النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
كتاب الإيمان
وغيرهم منهم: بنوه الوليد وعبيد الله وداود، وهو أول من ولي قضاء
فلسطين - ولاه عمر - مات بالشام سنة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين
سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل: بالرملة(١).
وكان معاوية قَدْ خالفه في شيء من مسائل الربا، أنكره عليه عبادة
فأغلظ لَهُ معاوية في القول. فقال لَهُ عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة
أبدًا، ورحل إلى المدينة.
فقال لَهُ عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح
الله أرضًا لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا أمر لك عليه (٢).
فائدة :
عبادة بن الصامت هذا فرد في الصحابة، وفيهم عبادة بدون ابن
الصامت أثنتا عشرة نفسًا(٣).
(١) أنظر: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٩١/٢ - ١٩٢ (٦٨٩)، ((معرفة الصحابة)» ٤/
١٩١٩ - ١٩٢٣ (١٩٧٣)، ((الاستيعاب)) ٣٥٥/٢، ٣٥٦ (١٣٨٠)، ((أسد الغابة))
٣/ - ١٦١ (٢٧٨٩)، ((الإصابة)) ٢٦٨/٢ - ٢٦٩ (٤٤٩٧).
(٢) أوردها الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٢/ ٧.
(٣) وهم: ١- عبادة بن الأشيب العنزي، بسكون النون. ٢- عبادة بن أبي أوفى بن
حنظلة بن عمرو بن رباح بن جعونة بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة أبو
الوليد النُميري. ٣- عبادة بن الخشخاش بمعجمات ابن عمرو بن عمارة بن مالك
ابن عمرو الدلوي حليف الأنصار. ٤- عبادة بن رافع الأنصاري. ٥- عبادة بن سعد
ابن عثمان الزُّرقي. ٦- عبادة بن الشمَّاخ أو عوانة. ٧- عبادة بن طارق الأنصاري.
٨- عبادة بن عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي أخو عبد الله بن عبد الله. ٩- عُبادة
ابن عمرو بن محصن الأنصاري. ١٠- عبادة بن قرط أو قرص بن عروة بن بجير بن
مالك بن قيس بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الضبي. ١١ - عبادة بن
قيس. ١٢- عبادة بن مالك الأنصاري. ١٣ - عبادة الزرقي. انظر: ((الإصابة)) ٢/
٢٦٧ - ٢٧٠.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأما الراوي عنه فهو أبو إدريس (ع) عائذ الله -بذال معجمة قبلها
همزة- بن عبد الله بن عمرو الخولاني الدمشقي، سمع خلقًا من
الصحابة منهم: عبادة وأبو ذر، وعنه جمع من التابعين منهم: الزهري
ومكحول. وقال: ما أدركت مثله (١) ، ولد يوم حنين ومات سنة ثمانين.
تقضى بدمشق وكان من عبادهم وقرائهم، وهذا من رواية القضاة
بعضهم عن بعض: أبو إدريس عن عبادة(٢) .
الوجه الثالث :
ذكر البخاري هذا الحديث هنا؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى
الإسلام بهذِه البيعة التي عقدت عَلَى الإسلام مع أن المهاجرين كانوا
أسلموا ولم يبايعوا مثلها، فالأنصار هم المبتدئون بالبيعة عَلَى إعلام
توحيد الله وشريعته حتَّى يموتوا، فحبهم علامة الإيمان -كما سلف
في الحديث السالف- مجازاة لهم عَلَى حبهم من هاجر إليهم،
ومواساتهم لهم في أموالهم، كما وصفهم الله تعالى، واتباعًا لحب
الله تعالى لهم. قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وكان الأنصار ممن تبعه أولًا، فوجبت لهم
محبة الله، ومن أحبه الله وجب عَلَى العباد حبه.
الرابع: النقباء - واحدهم نقيب- وهو الناظر عَلَى القوم. ونقباء
الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي ولية.
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٦/ ١٦٢.
(٢) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٨٣/٧ (٣٧٥)، و((الجرح والتعديل)) ٣٧/٧
(٢٠٠)، و((الثقات)) لابن حبان ٢٧٧/٥، و(تهذيب الكمال)) ٨٨/١٤ (٣٠٦٨)،
((سير أعلام النبلاء)) ٢٧٢/٤ - ٢٧٧ (٩٩)، ((شذرات الذهب)) ٨٨/١.

٥٤٣
كتاب الإيمان
الخامس :
هُذِهِ العقبة هي العقبة التي بمنّى التي تنسب إليها جمرة العقبة. وقد
كان بهذِه العقبة بيعتان لرسول الله وَلّر بايع الأنصار فيهما عَلَى الإسلام،
ويقال فيهما: العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت الأولى أول بيعة
عقدت عَلَى الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلًا من
الأنصار كما ذكره النووي - ويأتي (خلافه)(١) - ثمَّ كانت العقبة الثانية
في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلاً من الأنصار
أيضًا، كما ذكره(٢).
