النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
= كتاب الإيمان
يكن (ثابتًا)(١) بالكتاب، وقد نسخ به، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى
اُلْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فنسخ العهد والصلح على ردهن، وبقوله
تعالى: ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] نسخ تحريم المباشرة وليس في
القرآن، وصوم عاشوراء برمضان، وعلى الثانية بأنه نُسِخَت الوصية
للوالدين والأقربين بقوله: ((لا وصية لوارث))(٢) ونسخ الإمساك في
البيوت بالرجم والجلد الثابت بالسنة.
وأجاب المانعون عن قصة القبلة بأنها نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر
أولًا كان يخير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ
وَجْهُ اُللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثم نسخ باستقبال القبلة.
التاسعة: جواز النسخ بخبر الواحد، وهو ما مال إليه القاضي أبو بكر
وغيره من المحققين، كما نقله القاضي عياض عنهم (١)، واختاره
الغزالي(٤) والباجي(6) وأهل الظاهر(٦)، ووجهه أن العمل بخبر
الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به،
وأبعد بعضهم فقال: النسخ به كان جائزًا في زمنه، وإنما منع بعده.
والمختار كما قَالَ الغزالي: وقوع نسخ السنة المتواترة بالآحاد عقلًا
(١) من (ف).
(٢) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حديث حسن
صحيح، وأحمد ٢٦٧/٥، والطيالسي ٢/ ٤٥٠ (١٢٢٣)، وعبد الرزاق ١٤٨/٤ -
١٤٩ (٧٢٧٧)، والطبراني ٨/ ١٣٧ (٧٦٢١) من حديث أبي أمامة، وصححه
الألباني في ((الإرواء)) (١٦٥٥).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٤٤٥.
(٤) ((المستصفى)) ٢٤٠/١ - ٢٤١.
(٥) ((إحكام الفصول)) ص٤١٧.
(٦) (الإحكام في أصول الأحكام)) ص٥١٨-٥٢٤.

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
لو تعبد به وسمعًا في زمانه ◌َ 98 بدليل قصة قباء، وأما بعده فممنوع
بإجماع الصحابة على أن خبر الواحد لا يرفع قاطعًا (١).
العاشرة: أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه
استعلام ذَلِكَ من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه.
وقد اختلف العلماء فيما حكاه القاضي فيمن أسلم في دار الحرب أو
أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلمه الشرائع، ولا علم أن الله
فرض شيئًا من الشرائع، ثم علم بعد ذَلِكَ هل يلزمه قضاء ما مر عليه من
صيام وصلاة لم يعلمها؟
فذهب مالك والشافعي (في آخرين) (٢) إلى إلزامه، فإنه قادر على
الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أن ذَلِكَ
يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من
يستعلمه فلا شيء عليه. قَالَ: وكيف يكون الله فرض على من لم
[يعلم](٣) بفرضه (٤).
(١) ((المستصفى)) ٢٤٠/١.
(٢) في (ف): وآخرين.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، من ((الإكمال)).
(٤) ((إكمال المعلم)) ٤٤٨/٢.

١٠٣
كتاب الإيمان
٣١ - باب: حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَبِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ
الْخُذْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ
يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا)). [فتح:
٩٨/١]
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَغْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ
حَسَنَّةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا
تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا)). [مسلم: ١٢٩ - فتح: ١ / ١٠٠]
قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا
سَعِيدِ الخُدْرِيَّ هِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: (إِذَا أَسْلَمَ
العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلْفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا
إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا)).
حَدَّثَنَي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَةٌ فَكُلُّ
حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ
يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا)»(١) .
(١) ذكر في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على ... وسمعه
الشيخ شمس الدين ... والصفدي والعاملي والباسطي والفخر الرازي. المصنف
والبغوي وابن ... ونور الدين ... محمد بن ... وسمعه آخرون ... والصفدي سمعه
بتدريسه قاله إبراهيم الحلبي القارئ.

