النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الإيمان
٣٣ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وزدناهم هدى﴾ [الكهف: ١٣] وقُولُه:
﴿وَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِمَنًا﴾ [المدثر: ٣] وَقَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ
وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرِ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ
بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ
خَيْرِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: ((مِنْ
إِيمَانٍ)). مَكَانَ: ((مِنْ خَيْرِ)). [٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم:
١٩٣ - فتح: ١٠٣/١]
٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ،
أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الَخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ
اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَغْشَرَ اليَهُودِ نَزَّلَتْ
لَأَخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْكَانَ
الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ وَلّهِ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمعَةٍ. [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ -
مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١٠٥/١]
تَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ بَيَّ
قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ
خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرِ،
وَيَخَّرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرِ). وقَالَ
أَبَانُ: نَا قَتَادَةُ، ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: (مِنْ إِيمَانٍ)). مَكَانَ ((مِنْ خَيْرِ)).

١٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، ثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، ثنَا
قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا
مِنَ الْيَهُودِ قَالُ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا
مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا.
قَالَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ
مَلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: في التعريف برواة الحديثين:
وقد (سلف) (١) التعريف بعمر وأنس وقتادة.
أما حديث أنس فبقي منه هشام ومسلم بن إبراهيم.
أما هشام فهو ابن أبي عبد الله (سَنْبر)(٢) الدَّسْتوائي بفتح الدال
وإسكان السين المهملة وفتح التاء، واقتصر السمعاني في ((أنسابه))(٣)
على ضمها ثم واوًا وآخره همزة ممدودة بلا نون، وقيل: الدستواني
بالقصر والنون، والصحيح: المشهور الأول، ودستوا: كورة من كور
الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها (٤).
سمع جمعًا من التابعين منهم أبو الزبير، وعنه الحفاظ منهم: شعبة
وأبو داود الطيالسي وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد:
(١) في (ج): سبق.
في (ف)، (ج): سندر، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢)
(٣) ((الأنساب)) ٣١٠/٥.
(٤) «معجم البلدان)) ٤٥٥/٢.

١٢٣
كتاب الإيمان
لا يسأل عنه، ما أرى الناس يَرْؤُون عن أثبت منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حجة إلا أنه كان يرى
القدر. وقال العجلي: لم يكن داعية إليه. مات سنة أربع، وقيل:
ثلاث. وقيل: سنة اثنتين. وقيل: إحدى وخمسين ومائة(١).
وأما مسلم بن إبراهيم فهو أبو عمرو البصري القصاب الأزدي
الفراهيدي مولاهم، وفراهيد -بفتح الفاء وبالدال المهملة، ووقع في
شرح شيخنا قطب الدين بالمعجمة- بن شبابة بن مالك بن فهم بن
عمرو بن أوس بطن من الأزد، ومنهم الخليل بن أحمد الإمام النحوي.
سمع خلقًا من الكبار منهم: شعبة وهشام، وعنه الأعلام منهم: ابن
معين والذهلي والبخاري وأبو داود، وروى مسلم والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن رجل عنه.
قَالَ أبو زرعة: سمعته يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قط، وكان
أتى عليه نيف وثمانون سنة، وقال أحمد بن عبد الله: سمع من سبعين
أمرأة، وكان ثقة عمي بآخره(٢).
وقال يحيى بن معين: هو ثقة مأمون وقال أبو حاتم: ثقة صدوق.
مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين بالبصرة، وكان مولده سنة ثلاث
(وثلاثين)(٣) ومائة (٤).
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٧٩/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٩٨/٨ (٢٦٩٠)،
((معرفة الثقات)) ٣٣٠/٢ (١٩٠٣)، ((تهذيب الكمال)) ٢١٥/٣٠ (٦٥٨٢).
(٢) ((معرفة الثقات)) ٢٧٦/٢.
(٣) في (ج): وثمانين.
(٤) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٤/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/٧
(١٠٧٩)، ((الجرح والتعديل)) ١٨٠/٨ (٧٨٨)، ((تهذيب الكمال)) ٤٨٧/٢٧
(٥٩١٦)، ((السير)) ٣١٤/١٠ - ٣١٨.