وإيضاح ذَلِكَ أن النبي بَّه كان يعرض نفسه عَلَى القبائل، فلقي
رهطًا من الخزرج ستة عند العقبة في الموسم فقال: ((ألا تجلسون
أكلمكم؟)). فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم،
وكانوا (هم)(٣) أهل شرك وأوثان، وكانوا قَدْ غزوهم في بلادهم،
فكانوا إِذَا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا يبعث الآن قَدْ أطل زمانه
نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله وَ ﴿ أولئك النفر
قَالَ بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به یهود،
فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه وصدقوه.
وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم حروب، فننصرف وندعوهم إلى
ما دعوتنا إليه، فعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك
فلا رجل أعز منك. فانصرفوا إلى المدينة، ودعوا إلى الإسلام حتَّى
فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله عَليه (1).
(١) من (ج).
(٢) ((شرح مسلم)) ٨٨/١٧.
(٤) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٣٨/٢.
(٣) من (ج).

٠٠
٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والستة هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث - وهو ابن عفراء-،
ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن نابي،
وجابر بن عبد الله بن رئاب، ومنهم من يسقط جابرًا ويجعل بدله
عبادة بن الصامت.
فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلاً منهم
خمسة من الستة المذكورين فلم يكن فيهم جابر والسبعة الباقون:
معاذ بن الحارث -وهو ابن عفراء أخو عوف-، وذكوان بن قيس
-قتل يوم أحد- وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن
عبادة بن فضلة.
ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فبايعهم
رسول الله وَّ عند العقبة عَلَى بيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعد،
فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله وَطير ابن أم مكتوم، ومصعب بن
عمير يعلمانهم ويدعوانهم إلى الإسلام، فكان مصعب -يدعى
القارئ- يؤمهم، وجمَّع بهم في حرة بني بياضة، وهم أربعون رجلًا،
وهي أول جمعة جمعت في الإسلام.
وكان مصعب نزل عَلَى أسعد بن زرارة، وإنما كان يؤمهم؛ لأن
الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وذكر ابن إسحاق أن
أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ورواه عنه أبو داود وابن ماجه
وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)). وقال: صحيح
عَلَى شرط مسلم (١)، فأسلم عَلَى يد مصعب خلق كثير، منهم:
(١) أبو داود (١٠٦٩)، ابن ماجه (١٠٨٢)، ابن حبان (٧٠١٣)، الحاكم ١/ ٢٨١.
والحديث حسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (٩٨٠)، ((صحيح سنن ابن
ماجه)) (٨٨٦).
٠

٥٤٥
كتاب الإيمان
=
سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. ثم لقيه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان في
الموسم، وواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق.
فلما فرغوا من الحج، وكانت الليلة، خرجوا من الميعاد فبايعوا
النبي ◌َ﴿ عَلَى أن يمنعوه مما يمنعوا منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم،
وأن (يرحل)(١) إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس ذَلِكَ وهو عَلَى
دين قومه، فتكلم العباس، فقالوا: تكلم يا رسول الله، خذ لنفسك
ولربك ما أحببت. فتكلم وَّ﴿ وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ثمَّ قَالَ:
((أبايعكم عَلَى أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم))(٢).
فأخذ البراء بن معرور بيده ثمَّ قَالَ: نعم، فوالذي بعثك بالحق
لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء
الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابرٍ.
فقال النبي ◌َّر: ((أخرجوا إليَّ منكم أثني عشر نقيًا)) وهم: أسعد بن
زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن
"العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن
عبادة، والمنذر بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء من
الخزرج.
وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن
عبد المنذر. ومن المشهور من السبعين: ابن الهيثم، ورفاعة بن منذر،
وأبو بردة هانئ بن نيار، وعويم بن ساعدة، ومن الخزرج: أبو أيوب
(١) في (ج): (يأتي).
(٢) رواه أحمد ٤٦٠/٣-٤٦٢، وابن حبان (٧٠١١)، والطبراني ١٩/ ٨٧-٩٠
(١٧٤)، والحاكم ٤٤١/٣ عن كعب بن مالك. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٦/
٤٥: رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرَّح بالسماع.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الأنصاري، ومعوذ، ومعاذ، وعوف بنو الحارث وهم بنو عفراء،
وأبو طلحة سهل بن زيد النجاري، وأبو مسعود الأنصاري،
وبشر ابن البراء بن معرور، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله
- وكان من أحدثهم سنًّا- والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة، وأم منيع
أسماء.
كانت البيعة الثانية عَلَى حرب الأسود والأحمر، وجعل ثوابهم
الجنة، وذلك حين أذن لَهُ في الحرب وفي الأولى لم يؤذن لَهُ كما
سلف.
