النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الإيمان
المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح (به
الجمهور)(١) إذ كان أفضل من كان على وجه الدنیا حينئذ.
وتأول غيره بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين
في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا (يعطون)(٢) بيعة حتَّى نقضوا
ذَلِكَ، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر،
وفيهم عدد ولهم منعة وشوكة، ولو أظهر تسليمهم أولًا أو القصاص منهم
لاضطرب الأمر، ومنهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي
عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما
باغية فيقاتلوها(٣).
التاسع :
قوله وَّ: ( ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) ) وفي رواية أخرى:
((إنه قَدْ أراد قتل صاحبه)) (٤) فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه
الجمهور: أن العزم عَلَى الذنب، والعقد عَلَى عمله معصية يأثم به
وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن
يقول: هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال(٥).
(١) في (ج): الجمهور به.
(٢) في الأصل: يطيعون، والصواب ما أثبتناه كما في ((المفهم)) ٢١٣/٧.
(٣) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٤٢١/٨ - ٤٢٢، ((المفهم)» ٢١٢/٧ - ٢١٣، ((مسلم بشرح
النووي)) ١٨/ ١١.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٧٥) كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٥) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٤٢١/٨.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
· الحديث الثاني: حديث أبي ذر.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سليمان عن شعبة، وأخرجه
في: العتق: عن آدم عن شعبة أتم من هذا(١)، وفي الأدب: عن
عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه(٢)، وأخرجه مسلم في: الأيمان
والنذور، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وعن أحمد بن
يونس، عن زهير، وعن (أبي كريب)(٣)، عن أبي معاوية، وعن
(إسحاق بن إبراهيم) (٤)، عن عيسى بن يونس، كلهم، عن الأعمش،
وعن أبي موسى(٥) وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن واصل
كلاهما، عن المعرور (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف ترجمة شعبة وسليمان.
وأما أبو ذر فهو جُنْدب -بضم الجيم والدال، وحُكي فتح الدال،
وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد
الجنادب، الذي هو طائر- وقيل: اسمه بُرَير -بضم الموحدة وراء
مكررة- بن جندب. والمشهور الأول. (جُندُب)(٧) بن جُنادة - بضم
(١) سيأتي برقم (٢٥٤٥) كتاب: العتق، باب: قول النبي ◌َّ: ((العبيد إخوانكم .. )).
(٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) في الأصول: أبي بكر، والمثبت هو الصواب كما في مسلم.
(٤) في الأصول: إسحاق بن يونس، والمثبت من ((صحيح مسلم)).
(٥) هو محمد بن المثنى.
(٦) مسلم (١٦٦١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك.
(٧) من (ف).

٢٣
- كتاب الإيمان
الجيم - بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مُلَيل -بضم
الميم وفتح اللام- بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن
مدركة الغفاري، السيد الجليل.
أسلم قديمًا، جاء عنه أنه قَالَ: أنا رابع أربعة في الإسلام (١).
ويقال: كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثمَّ رجع إلى بلاد قومه فأقام
بها حتَّى مضت (بدر)(٢) وأحد والخندق، ثمَّ رجع إلى المدينة.
وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهورة في ((الصحيح))(٢)، ومناقبه
جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع
عيسى ◌َّةٍ وزهده(٤).
(١) رواه ابن حبان ٨٣/١٦ (٧١٣٤)، الطبراني في ((الكبير)) ١٤٧/٢ (١٦١٧،
١٦١٨)، الحاكم ٣٤١/٣-٣٤٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
یُخرجاه.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٣٢٧: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما متصل
الإسناد ورجاله ثقات.
(٢) زيادة من (ج).
(٣) سيأتي برقم (٣٥٢٢) كتاب المناقب، باب قصة إسلام أبي ذر.
(٤) رواه الترمذي (٣٨٠٢)، والبزار في ((البحر الزخار)) ٤٥٨/٩ (٤٠٧٢)، والطبراني
في ((الأوسط)) ٢٢٣/٥ (٥١٤٨)، وابن عدي في ((الكامل)) ٤٨٥/٦ (١٤١٢)،
والحاكم ٣٤٢/٣، وابن حبان ٨٤/١٦، من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة
ابن عمار، عن أبي زميل - سماك بن الوليد- عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ
قال: قال لي رسول الله وَ له، وفيه: (( .. أصدق من أبي ذر، شبيه عيسى ابن مريم)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.اهـ
وقال البزار: وهُذِه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد، عن عكرمة لا نعلم
أحدًا شاركه فيها عن عكرمة.اهـ
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن عمار إلا النضر بن محمد
الجرشي.اهـ.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
روي لَهُ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى أثني
عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه: ابن
عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة أثنين
وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة.