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فائدة :
سند حدیث أنس هذا كله بصریون.
وأما أبان فهو ابن يزيد أبو يزيد البصري العطار سمع قتادة وغيره،
وعنه (الأعلام)(١): الطيالسي وغيره، أخرج له البخاري متابعة هنا،
وقال في كتاب الصلاة؛ وقال موسى: حدثنا أبان عن قتادة. وأخرج
له مسلم استقلالًا في البيوع وغيره، وروى له أبو داود والترمذي
والنسائي.
قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، ووثقه يحيى بن معين
(٢)
والنسائي(٢).
وقول البخاري: (وقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، ثَنَا أَنَسٌ). إنما أتى به
لتصريح قتادة بالسماع؛ فإنه (يدلس) (٣)، وإن عنعن في الأول، وإن
كان كل ما في الصحيحين من هذا النوع يحمل على الاتصال كما
سلف في الفصول السابقة أول الكتاب، وأتى به لزيادة أيضًا في
المتن (وهي)(٤) قوله: ((من إيمان)) مكان ((خير)) يعني: قَالَ في روايته:
((يخرج من النار من قَالَ: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من
إيمان))، و((وزن برة من إيمان))، و((وزن ذرة من إيمان)) وهو دال على
زيادة الإيمان ونقصه وتفاوته.
(١) من (ج).
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٥٤/١ (١٤٥٢)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ١/
١٩٩ (١٨)، ((الثقات)) ٦٨/٦، ((تهذيب الكمال)) ٢٤/٢ (١٤٣).
(٣) في (ج): مدلس.
(٤) في (ج): وهو.

١٢٥
كتاب الإيمان
فائدة :
في أبان لغتان: الصَّرْفَ؛ على أنه فعال كغزال ونظائره، والهمزة
أصل وهي فاء الكلمة، ومَنْعُه على أن الهمزة زائدة والألف بدل من
ياء وجعله أفعل فمنع صرفه؛ لوزن الفعل مع العلمية.
والصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون صرفه، وغلط
(بعضهم) (١) من منع صرفه حتى قَالَ بعضهم: لا يَمْنَعُ صَرفَ أبان
إلا أتان. قَالَ ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل من
أبان يبين، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبين. بالتصحيح.
وأما حديث عمر فالراوي عنه طارق بن شهاب بن عبد شمس بن
سلمة بن هلال بن عوف بن جُشْم بن زفر بن عمرو بن لؤي بن رُهم بن
معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار أبو عبد الله البجلي
الأحمسي -بطن منها - الكوفي الصحابي.
رأى النبي سير وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي
الله عنهما ثلاثًا وثلاثين، أو ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن
الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، مات سنة ثلاث
وثمانين، وقيل: سنة اثنتين. وقيل: سنة أربع. وجزم شيخنا قطب
الدين في ((شرحه)) بأنه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو ما حكاه
ابن أبي خيثمة عن ابن معين (١)، وهو وهمٌ كما نبّه عليه المزي(4).
(١) كذا في (ف) وفي (ج): أكثرهم.
(٢) ((شواهد التوضيح)) ص٢١٣.
(٣) ((تاريخ ابن أبي خيثمة)) ٥١/٣(٣٧٨٠).
(٤) (تهذيب الكمال)) ٣٤٣/١٣، وانظر ترجمته في: ((تاريخ ابن أبي خيثمة)) ٤٩/٣
(٣٧٧٢)، ((الطبقات الكبرى)) ٣٢٣/٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٥٣/٤ (٣١١٥)، =