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الكلام عليهما (من وجوه)(١):
أما حديث أبي سعيد فمن وجوه :
الأول :
هذا الحديث أخرجه هنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم
يسمع منه، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ.
فقال أبو ذر: (أنا) (٢) النضروي، ثنا الحسين بن إدريس، (ثنا)(٣)
هشام بن (خالد)(٤)، (ثنا)(٥) الوليد بن مسلم، (ثنا)(٦) مالك، فذكره .
وأسنده النسائي، عن أحمد بن المعلى بن يزيد، عن صفوان بن
صالح، عن الوليد بن مسلم، عن مالك(٧).
وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال: أخبرني الحسن بن سفيان،
(ثنا)(٨) حميد بن قتيبة الأسدي قَالَ: قرأت على عبد الله بن نافع
الصائغ، أن مالكًا أخبره قَالَ: (وأخبرني) (٩) عبد الله بن محمد بن
مسلم (١٠)، أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، حدثني يحيى بن عبد الله بن
بكير، نا عبد الله بن وهب، أنبأنا مالك بن أنس -واللفظ لابن نافع-
(١) من (ج).
(٢) كذا في (ف) وفي (ج): أخبرنا.
(٣) في (ف): نا.
(٤) في (ف)، (ج): خلف، والمثبت من ((تغليق التعليق)) ٤٤/٢، ((فتح الباري)) ١/
٩٩، ((عمدة القاري)) ٢٨٦/١.
(٥) في (ف): نا.
(٦) في (ف): نا.
(٧) النسائي ١٠٥/٨-١٠٦.
(٨) في (ف): نا.
(٩) في (ف): أخره.
(١٠) آنظره في ((المعجم)) للإسماعيلي ٢/ ٦٩٥.

١٠٥
كتاب الإيمان
=
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول
الله وَلّ قَالَ: «إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل
ـف العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة،
والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله))
أنبأنا به (غير واحد منهم) (١) شيخنا قطب الدين الحلبي، أنبأنا
محمد بن عبد المنعم المؤدب، أنبأنا أبو بكر بن باقا (٢) (أنبأنا)(٣)
يحيى بن ثابت، أنبأنا أبو بكر أحمد البرقاني، أنبأنا أحمد بن
إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي فذكره.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث أسقط البخاري بعضه، وهو حديث
مشهور من رواية مالك في غير ((الموطأ)) ونصه: ((إذا أسلم الكافر
فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة
كان زلفها)» وذكر باقيه بمعناه، قَالَ: وذكره الدارقطني في ((غرائب
حديث مالك)) من تسعة طرق، وأثبت فيها كل ما أسقطه البخاري:
((إن الكافر إذا حسن إسلامه يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في
الشرك ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء)) وهو كقوله ◌َّ* في
حديث حكيم بن حزام: ((أسلمت على ما أسلفت من خير)) (٤).
(١) من (ف).
.(٢) هو الشيخ الأمين المرتضى المسند، صفي الدين، أبو بكر عبد العزيز ابن أبي
الفتح أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا البغدادي الأصل، الحنبلي التاجر
السّفّار نزيل مصر. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاثن
وستمائة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٥١/٢٢ - ٣٥٢، (الذيل)) لابن
رجب ١٨٧/٢، ((شذرات الذهب)) ١٣٥/٥ - ١٣٦.
(٤) سيأتي برقم (١٤٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم.
(٣) في (ف): أنا.

١٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
قَالَ: ومعنى ((حسن إسلامه) ما جاء في حديث جبريل وَّ: (( أن تعبد
الله كأنك تراه) (١). أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة،
هذا آخر كلام ابن بطال (٢).
وقال الدارقطني في كتاب ((غرائب مالك)): أتفق هؤلاء التسعة: ابن
وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، ورزين بن شعيب، وإسحاق
الفروي، وسعيد الزبيري، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار،
وعبد العزيز بن يحيى، فرووه عن مالك عن زيد، عن عطاء، عن أبي
سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك، عن زيد، عن
عطاء، عن أبي هريرة.
الوجه الثاني: (في)(٣) التعريف برجاله: وقد سلف.
الثالث: في ألفاظه وأحكامه:
قوله: ( «زلّفه») هو بتشديد اللام كما ضبطه النووي، يُقال: زلَّفه
يزلِّفه تزليفًا إذا قدمه، وأزلفه إزلافًا مثله، ويقع في بعض النسخ: أزلفها.
قَالَ ابن سيده: زلف الشيء وزلفه: قدمه. عن ابن الأعرابي، وأزلف
الشيء: قربه (٤).
وفي ((الجامع)): الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي
(الصحاح)): الزلف: التقدم عن أبي عبيد. وتزلفوا وازدلفوا أي:
تقدموا (٥)، وفي ((الجمهرة)): الزليف -بياء مثناة تحت قبل الفاء- ثم
(١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل عن الإيمان و ....
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٩٩.
(٣) من (ج).
(٤) ((المحكم٩٩/ ٤١، ٤٢.
(٥) ((الصحاح)) ٤/ ١٣٧٠، مادة (زلف).

١٠٧
- كتاب الإيمان
فسره بالتقدم من موضع إلى موضع(١).
قُلْتُ: فمعنى أزلفها هنا: أكتسبها وقدمها وقربها قربة إلى الله
تعالى، وازدلفت مثل أزلفت، وازدلفت القوم: (جَمَعْتُهم)(٢)، ومنه
سميت المزدلفة؛ لجمعها الناس، وقيل: لقرب أهلها من منازلهم.
مفتعلة من زلفت أبدلت التاء دالًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَّةُ أُزْلِفَتْ
[التكوير: ١٣] أي: قربت وأدنيت(٣) ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ
٦٤
١٣
[الشعراء: ٦٤] أي: قَرَّبْنَاهم(٤).
قَالَ أهل اللغة: هذا من باب ما جاء على فعل وأفعل لاختلاف
معنى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] فهي هنا اسم مصدر كأنه
قَالَ: ازدلافًا، وأما زلف زلفى ثلاثيًا فبمعنى: تقدم، والزلفة
والزلفى: القربى والمنزلة (٥).
وقوله: ( (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ)) ) أي: أسلم إسلامًا محققًا بريئًا من
الشكوك، ولا يشترط في تكفير سيئات زمن الكفر وكتب حسناته أن
يكثر من الطاعات في الإسلام، ويلازم المراقبة والإخلاص في أفعاله
كما (سلف)(٦).
ثم أعلم أن هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام السالف مما
اختلف في معناه، فقال أبو عبد الله المازري ثم القاضي وغيرهما :
(١) ((جمهرة اللغة)) ٢/ ٨٢١ مادة: زلف.
(٢) في (ف)، (ج): جميعهم، والمثبت هو الصواب، كما في ((الأفعال)) لابن القوطية
ص١٧٣.
(٣) انظر: ((تفسير الطبري)) ٤٦٦/١٢ (٣٦٤٧٣).
(٤) أنظر: ((تفسير الماوردي)) ١٧٥/٤.
(٥) انظر: ((تهذيب اللغة)) ١٥٤٨/٢ مادة: (زلف).
(٦) في (ج): سبق.

١٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر (التقرب فلا يثاب
على طاعة)(١)، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب (كنظيره)(٢) في
الإيمان؛ فإنه مطيع (فيه)(٣) من حيث إنه موافق للأمر، والطاعة عندنا
موافقة الأمر، ولا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا
بالمتقرَّب إليه، فيتأول حديث حكيم على أنه أكتسب أخلاقًا جميلة
ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل، أو أنه يزاد في
حسناته في الإسلام بسبب ذَلِكَ، أو أنه سبب لهدايته إلى الإسلام(٤).
وتعقبهم النووي في ((شرحه)) فقال: هذا الذي قالوه ضعيف بل
الصواب الذي عليه المحققون - وقد ادُّعِي فيه الإجماع- أنّ الكافر إذا
فعل (أفعالًا جميلة)(٥) على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة
رحم وإعتاق وضيافة ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له
كل ذَلِكَ ويثاب عليه إذا مات على الإسلام.
ودليله حديث أبي سعيد السالف فهو نص صريح فيه، وحديث
حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد (ورد)(٦)
الشرع به فوجب قبوله.
وأما دعوى: كونه مخالفًا للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء:
لا تصح العبادة من كافر ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم: لا يعتد بها في
(١) في (ج): القرب ولا يثاب عليها.
(٢) في (ف)، (ج): به. والمثبت هو الصواب، كما في ((المعلم))، و((إكمال المعلم)).
(٣) في (ف)، (ج): كنظره، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في ((شرح مسلم))
للنووي ١٤٢/٢.
(٤) (المعلم)) ٧٦/١، ((إكمال المعلم)) ٤١٥/١.
(٥) في (ج): فعلا جميلًا.
(٦) في (ج): ولا ورد.