وقد أوضحت ترجمته في كتابنا المسمى بـ ((العدة في معرفة رجال
العمدة)» فراجعها منه.
ومن مذهبه أنه يُحرم عَلَى الإنسان مازاد عَلَى حاجته من المال،
وكان قوالًا بالحق. وسُئل عليٍّ عنه فقال: ذاك رجل وعي علمًا عجز
عنه الناس، وأوكأ علمه، ولم يخرج شيئًا منه(١).
وعن أبي ذر قَالَ: تركنا رسول الله، وما يقلب طائرٌ جناحيه في
= وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.اهـ
والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف الترمذي)).
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٢٨/٤، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣٩٠/٦
(٣٢٢٥٧) من طريق أبي أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي
ذرّ، ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر)).
قال الذهبي في ((السير)) ٥٩/٢: أبو أمية بن يعلى واوٍ.اهـ
ورواه الطبراني في «الكبير)) ١٤٩/٢ (١٦٢٦) من طريق إبراهيم الهجري رفعه إلى
عبد الله بن مسعود، عن النبي ◌َ طاهر، بلفظ: ((من سره أن ينظر إلى شبيه عيسى ابن
مريم خَلْقًا وخُلُقًا فلينظر إلى أبي ذرّ)).
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٣٣٠: رواه الطبراني. وفيه: إبراهيم الهجري، وهو
ضعيف، وإبراهيم مع ضعفه لم يدرك ابن مسعود.اهـ
والحديث في الجملة صحيح بشواهده عند الألباني كما في ((الصحيحة)) (٢٣٤٣).
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٥٤/٢، ٢٣٢/٤، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ))
٥٣٩/٢ - ٥٤٠، والطبراني في ((الكبير)) ٢١٣/٦ (٦٠٤١).

٢٥
= كتاب الإيمان
السماء، إلا ذكرنا منه علماً (١). وعن أبي مرثد قَالَ: جلست إلى أبي ذر
إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا فقال أبو ذر:
والله لو وضعتم عَلَى هذِه - وأشار إلى حلقه- أن أترك كلمة سمعتها من
رسول الله لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ(٢).
كان طوالًا آدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قَالَ:
ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّى ما ترك لي الحق
(٣)
صديقًا(٣).
(١) رواه أبو داود الطيالسي ٣٨٥/١ (٤٨١)، وأحمد ٥/ ١٥٣، ١٦٢ من طريق الأعمش،
عن منذر الثوري، عن أصحاب له عن أبي ذرّ.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٥٤/٢، وأحمد ١٦٢/٥ من طريق فطر بن خليفة،
عن منذر الثوري، عن أبي ذرّ.
قال البزار في ((البحر الزخار)» (٣٨٩٧) ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذرّ.اهـ
ورواه البزار في «البحر الزخار» (٣٨٩٧)، والطبراني في «الكبير» ١٥٥/٢ - ١٥٦
(١٦٤٧)، وابن حبان ٢٦٧/١ (٦٥) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد
المقرىء، عن ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٣/٨: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني
رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، وهو ثقة، وفي إسناد
أحمد من لم يسم.اهـ
والحديث صحح إسناده الألباني في ((الصحيحة)) (١٨٠٣).
ورواه أبو يعلى فى («مسنده» (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء قال: قال
أبو الدرداء، ثم ساقه.
وعزاه الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٨٤٦) لابن منيع، وقال: رواته ثقات إلا
أنه منقطع واختلف على فطر.اهـ
(٢) سيأتي هذا التعليق في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.
(٣) رواه ابن سعد في (الطبقات)) ٢٣٦/٤. وانظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٣٢١/١-
٣٢٤، ((أسد الغابة)) ٣٥٧/١(٨٠٠)، ((الإصابة)» ٦٢/٤ (٣٨٤).
-ے

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما المعرور فهو : -بعين مهملة وراء مكررة- أبو أمية المعرور بن
سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه:
واصل والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو
أسود الرأس واللحية. قَالَ يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة (١).
وأما واصل فهو: ابن حيان -بالمثناة تحت- الأسدي الكوفي
الأحدب. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم:
الثوري. قَالَ يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح
الحديث. مات سنة عشرين ومائة(٢).
