النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب الإيمان
فصل :
وقع في أوائل الباب ذكر إبراهيم التيمي وعبد الله بن أبي مليكة
والحسن. أما إبراهيم فهو ابن يزيد بن شريك التيمي -تيم الرباب-
الكوفي أبو أسماء. روى عن أنس وغيره، وعنه الثوري وغيره، قتله
الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم
النخعي فوقع الرسول به فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد،
فقال: أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء
الساحة فصبر في السجن حتى مات.
وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ قتله الحجاج.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ومن غرائبه ما رواه الأعمش عنه:
إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل. مات سنة اثنتين وتسعين ولم يبلغ
أربعين سنة(١).
فائدة :
تيم الرباب: بكسر الراء، قَالَ الحازمي: وهو تيم بن عبد مناة بن
ود بن طابخة، وقال معمر بن المثنى: هو ثور وعدي وعكل ومزينة
بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل: سموا به، لأنهم غمسوا أيديهم في
رب وتحالفوا علیه.
قَالَ الحازمي: هذا قول ابن الكلبي، وقال غيره: سموا به؛ لأنهم
ترببوا، أي: تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة.
(١) أنظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٢٨٥/٦، ((الجرح والتعديل)) ١٤٥/٢
(٤٧٤)، ((تهذيب الكمال)) ٢٣٢/٢ (٢٦٤).

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأما ابن أبي مليكة فهو عبد الله بن (عبيد الله)(١) بن أبي مليكة
زهير بن عبد الله بن جدعان بن (عمر) (٢) بن كعب بن تيم بن مرة
القرشي، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا. جلالته متفق عليها. سمع
العبادلة، ومات سنة سبع عشرة ومائة (٣). وأما الحسن فهو البصري،
وقد تقدم حاله (٤).
الوجه الرابع :
فيما فيه من المبهمات: الرجلان المذكوران في قوله: (فتلاحى
رجلان). مكثت مدة فلم أعثر على من سماهما إلى أن رأيت ابن
دحية في كتابه ((العَلَم المشهور)). قَالَ: هما كعب بن مالك وعبد الله بن
أبي حدرد.
قُلْتُ: وحديثهما ذكره البخاري في الخصومات(6) وغيره كما
ستعلمه.
الوجه الخامس: في ألفاظه ومعانيه:
معنى قول إبراهيم التيمي أنه خشي أن يكون قصر في العمل، وكذا
ينبغي أن تغلب الخشية المؤمن، كما قَالَ الحسن: ما خافه إلا مؤمن.
وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في
عمله. فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ
-
(١) في (ف): عبيد.
(٢)
في (ج): عمرو.
(٣) انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٤٧٢/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٣٧/٥ (٤١٢)،
((تهذيب الكمال)» ٢٥٦/١٥ (٣٤٠٥).
(٤) سبقت ترجمته في حديث (٣١).
(٥) سيأتي برقم (٢٤١٨) باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض.

١٦٣
كتاب الإيمان
(٣)﴾ [الصف: ٢- ٣]. وهذا على المختار في ضبط قوله:
تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ
(مكذبًا) أنه بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها. ومعناه: خشيت أن يكذبني من
رأى عملي مخالفًا قولي ويقول: لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل.
ومعنى قول ابن أبي مليكة عن الصحابة: (أنهم) (١) خافوا أن يكونوا
في جملة من داهن ونافق. قَالَ ابن بطال: وإنما خافوا؛ لأنهم طالت
أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره،
فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا(٢).
وروي عن عائشة أنها سألت رسول الله وَ له عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحَِةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: ((هم الذين يُصلّون
ويصومون ويتصدقون ويَفْرَقون أن لا تقبل منهم)) (٣).
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ
يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] أعمال كانوا يحسبونها (حسنات) (٤) بُدِّلت سيئات
وقوله: (ما منهم من يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل) هو على
ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، (فإنّ)(٥) إيمان جبريل وميكائيل
أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة.
وقول الحسن: (مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ). يعني: الله تعالى، وقد قَالَ
تعالى: ﴿وَإِيَّنَىَ فَأَرْهَبُونٍ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ،
(١) من (ج).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠٩/١.
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحميدي ٢٩٨/١ (٢٧٧)، وأبو
يعلى ٣١٥/٨ (٤٩١٧)، وصححه الألباني في («الصحيحة» (١٦٢).
(٤) من (ج).
(٥) في (ف): وأن.