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح حسد
قُلْتُ: وأخرج له البخاري عن أبي بكر(١) وابن مسعود(٢)، ومسلم
عن أبي سعيد(٣)، وأبو داود(٤) والنسائي(٥) عن النبي ◌َّ.
فائدة :
قَالَ أبو داود: رأى طارق النبي وَّ ولم يسمع منه شيئًا (٦).
فائدة أخرى :
بجيلة هي أم ولد أنمار بن أراش، وهي بنت صعب بن سعد
العشيرة(٧).
وأما قيس فهو أبو عمرو قيس بن مسلم الجدلي الكوفي العابد، سمع
طارق بن شهاب ومجاهد وغيرهما، وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما.
مات سنة عشرين ومائة(٨)، وأهمله شيخنا في ((شرحه)).
وأما أبو العُمَيْس فهو بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم ياء مثناة
تحت ساكنة، ثم سين مهملة، وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن
مسعود الهذلي المستوردي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله
المسعودي.
= ((الجرح والتعديل)) ٤٨٥/٤ (٢١٣٠)، ((تهذيب الكمال)) ٣٤١/١٣ -٣٤٣ (٢٩٥٠).
(١) سيأتي برقم (٣٩٥٢) كتاب المغازي.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢١) كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
(٣) برقم (٤٩) كتاب الإيمان.
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٠٦٧).
(٥) ((المجتبى)) ١٧٢/١ -١٧٣.
(٦) ((سنن أبي داود)) ٦٤٤/١.
(٧) بجيلة بنت صعب بن علي بن سعد العشيرة ذكرها ابن عبد البر في ((الاستيعاب))
٣٠٨/١ (٣٠٨).
(٨) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣١٧/٦، ((التاريخ الكبير)) ١٥٤/٧ (٦٩١)،
((الجرح والتعديل)) ٧/ ١٠٣ (٥٨٨)، ((تهذيب الكمال)) ٨١/٢٤ (٤٩٢١).

=
١٢٧
= كتاب الإيمان
سمع جمعًا من التابعين منهم: الشعبي وقيس، وعنه ابن إسحاق
وهو تابعي وشعبة وخلق، وثَّقوه، مات سنة عشرين ومائة(١).
وأما جعفر فهو أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن (عمرو)(٢) بن
حريث القرشي المخزومي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين، منهم يحيى
الأنصاري، وعنه ابن راهويه وغیره.
قَالَ ابن معين: ثقة. وقال أحمد: صالح، ليس به بأس. مات سنة
ست، وقيل: سنة سبع ومائتين. قيل: عن سبع وتسعين وقيل: عن
سبع وثمانين(٣).
وأما الحسن فهو أبو علي الحسن بن الصباح بن محمد البزار -آخره
راء مهملة - الواسطي سكن بغداد، وكان من الثقات الخيار، صاحب
سُنَّة، سمع وكيعًا وغيره، وعنه البخاري(٤)، وروى الترمذي أيضًا عن
رجل عنه، مات ببغداد سنة تسع وأربعين ومائتين(٥)، قَالَه الكلاباذي
وغيره (٦).
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٦٦/٦، ((التاريخ الكبير)) ٥٢٧/٦
(٣٢١١)، ((الجرح والتعديل)) ٣٧٢/٦ (٢٠٥٤)، ((تهذيب الكمال)) ٣٠٩/١٩
(٣٧٧٦).
(٢) في (ج): عمر.
(٣) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٩٦/٦، (التاريخ الكبير)) ١٩٧/٢
(٢١٧٩)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢٧٠/١ (٢٢٥)، ((تهذيب الكمال)) ٧٠/٥
(٩٤٨).
(٤) ورد بهامش (ف) ما نصه: وأبو داود والترمذي، زاد صاحب (الكمال)) النسائي،
وهو ما في ... لابن عساكر.
(٥) انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١٩/٣ (٧١)، ((الثقات)) ١٧٧/٨، («تاريخ
بغداد)» ٣٣٠/٧ (٣٤٨٥)، ((تهذيب الكمال)) ١٩١/٦ (١٢٣٦).
(٦) أنظر: ((الجمع بين رجال الصحيحين)) لابن القيسراني ١/ ٨٣.