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
الأول: الجاهلية: ما قبل الإسلام. سموا بذلك (لشدة جهالاتهم) (٣).
الثاني: الربذة - بفتح الراء ثمَّ موحدة ثمَّ ذال معجمة - عَلَى ثلاث
مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق(٤).
الثالث: الحلة: ثوبان لا يكون ثوبًا واحدًا، قاله أهل اللغة،
ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما
يحل عَلَى الآخر.
وفي أبي داود قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ، وعلى
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات)) لابن سعد ١٥/٧، (معرفة الثقات)) للعجلي ٢/
٢٨٧ (١٧٥٧)، ((الجرح والتعديل)) ٤١٥/٨ (١٨٩٥)، ((الثقات)) لابن حبان ٥٪
٤٥٧، ((تهذيب الكمال)) ٢٦٢/٢٨، ((سير أعلام النبلاء)) ١٧٤/٤.
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٧١/٨ (٢٥٩٠)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢/
٣٣٨(١٩٢٧)، ((الجرح والتعديل)) ٢٩/٩-٣٠ (١٣٣)، ((تهذيب الكمال)) ٣٠/
٤٠٠ -٤٠١، ((الكاشف)) ٣٤٦/٢ (٦٠٢٧).
(٣) في (ج): لكثرة جهالتهم.
(٤) انظر: ((معجم البلدان)) ٢٤/٣.

٢٧
: كتاب الإيمان
غلامه مثله. فقال القوم: يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي عَلَى غلامك
فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبًا آخر. فقال أبو ذر:
إني ساببت رجلًا. وذكر الحديث وفي آخره: ((إنهم إخوانكم، فضلَّكُم
الله عليهم، فمَنْ لم يلائمكم فبيعوه، ولا تُعذبوا خَلْقَ الله))(١).
الرابع: قوله: (فسألته عن ذَلِكَ). إنما سأله؛ لأن عادة العرب
وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون سيده.
الخامس: قوله وَّله: ((إنَّك امرؤٌ فيك جاهِليَّة))). معناه: إنك في
التعبير بأُمِّهِ عَلَى خُلُقٍ من أخلاق الجاهلية، ولستَ جاهليًّا محضًا،
وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم.
قيل: إنه عير الرجل بسواد أمه كما سيأتي، كأنه قَالَ: يا ابن السوداء
ونحوه. وقد ذكره البخاري في كتاب: الأدب، فقال فيه: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ
رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةٌ، فَتِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي لِلنَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ
لِي: ((أَسَابَيْتَ فُلَانًا؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَفَئِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ)). قُلْتُ: عَلَى سَاعَتِي هُذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ!
قَالَ: ((نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ)) .. الحديث وفي آخره: (فليُعنه عليه))(٢).
وجاء في مسلم في أول هذا الحديث: إنه كان بيني وبين رجل من
إخواني كلام، وفيه: فقال لَهُ وَّهِ: ((إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية)). فقلت:
يا رسول الله من سبَّ الرجال سبوا أباه وأمه. فقال: ((يا أبا ذر إنك
امرؤٌ فيك جاهلية))(٣).
(١) أبو داود (٥١٥٧). وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٢٨٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) في الأدب، باب ماينهى من السباب واللعن.
(٣) مسلم (١٦٦١) كتاب الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس،
ولا يكلفه ما يغلبه.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وجاء في رواية لمسلم ((فليبعه)) بدل ((فليعنه))، وهي وهم، كما نبَّه
عليه القاضي(١).
والصواب ما في البخاري كما رواه الجمهور. وفي غير البخاري أنه
وَ﴿ قَالَ لأبي ذر: «أعيرتَه بأُمِّه؟ ارفع رأسك فما أنت بأفضل ممن ترى من
الأحمر والأسود إلا أن تفضل (في دين)(٢).
وقد روي أن بلالًا كان هو الذي عيره بأمه، عن الوليد بن مسلم قَالَ:
كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة فعيره أبو ذر بسواد أمه. فانطلق بلال
إلى رسول الله وَّله فشكى إليه تعبيره بذلك، فأمره أن يدعوه.
فلما جاء أبو ذر قَالَ له: ((أشتمتَ بلالًا وعيرته بسواد أمه؟)) قَالَ:
نعم. قَالَ رسول الله وَلَهُ: ((ما كنتُ أحسب أنه بقي في صدرِك مِنْ أمرٍ
الجاهلية شيء)). فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثمَّ وضع خده عَلَى
التراب، وقال: والله لا أرفع خدي من التراب حتَّى يطأ بلال خدي
بقدمه. فوطئ خده.