١٦٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(1﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
جََّانِ
اُلْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ونظائره كثيرة. والسب في اللغة: الشتم
والتكلم في العرض بما يعيبه (١). والفسق: الخروج لغة، وشرعًا:
الخروج عن الطاعة(٢).
وقوله: ( ((وقتاله كفر)) ) لابد من تأويله فإن قتاله بغير حق لا يخرجه
عن الملة عند أهل الحق ولا يكفر به، وفيه أقوال:
أصحها: أن المراد به (كفران)(٣) الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على
أخيه كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة منها: ((كل المسلم على
المسلم حرام دمه وماله وعرضه))(٤) الحديث. فإذا قاتله فقد كفر تلك
الحقوق.
ثانيها: أن المراد به: من استحله (من غير)(٥) موجب ولا تأويل.
أشار إليه الخطابي(١) وهو محتمل على بُعد، والأصح الأول وبه
يحصل الزجر عن انتهاك حرمات المسلمين فهو أكثر فائدة.
ثالثها: أنه شابه فعل الكفار.
رابعها: أن المراد بالمقاتلة: المشادة والتناول باليد والتطاول عليه.
قَالَ ابن بطال: العرب تسمي المشادة: المقاتلة. كما قَالَ وَّر في المار
(١) انظر: ((لسان العرب)) ١٩٠٩/٤.
(٢) أنظر: ((المجمل)) ٧٢١/٢ مادة: (فسق).
(٣)
في (ف): کفر.
(٤) رواه مسلم (٢٥٦٤/ ٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله
واحتقاره ودمه وعرضه وماله.
(٥) في (ج): بغير.
(٦) ((أعلام الحديث)) ١٧٦/١.

١٦٥
- كتاب الإيمان
بين يدي المصلي: (فليقاتله))(١) أي: فليدفعه بالقوة ولم يرد قتله(٢).
وإيراد البخاري حديث التلاحي في الباب رمز إلى هذا المعنى، وقد
ترجم عليه في كتاب: الفتن، باب: قول النبي ◌َّ: (لا ترجعوا بعدي
كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض))(٣).
وقد سلف أيضًا باب: كفر دون كفر وذكر كفران العشير، ثم هذا
كله فيمن لا تأويل (له) (٤) (أما)(٥) المتأول فلا يكفر ولا يفسق كالبغاة
والخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقال عمر عه: دعني أضرب
عنق هذا المنافق(٦). فلم ينكر عليه و لما كان فعل حاطب يشبه
فعل المنافقين، وكما قَالَ معاذ للمنصرف من الصلاة: نافقت (٧).
وأشباه ذَلِكَ.
والمرجئة -بضم الميم، وجيم ثم همزة- مشتقة من الإرجاء، وهو
التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخره،
والمرجئ مَنْ أخر العمل عن الإيمان، وقيل: من الرجاء؛ لأنهم
يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة،
وقيل: من الإرجاء، بمعنى: تأخير حكم الكبيرة، فلا يقضى بها
بحكم في الدنيا، وهم أضداد الخوارج والمعتزلة.
(١) رواه مسلم (٥٠٦) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلى.
(٢) ((ابن بطال)) ١١١/١ بتصرف.
(٣) سيأتي برقم (٧٠٧٧) كتاب: الفتن، باب: قول النبي ◌َّ: ((لا ترجعوا بعدي
کفارا ... )).
(٤)
في (ج): معه.
(٥)
في (ف): إنما.
(٦) سيأتي برقم (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس.
(٧) رواه مسلم (١٧٨/٤٦٥) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فالخوارج تكفر بالذنب، والمعتزلة يفسقون به وكلهم يوجب الخلود
في النار. والمرجئة تقول: لا يضر الذنب مع الإيمان، وغلاتهم تقول:
يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره.
ومنهم من يقول: لابد مع ذَلِكَ من الإقرار باللسان حكاه القاضي،
ومنهم من وافق القدرية كالخالدي(١)، ومنهم من لم يوافقهم وهم خمس
فرق كفر بعضهم (بعضًا)(٢)، وهؤلاء هم مراد البخاري في الرد عليهم.
وقوله: (فَتَلَاحَى رَجُلَانٍ). أي: تخاصما وتنازعا. والملاحاة:
المخاصمة والمنازعة والسباب، والاسم اللُّحاء مكسور ممدود. وجاء
في رواية لمسلم: ((يحْتَقَّان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها))(٣) أي: يطلب كل
منهما حقه ويدعي أنه محق في دعواه.
ومعنى ((رُفِعَت)): رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة بدليل
قوله: ((التمسوها)).
وقوله: ( ((الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْع)) ) كذا هو في أكثر النسخ
بتقديم السبع على التسع وفي بعضها تقديم التسع.
(١) ذكره الشهرستاني في ((الملل والنحل)) ص١٣٩.
(٢) من (ج).
وذكر البغدادي في ((الفَرق بين الفِرق)» ص ٢٠٢ أن المرجئة ثلاثة أصناف: منهم من
قال بالإرجاء في الإيمان والقدر على مذاهب القدرية المعتزلة كغيلان وأبي شمر،
ومنهم من قال بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن
صفوان، ومنهم خارجون عن الجبرية والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق:
اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم
أخروا العمل عن الإيمان. ثم قال: والفرق الخمس التي ذكرناها من المرجئة
تضلل كل فرقة منها أختها ويضللها سائر الفرق. اهـ
(٣) مسلم (٢١٧/١١٦٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر.

