(١). السابعة عشرة: الخُمس -بضم الميم وتسكن- وكذا الثلث والربع إلی العشر یُضم ثانیه ویسکن. الثامنة عشرة: فيه دلالة على وجوب الخمس في الغنيمة قلَّت أم كَثُرت وإن لم يكن الإمام في السرية (الغازية)(٢). وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى (ذَلِكَ)(٣) وقدره. التاسعة عشرة: (الخَنتم) -بفتح الحاء المهملة وإسكان النون ثم مثناة فوق مفتوحة- جرار خضر على أصح الأقوال، وقد جاء في (صحيح مسلم)) في كتاب الأشربة تفسيره بها (٤). ثانيها: أنها الجرار مطلقًا. ثالثها: أنها جرار مقيرات الأجواف يؤتى بها من مضر، زاد بعضهم أنها حُمْر. رابعها: أنها جرار حمر أعناقها، وقيل: أفواهها في جنوبها يُجلب فيها الخمر من مضر، وقيل: من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر. (١) ((إكمال المعلم)) ٢٢٩/١. (٢) في (ف): المغازية. (٣) من (ف). (٤) مسلم (١٩٩٣) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم. ٢١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - خامسها: أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم(١)، وعبارة (المحكم)) أنها جرار خضر تضرب إلى الحمرة (٢). وعبارة الخطابي إنها جرار مطلية بما يسد مسام الخزف ولها التأثير في الانتباذ؛ لأنها كالمزفت(٣). وعبارة ابن حبيب: هي الجر وكل ما كان من فخار أبيض أو أخضر. وردًّ عليه بأنها ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره. وأما (الدباء): بالمد فهو: اليقطين اليابس أي الوعاء منه، وهو بضم الدال وقد تكسر وقد يقصر. وأما (النقير): فهو جذع ينقر وسطه (وينبذ)(٤) فيه كما جاء في ((صحيح مسلم)) مبينًا مرفوعًا (٥). وأما (المقير): فهو المزفت وهو المطلي بالقار وهو الزفت، وقيل: الزفت: نوع من القار. والصحيح الأول، وفي ((صحيح مسلم)) (٦) عن ابن عمر قَالَ: المزفت هو المقير. وعبارة ابن سيده وغيره: أنه شيء أسود تطلى به الإبل والسفن(٧). وقال أبو حنيفة(٨): إنه شجر مر. (١) انظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١/ ١٨٥. (٢) ((المحكم)) ٤/ ٥٤. (٣) في ((أعلام الحديث)) ١/ ١٨٥ قال: والحناتم: الجرار، وفي ((معالم السنن)) ٤/ ٢٤٨ قال: أما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. (٤) في (ج): وینتبذ. (٥) مسلم (١٨) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين. (٦) مسلم (١٩٩٧) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير. (٧) ((المحكم)) ٣٠٩/٦. (٨) هو أحمد بن داود الدنيوري النحوي، تلميذ ابن السكيت. أنظر ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٢/١٣. ٢١٩ - كتاب الإيمان العشرون: النهي عن الانتباذ في هذِه الأربع، وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما؛ ليحلو (ويشرب)(١)؛ لأنه يسرع فيها الإسكار فيصير حرامًا وتبطل ماليته، ففيه إضاعة المال، وربما شربه بعد أن صار مسكرًا ولا يدري. ولم يُنْه عن الأنتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يبقى فيها المسكر بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا، ثم إن هذا النهي كان في أول الإسلام ثم نسخ، ففي ((صحيح مسلم)) من حديث بريدة ﴾ أن رسول الله وَّ (قَالَ)(٢): ((كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا))(٣). هذا مذهب الشافعي والجمهور، وذهبت طائفة إلى أن النهي باقٍ، منهم: مالك وأحمد وإسحاق حكاه الخطابي عنهم قَالَ: وهو مروي عن (ابن عمر) (٤) وابن عباس(٥)، وذِكْرُ ابن عباس هذا الحديث لما أَسْتُفْتي (٢) من (ف). (١) في (ف): أو يشرب. (٣) مسلم (٩٧٧) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي وَّ ربه رَّ في زيارة قبر أمه. (٤) في الأصول: عمر، والمثبت هو الصواب، كما في ((معالم السنن)). (٥) ((معالم السنن)) للخطابي ٢٤٨/٤، وحديث ابن عمر رواه مسلم (١٩٩٧) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير، وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال، ما لم يصر مسكرًا، وأبو داود (٣٦٩٠، ٣٦٩١) كتاب: الأشربة، باب: في الأوعية، والترمذي (١٨٦٨) كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في كراهية أن ينبذ في الدباء والنقير والحنتم، والنسائي ٣٠٣/٨ - ٣٠٤ كتاب: الأشربة، باب: ذكر الأوعية التي نهي عن الانتباذ فيها دون ما سواها مما لا تشتد أشربتها كاشتداده فيها، وابن ماجه (٣٤٠٢) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن نبيذ الأوعية، وأحمد ١/ ٢٧. وحديث ابن عباس هو حديث الباب وفي بعض رواياته أنه استفتي في ذلك فأجاب بهذا الحديث. ٢٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = دليلٌ على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لصريح النسخ(١). الحادية بعد العشرين: قوله وَله: ((وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)) ) فيه دلالة على قبول خبر الواحد، وقد أخرجه البخاري فيه(٢)، كما سلف، وقوله: (مَن)). هو بفتح الميم، ورواه مسلم مرة كذلك ومرة بكسرها(٣) والهمز في ((وراءكم))، وقوله أولا: (مَن وراءنا). لا خلاف أنه مفتوح المیم. الثانية بعد العشرين: قد اشتمل هذا الحديث على أنواع من العلوم وقد أشرنا إلى بعضها، ومنها: وفادة الفضلاء والرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة. ومنها: تقديم الاعتذار بين يدي المسألة. ومنها: بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج. ومنها: أن الأعمال تُسمى إيمانًا وهو مراد البخاري هنا. ومنها: ندب العَالِم إلى إكرام الفاضل. ومنها: استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم كما (فعل)(٤) ابن عباس. (١) أنظر هذِه المسألة في: ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٣/٤ - ٢٢٩، ((المنتقى)) ١٤٨/٣، (مسلم بشرح النووي)) ١٨٥/١ - ١٨٦، ((المغني)) ٥١٤/١٢-٥١٥، ((نيل الأوطار)) ٤١٦/٥. (٢) سيأتي برقم (٧٢٦٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: وصاة النبي ◌َّر وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم. (٣) ((صحيح مسلم)) (٢٤/١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله. (٤) في (ج): فعله.