١٠٩
= كتاب الإيمان
أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الكافر(١)، فإن أقدم قائل عَلَى
التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فَيُرَدُّ
قوله بهُذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا،
فقد قَالَ الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفّر في حال كفره
أجزأه ذَلِكَ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها.
واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة
الغسل؟ والأصح: اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل
كافر كل (طهارة)(٢) غسلًا كانت أو وضوءًا أو تيممًا وإذا أسلم صلى
بها(٣).
ثم حديث الباب حجة لمذهب أهل الحقِّ أن أصحاب المعاصي
لا يُقطع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، ومناسبة التبويب زيادة
الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال.
وأما الحديث الثاني: وهو حديث أبي هريرة:
فالكلام عليه من وجوه:
هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق
أحدها :
به (٤).
ثانيها: في التعريف برجاله غير (ما)(٥) سلف.
(١) أي في الآخرة، كما في ((شرح مسلم)).
(٢) في (ج): طاهرة.
(٣) ((شرح النووي على مسلم)) ١٤١/٢.
(٤) (١٢٩) في الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
(٥) في (ج): من.

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أما همام فهو أبو عقبة همام بن منبه بن كامل بن سَيج، بسين مهملة
مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، وقيل: بكسر السين وفتح الياء ثم
جيم، اليماني الصنعاني الذماري، بكسر الذال المعجمة، ويقال:
بفتحها ، وذِمار على مرحلتين من صنعاء(١)، الأبناوي، بفتح الهمزة
ثم باء موحدة ساكنة ثم نون ثم ألف ثم واو .
قَالَ أبو علي الغساني: نسبة إلى الأبناء وهم قوم باليمن من
(ولد)(٢) الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك
الحبشة باليمن، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، فولدهم يقال لهم:
الأبناء(٣).
وقال أبو حاتم بن حبان: كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس
من العرب يقال له: أبناوي وهم الأبناء.
وهمام هذا أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب، سمع ابن عباس
وأبا هريرة، وعنه أخوه وآخرون، وهو ثقة مات سنة إحدى، وقيل:
اثنتين وثلاثين ومائة (٤).
(فائدة :
همام بن منبه من الأفراد وإن كان في الصحابة والتابعين من يشترك
معه في الاسم دون الأب.
(١) ((تقييد المهمل)) ١/ ٩٦.
(٢) في (ج): أبناء.
(٣) أنظر: ((معجم البلدان)) ٧/٣.
(٤) أنظر ترجمة همام في: ((الطبقات الكبرى)) ٥٤٤/٥، (التاريخ الكبير)) ٢٣٦/٨
(٢٨٤٧)، ((الثقات)) ٥١٠/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٩٨/٣٠ (٦٦٠٠)، وانظر
(الثقات)) ٥١٠/٥ وقد سبق في المقدمة.