١٦٧
كتاب الإيمان
الوجه السادس: في أحكامه :
الأول: مقصود البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم
الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي مَنْ قَالَ:
لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعمالهم بشيء من الذنوب، وإن
إيمان العاصي والمطيع سواء.
فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين وما نقلوه عن الصحابة،
وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم في هذا، وأنهم مع اجتهادهم
وفضلهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من العذاب، وبهذا المعنى
استدل أبو وائل لما سأله(١) عن المرجئة: أمصيبون أم مخطئون في
قولهم: إن سباب المسلم وقتاله وغير ذَلِكَ لا يضر إيمانهم؟ فروى
حديث: (سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) وأراد أبو وائل الإنكار
عليهم وإبطال قولهم المخالف لصريح الحديث.
الثاني: أدخل البخاري حديث عبادة في هذا الباب - والله أعلم-؛
لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحِيهما ورفعهما الصوت بحضرة
الشارع، ففيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها.
الثالث: حرمة سب المسلم، وهو حرام بغير حق بالإجماع وفاعله
فاسق.
الرابع: ذم المخاصمة والمنازعة وأنها سبب العقوبة للعامة
بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذه الليلة بسبب التلاحي
بحضرته الشريفة. لكن في قوله: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا)) بعض
التأنيس لهم.
(١) أي: زُبَید. كما في حديث الباب.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الخامس: اختلفت الأحاديث في سبب النسيان، ففي حديث عبادة
هذا أن سببه التلاحي، وفي ((صحيح مسلم)) في حديث أبي هريرة: ((فجاء
رجلان يحتقان)) (١). كما سلف، فيحتمل أن السبب المجموع. وسيأتي
الكلام في ليلة القدر في كتاب: الاعتكاف، حيث ذكره البخاري إن
شاء الله(٢).
(١) سبق تخريجه.
(٢) ورد في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على ... وسمعه
الصفدي ... والبستاني ....