السادس: قَدْ عرفت الرجل المبهم في هذا الحديث وأنه بلال، وأما
الغلام فلا یحضرني اسمه فليتتبع.
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٣٤/٥.
(٢) في (ج): في دين الله، والحديث رواه ابن راهويه ٤٢٧/١-٤٢٨ (٤٩٣)،
والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٣٤٣) من طريق كلثوم بن محمد، ثنا عطاء
الخراساني، عن أبي هريرة ﴾.
قلت: فیہ کلثوم قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لا یصح حديثه، وقال ابن
عدي: يحدث عن عطاء الخراساني بمراسيل وغيره مما لا يتابع عليه.
وعطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة، سئل يحيى بن معين هل سمع عطاء
الخراساني من أحد من الصحابة؟ قال: لا أعلمهُ. أنظر: ((الكامل في الضعفاء)» ٧/
٢١١، ((الجرح والتعديل)) ٧/ ١٦٤، ((مراسيل ابن أبي حاتم)) ص ١٥٧ (٥٧٦).

٢٩
= كتاب الإيمان
السابع: قوله ◌َّةِ: ( ((إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ))). قَالَ أهل اللغة: الخول:
الخدم. سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمور أي: يصلحونها، ويقومون
بها. يقال: خال المال يخوله إِذَا أحسن القيام عليه، وقيل: إنه لفظ
مشترك، تقول: خال المال، والشيء يخول وخلت أخول خولًا إِذَا
سست الشيء وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه. والخائل: الحافظ،
ويقال: خال المال، وخائل مال، وخولي مال، وخوَّله الله الشيء
أي: ملَّكه إياه(١).
الثامن: قوله: ( ((أَعَيَّرْتَهُ بِأُمَّهِ؟) ) فيه ردٌّ عَلَى [من] منع أن يقال:
عيره بكذا، وإنما يقال: عيره أمه وردوا عَلَىْ من قَالَ:
أيها الشامت المعير بالدهر
(٢)
والحديث حجة عليهم، والعار: العيب، والمعاير: المعايب.
الوجه الرابع في فوائده:
الأولى: ما ترجم لَهُ البخاري من أن المعاصي من أمر الجاهلية،
ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، واحترز بارتكابها عن اعتقادها، فإنه
إِذَا أعتقد حل محرم معلوم من دين الإسلام ضرورة كالخمر والزنا
وشبههما كفر قطعًا، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية
بعيدة عن العلماء، بحيث يجوز أن يَخْفى عليه تحريم ذَلِكَ؛ فإنه حينئذٍ
لا يَكْفر، بل يعرف تحريم ذَلِكَ، فإن أعتقد حله بعد ذَلِكَ كفر.
(١) انظر: ((المجمل)) ٣٠٧/١، ((النهاية في غريب الحديث)) ٨٨/٢.
(٢) عزاه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه ((الأغاني)) ١٣١/٢ لعدي بن زيد، والشطر
الثاني هو :
أأنتِ المبرأ الموفور

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وما ذكرناه من كونه لا يكفر بارتكاب المعاصي الكبائر هو مذهب
أهل السنة بأجمعهم، وشذ الخوارج فكفروه، والمعتزلة حيث حكموا
بتخليده في النار من غير تكفير، ومذهب أهل الحق أنه لا يخلد في
النار، وإن أرتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، كما جاءت
الأحاديث: ((وإن زنى، وإن سرق)).
واحتج البخاري بالآية السالفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق؛
لأن المراد: من مات عَلَى الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد: من تاب
لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة عَلَى ذَلِكَ، وإجماع
السلف علیه.
الثانية: النهي عن سبَّ العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحثُّ عَلَى
الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من
المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء،
ويلحق بالعبد من في معناه من أَجِيرٍ، وخادم، وضعيف، وكذا
الدواب، ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلف من العمل ما لا تطيق
الدوام عليه، فإن كلفه ذَلِكَ لزمه إعانته (عليه)(١) بنفسه أو بغيره.
الثالثة: عدم الترفع عَلَى المسلم، وإن كان عبدًا أو نحوه من
الضعفة؛ لأن الله تعالي قَالَ: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَّى
وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَئِكُمْ﴾ [الحجرات:
١٣]، وقد تظاهرت الدلائل عَلَى الأمر باللطف بالضعفة، وخفض
الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم.
