النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
- كتاب الإيمان
الإباحة، والآخر: على المنع(١).
وهو عجيب منهما، وليس كل ما أخبر الشارع بكونه من العلامات
يكون محرمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون
خمسين أمرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وإنما هذِه علامة،
والعلامة قد تكون بالخير والشر والحرام والواجب والمباح وغير
ذَلِكَ(٢).
الثالثة بعد العشرين: ((الرعاة)) - بضم الراء وبالهاء في آخره - جمع:
راع، كقاض وقضاة، وداع ودعاة ونحوه، ويُقال أيضًا: رعاء - بكسر
الراء وبالمد من غير هاء- كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار. يقال:
راع ورعيان ورعاة ورعاء؛ لأن فاعلًا إذا كان اسمًا فجمعه على
فواعل قياسًا كحائط وخاتم وكاهن وشبهها. وإن كان صفة استعمل
استعمال الأسماء كراع ويجمع على فعلان بضم الفاء -كرعيان،
وعلى فعال -بكسر الفاء، وعلى فُعَلَة كرُعَاة وقُضَاة وغُزَاة؛ فإن
أصلها رُعيَة وقُضوَة وغُزَوَة قلبت لام الكلمة ألفًا، لتحركها وانفتاح
ما قبلها فصارت رُعاة وقُضاة وغزاة، وأصل الرعي: الحفظ.
الرابعة بعد العشرين: قوله: ( (وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي
البُنْيَانِ)) ) كذا في رواية البخاري وفي مسلم حذف الإبل؛ لأنهم
أضعف أهل البادية؛ لأن أهل الإبل أصحاب الفخر والخيلاء، وفي
رواية: ((وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان))(٣).
والبهم -بضم الباء بلا خلاف، وروي بجر الميم ورفعها، فمن جر
(١) هو الإمام أحمد كما ذكره الحافظ ابن رجب في ((فتح الباري)) ٢٨/١.
(٢) انظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١٥٩/١.
(٣) مسلم (١/٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام ..

١٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
جعله وصفًا للإبل - أي: رعاة الإبل السود- قالوا: وهي شرها، ومن
ضم جعله صفة للرعاة، ومعناه: الرعاة السود.
وقَالَ الخطابي: معناه: الرعاة المجهولون الذين لا يُعرفون. جمع:
بهيم، ومنه أبُهم الأمر، وقيل: الذين لا شيء لهم، ومنه: ((يحشر الناس
حفاة عراة بُهمًا))(١) أي: لا شيء معهم، ومعناه: أن أهل البادية
وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يبسط لهم في الدنيا حتى يتباهوا
في البنيان وإطالته(٢).
وقولي : إن باء الُھم بالضم بلا خلاف هو كذلك، وصرح به النووي
في ((شرحه))(٣)، وقال القاضي عياض: إنه الصواب (٤). ورواه الأصيلي
بالفتح أيضًا، ولا وجه له.
الخامسة بعد العشرين: ((البُهم)): صغار الضأن والمعز، هذا قول
الجمهور، وقال الزبيدي في ((مختصر العين)): البُهمة اسم لولد الضأن
والمعز والبقر، وجمعه: بهم وبهام، وأما البهيمة فهي ذوات الأربع
من دواب البر والبحر (٥).
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٧٠)، و((التاريخ الكبير)) ٧/
١٦٩ - ١٧٠ (٧٦١)، ((زوائد))، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٧٩/٤
(٢٠٣٤)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) ١٠٤/١ (١٥٦)، والحاكم في ((مستدركه))
٤٣٧/٢-٤٣٨، والخطيب في ((الرحلة)) (٣١)، و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢٢٥/٢
(١٦٨٦). والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (١٣١) (٦٠٠)، وحسن إسناده ابن حجر
في (الفتح)) ١/ ١٧٤، والألباني في تعليقه على ((الأدب المفرد)» (٩٧٠).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٨٣/١ بمعناه.
(٣) أنظر ((مسلم بشرح النووي)) ١/ ١٦٤.
(٤) ((الإكمال)) ٢١١/١ بمعناه.
(٥) انظر هذا الكلام في: ((العين)) ٤/ ٦٢.