=
كتاب الإيمان
١٦٩
٣٧ - باب سُؤَّالِ حِبْرِيلَ النَّبِيَّ
صَلى الله
وسيلة
عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ
وَبَيَانِ النَّبِّ ◌َلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ).
فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِوَفْدِ عَبْدِ الفَيْسِ مِنَ
الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بِنُ إِرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ،
عَنْ أَبِي زُزْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ
فَقَالَ :مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ،
وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)). قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ،
وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟
قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَالَكَ)). قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟
قَالَ: ((مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُلَكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ
الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ
إِلَّا اللهُ». ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ وََِّّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ
أَذْبَرَ فَقَالَ: ((رُدُّوهُ)). فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: ((هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ
دِينَهُمْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. [٤٧٧٧ - مسلم ٩، ١٠ - فتح:
١١٤/١]
ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَه بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ
جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ وَمَّلَائِكَتِهِ
وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ
الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: مَا
الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ بِرَاَكَ)).
قَالَ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرَُكَ
عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي
البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ الله).
ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ وَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ
أَذْبَرَ فَقَالَ: ((رُدُّوهُ). فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: ((هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلَّمُ النَّاسَ
دِينَهُمْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.
الكلام علیه من وجوه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن مسدد كيما ترى، وفي الزكاة
مختصرًا عن محمد بن عبد الرحيم، عن عقيل، عن وهيب، عن أبي
حيان [وعن مسدد، عن يحيى، عن أبي حيان](١) به(٢)، وفي التفسير عن
إسحاق، عن جرير (٣).
وأخرجه مسلم هنا عن أبي بكر وزهير، عن ابن علية (٤)، وعن ابن
نمير عن ابن بشرٍ (٥)، وعن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان، عن
وهيب (٦)، كلهم عن أبي حيان، وعن زهير، عن جرير، (عن
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ف).
(٢) سيأتي برقم (١٣٩٧) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧٧) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٤) مسلم (٥/٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان ...
(٥) مسلم (٦/٩).
(٦) مسلم (١٤ / ١٥).

١٧١
- كتاب الإيمان
عمارة)(١)، كلاهما عن أبي زرعة (٢).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلفوا غير أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي
التیمي -تیم الرباب -.
سمع أباه والشعبي وغيرهما، وعنه أيوب والأعمش، وهما تابعيان
وليس هو بتابعي، وجماعات من الأعلام، واتفقوا على الثناء عليه
وتوثيقه(٣).
وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية.
وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو كما سلف.
ثالثها :
هذا الحديث مشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة
والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر
والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة راجعة إليه
والأحكام منطبقة عليه، فلنذكر نبذًا منه :
الأولى: البروز: الظهور، فمعنى (كان بارزًا): ظاهرًا لهم جالسًا
معهم. قَالَ ابن سيده: بَرَزَ يبرز بروزًا: خرج إلى البَرَاز - وهو
الفضاء- وبَرزَه إليه وأبرزه، وكل ما ظهر بعد خفاء فقد بَرَز(٤).
(١) من (ف).
(٢)
مسلم (١٠/ ٧).
(٣) أنظر ترجمة أبي حيان في: ((الطبقات)) لابن سعد ٣٥٣/٦، ((التاريخ الكبير)) ٨/
٢٧٦ (٢٩٨١)، ((معرفه الثقات)) للعجلي ٣٥٢/٢ (١٩٧٦)، ((الجرح والتعديل))
١٤٩/٩ (٦٢٢)، ((الثقات)) لابن حبان ٥٩٢/٧، ((الكاشف)) ٣٦٦/٢ (٦١٧٣).
(٤) (المحكم)): ٣٢/٩-٣٣.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. قَالَ الهروي: ظاهرة ليس
فيها مُسْتَظَل ولا منقبًا. وحكى صاحب (الواعي)) عن ((أفعال ابن
طريف)): برز الشيء برزًا (ولم أره) (١) فيها.
الثانية: اختلف في الجمع بين الإيمان باللقاء والبعث، فقيل: اللقاء
يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل:
اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله
تعالى، فإن أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا،
ولا يدري الإنسان ما يختم له.
الثالثة: رواية مسلم: البعث الآخِر (٢) - بكسر الخاء المعجمة-
وقيده بذلك مبالغة في الإيضاح؛ لشدة الاهتمام به. وقيل: إن خروج
الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر إلى المحشر
بعث من الأرض. فَقُيِّد البعث بالآخِر؛ ليتميز.
الرابعة: العبادة: الطاعة مع خضوع، وتذلل قَالَ الهروي: يُقال:
طريق معبَّدٍ. إذاكان مذللًا للسالكين، وكل من دان لملك فهو عابد له.
وفي ((المحكم): عيد الله تعالى يعبده، ويعبُدُه عِبَادةً (ومعبَدة
ومعبدة)(٣): تألَّه له (٤).
وفي ((الصحاح)): التَّعَبُّد: التنسك (٥).
فيحتمل أن يكون المراد هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته،
(١) في (ف): برازة.
(٢) مسلم (٥/٩) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) في (ف): مَعْبُدة، وفي ((المحكم)): ومَعْبَدًا ومَعْبَدَة.
(٤) ((المحكم)) ٢٠/٢.
(٥) ((الصحاح)) ٥٠٣/٢ مادة: (عبد).