(١) من (ج).

٣١
كتاب الإيمان
=
الرابعة: استحباب الإطعام مما يأكل، والإلباس مما يلبس،
ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق الدوام عليه، وسيأتي بسط ذَلِكَ في:
العتق، إن شاء الله.
الخامسة: المحافظة عَلَى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
السادسة: إطلاق الأخ عَلَى الرقيق.
السابعة: أن إطعام المملوك من الخبز وما يقتاته إطعام مما يأكله؛
لأن (من) للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل عَلَى العموم من
الأدم، وطيبات العيش، مع أن المستحب أن لا يستأثر عَلَى عياله،
ولا يفضل نفسه في العيش عليهم.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٣ - باب: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدٌ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَا نَزَلَتِ
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَله:
أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [٣٣٦٠، ٣٤٢٨،
٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ٨٧/١]
ثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ ثَنَا غندر، عَنْ شُعْبَةً،
عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتِ
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَلَيهِ :
أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
الكلام علیه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي: أحاديث الأنبياء عن أبي
الوليد (١) كما ترى، وفي: التفسير عن بندار عن ابن أبي عدي عن
شعبة (٢)، وفي أحاديث الأنبياء أيضًا: عن عمر بن حفص بن غياث
عن أبيه(٣)، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس(٤)، وفي التفسير (٥)
أيضًا، واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير (٦).
(١) سيأتي برقم (٣٤٢٨) باب: قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ ءَانْنَاَ لُقْمَنَ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٦٢٩) باب: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٦٠) باب: قول الله تعالى ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
(٤) سيأتي برقم (٣٤٢٩) باب: قول الله تعالي: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٧٦) باب: ﴿لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
(٦) سيأتي برقم (٦٩١٨) باب: إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة.

٣٣
= كتاب الإيمان
ورواه مسلم(١) هنا عن أبي بكر عن ابن إدريس، وأبي معاوية،
ووكيع، وعن إسحاق، وابن خشرم عن عيسى، وعن منجاب عن
علي بن مسهر، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش
عن إبراهیم به.
وقال فيه البخاري في بعض طرقه: لما نزلت الآية شقَّ ذَلِكَ عَلَى
أصحاب رسول الله - 8﴿ فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال رسول
الله ◌َّ: ((إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]))(٢) ولفظ مسلم قريب من هذا، فإن فيه:
قالوا: أينا لم يظلم نفسه. فقال وَ ل ـ: ((ليس هو كما تظنون إنما هو كما
قَالَ لقمان لابنه ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)).
ثانیھا :
مناسبة الحديث للتبويب أن الإيمان تمامه بالعمل، وأن المعاصي
تنقصه، ولا تخرجه إلى الكفر.
ثالثها: في التعريف برواته غير ما سلف وهو شعبة.
أما عبد الله بن مسعود (٣) فهو:
(أبو مسعود)(٤) عبد الله بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة
والفاء- بن حبيب بن شمخ بن مخزوم، ويقال: شمخ بن فار - بالفاء-
(١) مسلم (١٢٤) كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان.
(٢) سيأتي برقم (٦٩١٨) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله .
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٣٤٢/٢، ١٥٠/٣، ١٣/٦،
((فضائل الصحابة)) ١٠٥٦/٢، ((الاستيعاب)) ١١٠/٣- ١١٦، ((أسد الغابة)) ٣/
٣٨٤ (٣١٧٧)، ((تهذيب الكمال)) ١٢٧/١٦، ((الإصابة)) ٣٦٨/٢ (٤٩٥٤).
(٤) كذا في الأصول، والصواب: أبو عبد الرحمن، كما في مصادر الترجمة.

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن
مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي الكوفي السيد الجليل، أسلم بمكة
قديمًا، وهاجر إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد
كلها مع رسول الله رَحفتر، وكان كثير الدخول عليه.
روي لَهُ ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعون حديثًا. اتفقا منها
عَلَى أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة
وثلاثين.
روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وخلق من التابعين،
ومناقبه جمة، وكذا جلالته وكثرة فقهه، استوطن الكوفة، ومات
بها سنة أثنين وثلاثين، وقيل: ثلاث. وقال جماعة: مات بالمدينة،
ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة، وترجمته موضحة في ((رجال
العمدة)» تأليفي.