١٨٣
=
- كتاب الإيمان
وذكر التيَّاني(١) في ((الموعب)): أن البهم صغار الضأن، الواحدة
بهمة للذكر والأنثى والجمع بهم، وجمع البهم: بهام وبهامات. وفي
((المخصص)): تكون بعد العشرين يومًا بهمة من الضأن والمعز إلى أن
(٢)
تفطم(٢).
وفي ((المحكم)): وقيل: هو بَهْمَة إذا شَبَّ، والجمع: بَهْم وبُهْم
وبهام، وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب: البهم: صغار المعز(٢).
وفي ((الجامع)) للقزاز: بَهْمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء، يقال لأولاد
الوحش من الظباء، وما جانس الضأن والمعز: بهم.
وفي ((الصحاح)): البِهَامِ جمع بَهْم. والبَهْم جمع بَهمْة. والبَهْمَة
للمذكر والمؤنث للضأن خاصة، والسِّخَال أولاد المعز، وإذا اجتمعت
البِهَام والسخال قُلْتَ لهما جميعًا: بِهَام وبَهم أيضًا (2). وفي ((المغيث))
لأبي موسى المديني: وقيل: البَهْمة: السَّخْلة.
وفي الحديث أنه وَِّ قَالَ للراعي: ((ما ولدت)) قَالَ: بَهْمة. قَالَ:
((اذبح مكانها شاة))(٥) فلولا أن البهمة أسم لجنس خاص لما كان في
سؤاله الراعي وإجابته عنه بِبَهْمة كثير فائدة، إذ يعرف [أن](٦) ما تلد
الشاة إنما يكون ذكراً أو أنثى فلما أجاب عنه ببهمة وقال: ((اذبح
مكانها شاة)) دل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي: دَعْ هُذِه الأنثى
(١) سبقت ترجمته.
(٢) ((المخصص)) ٢٣٢/٢، مادة: (بهم).
(٣) ((المحكم)) ٤/ ٢٤٢.
(٤) ((الصحاح)) ١٨٧٥/٥، مادة: بهم.
(٥) أبو داود (١٤٢)، وأحمد ٣٣/٤، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) ١/
٢٤١ (١٣٠).
(٦) ساقطة من (ف)، (ج) ومثبتة من ((المجموع المغيث)).

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرًا(١).
السادسة بعد العشرين: قوله: ( ((فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله) ).
أي: أستأثر بعلمها، وفي الكلام حذف تقديره: في خمس، أي: هي
في خمس انفرد الله تعالى بعلمها، أي: هي في عدد خمس ولا مطمع
لأحد في علم شيء من هذِه الخمس إلا أن يعلمه الله تعالى به.
السابعة بعد العشرين: قوله: (ثم أدبر (الرجل)(٢) فقال: ((ردوه))،
فلم يروا شيئًا، فقال ◌َّر: ((هذا جبريل))) الحديث. وفي (الصحيح))
أيضًا: فلبثت مليًّا، ثم قَالَ لي: يا عمر، ((أتدري من السائل؟)). وفيه:
فقال ◌َله: ((إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم))(٣).
وفي أبي داود والترمذي قَالَ عمر: ثم انطلق فلبثت ثلاثًا ثم قال:
((يا عمر أتدري من السائل؟» الحديث(٤)، وظاهر هذِه الرواية أنه
قَاله: بعد ثلاث ليالٍ، وهو مغاير لما تقدم من قوله: فلبثت مليًّا.
فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله وَليل أولا ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم
دينكم)) في الحال، بل (كان)(٥) قام من المجلس فأخبر ◌َّر الحاضرين
في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث.
الثامنة بعد العشرين: قوله: ( ((هذا جِبْرِيلُ)) ). فيه دلالة على تشكل
الملائكة في صور بني آدم كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:
١٧] وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي ◌َّ على خلقته
(١) ((المجموع المغيث)) ٢٠٣/١ - ٢٠٤.
(٢) من (ج).
(٣) مسلم (١/٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام ...
(٤) رواه أبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠).
(٥) من (ج).