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال ابن عساكر وغيره: سنة ستين ومائتين. فعلى هذا تكون وفاته
(بعد)(١) البخاري بأربع سنين.
الوجه الثاني: في ضبط الألفاظ الواقعة فيه:
(يَخْرُج)). يجوز فيه ضم الياء وفتحها، والذرة -بفتح الذال وتشدید
الراء- واحدة الذر المعروف، وهي أقل الأشياء الموزونات، قاله
المهلب(٢)، وهي هنا: التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص،
وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة إنما هو بزيادة الأعمال،
وسيأتي ذَلِكَ أيضًا.
وقال عياض: الذر: النمل الصغير. وعن بعض نقلة الأخبار أنه
الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، ويروى عن ابن
عباس: إذا وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب
فهو ذرة.
قَالَ: وحكي أن أربع ذرات خردلة، وقيل الذرة من ألف وأربعة
وعشرين جزءًا من شعيرة، وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء (٣).
والمعشر: سلف بيانه في قصة هرقل. والجمعة بضم الميم،
وإسكانها، وفتحها، حكى الفتح الفراء والواحدي وغيرهما قالوا:
لأنه يجمع الناس(٤) كما يقال: رجل حطمة.
(١) في (ف)، (ج): قبل، وهو خطأ فاحش، فالبخاري توفي سنة ست وخمسين
ومائتين، فيكون الحسن بن الصباح قد مات بعده لا قبله على هذا القول.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٢/١.
(٣) ((مشارق الأنوار))٢٦٨/١-٢٦٩ مادة: ذرا.
(٤) ((معاني القرآن)) ١٥٦/٣، ((الوسيط)) ٢٩٦/٤.

١٢٩
- كتاب الإيمان
وقوله: (لا تخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا معناه: لعظمناه وجعلناه)(١) عيدًا
لنا في كل سنة؛ لعظم ما يحصل فيه من كمال الدين.
وقول عمر : (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ).
معناه: أنا لم نهمل هذا، ولا خفي علينا زمن نزولها ومكانها،
ولا تركنا تعظيم ذَلِكَ اليوم والمكان:
أما المكان وهو عرفات فهو معظم (الحج)(٢) الذي هو أحد أركان
الإسلام.
وأما الزمان فيوم الجمعة ويوم عرفة، وهو يوم أجتمع فيه فضلان
وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم،
فقد اتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا وأي عيد، فعظمناه وعظمنا مكان النزول،
وهذا كان في حجة الوداع، وعاش ◌َّو بعدها ثلاثة أشهر.
ومعنى (﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾﴾ [المائدة: ٣] الفرائض والسنن واستقر
الدين، وأراد الله تعالى قبض نبيه، وكمال الدين إنما يحصل بتمام
الشريعة، فتصور الكمال يقتضي تصور النقصان وليس المراد:
التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية، فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها
فإيمانه أكمل من إيمان من قصر.
وقوله: ( (وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرِ)) ) وفي الرواية الأخرى (من إيمان))
قَالَ المهلب فيما نقله ابن بطال: المراد بالشعيرة والبرة والذرة: زيادة
الأعمال التي يكمل بها التصديق؛ (لا أنها)(٣) من نفس التصديق(٤)،
(١) من (ج).
(٢) من (ج).
(٣) في (ف): لأنها.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١/ ١٠٢.

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
وهذا موافق للرواية الأخرى في ((الصحيح)) أنه قَالَ بعد ذكره الذرة: ((ثم
يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط))(١) يعني غير التوحيد.
وقال غيره: يحتمل أن تكون الشعيرة وما بعدها من نفس التصديق؛
لأن قول: لا إله إلا الله لا ينفع حتى ينضم إليه تصديق القلب، والناس
يتفاضلون على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى:
﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَا﴾ [التوبة: ١٢٤].
[التكاثر: ٧]
ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ الْيَفِينِ ﴾﴾
فجعل له مزية على علم اليقين، وهذا التأويل هو الصحيح المختار كما
قَالَه النووي(٢).
الوجه الثالث: في فقهه:
وهو دال على ما ترجم البخاري له وهو زيادة الإيمان ونقصه، وقد
سبق تقريره في أول كتاب الإيمان.
وفيه: دخول طائفة من عصاة الموحدين النار.
وفيه: أن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يكفرون بفعلها
ولا يخلدون في النار.
وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون النطق بكلمتي
الشهادة ولا النطق من غير اعتقاد. وهذا مذهب أهل السنة في هذِه
(٣)
المسائل(٣).
(١) ((صحيح مسلم)) (١٨٣/ ٣٠٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) ((شرح النووي على مسلم)) ٣١/٣.
(٣) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ بقراءة الشيخ برهان الدين الحلبي على مؤلفه في ...
وسمعه الصفدي والبستاني والسحوري والعاملي ... وابن المصنف والباسطي ...
والكرخي ....