فائدة :
عبد الله بن مسعود في الصحابة ثلاثة، أحدهم هذا، وثانيهم
أبو عمرو الثقفي أخو أبي (عبيد)(١)، استشهد يوم الجسر كأخيه (٢)،
وثالثهم غفاري. وقيل: أبو مسعود لَّهُ حديث(٣)، وفيهم رابع، اختلف
في أسمه فقيل: ابن مسعدة، وقيل: ابن مسعود، فزاري (٤).
(١) في الأصل: عبيدة، والمثبت هو الصواب كما في (الاستيعاب)) ١١٠/٣،
((الإصابة)» ٢/ ٣٧٠.
(٢) انظر: ((الإصابة)) ٣٧٠/٢ (٤٩٥٥) وفيه عبد الله بن مسعود بن عمرو الثقفي.
(٣) أنظر: ((أسد الغابة)) ٣٩٠/٣ (٣١٧٨)، ((الإصابة)) ٢/ ٣٧٠ (٤٩٥٦).
(٤) انظر: ((أسد الغابة)) ٣٨٤/٣.

٣٥
كتاب الإيمان
=
وأما علقمة(١) فهو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن
علقمة بن سلامان - بفتح السين المهملة - بن كهيل بن بكر بن عوف بن
النخع، النخعي، الكوفي عم الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس
خالي إبراهيم النخعي.
سمع خلقًا من كبار الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي، وعنه خلق
من كبار التابعين منهم: الشعبي والنخعي. وجلالته وإمامته وثقته مجمع
عليها، وهو أكبر أصحاب ابن مسعود، وكان يُشَبَّه به هديًا ودلَّا(٢). مات
سنة اثنين وستين، وقيل سنة اثنين وسبعين، روى لَهُ الجماعة إلا مالكا،
قاله في ((الكمال)) ولم يستثنه المزي.
وأما إبراهيم فهو إمام أهل الكوفة، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن
قيس بن الأسود(٣) بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات)) لابن سعد ٨٦/٦، ((التاريخ الكبير)) ٤١/٧ (١٧٧)،
((الجرح والتعديل)) ٤٠٤/٦(٢٢٥٨)، ((الثقات)) لابن حبان ٢٠٧/٥، ((تهذيب
الكمال)» ٣٠٠/٢٠(٤٠١٧)، ((سير أعلام النبلاء)» ٥٣/٤ (١٤).
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨٦/٦، والفسوي في (المعرفة والتاريخ)) ٥٥٣/٢-
٥٥٤.
(٣) قال العلامة علاء الدين مغلطاي في ((إكمال تهذيب الكمال)) ٣١٣/١- ٣١٤:
إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة. كذا نسبه يعقوب بن سفيان الفسوي
في ((تاريخه الكبير))، والحافظ إسحاق القراب في ((تاريخه)) وقال: يزيد بن الأسود
ابن عمرو بن ربيعة.
والمنتجالي، ويحيى بن معين فيما ذكره عباس، وأبو العرب القيرواني، وأبو
زرعة النصري في كتاب ((التاريخ))، وابن حبان، وأبو داود، ومحمد بن سعد في
كتاب ((الطبقات الكبير))، وخليفة ابن خياط في كتابيه ((الطبقات))، و((التاريخ))،
والكلبي في كتاب ((الجمهرة)) و((جمهرة الجمهرة))، و((الجامع لأنساب العرب))،
وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن دريد في كتاب ((الاشتقاق الكبير))، وصاعد =

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
النخع، النخعي، الكُوفي، التابعي، المُجمَع عَلَى إمامته وجلالته
وصلاحه. دخل عَلَى عائشة ولم يثبت لَهُ منها سماع، وهو ابن أخت
الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس، أمه: مليكة بنت يزيد
ابن قيس.
سمع علقمة وخاليه، وخلائق من كبار التابعين، وعنه جماعات من
التابعين منهم: السبيعي والأعمش والحكم وآخرون. قَالَ الشعبي: ما ترك
أحدًا أعلم منه أو أفقه منه ولا الحسن ولا ابن سيرين، وقال الأعمش:
كان صيرفي الحديث(١)، وقال أحمد بن عبد الله(٢): كان مفتي أهل الكوفة
هو والشعبي في زمنهما، وكان رجلًا صالحًا ثقة. مات سنة خمس أو
ست وتسعين، عن تسع وأربعين، مختفيًا من الحجاج، وقيل: عن
ست وأربعين، وقيل: عن تسع، وقيل: ثمان وخمسين(٣).