١٨٥
كتاب الإيمان
=
التي خُلق عليها غير مرتين كما تقدم في بدء الوحي.
التاسعة بعد العشرين: قوله: ( («جَاءَ يُعَلَّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)) ) أي:
قواعد دينهم وكلياتها، وهذا دال على أنه إنما عرفه وَ لقول في آخر
الأمر. وقد جاء مبينًا في الدارقطني في آخر هذا الحديث: ((هذا
جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه
عليَّ مذ أتاني قبل مرتي هذِه وما عرفته حتى ولَّى))(١).
الثلاثون: زاد سليمان التيمي في الحديث من طريق ابن عمر:
(وتغتسل وتتم الوضوء)). قَالَ ابن حبان: تفرد بها(٢).
قُلْتُ: وهو ثقة بإجماع، وفيه بعْدُ (وتحج البيت وتعتمر))، وصححها
الحاكم(٣) وغيره.
الحادية بعد الثلاثين: أخرج هذا الحديث الثاني النسائي من طريق
أبي ذر وأبي هريرة أيضًا بزيادة حسنة: كان ◌َّو يجلس بين ظهراني
أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يَسأل، فطلبنا أن
نجعل لرسول الله وَ﴿ مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فَبَنَيْنَا له دكانًا من
طين يجلس عليه، [و](٤) إنَّا لجُلُوسٌ عنده ورسول الله ◌َيّ بمجلسه إذ
أقبل أحسن الناس وجھًا وأطیبھم رائحة کأن ثيابه لم يمسها دنس
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢٨٢/٢ - ٢٨٣، وقال: إسناد ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا
الإسناد.
(٢) رواه ابن خزيمة في (صحيحه)) ٣/١ (١)، ٣٥٦/٤ (٣٠٦٥)، وأبو نعيم في
(مستخرجه)) ١٠٢/١ (٨٢) وابن حبان في (صحيحه)) ٣٩٧/١ (١٧٣)، وقال
الهيثمي في ((موارد الظمآن)) (١٦): رواه مسلم باختصار، وقال الألباني في
((صحيح موارد الظمآن)) ١/ ١٠٤ : صحيح.
(٣) «المستدرك)) ٥١/١.
(٤) ساقطة من (ف)، (ج)، ومثبتة من (المجتبى)).

١٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
حتى سلم من طرف البساط، قال: السلام عليك يا محمد. فردَّ الََّا،
فقال: أَدْنُو يا محمد؟ فقال: ((ادنُ)) فما زال يقول: أَدْنُو؟ مرارًا،
ويقول: ((ادنُ)) حتى وضع يديه على ركبتي رسول الله وَله، وذكر نحوه(١).
الثانية بعد الثلاثين: في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة أيضًا
أنه رَّ قَالَ: ((سلوني)) فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه
فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ الحديث(٢).
كأنه لما كثر سؤالهم وخيف التعنت به غضب رسله وأنزل الله تعالى
فيه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فانكف
الناس. فأرسل الله إليهم جبريل فسأل فقال: ((هذا جبريل أراد أن
تعلموا إذا لم تسألوا))(٣).
الثالثة بعد الثلاثين: ظاهر الحديث تغاير (الإسلام والإيمان)(٤) وقد
قدمت الكلام على ذَلِكَ في أوائل كتاب الإيمان، ومراد البخاري أنهما
واحد، وَيَرُدُّ ما وقع من الفرق بينهما في حديث جبريل إلى ما جاء في
حديث وفد عبد القيس من إطلاق لفظ الإيمان على الإسلام
والأعمال(٥). وقد قَالَ بمثل قوله جماعة، منهم البغوي(٦).
الرابعة بعد الثلاثين: قد جمع هذا الحديث أنواعًا من القواعد
ومهمات من الفوائد، وقد أشرنا إلى جمل منها :
(١) ((المجتبى)) ١٠١/٨.
(٢) مسلم (٧/١٠) كتاب: الإيمان، باب: الإسلام ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) التخريج السابق.
(٤) في (ف): الإيمان للإسلام.
(٥) سيأتي برقم (٥٣).
(٦) ((شرح السنة)) ١٠/١.