١٧٣
كتاب الإيمان
ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها؛ لإدخالها في الإسلام؛
لأنها لم تكن دخلت في لفظ العبادة، واقتصر على هذه الثلاث؛
لكونها من أظهر شعائر الإسلام وأركانه، والباقي مُلحق بها، وترك
الحج إما لأنه لم يفرض إذن، أو أن بعض الرواة لم يجوده وأسقطه.
ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة: الطاعة مطلقًا كما هو حَدُّها
ومقتضى إطلاقها، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها. وعلى هذا
يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا
على شرفه ومزيته كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ
وَمِن نُوْجِ﴾ [الأحزاب: ٧] ونظائره.
الخامسة: الإيمان (بالله)(١) : هو التصديق بوجوده تعالى وأنه
لا يجوز عليه العدم، (وأنه)(٢) تعالى موصوف بصفات الجلال
والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر
والحياة(٣)، وأنه تعالى مُنزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك
(١) من (ج).
(٢) في (ف): والله.
(٣) ما ذكره المصنف من أن الله تعالى متصف بصفات الجلال والكمال من العلم
والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة هو مذهب الأشاعرة، فهم
يثبتون لله تعالى سبع صفات فقط والباقي ينكرونه تحريفًا لا تكذيبًا وهذه الصفات
السبع مجموعة في قول السفاريني:
سمع إرادة وعلم واقتدار
له الحياة والكلام والبصر
فآمنوا ببعض الصفات وأنكروا الباقي، وهذا مذهب باطل مردود، وأما مذهب
أهل السنة - كما سوف يمر معك مرارًا - الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه
وبما وصفه به رسوله وَلّ فيما صح عنه من غير تحريف ولا تعطيلٍ ولا تكييف
وتمثيل، على ما يليق به ◌َا9، مصداقًا لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الصفات، وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد
خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في
ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء.
السادسة: في ((صحيح البخاري)) في كتاب: التفسير(١)، ومسلم هنا
زيادة: (الوكتبه)). بعد: ((وملائكته)) وفي بعضها: (وكتابه)) (٢). والإيمان
بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله ومن عنده، وأن ما تضمنته حق
وأن الله تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بأحكامها وفهم معانيها.
السابعة: (الملائكة) جمع: مَلَك. فقيل: لا اشتقاق له. وقيل: وزنه فعل.
وقيل: مفعل من لاك أي: أرسل. وقيل: مأخوذة من الألوكة التي
هي الرسالة، فأصله على هذا: مالك؛ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها
إلى عينه فقالوا: (ملأك) (٣). وقيل: هو مثل سمأل.
الثامنة: يجب الإيمان بجميع ملائكة الله تعالى، فمن ثبت تعيينه
كجبريل وميكائيل وإسرافيل وجب الإيمان به، ومن لم يثبت آمنًّا به
إجمالًا، وكذلك الأنبياء والرسل، وما ثبت من ذَلِكَ بالنص والتواتر
كَفَرَ مَنْ یَكْفُر به.
التاسعة: الإيمان برسل الله هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله
تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم
بَلّغوا عن الله رسالته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب
احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم.
(١) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٢) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) في (ف): أملاك، وهو خطأ.