١١١
كتاب الإيمان
فائدة أخرى :
لا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين)(١).
وأما عبد الرزاق فهو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري،
مولاهم اليماني الصنعاني. سمع خلقًا من الأعلام: مالكًا وغيره، وعنه
خلق من الأئمة والحفاظ: أحمد وابن معين وغيرهما. وأحواله ومناقبه
مشهورة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قَالَ معمر: خليق أن تضرب
إليه أكباد الإبل، وقال أحمد: ما رأيت أحسن منه.
وأما ابن عدي: فنقل عن ابن معين أنه ليس بقوي، وعن ابن معين
أنه قيل له: تركت حديث عبد الرزاق؟ فقال: لو ارْتَدَّ ما تركته (٢).
ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب وأن الواقدي أصدق
منه(٣)، قَالَ ابن عدي: ونسب إلى التشييع، وقد روى أحاديث في
(٢) ((الكامل)) ٥٣٨/٦.
(١) من (ج).
(٣) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ١٠٩/٣ وفيه: والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق
کذاب، ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه.اهـ
قال الذهبي في ((السير)) ٩/ ٥٧١ - ٥٧٢.
قلت: بل والله ما بَرَّ عباس في يمينه، وبئس ما قال، يَعْمد إلى شيخ الإسلام
ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح- وإن كان له أوهام مغمورة،
وغيره أبرع في الحديث منه- فيرميه بالكذب ويُقَدم عليه الواقدي الذي أجمعت
الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذِه خارق للإجماع بيقين.اهـ
وقال في ((الميزان)) ٣٢٥/٣: هذا ما وافق العباس عليه مُسْلِمُ، بل سائر الحفاظ
وأئمة العلم يحتجون به إلا تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى.اهـ
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٢/ ٥٧٤ معقبًا على كلام الذهبي:
وهذا إقدام على الإنكار بغير تثبّت، فقد ذكر الإسماعيلي في ((المدخل عن
الفرهياني أنه قال: وحدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: لم يخرج أحد
من هؤلاء الكبار من ههنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه انتهى.
=

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات،
فهذا أعظم ما ذمُّوه به من روايته للمناكير(١)، وقال النسائي في
((ضعفائه)): فيه نظر لمن كتب عنه بآخره(٢).
وزاد بعضهم عن النسائي: كتبت عنه أحاديث مناكير، وقال البخاري
في ((تاريخه الكبير»: ما حدَّث به عبد الرزاق من کتابه فهو أصح(٣).
وأما إسحاق بن منصور فهو أبو يعقوب إسحاق (خ، م، ت، س،
ق) بن منصور بن بهرام - بكسر الموحدة- الكوسج من أهل مرو سكن
نيسابور، ورحل إلى الحجاز والعراق والشام وسمع الأعلام منهم ابن
عيينة، وعنه البخاري ومسلم وبقية الجماعة إلا أبا داود، وروى
الترمذي أيضًا عن رجل عنه في آخر ((جامعه)).
قَالَ مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. وقال
النسائي: ثقة ثبت. وقال الخطيب: كان فقيها عالمًا، وهو الذي دوَّن
عن أحمد وابن راهويه المسائل ". مات في جمادى الأولى سنة
إحدى وخمسين ومائتين ).
= قال الحافظ: وهذا وإن كان مردودًا على قائله فغرض من ذكره الإشارة إلى أن
للعباس بن عبد العظيم موافقًا.اهـ
(١) ((الكامل)) ٥٣٨/٦.
(٢) ((الضعفاء)) للنسائي ص٧٠ (٣٧٩).
(٣) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٣٠/٦ (١٩٣٣)، ((الكامل)) ٥٣٨/٦ (١٤٦٣)،
((تهذيب الكمال)) ١٨/ ٥٢ (٣٤١٥)، قال ابن حجر في ((تقريب التهذيب)) ص ٣٥٤
(٤٠٦٤): ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٦٢/٦، والكتاب طبع في مجلدين باسم: ((مسائل الإمام أحمد
وإسحاق بن راهويه رواية الكوسج)).
(٥) انظر: ((التاريخ الكبير)) ٤٠٤/١ (١٢٩١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٧٤/٢ (٣٨٣)،
((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٨/١٢ (٩٨)، ((تهذيب التهذيب)) (١٢٦٨).