١٣١
=
كتاب الإيمان
٣٤ - باب الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْل الله تعالى: ﴿وَمَّا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ
حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ
[البينة: ٥].
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَیْلِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ
أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ
عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)). فَقَالَ: هَلْ
عَلَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ)). قَالَ:
هَلْ عَلَّيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ الزَّكَاةَ. قَالَ:
هَلْ عَلَيَّ غَبْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ: فَأَذْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ
عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)). [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ -
مسلم: ١١ - فتح: ١٠٦/١]
ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَه
مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى
دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ
فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)). فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ)). قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ
تَطَوَّعَ)). قَالَ: وَذَكَرَ لَّهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ:
((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ عَلَىَ هُذا
وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سعد
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات(١) عن إسماعيل
كما ترى، وفي: الصوم(٢)، وترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن
جعفر عن أبي سهيل(٣).
وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة عن مالك(٤)، وعن يحيى بن أيوب
وقتيبة عن إسماعيل به. وقال مسلم: في حديث يحيى: وقال وَلّ:
((أفلح وأبيه إن صدق))(٥).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم غير طلحة وهو أبو محمد طلحة بن عبيد
الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن
لؤي بن غالب القرشي التيمي.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، يجتمع مع رسول الله وَ لل في الأب
السابع (كعب)(٦) مثل الصديق، أسلمت أمه وهاجرت، شَهِد المشاهد
كلها إلا بدرًا كسعيد بن زيد، وقد ضرب له رسول الله صل18 بسهمه
وأجره فيها، وكان الصديق إذا ذكر أُحدًا قَالَ: ذَلِكَ يوم كله لطلحة.
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٨) باب: كيف يُسْتَحلف.
(٢) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٥٦) كتاب: الحيل.
(٤) مسلم (٨/١١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان
الإسلام.
(٥) مسلم (٩/١١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان
الإسلام.
(٦) من (ج).

١٣٣
كتاب الإيمان
وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرًا،
وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا
على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله وَل
وهو عنهم راض.
وهو ممن ثبت مع رسول الله ټل﴾ يوم أحد ووقاه بيده ضربة قصد بها
فشلت، رماه مالك بن زهیر یوم أحد، فالتقاها طلحة بیده عن وجه رسول
الله وَله فأصابت خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حس. فقال
وَلّه : ((لو قَالَ: بسم الله لدخل الجنة))(١) والناس ينظرون.
وقيل: إنه جُرح في ذَلِكَ اليوم خمسًا وسبعين جراحة وشلت
إصبعاه، وذكر ابن إسحاق أنه وَّ ر نهض ليعلو صخرة وقد كان تترس
وظاهر بین درعین، فلم يستطع، فجلس طلحة تحته فنهض به حتى
استوى عليها، فقال ◌َله: ((أوجب طلحة حين فعل برسول الله وله
ما فعل))(٢).
وسماه النبي وَّر: طلحة الخير وطلحة الجود.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد
البخاري بحدیثین، ومسلم بثلاثة.
قتل يوم الجمل أتاه سهم لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر
خلت من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين، وقيل:
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ٢١٧/٣، الحاكم في ((المستدرك)) ٣٦٩/٣.
(٢) رواه الترمذي (١٦٩٢)، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وابن سعد في ((طبقاته))
٢١٨/٣، وأحمد ١٦٥/١، وأبو يعلى ٣٣/٢ (٦٧٠)، والحاكم في ((المستدرك))
٣٧٣/٣-٣٧٤، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (١٧٨٣).