١٨٧
- كتاب الإيمان
ومنها: وجوب الإيمان بهُذِه المذكورات، وعظم مرتبة هُذِه الأركان
التي فسر الإسلام بها، وجواز قول: رمضان بلا شهر كما سلف، وعظم
محل الإخلاص والمراقبة.
ومنها: لا أدري من العلم، ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب
والاعتراف بعدم العلم، وأن ذَلِكَ لا ينقصه ولا يزيل ما عُرف من
جلالته، بل ذَلِكَ دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تكثره
وتبجحه بما ليس عنده.
وبيَّن البغوي ما أراده البخاري من التبويب، حيث قَالَ: جعل النبي
وَّر الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بَطن من
الاعتقاد، وجماعها الدين(١). وقد قدمنا ذَلِكَ عنه في أوائل كتاب
الإيمان.
(١) ((شرح السنة)) ١٠/١.

١٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٨ - باب
٥١- حَدَّثَنَا إِرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ قَالَ: أُخْبَرَنِي أَبُو
سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلَّتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ،
وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلَّتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ،
فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. [انظر:
٧ - مسلم ١٧٧٣ - فتح ١ / ١٢٥]
ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ،
فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ
أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ
حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
هذا الحديث سبق شرحه مبسوطًا أول الكتاب(١)، وبيان رجاله
إلا إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله
ابن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، روى عن جماعة
من الكبار، وعنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وروى النسائي عن
رجل عنه. قَالَ ابن سعد: ثقة صدوق. مات سنة ثلاثين ومائتين
بالمدينة(٢).
(١) سبق برقم (٧) كتاب: بدء الوحي، باب: (٥).
(٢) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٢١/٥، ((التاريخ الكبير)) ٢٨٣/١ (٩١٢)،
((الجرح والتعديل)) ٩٥/٢، ((سير أعلام النبلاء)) ٦٠/١١ ((شذرات الذهب)) ٢/
٦٨.

١٨٩
-- كتاب الإيمان
ثم أعلم أن هذا الحديث وقع هكذا مفردًا بباب، وهو ظاهر، فإن
مقصود البخاري به أنه سماه دينًا وإيمانًا، ووقع في بعض النسخ مدرجًا
مع الحديث الذي قبله من غیر تخصيصه بباب، وليس بجید؛ إذ ليس
مطابقًا للترجمة.
قَالَ ابن بطال: سماه مَرَّةً بالدِّين، ومَرةً بالإيمان، فهي أسماء متعاقبة
لمعنى واحد بخلاف قول المرجئة (١) وإنما أَعْتُبِرَ قول هرقل وإن كان
كافرًا لا يوثق بقوله؛ لأنه (يأثر)(٢) هذه الأشياء عن الكتب المتقدمة،
وتداولت الصحابة وسائر العلماء قوله ولم ينكروه بل استحسنوه.
(١) (شرح ابن بطال)) ١١٥/١.
(٢) في (ج): باشر.

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٩- باب فَضْلٍ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
٥٢- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا
مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ أَتَّقَى المُشَبَّهَاتِ أُسْتَبْرَأَ لِدِنِهِ
وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ،
أَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، أَلَا إِنَّ حِّمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي
الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ،
أَلَا وَهِيَ القَلْبُ)). [٢٠٥١ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ١٢٦/١]
ثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((الْخَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا
مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ أَتَّقَى المُشَبَّهَاتِ أُسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ
وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ
يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، أَلَاَّ إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ،
أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ
فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ)).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع عن علي وعبد الله بن
محمد، عن سفيان، عن أبي فروة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن
(أبي) (١) عدي [عن ابن عون](٢)، كلهم عن الشعبي.
(١) من (ج).
(٢) ساقط من (ف)، (ج): ومثبتة من ((صحيح البخاري)).

١٩١
كتاب الإيمان
=
وقال فيه في البيوع: ((وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَلَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ
الِثْم كَانَ لِمَا أَسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُُكُ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ
أَنْ يَوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَىَ يُوشِكْ
أَنْ يُوَاقِعَهُ))(١).
وأخرجه مسلم في البيوع، عن ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا، وعن
أبي بكر، عن وكيع، عن زكريا. وعن إسحاق [عن](٢) عيسى، عن زكريا.
وعن إسحاق، عن جرير، عن مطرف وأبي فروة الهمداني. وعن
عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وعن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله.
وعن قتيبة، عن يعقوب، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد،
كلهم عن الشعبي به(٣).
وفي الباب عن ابن عمر وواثلة.
أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن حذلم (٤) في ((جزئه)) من جهة
عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا:
((الحلال بين والحرام بين، وبين ذَلِك مشتبهات، فدع ما يريبك إلى
ما لا يريبك» (٥).
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات.
(٢) في (ف)، (ج): بن، وهو خطأ، والمثبت من (مسلم).
(٣) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٤) هو الإمام العلامة، مفتي دمشق، وبقية الفقهاء الأوزاعية، القاضي أبو الحسن
أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حذلم الأسدي الدمشقي
الأوزاعي. توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) ٥١٤/١٥، ((الوافي بالوفيات)» ٤٠٥/٦.
(٥) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٥٣/٢، وابن الأعرابي في ((معجمه)) ٧٥٤/٢ (١٥٢٨)، =

١٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما حديث واثلة فأخرجه (الجوزي)(١) من حديث العلاء بن ثعلبة
الأسدي، عن أبي المليح، عن واثلة مرفوعًا: (لتفتك نفسك)) قُلْتُ:
وكيف لي بذلك؟ قَالَ: ((دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك
المفتون)) قُلْتُ: وكيف لي بذلكِ؟ قَالَ: ((تضع يدك على قلبك، فإن
الفؤاد يسكن إلى الحلال ولا يسكن إلى الحرام، وإن الوَرِعَ المسلم
يدع الصغيرة مخافة أن يقع في الكبيرة))(٢).
= والطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٦٨)، و((الصغير)) (٣٢)، والرامهرمزي في ((الأمثال))
ص١٣ من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عبد الله بن رجاء بالسند المذكور.
قال الإمام أحمد كما في ((ضعفاء العقيلي)) ٢/ ٢٥٢: هذا حديث منكر، ما أرى
هذا بشيء.اهـ
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٧٤/٤: في إسناد ((الأوسط)) سعد بن زنبود، قال أبو
حاتم: مجهول، وإسناد ((الصغير)) حسن. اهـ
ورواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٨٧٥) من طريق أبي حاتم الرازي، عن إبراهيم
ابن محمد وأحمد بن شبيب، ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر.
قال البيهقي: يشبه أن تكون رواية أبي حاتم عنهما عن ابن رجاء، عن عبد الله بن
عمر أصح من روایة من قال: عبيد الله.اهـ
(١) كذا في (ج)، وغير واضحة بـ(ف).
(٢) رواه أبو يعلى في («مسنده» ٤٧٦/١٣ (٧٤٩٢)، والطبراني ٧٨/٢٢ (١٩٣)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) ٩/ ٤٤ بمعناه وضعفه الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٤/١٠، وقال:
رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو متروك، وقال ابن حجر في ((الأمالي
المطلقة)) (١٩٨): هذا حديث حسن غريب أخرجه أبو يعلى في («مسنده» كذا
ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء بن ثعلبة. فقال أبو حاتم الرازي: إنه مجهول،
وإنما حسنته؛ لأن لجميع ما تضمنه المتن شواهد مفرقة. والله أعلم. اهـ
قلت: والعلاء بن ثعلبة، قال ابن حبان في ((المجروحين)) ١٧٥/٢: كان ممن
يروي المعضلات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل
كتابة حديثه إلا على جهة التعجب.

١٩٣
كتاب الإيمان
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
أما النعمان فهو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن
خَلّاس -بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام- الأنصاري الخزرجي،
وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة - ﴾ وعنها.
وُلِد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلِد للأنصار
بعد الهجرة، والأكثرون يقولون: وُلِد هو وعبد الله بن الزبير في العام
الثاني من الهجرة.
وقال ابن الزبير: هو أكبر مني. روي له مائة حديث وأربعة عشر
حديثًا. قُتِل بقرية عند حمص سنة أربعة وستين، وقيل: سنة ستين(١).
تنبيه: نقل عن يحيى بن معين وأهل المدينة أنه لا يصح للنعمان
سماع من النبي ◌ّ، وهو باطل يرده هذا الحديث، فإن فيه التصريح
بسماعه، وكذا رواية مسلم: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه(٢).
وهو ما صححه أهل العراق.
فائدة :
ليس في الصحابة من أسمه النعمان بن بشير غير هذا فهو من
الأفراد، وفيهم النعمان جماعات فوق الثلاثين.
وأما عامر فهو الشعبي، وقد تقدمت ترجمته(٣)، وكررها شيخنا
قطب الدين في ((شرحه)).
(١) انظر ترجمته في: ((معرفة الصحابة)) ٢٦٥٨/٥ (٢٨٥٨)، ((الاستيعاب)) ٦٠/٤
(٢٦٤٣)، ((أسد الغابة)) ٣٢٦/٥، (٥٢٣٠)، («الإصابة)» ٥٥٩/٣ (٨٧٢٨).
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) سبق ترجمته في حديث (١٠).

١٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وأما زكريا فهو أبو يحيى زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن
فيروز الهمداني الوادعي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين منهم
الشعبي، والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق. مات سنة سبع أو
ثمان أو تسع وأربعين ومائة(١).
وأما أبو نعيم فهو الفضل بن دكين -بضم الدال المهملة ثم كاف
مفتوحة- وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير القرشي التيمي
الطلحي المُلائي. مولى آل طلحة بن عبيد الله، وكان يبيع المُلاء فقيل
له: المُلائي -بضم الميم والمد- سمع الأعمش وغيره من الكبار،
وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ
الأعلام.
قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا، أو خمسين شيخًا.
واتفقوا على الثناء عليه ووصفه بالحفظ والإتقان، ومناقبه جمة. وُلِد سنة
ثلاثين ومائة، ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين.
وكان أتقن أهل زمانه، قاله ابن منجويه. قَالَ أبو نعيم: أدركت
ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحدًا يقول بخلق
القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رُمي بالزندقة. روى عنه البخاري بغير
واسطة، وهو ومسلم (والأربعة)(٢) (بواسطة)(٣).
(١) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٢١/٣ (١٣٩٦)، ((الجرح والتعديل)) ٥٩٣/٣
(٢٦٨٥)، (ثقات ابن حبان)) ٣٣٤/٦، (تهذيب الكمال)) ٣٥٩/٩ (١٩٩٢).
(٢) من (ف).
(٣) في (ف): بها، وانظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١١٨/٧ (٥٢٦)، ((الجرح
والتعديل)) ٦١/٧ (٣٥٣)، ((ثقات ابن حبان)) ٣١٩/٧، ((تهذيب الكمال)) ٢٣/
١٩٧ (٤٧٣٢).

١٩٥
كتاب الإيمان
ووقع للبخاري هذا الحديث رباعيًّا من جهة شيخه هذا، ووقع له من
طريق غيره خماسيًّا كما أسلفناه، وكذا وقع لمسلم في أعلى طرقه
خماسيًّا كما سلف.
الوجه الثالث :
هذا الحديث حديث عظيم حفيل جليل، وهو أحد قواعد الإسلام
بل هو مدارها وأَسّها، وإن جعله بعضهم ثلثها وبعضهم ربعها كما
سلف في الكلام على حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))(١) فإنه متضمن
لأحكام الشريعة لذكر الحلال والحرام والمتشابهات، وما يصلح
القلوب وما يفسدها وتعلق أعمال الجوارح بها؛ فيستلزم معرفة
تفاصيل الأحكام كلها أصلًا وفرعًا.
ولنذكر نبذة منه على وجه الاختصار، فإنا قد بسطنا شرحه في ((شرح
العمدة))(٢) و(شرح الأربعين)).
الأولى: ذكر ◌َ لي أن الأشياء على أضرب: ضرب لا شك في حله،
وضرب لا شك في تحريمه، وضرب ثالث مشكوك فيه مشتبه، فمن
أجتنبه فقد برَّأ نفسه من المعصية، ومن خالطه وقع في الحرام، وفي
هذا المشكوك فيه تفاصيل معروفة في كتب الفروع، فمنه ما يُرَدُّ إلى
أصله من حِلِّ وحرمة وغيرهما ، ومنه ما يحكم فيه بالظاهر من ذَلِكَ،
ومنه ما يغلب فيه الإباحة، ومنه ما يحكم فيه بالتحريم احتياطًا،
فمعاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا مكروهة.
الثانية: قوله ◌َّهِ: (((وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ)) ) كذا في البخاري هنا، وفيه
(١) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي ...
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥٩/١٠- ٧٣.