١١٣
كتاب الإيمان
=
ثالثها :
أَخَذَ بظاهر هذا الحديث بعض العلماء وقال: التضعيف لا يتجاوز
سبعمائة، حكاه الماوردي عن بعضهم، والجمهور -كما حكاه النووي
عنهم- (على)(١) خلافه وهو أنه لا يقف على سبعمائة بل يضاعف الله
لمن يشاء أضعافًا كثيرة زائدة على ذَلِكَ، ويدل عليه ما أخرجه مسلم
في كتاب الإيمان، والبخاري في كتاب الرقاق من حديث ابن عباس
عن رسول الله وَّ فيما يروي عن ربه وثَّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ
وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِلَكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ
حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا وعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ
إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»(٢).
فقوله: ((إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» دال عَلَى الزيادة على (سبعمائة)(٣).
وفي كتاب ((العلم)) لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل:
(نا) (٤) شيبان الأيلي، (نا)(٥) سويد بن حاتم، نا أبو العوام الجزار، عن
أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة -﴾- أنه قَالَ: ((إنَّ الله تعالى يعطي
بالحسنة ألفي ألف حسنة))(٦).
(١) في (ج): في.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٩١) باب: من هم بحسنة أو سيئة، ورواه مسلم (١٣١) باب: إذا
هم العبد بحسنة.
(٣) في (ج): السبعمائة.
(٤) في (ج): حدثنا.
(٥) في (ج): ثنا. وكذا التي بعدها.
(٦) رواه أحمد ٥٢١/٢، البيهقي في ((الزهد الكبير)) ٧٨/٢ (٧١٣)، أورده الهيثمي في
«المجمع)) ١٤٥/١٠ وقال: رواه أحمد بإسنادین والبزار بنحوه، وأحد إسنادي
أحمد جيد. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٩٧٥) لأن مداره على عليّ بن زيد
وهو ابن جدعان وطريق المصنف مختلفة.

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٢ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللّهِ رَكْ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ هِشَامِ قَالَ: أَخْبَرَنٍ أَبِي، عَنْ
عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا آَمْرَأَةً، قَالَ: ((مَنْ هذِه؟)). قَالَتْ:
فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: (مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللّهُ حَتَّى
تَمَلُّوا)). وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [١١٥١ - مسلم: ٧٨٥ - فتح: ١ /
١٠١]
ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا أَمْرَأَةٌ قَالَ: ((مَنْ هذِه). قَالَتْ:
فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ (من العمل)(١) بِمَا تُطِيقُونَ،
فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا)). وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ
صَاحِبُهُ.
وو
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة، وقال فيه:
كانت عندي امرأة من بني أسد(٢)، وسماها في مسلم، لكن قَالَ فيه:
إن الحولاء بنت (تويت)(٣) بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها
وعندها رسول الله. فقلت: هذِه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها
لا تنام الليل. فقال : ((لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون
(١) كذا في (ف)، (ج)، وليست في اليونينية، ولم أقف على من أشار إليها إلا الشيخ
زكريا الأنصاري في («منحة الباري بشرح صحيح البخاري)) ٢٠٩/١ بتحقيقنا، ط
الرشد، والله أعلم.
(٢) سيأتي برقم (١١٥١) أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد.
(٣) في (ف): تويب.

١١٥
- كتاب الإيمان
فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا))(١).
وذكره مالك في ((الموطأ)) وفيه: فقيل له: هُذِه الحولاء لا تنام الليل.
فكره ذَلِكَ رسول الله وَّر حتى عرفت الكراهية في وجهه(٢).
وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة (٣) ثم ذكر حديث هشام عن
أبيه عروة(٤).
كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: أنه ◌َّ دخل عليها
وعندها أمرأة. فيحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى.
الثاني: في التعريف برجاله:
وقد سلف، (وهشام سيأتي في الباب بعده)(٥).
الثالث :
هذِه المرأة هي الحولاء كما سلف، وهي - بحاء مهملة والمد - بنت
تويت بتائين مثناتين من فوق مُصغّر، وهي امرأة صالحة مهاجرة عابدة (٦).
الرابع: في ألفاظه :
(قولها:)(٧) (تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا) : -هو بالمثناة أول- تذكر مفتوحة
(١) ((مسلم)) (٢٢٠/٧٨٥) صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته
أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك.
(٢) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٩٣.
(٣) هي الرواية السابقة.
(٤) مسلم (٢٢١/٧٨٥).
(٥) ما بين المعقوفين من (ج).
(٦) هي الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي أسلمت وبايعت
الرسول ﴿ وكانت من المجتهدات في العبادة، انظر: ((الطبقات)) ٢٤٤/٨، ((حلية
الأولياء)) ٦٥/٢، ((الاستيعاب)) ٣٧٧/٤ (٣٣٤٢)، ((الإصابة)) ٢٧٨/٤ (٣١٥).
(٧) من (ج).
٠