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
اثنتين وستين. وقيل: ثمان وخمسين. (وقبره)(١) بالبصرة(٢).
روى عنه السائب بن يزيد الصحابي وجمع من التابعين، روينا عن
عائشة مرفوعًا: ((طلحة ممن قضى نحبه، وما بدلوا تبديلا))(٣).
فائدة :
طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله (اثنان) (٤)، هذا
أحدهما، وثانيهما: التيمي(٥)، وكان يسمى أيضًا: طلحة الخير،
فأشكل على الناس.
فائدة :
قد أسلفنا نكتة في سماع جد مالك من طلحة في باب: علامات
(المنافق)(٦)، فراجعها.
(١) في (ج): وقبر.
(٢) أنظر ترجمته في :
((الطبقات الكبرى)) ٢١٤/٣-٢٢٥، ((فضائل الصحابة)) ٩٢٨/٢-٩٣٥، ((التاريخ
الكبير)) ٣٤٤/٤ (٣٠٦٩)، («أسد الغابة)) ٨٥/٣ (٢٦٢٥)، ((تهذيب الكمال)) ١٣/
٤١٢-٤٢٦، ((الإصابة)) ٢٢٩/٢ (٤٢٦٦). وأثر أبي بكر رواه الطيالسي ٨/١-٩
(٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ٨٧ .
(٣) رواه الترمذي (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) ٢/
٥٩٨-٥٩٩ (١٣٩٩)، والطبراني في ((الكبير)) ٣٢٤/١٩-٣٢٥ (٧٣٩)،
((الأوسط)) ١٧٨/٥ (٥٠٠٠)، والحاكم ٤١٥/٢، قال الترمذي: هذا حديث
غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه. اهـ وصححه الألباني في
((صحيح الجامع)) (٣٩١٦).
(٤) في (ج): أسمان.
(٥) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) ٩٠/٣ (٢٦٢٦)، ((الإصابة)) ٢٣٠/٢ (٤٢٦٧).
(٦) في (ج): (المنافقين).

١٣٥
- كتاب الإيمان
ثالثها :
هذا النجدي هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر(١) قاله
القاضي (٢) مستدلًّا بأن البخاري سماه في حديث الليث، يريد
ما أخرجه في باب: القراءة والعرض على المحدث. عن شريك عن
أنس قَالَ: بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل
فأناخه في المسجد. وفيه: ثم قَالَ: أيكم محمد؟ وذكر الحديث(٣).
وقال فيه: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. فجعل حديث
طلحة هذا وحديث أنس هذا له، وتبعه ابن بطال وغيره(٤).
وفيه نظر لتباين ألفاظهما ومساقهما كما نبه عليه القرطبي(٥)، وأيضًا
فابن إسحاق فمن بعده كابن سعد وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير
حديث أنس(٦).
رابعها: في ألفاظه ومعانيه:
﴿ حُنَفَآءَ﴾: في الآية - جمع: (حنيف)(٧). وهو: المائل، وقيل:
المستقيم. والمراد هنا: المائل عن الشرك وغيره من أنواع الضلالة
إلى الإسلام والهداية.
(١) انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٣٠٤/٢ (١٢٧٠)، («أسد الغابة» ٥٧/٣ (٢٥٦٨)،
((الإصابة)) ٢١٠/٢ (٤١٧٧).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢١٦/١.
(٣) سيأتي برقم (٦٣) كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم ....
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٤٣/١.
(٥) ((المفهم)) ١/ ١٦٢ - ١٦٥.
(٦) ((الطبقات)) ٢٩٩/١، ((الاستيعاب)) ٣٠٤/٢ - ٣٠٥.
(٧) في (ف): حنيفة.