١٧٥
= كتاب الإيمان
العاشرة: قوله: ( ((وَلَا تُشْرَِكَ بِهِ))). وفي مسلم: ((لا تشرك به
شيئًا))(١). إنما ذكر بعد العبادة؛ لأن الكفار كانوا يأتون بصورة عبادة
الله تعالى في بعض الأشياء، ويعبدون الأوثان وغيرها يزعمون أنها
شركاء فنفى هذا.
الحادية عشرة: جاء هنا وفي كتاب التفسير (٢): ((تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرَِ
بِهِ))، وجاء في حديث ابن عمر في مسلم فيه: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمدًا رسول الله))(٣) فكأن أبا هريرة نقل الحديث بالمعنى، وابن
عمر نقله باللفظ.
الثانية عشرة: جاء في حديث ابن عمر: ((ويحج البيت)) ولم يأت في
رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله، وقد سلف الجواب
عنه قريبًا (٤).
الثالثة عشرة: المراد بإقامة الصلاة فعلها بحدودها، وقَيَّدَها
في رواية مسلم بالمكتوبة تبركًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا تَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقد اشتهر في غير ما حديث صحيح تسميتها مكتوبة كقوله ويلات: ((إذا
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٥) و((خمس صلوات كتبهن الله
(١) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٣) مسلم (١/٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ...
(٤) أنظر ٣/ ١٤٠.
(٥) مسلم (٧١٠/ ٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد
شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي ١١٦/٢ -
١١٧، وابن ماجه (١١٥١)، وأحمد ٥١٧/٢.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(على العبد)(١))(٢) و((أفضل الصلاة بعد المكتوبة))(٣).
فيحتمل تقييدها بالمكتوبة؛ للاحتراز من النافلة، فإنها وإن كانت من
وظائف الإسلام فليست من أركانه، ويحتمل أن تكون لمراعاة الأدب مع
لفظ القرآن، وكان ◌َ يُلازم هذا الأدب كما هو مشهور في الأحاديث،
ومنها تنكيره المقام في قوله: ((وابعثه مقامًا محمودًا))(٤) وهو معين؛
لتوافق الآية وهي مقامًا محمودًا.
الرابعة عشرة: تقييد الزكاة بالمفروضة لتخرج صدقة التطوع؛ فإنها
زكاة لغوية. وقيل: للاحتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة
وليست مفروضة الآن.
الخامسة عشرة: إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد. فقال في
الأولى: المكتوبة، وفي الثانية: المفروضة للبلاغة.
السادسة عشرة: جواز قول القائل رمضان من غير إضافة لفظِ الشهرِ
إليه، وهو الصواب.
السابعة عشرة: الإحسان مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، وهو
بمعنیین :
(١) من (ج).
(٢) رواه أبو داود (١٤٢٠) وابن ماجه (١٤٠١)، وعبد الرزاق ٥/٣-٦ (٤٥٧٥)،
وابن حبان ٢٣/٥ (١٧٣٢)، والبيهقي ٣٦١/١، وصححه الألباني في ((صحيح
سنن ابن ما جه» (١١٥٠).
(٣) رواه مسلم (١١٦٣، ٢٠٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صيام المحرم، وأبو داود
(٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي ٢٠٧/٣، وأحمد ٣٤٢/٢، وأبو يعلى
٢٨٢/١١-٢٨٣ (٦٣٩٥)، والبيهقي ٢٩١/٤.
(٤) سيأتي برقم (٦١٤) كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند النداء.

١٧٧
كتاب الإيمان
=
أحدهما: متعد بنفسه، كأحسنت كذا وحسنته: إذا أكملته، منقول
بالهمزة من حسن الشيء.
والثاني: متعد بحرف الجر، كأحسنت إليه: إذا أوصلت إليه النفع،
والإحسان في هذا الحديث بالمعنى الأول؛ فإنه يرجع إلى إتقان
العبادات ومراعاة حق الله ومراقبته.
فمعنى: ((تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) أن تعبد
عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئًا من
الخضوع والخشوع والإخلاص وحِفْظِ القلب والجوارح، ومراعاةٍ
الآداب الظاهرة والباطنة مادمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر
وإنما تراعي الآداب المذكورة إذا رأيته ورآك؛ لكونه يراك لا لكونك
تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك.
وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ومراقبة الله تعالى
في جميع أنواعها مع قيام الخشوع والخضوع والحضور.
فحال من غلب عليه مشاهدة الحق كأنه يراه. ولعل هذه الحالة هي
المشار إليها بقوله وَّي: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))(١).
والثاني: حال من يغلب عليه أطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله
()﴾ [الشعراء: ٢١٨].
تعالى: ﴿الَّذِى يَرَئِكَ حِيْنَ تَقُومُ
(١) رواه النسائي ٧/ ٦٢، وأحمد ١٢٨/٣، وابن أبي عاصم في ((الزهد)) (٢٣٤)، وأبو
يعلى ١٩٩/٦-٢٠٠ (٣٤٨٢)، والطبراني في ((الأوسط)) ٢٤١/٥ (٥٢٠٣)،
والحاكم ١٦٠/٢، والبيهقي ٧٨/٧، وقال ابن حجر في ((التلخيص)) ١١٦/٣:
إسناده حسن، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٠٩٨).