١١٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
على المشهور، كما قَاله النووي قَالَ: وروي بالمثناة تحت مضمومة
(على)(١) ما لم يسم فاعله، و((مه)): كلمة زجر وكف(٢).
قَالَ الجوهري: مه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به
الفعل، ومعناه: أكفف. فإن وصلت نونت فقلت: مهٍ مٍ، ويقال:
مهمهت به أي: زَجَرْتَهُ(٣).
فأراد ◌َّه زجرها بالسكوت، ثم أبتدأ بقوله: ((عَلَيْكُمْ من العمل بِمَا
تُطِيقُونَ)). أي: الزموا ما تطيقون الدوام عليه.
(قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل
النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال:
وهو أنسب للسياق)(٤) والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل على
سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي(٥).
قَالَ أبو الزناد والمهلب: إنما قَالَ وَلَّ ذَلِكَ خشية الملال اللاحق،
ويمل -بفتح الياء- وكذا تملوا - (هو)(٦) بفتح التاء والميم- ومعنى:
الملالة: السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا؛ لأن
الملال من صفة المخلوقين، وهو ترك الشيء استثقالا وكراهة له بعد
حرص ومحبة فيه، وهُذِه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه:
لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل(٧).
(١) من (ف).
(٢) انظر: ((المجمل)) ٨١٤/٢ مادة: (مهه).
(٣) ((الصحاح)) ٦/ ٢٢٥٠ مادة: (مهه).
(٤) ما بين المعقوفين من (ج).
(٥) ((المنتقى))٢١٣/١، (إكمال المعلم)) ١٤٧/٣.
(٦) من (ج).
(٧) سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن هذا الحديث، هل يفهم منه أن الله =

١١٧
=
- كتاب الإيمان
وقيل: معناه: لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة(١) وغيره، وحكاه
الخطابي(٢) وآخرون وأنشدوا عليه شعرًا، ومثله قولهم في البليغ:
فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي: لا ينقطع إذا انقطعت
خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له
= يوصف بالملل؟
فأجاب قائلا: من المعلوم أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أننا نصف الله
-تبارك وتعالى- بما وصف به نفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، فإذا كان هذا
الحديث يدل على أن لله مللًا فإن ملل الله ليس كمثل مللنا نحن بل هو ملل ليس فيه
شيء من النقص، أما ملل الإنسان فإن فيه أشياء من النقص؛ لأنه يتعب نفسيًّا
وجسميًّا مما نزل به لعدم قوة تحمله، وأما ملل الله إن كان هذا الحديث يدل عليه
فإنه ملل يليق به - - ولا يتضمن نقصًا بوجه من الوجوه.
وعن سؤال آخر قال: جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((فإن الله
لا يمل حتى تملوا» فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن
ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه
وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو کمال وليس فيه نقص، ويجري فيه کسائر
الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا.
ومن العلماء من يقول إن قوله: ((لا يمل حتى تملوا)) يراد به بيان أنه مهما عملت من
عمل فإن الله يجازيك عليه فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من
العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل.
ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأن قول
القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهنا أيضًا ((لا يمل حتى تملوا)) لا
يستلزم ثبوت الملل لله ®د.
وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله - تعالى- منزه عن كل صفة نقص من
الملل وغيره وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل
المخلوق.
انظر: ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) ١٧٤/١ - ١٧٥.
(١) ((تأويل مختلف الحديث)) ص٤٨٦.
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٧٣/١.