وأما سليمان (٤) الراوي عن إبراهيم فهو: الإمام الجليل، أبو محمد
سليمان بن مهران، الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي، الأعمش مولى
= اللغوي، والبرقي في ((تاريخه الكبير))، وابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير))،
و((الأوسط))، وغيرهم من المؤرخين والنسابين، وفي كتاب ((الأمالي)) للسمعاني:
إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن ربيعة، وكذا ذكره البخاري في ((تاريخه الكبير))، وابن
حبان، وأبو حاتم الرزاي، وأبو نصر الكلاباذي، والباجي.
والذي قاله المزي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود لم أر معتمدًا قاله.اهـ
(١) رواه الفسوي في (المعرفة والتاريخ)) ٢/ ٦٠٧.
(٢) ((معرفة الثقات)) ٢٠٩/١ (٤٥).
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات)) لابن سعد ٢٧٠/٦، ((الجرح والتعديل)) ٦/
١٤٤ (٤٧٣)، (تهذيب الكمال)) ٢٣٣/٢ (٢٦٥)، ((الكاشف)) ٢٧٧/١(٢٢١).
(٤) انظر ترجمته في: ((الطبقات)) ابن سعد ٣٤٢/٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٧/٤
(١٨٨٦)، ((الثقات)) للعجلي ٤٣٢/١ (٦٧٦)، ((تهذيب الكمال)) ٧٦/١٢
(٢٥٧٠)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢٦/٦ (١١٠).

٣٧
- كتاب الإيمان
بني كاهل، وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة، رأى أنسًا، قيل: وأبا
بكرة(١).
وروى عن (ابن)(٢) أبي أوفى (ولم يثبت لَهُ سماع من واحد
منهما)(٣).
سمع خلقًا من كبار التابعين، وعنه خلق منهم فمن بعدهم، وهو:
ثقة جليل إمام بالإجماع وورعه كذلك.
قَالَ يحيى القطان: كان من النساك، وعلامة الإسلام(٤).
وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثله، وما
رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش (مع)(٥) فقره
وحاجته(٦)، وقال وكيع: مكث الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته
التكبيرة الأولى(٧) يعني: في صلاة الجماعة، وعن زهير: كان حليمًا
في غضبه(٨)، وعن شعبة: أنه كان إِذَا ذكر الأعمش قَالَ: المصحف
(١) عزا هذا القول المزي في ((تهذيب الكمال)) ٨٤/١٢ لأبي الحسين ابن المنادي.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ١١١/٢: وقول ابن المنادي الذي سلف: أن
الأعمش أخذ بركاب أبي بكرة الثقفي غلط فاحش؛ لأن الأعمش ولد إما سنة
إحدى وستين أو سنة تسع وخمسين على الخُلف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة
إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر
سنين أو نحوها؟ وكأنه كان - والله أعلم- أخذ بركاب ابن أبي بكرة فسقطت ((ابن))
وثبت الباقي، وإني لأتعجب من المؤلف مع حفظه ونقده كيف خفي عليه هذا.اهـ
(٢) ساقط من (ج).
(٣) من (ف).
(٤) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٨/٩.
(٥) في الأصول: (عند)، والمثبت هو الصواب.
(٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٤٧/٥ - ٤٨، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٩/ ٨.
(٧) المصدران السابقان.
(٨) أورده البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣٨/٤ (١٨٨٦).

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المصحف في صدقه(١).
يقال إن أصله من طبرستان من قرية يقال لها: دباوند(٢) ناحية منها،
جاء به أبوه حميلًا إلى الكوفة فاشتراه لَّهُ رجل من بني أسد فأعتقه. وقال
الترمذي في ((جامعه)) في باب: الاستتار عند الحاجة، عن الأعمش أنه
قَالَ: كان أبي حَميلًا فَوَرَّثَهُ مسروق(٣). فالحميل عَلَى هذا أبوه،
والحميل: الذي يحمل من بلده صغيرًا، ولم يولد في الإسلام.
وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث، ولم يكن لَهُ كتاب، وكان
فصيحًا لم يلحن قط، وكان أبوه من سبي الديلم يقال: إنه شهد قتل
الحسين، وإن الأعمش ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى
وستين. وقال البخاري: ولد سنة ستين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
فائدة :
نُسب الأعمشُ إلى التدليس(٤)، وقد عنعن في هذا الحديث عن
إبراهيم، وذكر الخطيب عن بعض الحفاظ أنه يدلس عن غير ثقة،
بخلاف سفيان، لكن قَدْ أسلفنا أن حديثه في ((الصحيح)) محمول عَلَى
السماع.