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
في البيوع: ((أمور مشتبهة)) (١)، وجاء أيضًا ((مشتبهات))(٢) و((متشبهات))،
وذلك كله بمعنى: مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين (مخالفين)(٣)،
وتشتبه: تفتعل، أي: تشكل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ
عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وأما قوله تعالى: ﴿كِثَبًا مُّتَشَبِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]
فمعناه: في الصدق والحكمة غير متناقض.
الثالثة: أختلف في المراد بالمتشابهات التي ينبغي اجتنابها على
أقوال:
أحدها : أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبه أمره، وبه جزم القرطبي
ثم ذكر في حكمه أقوالًا :
أحدها : حرمته؛ لأنه يوقع في الحرام.
وثانيها : كراهته، والورع تركه.
ثالثها: يتوقف فيه. وصوب الثاني؛ لأن الشرع أخرجها من الحرام
فهي مرتاب فيها(٤)، وصح أنه رَّ قَالَ: (دع ما يريبك إلى
ما لا يريبك)»(٥). وهذا هو الورع.
وقول من قَالَ: إنها حلال يتورع عنها ليس بجيد؛ لأن أقل مراتب
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن)).
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) في (ف): متخالفين.
(٤) ((المفهم)) ٤٨٨/٤.
(٥) رواه الترمذي (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٣٢٧/٨،
٣٢٨، أحمد ٢٠٠/١، والدارمي في ((مسنده)) ١٦٤٨/٣، ١٦٤٩ (٢٥٧٤)،
والطبراني في ((الكبير)) ٧٥/٣ (٢٧٠٨)، ٧٦ (٢٧١١)، والحاكم في ((المستدرك))
١٣/٢ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في
(الإرواء)) (١٢).

١٩٧
كتاب الإيمان
=
الحلال أستواء الفعل والترك؛ وهذه الأقوال حكاها القاضي عياض(١)
أيضًا عن أهل الأصول.
قَالَ النووي: والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم
الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه مذاهب: أصحها: لا يحكم بشيء،
والثاني: الإباحة، والثالث: المنع(٢).
القول الثاني: أن المراد بها المكروهات، قاله الخطابي والمازري
وغيرهما(٣).
الثالث: أنها المباح وهو مردود كما سلف، وزُهْدُ الأولين فيه
محمول على موجب شرعي اقتضى ذَلِكَ خوف الوقوع فيما يُكره إما
من الميل إلى الدنيا، وإما من الحساب عليه وعدم القيام بالشكر؛
(لأن)(٤) حقيقة المباح التساوي.
الرابعة: قوله {َله: ((«لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)) ) أي: بسبب
اشتباهها على بعضهم دون بعض لا أنها في أنفسها مشتبهة مستبهمة
على كل الناس لا بيان لها، فإن العلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى
جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ولكن كل أحد لا يقدر على
تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا نفى علمها عن كثير من الناس، ولم يقل:
لا يعلمها كل الناس أو أحد من الناس.
الخامسة: لما ذكر البخاري في البيوع، باب تفسير (المشتبهات)(٥)
(١) ((الإكمال)) ٢٨٤/٥ - ٢٩٠.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٨/١١.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٩٧٧/٢ - ١٠٠٠، ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢/ ٣٣ بمعنى.
(٤) في (ج): لا.
(٥) في (ج): المتشبهات، والمثبت من ((الصحيح))، ومن ((الإعلام)) ١٠/ ٧٢.

١٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ذكر هذا الحديث عقبه بقول حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من
الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقال: ((كيف وقد
قيل؟))(١)، وحديث: ((احتجبي منه)) (٢)، وحديث عدي بن حاتم في
الصيد: ((لا تأكل)) (٣).
ثم ترجم باب: ما يتنزه من الشبهات، وذكر فيه حديث التمرة
الساقطة وتَرْكُهَا خشية الصدقة(٤)، عَقَّبَه بباب آخر فيما لا يُجتنب
فقال: باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. ثم ذكر فيه
حديث الرجل (الذي)(٥) يجد الشيء في الصلاة، وقوله: ((لا ينصرف
حَتَّى يَسْمَعَ صَوْنًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)) (٦) وحديث عائشة: إن قومًا يأتونا
بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سموا عليه
(وَكُلُوه)(٧))(٨) وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى.
السادسة: اختلف أصحابنا في ترك الطيب وترك لبس الناعم. هل هو
طاعة أم لا؟
فقال القاضي أبو الطيب: إنه طاعة لما علم من أمور السلف من
خشونة العيش، وخالف الشيخ أبو حامد واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٢).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٥٣).
(٣)
سيأتي برقم (٢٠٥٤).
(٤) سيأتي برقم (٢٠٥٥) باب: ما يتنزه من الشبهات.
(٥) من (ج).
(٦) سيأتي برقم (٢٠٥٦) باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات.
(٧) في (ف): وكلوا.
(٨) سيأتي برقم (٢٠٥٧).