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فضل على غيره(١)، وقيل: إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه
المازري(٢)، وفيه ضعف.
وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٣)، لأن القليل
الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر.
الخامس: في أحكامه وفوائده:
الأول: مراد البخاري بالباب أن الدين يطلق على الأعمال وقد سبق
أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة:
(وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه) أي: أحب الأعمال كما جاء
مصرحًا (به) (٤) في غير هذِه الرواية(٥).
الثاني: الدين هنا: الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج ((يمرقون من
الدين))(٦). أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي
((المحكم)): الدين: الإسلام. وقد دنت به، وفي حديث علي: محبة
العلماء دين يدان به (٧) والدينة كالدين(٨)، وفي ((الجامع)): الدين:
العبودية والذل، والدين: الملة والدين: (الخالص)(٩).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٠/١ - ١٠١.
(٢) ((المعلم)) ٢٢٢/١.
(٣) في (ف): صاحب العمل.
(٤) من (ج).
(٥) سيأتي من حديث عائشة (٥٨٦١) كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير.
(٦) سيأتي برقم (٣٣٤٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ
أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
(٧) قطعة من أثر رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٧٩/١ - ٨٠، والخطيب في ((تاريخ بغداد))
٣٧٩/٦ (٣٤١٣)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٢٠/٢٤-٢٢١، والذهبي في
((تذكرة الحفاظ)) ١١/١. باختلاف فى اللفظ.
(٨) ((المحكم)) ١٠٦/١٠.
(٩) في (ج): الحال.

١١٩
كتاب الإيمان
=
قُلْتُ: والدين الخالص في الآية: التوحيد(١)، والحكم في قوله:
((في دين الله)) والدين اسم لجميع ما يتعبد الله تعالى به خلقه.
الثالث: استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه
تعالى(٢).
الرابع: جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان
(فيه)(٣) تفخيم أمر أوجب عليه، أو تنفير عن أمر محذور، ونحو ذَلِكَ.
قَالَ أصحابنا: يُكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا
كانت في طاعة كالبيعة (على)(٤) الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في
دعوى فلا تكره إذا كان صادقًا(٥).
الخامس: فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم.
السادس: بيان شفقته ورأفته بأمته ◌َ ر؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم
وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس تكون فيه أنشط،
والقلب منشرح، فتستمر العبادة، ويحصل مقصود الأعمال، وهو
الخضوع فيها واستلذاذها، والدوام عليها، بخلاف من تعاطى من
الأعمال ما لا يمكنه الدوام، وما يشق عليه، فإنه مُعَرَّض لأن يتركه
كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته الخير العظيم.
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) ١٠/ ٦١١.
(٢) أعلم رحمك الله أن المجاز قد اختلف في أصل وقوعه، هل في اللغة مجاز أم لا؟
ثم أعلم أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند القائلين بنفي المجاز
أسلوب من أساليب اللغة العربية، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الكلام على
المجاز في مواضعه.
(٣) من (ف).
(٤) في (ج): في.
(٥) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٠/١١.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد قَالَ رَليه في الحديث: ((ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد))(١)
وقد ذمَّ الله تعالى من أعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾.
إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاْ﴾ [الحديد: ٢٧] والأحاديث الصحيحة
دالة عليه في قوله: ((لا تكن كَفُلَان كان يقوم الليل فتركه))(٢)، وقد ندم
عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصته وية في التخفيف
في العبادة.
السابع: كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرین،
وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به (٣).
قَالَ القاضي عياض: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبًا
وفي رسول الله أسوة، ثم قَالَ: لا بأس به ما لم يضر ذَلِكَ بصلاة
الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور
و(كسل)(٤) فلا بأس به(٥).
(١) سيأتي برقم (١١٥٠) في الصلاة، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، ورواه
مسلم (٢١٨/٧٨٤) في صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته ..
(٢) سيأتي برقم (١١٥٢) كتاب: الصلاة، أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد،
ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٥)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر.
(٣) أنظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ٧١/٦، ٧٣، ((المجموع)) ٥٣٧/٣،
((الفروع)) ٥٦١/١.
(٤) في (ج): كلُّ.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٣/ ١٥٠.