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فائدة: الألف واللام في: (مَا الإِحْسَانُ؟) إلى المعهود في قوله تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
٦٠
[الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوْاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولتكراره
في القرآن ولترتب الثواب عليه سأل عنه جبريل التليفالآ.
الثامنة عشرة: أصل الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى:
﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد يطلق
في عرف الميقاتيين على جزء من أربعة وعشرين جزءًا.
التاسعة عشرة: قوله: ( ((مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) ) فيه أن
الأدب للمفتي والعالم إذا سئل عن ما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.
العشرون: (أشراطها) بفتح الهمزة وسكون الشين واحدها: شَرَّط
بفتحهما: علاماتها، ومنه سمي الشرط؛ لأنهم يعلمون لأنفسهم
علامات وقيل: أوائلها ومقدماتها. وقيل: صغار أمورها، واحدها :
شرط كما سلف.
وجزم صاحب ((المحكم)) و(الجامع)) بأنه أوائلها، وفي ((الغريبين))
عن الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض
إنما هي علامة يجعلونها بينهم(١).
قَالَ النووي في ((شرحه)))(٢): والمراد - والله أعلم- بأشراطها
السابقة لا أشراطها المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج
الدابة ونحوهما.
الحادية بعد العشرين: قوله وَله: ( ((أن تلد الأَمَّةُ رَبَّهَا)))، وفي رواية
(١) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٤/١.
(٢) من (ف).

١٧٩
كتاب الإيمان
لمسلم: ((ربتها))(١)، وفي رواية: ((بعلها))(٢).
ومعنى الأولتين: السيد. كما يُقال: رب الدار، وهو إخبار عن كثرة
السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال
الإنسان صائر إلى ولده غالبًا، وقد يتصرف فيه في حياته تصرف
المالكين إما بإذن أبيه له فيه أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال،
وهذا ما عليه الأكثرون.
وعبر بعضهم عنه بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة فتكون
الأَمَة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح
والتسري، وقيل: معناه: أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة
رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وولي أمورهم، وهذا قول
إبراهيم الحربي.
وقيل: معناه: أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في
آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو
لا يدري.
وعلى هذا القول لا تختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن،
فإن الأمة قد تلد حرًّا بوطءٍ غير سيدها بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو
زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى
يشتريها ابنها وبنتها؛ وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل
بتحريم بيع أمهات الأولاد، وقيل: إن أم الولد لما عتقت بولدها
فكأنه سيدها.
(١) مسلم برقم (١/٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ..
(٢) مسلم برقم (٦/٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ..

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقيل: معناه: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة
السيد أمته من الإهانة. وقيل: غير ذَلِكَ مما فيه ضعف(١).
وأما رواية: ((بعلها)) فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو
المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف.
قَالَ أهل اللغة: بَعْلُ الشيء: ربُّه ومالكه(٢). قَالَ تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ
[الصافات: ١٢٠] أي: ربًّا؛ قاله ابن
١٢٥
عباس والمفسرون(٣)، وقيل: المراد هنا: الزوج.
بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ
وعلى هذا معناه نحو ما سبق: أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج
الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول
أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى
واحد كان أولى.
ومع هذا فللقائل بأن المراد الزوج أن يقول: ليس في هذا ترجيح
هنا؛ لأن المراد هنا بيان علامات من علامات الساعة وهي غير منحصرة
في هذا المذكور، فإن من جملتها: رفع العلم، وظهور الجهل، وظهور
الزنا، وقلة الرجال، وكثرة النساء، وكثرة الهرج، وتوسيد الأمر إلى غير
أهله، وغير ذَلِكَ مما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وهذه
العلامات قد وقع أكثرها وتزايدت. ونسأل الله حسن الخاتمة.
الثانية بعد العشرين: ليس في الحديث دلالة على إباحة بيع أمهات
الأولاد، ولا منع بيعهن، وقد استدل به إمامان جليلان أحدهما: على
(١) أنظر هذِه الأقوال في ((المفهم)) ١٤٨/١.
(٢) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٦٢/١.
(٣) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٥٢٠/١-٥٢١ (٢٩٥٧٠-٢٩٥٧١-٢٩٥٧٢-٢٩٥٧٣).