١٩٩
كتاب الإيمان
=
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. وقال ابن الصباغ: يختلف ذَلِكَ
باختلاف الناس وتفرغهم للعبادة، وقصورهم، واشتغالهم بالضيق
والسعة، وصوبه الرافعي.
السابعة: ما يخرج إلى الوسوسة من تجويز الأمر البعيد ليس من
الشبهات المطلوب اجتنابها بل وسواس شيطاني، وسبب الوقوع في
ذَلِكَ عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وقد نبه الشيخ أبو محمد الجويني
على جملة من ذَلِكَ منها غسل الثياب الجدد، وغسل القمح، وغير
ذَلِكَ من التنطع البارد.
الثامنة: معنى ( ((اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)) ) سلم دينه مما يفسده
أو ينقصه، وعرضه مما يشينه، واستبرأ لنفسه طلب البراءة من
الإثم فبرأها. فمن لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها
فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد به، كما نبه عليه
ابن بطال (١).
التاسعة: معنى: ((يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ)) وفي رواية أخرى: ((وقع في
الحرام)) أي: يقع فيه ولا يدري، أو إذا اعتادها فأدته إلى الوقوع فيه
متعمدًا فيتجاسر عليه ويواقعه غالبًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر به عنده،
ولما قد ألفه من المساهلة.
العاشرة: ( ((يُوشِك))) -بكسر الشين- أي: يسرع ويقرب،
وماضيه: أوشك، ولا عبرة بمن أنكره. وفي ((الصحاح)): الكلمة بفتح
الشين، وهي لغة رديئة(٢).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١/ ١١٧.
(٢) ((الصحاح)) ١٦١٥/٤ (مادة: وشك).

٢٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحادية عشرة: قوله فيما مضى: ( ((فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ))). قَالَ
النووي في ((شرحه)): ضُبط على وجهين: بفتح الباء المشددة،
وبكسرها مع التخفيف والتشديد، وكله صحيح، فمعناه: مُشْبِهات
أنفسها بالحلال أو مُشْبِهات الحلال، وعلى رواية الفتح فمعناه:
(مُشَبهات)(١) بالحلال.
الثانية عشرة: قوله وَ له: ((أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى)). هذا مثل ضربه
وَ ل# وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها، وتتوعد من
يقربها؛ (فيبعد)(٢) عنها خوف ذَلِكَ، (ويحمي)(٣) أيضًا ما يحيط بها
ويقاربها، والله تعالى ملك الملوك وله حمى، وهي المحرمات التي
ورد الشرع بها كالزنا وغيره فهي حمى الله تعالى التي منع من دخوله
والتعرض له ولمقدماته وأسبابه، فمن خالف شيئًا من ذَلِكَ أستحق
العقوبة. نسأل الله تعالى العفو والحماية عما يكره.
الثالثة عشرة: المضغة: القطعة من اللحم، سُميت به؛ لأنها تمضغ
في الفم لصغرها. وجمعها: مُضَغْ (٤).
الرابعة عشرة: قوله: ( ((إِذَا صَلَحَتْ))، ((وَإِذَا فَسَدَتْ)) ) هو بفتح اللام
والسين، ويضمان في المضارع، ويُقال صَلُح وفسُد - بالضم - إذا صار
الصلاح والفساد هيئة لازمة كظرف وشَرُف والمعنى: صارت تلك
المضغة ذات صلاح وفساد.
الخامسة عشرة: القلب سُميَّ بذلك؛ لتقلبه وسرعة الخواطر فيه
(١) في (ف): مشتبهات.
(٢) في (ج): وبعد.
(٣) في (ج): ويحتمي.
(٤) انظر: ((لسان العرب)) ٤٥١/٨ مادة: (مضغ).