(١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١١/٩.
(٢) دباوند أو دنباوند، كلاهما صحيح انظر: ((معجم البلدان)) ٤٣٦/٢.
(٣) أورده الترمذي في إثر حديث رقم (١٤).
(٤) وصفه بالتدليس الكرابيسي، والنسائي، والدارقطني كما في ((تعريف أهل التقديس
بمراتب الموصوفين بالتدليس)) لابن حجر ص٦٧. قال الحافظ الذهبي في ((ميزان
الاعتدال)» ٤١٤/٢: وهو يدلس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى
قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ
له أكثر عنهم، كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا
الصنف محمولة على الاتصال. اهـ

٣٩
- كتاب الإيمان
وأما غندر فهو: أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم
البصري، صاحب الكراديس، اشتهر بغندر، سمع ابن جريج وخلقًا
من الكبار، منهم: شعبة، وجالسه نحو عشرين سنة، وكان شعبة زوج
أمه، وعنه خلق من الحفاظ والأعلام منهم: الإمام أحمد، وابن
معين، وقال: كان منذ خمسين سنة يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وأراد
بعضهم أن یخطئه فلم يقدر علیه، وکان من أصح الناس کتابا.
وقال ابن وهب: غندر في شعبة أثبت مني. وقال أبو حاتم: صدوق
وهو في شعبة ثقة. وغندر لَقَّبَهُ به ابن جريج لما قدم البصرة، وحدث
بحديث عن الحسن فجعل محمد يكثر التشغيب عليه فقال: اسكت
يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرًا، وزعم أبو جعفر
النحاس في كتاب ((الاشتقاق)) أنه من الغدر، وأن نونه زائدة
والمشهور في داله الفتح، وحكى الجوهري ضمها(١). مات سنة ثلاث
وتسعين ومائة قاله أبو داود، وقيل: سنة أربع، وقال ابن سعد: سنة
(٢)
أربع ومائتين (٢).
فائدة :
جماعة من يلقب بغندر عشرة، أوضحتهم في كتاب ((المقنع)) تأليفي
في علوم الحديث(٣).
وأما أبو الوليد فسلف.
(١) ((الصحاح)) مادة (غدر).
(٢) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٦/٧، ((التاريخ الكبير)) ٥٧/١ (١١٩)،
(تهذيب الكمال)) ٥/٢٥ - ٩ (٥١٢٠)، ((سير أعلام النبلاء)» ٩٨/٩، («شذرات
الذهب» ٣٣٣/١.
(٣) ((المقنع)) ٥٨٥/٢ - ٥٨٧.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما بشر بن خالد فهو أبو محمد العسكري الفرائضي، روى عن
جماعة من الحفاظ، وعنه الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي وابن خزيمة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين(١).
فائدة: هذا الإسناد اجتمع فيه رواية ثلاثة من التابعين من أهل
الكوفة بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة، أئمة فضلاء.
الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده:
الأولى: معنى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] لم يخلطوا. يقال: لبست
الأمر مخففًا، ألبسهُ بالفتح في الماضي، وكسره في المستقبل إِذَا خلطته،
وفي لبس الثوب بضده.
الثانية: هل الظلم في الآية الشرك أو سائر أنواع الظلم؟
فيه قولان حكاهما الماوردي، ونقل الأول عن أَبي وابن مسعود
عملا بهذا الحديث.
قَالَ: واختلفوا عَلَى الثاني فقيل: إنها عامة، ويؤيده ما رواه عبد بن
حميد عن إبراهيم التيمي أن رجلا سأل عنها رسول الله وَ ل﴾ فسكت حتَّى
جاء رجلٌ فأسلم فلم يلبث قليلًا حتَّى استشهد. فقال ◌َّ: ((هذا منهم:
من ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾))(٢) [الأنعام: ٨٢] وقيل: إنها
خاصة، نزلت في إبراهيم القّة، وليس لهُذِه الأمة فيها شيء، قاله
علي ، وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة(٣).
(١) انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٥٦/٢ (١٣٥٦)، ((الثقات)) لابن حبان ٨/
١٤٥، (تهذيب الكمال)) ١١٧/٤ (٦٨٦)، ((الكاشف)) ٢٦٧/١ (٥٧٦).
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣/ ٥٠ وعزاه لعبد بن حميد.
(٣) (تفسير الماوردي)) ١٣٨/٢.