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي: دين الملة
المستقيمة(١). و(نجد): بلاد معروفة، وهو ما بين جَرْس وسواد
الكوفة، وحدّه من الغرب الحجاز.
و(ثائر الرأس): منتفش شعر رأسه. و(نسمع) و(نفقه) - بالنون
المفتوحة وبالياء المضمومة - روايتان، والنون أشهر وأكثر وعليها
الاعتماد، والدَّوي: بفتح الدال على المشهور، وحكى صاحب
((المطالع)) ضمها أيضًا، ومعناه: بعده في الهوى وخلوه. أي: بحيث
لا يفهم، ولهذا لما دنا فهم كلامه وأنه يسأل عن الإسلام.
و(إذا): للمفاجأة، و((تطَّوَّع)) بتشديد الطاء والواو على إدغام أحد
التائين في الطاء، ومنهم من جوَّز تخفيف الطاء على الحذف، والأول
هو المشهور.
ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. وفي ماضيه لغتان: تطوع، واطوَّع
وكلاهما تفعل، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل
ليتمكن من النطق بالساكن، فأما المضارع للمخاطب فيجوز فيه:
تَطَّوَّع بالتشديد على الإدغام، وتتطوع بتائين من غير إدغام، وتطوع
بالتخفيف على حذف إحدى التائين، وأي التائين هي المحذوفة فيه
خلاف ليس هذا موضعه.
والفلاح: الفوز والبقاء. أي: يبقى في النعيم. والعرب تقول لكل من
أصاب خيرًا: (مفلح)(٢). قَالَ ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح: إذا أدرك
مطلوبه(٣).
(١) انظر: ((زاد المسير)) ١٩٩/٩.
(٢) في (ج): أفلح.
(٣) ((جمهرة اللغة)) ٥٥٥/١.

١٣٧
كتاب الإيمان
وقوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَام). أي: عن شرائعه، كما ذكره
البخاري في كتاب: الصيام (١)، بخلاف حديث جبريل فإنه (سأله)(٢)
عن حقيقة الإسلام (١)، وإنما أجابه بها؛ لأنه كان مسلمًا، وكان وَلّ-
فهم عنه أنه إنما سأل عن ما يتعين عليه فعله.
ويحتمل أنه سمَّى الأفعال إسلامًا كما سميت إيمانًا في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم كما مضى في
موضعه.
خامسها: في فوائده وأحكامه :
الأولى: ما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام وموضع الدلالة
قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام). فذكر الصوم والصلاة والزكاة
وهذا ظاهر في كونها من الإسلام، وهو والإيمان بمعنّى كما سلف.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فإنه إشارة إلى
الصلاة والزكاة.
الثانية: أن (الصلوات)(4) الخمس واجبة على كل مكلف في كل
يوم وليلة، وخرج بالمكلف الحائض والنفساء، وكذا الصبي والمجنون،
والكافر مكلف بها على المذهب الصحيح أنهم مخاطبون بالفروع كما
في التوحيد، وفيه قولٌ ثان: أنهم غير مخاطبين بها، وفيه قول ثالث:
أنهم مخاطبون بالنواهي كالخمر والزنا؛ لأنه يصح منهم تركه دون
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): سأل.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ف): الصلاة.

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الأوامر، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الأصول(١).
الثالثة: عدم وجوب قيام الليل، وهو إجماع في حق الأمة وكذا في
حق سيدنا رسول الله وَليل على الأصح(٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء
الله وقدره.
الرابعة: عدم وجوب الوتر(٣) والعيدين(٤)، وهذا مذهب الجمهور
فيهما.
وقال أبو حنيفة وطائفة: الوتر واجب(٥). وقال الإصطخري من
الشافعية: صلاة العيد فرض كفاية(٦).
الخامسة: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان (٧)،
وهذا مجمع عليه الآن، وكان فيه خلاف في صوم عاشوراء قبل
رمضان، فقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا: كان فرضًا. وقال أكثر
أصحابنا : كان ندبًا.
(١) انظر: ((تخريج الفروع على الأصول)) ص٩٨ - ٩٩، ((التمهيد)) للإسنوي ص١٢٦-
١٢٧.
(٢) انظر ((الإقناع في مسائل الإجماع)) ٥١١/٢-٥١٢ (٩٤٩-٩٥١).
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٢٤/١-٢٢٥ (١٦٣)، و«عقد الجواهر
الثمينة)) ١٣٣/١، ((روضة الطالبين)) ٣٢٨/١، ((المقنع)) ١٠٥/٤.
(٤) أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة))١٧٣/١، ((البيان)) ٦٢٤/٢-٦٢٥، ((المغني،٢٥٣/٣.
وذهب الحنفية إلى وجوب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة. أنظر:
((الهداية)) ١/ ٩٢.
(٥) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)»٢٢٤/١-٢٢٥ (١٦٣)، ((المحيط البرهاني»٢/
٤٧٦ -٤٧٧.
(٦) انظر: ((البيان)) ٢/ ٦٢٥.
(٧) انظر: ((المحيط البرهانى))٣٦٢/٣-٣٦٣، و((عقد الجواهر الثمينة))٢٥٩/١-٢٦٠،
«المغني»٤٣٨/٤-٤٤٢.

١٣٩
كتاب الإيمان
=
السادسة: جواز قول: رمضان. من غير ذكر شهر، وسيأتي بسط
ذَلِكَ في كتاب الصيام، حيث ذكره البخاري إن شاء الله تعالى.
(السابعة)(١): أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.
الثامنة: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛
لأن الرجل حلف هكذا بحضرته الشريفة ولم ينكر عليه، وقد سلف
ما في هذه المسألة من التفصيل في باب: أحب الدين إلى الله أدومه.
التاسعة: اختلف العلماء في قوله وَّةَ: ((إلا أن تَطَوَّعَ)) فقال الشافعي
وأصحابه وغيرهم ممن يقول لا تلزم النوافل بالشروع: هو استثناء منقطع
(تقديره: لكن إن تطوعت فهو خير لك. وهؤلاء يقولون: من شرع في
صوم تطوع أو صلاة تطوع استُحِب له إتمامها ولا يجب، بل يجوز
قطعهما. وقال آخرون: هو أستثناء متصل)(٢).
وهؤلاء يقولون: يلزم التطوع بالشروع؛ لأنه الأصل في الاستثناء،
وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالقياس على حج
التطوع وعمرته.
العاشرة: قيل: الفلاح في قوله: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)). راجع إلى قوله:
(ولا أنقص). خاصة، والأظهر أنه راجع إليه وإلى الزيادة بمعنى أنه إذا
لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان
مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذَلِكَ لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا
مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع
الواجب أولى.
(١) من (ف).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

١٤٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الحادية عشرة: إن قُلْتَ: كيف قَالَ: (لا أزيد على هذا) وليس فيه
جميع الواجبات ولا المنهيات ولا السنن المندوبات، وأقره الشارع
وزاده بقوله: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ))؟.
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاري في أول كتاب الصيام زيادة
توضح ذَلِكَ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ وََّ بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ
لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضََ اللهُ عَلَيَّ (١).
فعلى عموم قوله: بشرائع الإسلام وقوله: مما فرض الله. يزول
الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فيحتمل أن هذا كان قبل
شرعها، ويحتمل أن المراد أنه لا يزيد في الفرض لتغيير صفته كأنه
قَالَ: لا أصلي الظهر خمسًا. وهذا ضعيف جدًا، لأنه قَالَ -فيما
أسلفناه -: لا أتطوع.
والجواب الصحيح أنه على ظاهره، وأنه أراد أنه لا يُصلي النوافل
بل يحافظ على كل الفرائض. وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته
على ترك النوافل (مذمومة)(٢) وترد بها الشهادة إلا أنه غير آثم بل هو
مفلح ناج، وإن کان فاعل النوافل أکمل فلاحًا منه.
الثانية عشرة: لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في
حديث جبريل القيا من رواية أبي هريرة(٣)، وكذا غيرهما من الأحاديث
لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها
صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يذكر في بعضها الإيمان.
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): مفهومة.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي عن الإيمان ...