ثمَّ بعد هاتين البيعتين بيعة ثالثة -وهي بيعة الرضوان- خرج وَّر في
ذي القعدة سنة ست معتمرًا (فصدته)(١) قريش، فبعث إليهم عثمان، فبلغه
أنهم قتلوه، فقال: ((لا نبرح حتَّى نناجز القوم))(٢). فدعا رسول الله وَل
إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانوا ألفًا
وخمسمائة، فروي أنه بايعهم عَلَى الموت، وأنكره جابر، وإنما بايع
عَلَى أن لا نفر. قَالَ تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
[الفتح: ١٨] أي: أعطاهم من أجل تلك البيعة ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾
١٨
يعني خيبر، ووعدهم ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةُ تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] أي:
مستمرة إلى يوم القيامة، ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] أي:
قتل فارس والروم، وقيل: فتح مكة.
(١) في (ج): فصدتهم.
(٢) (سيرة ابن هشام)) ٣٦٤/٣، والطبري في ((تفسيره)) ٣٤٨/١١ (٣١٥١٦) وفي
(«تاريخه)) ١٢١/٢ عن ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله
وَل ﴿ قال حين بلغه أن عثمان قتل فذكره، وانظر: ((التمهيد)) ١٤٨/١٢.

٥٤٧
كتاب الإيمان
=
الوجه السادس :
قَدْ ساق البخاري صفة هذِه المبايعة. وجاء في رواية أخرى: فتلا
علينا آية النساء ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] .. الآية(١).
وفي الأخرى: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله وَّيه وفيه:
فبايعناه عَلَى أن لا نشرك بالله شيئًا. وزاد: ولا ننتهب(٢). وفي أخرى
في مسلم: أخذ علينا رسول الله وَ* كما أخذ عَلَى النساء، أن
لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه
بَعْضُنا بَعْضًا(٣). ومعنى بعضه - بفتح الياء والضاد المعجمة- لا يسخر،
وقيل: لا نأتي ببهتان يقال: عضه الرجل، وأعضه إِذَا أفك.
وأخرجه النسائي وقال فيه: بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهط،
فقال: ((أبايعكم عَلَى أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا،
ولا تشربوا، ولا تقتلوا أولادكم)) (٤) وذكر نحو باقيه، وسيأتي حديث
عبادة أيضًا في: المبايعة بطوله في موضعه. وأوله: بايعنا رسول الله
وَيّر عَلَى السمع والطاعة في العسر واليسر .. إلى آخره.
وجاء أيضًا في البيعات العامة والخاصة أحاديث كثيرة متفرقة منها :
حديث عوف بن مالك وابن عمر وجرير بن عبد الله وسلمة بن الأكوع.
وذكر البخاري جملة منها في أواخر الكتاب عند قوله: كيف يبايع
الإمام الناس. وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- ولم يرد وَل فيما
(١) سيأتي برقم (٤٨٩٤) غير أن فيه: وقرأ آية النساء. ولم يذكر الآية.
وعند مسلم (١٧٠٩/ ٤٢): فتلا علينا آية النساء ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٩٣) في مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلى النبي ◌َّر بمكة.
(٣) مسلم (١٧٠٩ / ٤٣) كتاب الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها.
(٤) (المجتبى)) ١٤٨/٧.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بايعهم عليه حصر المعاصي بل ذكر أنواعًا يكثر ارتكاب أهل ذَلِكَ الوقت
لها.
الوجه السابع :
قوله: وحوله عصابة -هو بفتح اللام- يقال: حوله أو حواله
وحوليه، وحواليه -بفتح اللام- في كلها كما سلف في حديث هرقل
أي: يحيطون به، والعصابة: الجماعة.
الثامن :
البهتان: الكذب، يقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُّهُ بَهْتَا وبُهْتَانًا إِذَا كذب عليه؛ لأنه
يبهت من شدة فكره، ويبقى مَبْهُوتا منقطعًا. قَالَ الجوهري: بَهِتَ الرجل
بالكسر - إِذَا دَهِشَ وتحيَّرَ وبَهُتَ -بالضم- مثله، وأفصح منهما بُهِتَ؛
(لأنه)(١) يقال: رجل مَبْهُوت، ولا يقال: باهتٌ، ولا بَهِيتٌ، قاله
الكسائي (٢). قُلْتُ: وقرئ بالأولين في الشواذ(٣).
وقال القزاز وابن دريد في ((الجمهرة)): رجل باهت وبهات (٤). وقال
ابن سيده: عندي أن بهوتًا جمع باهت، لا جمع بهوت(٥).
وقال الهروي: البهتان هنا الإتيان بولد ينسب إلى الزوج. ويقال:
كانت المرأة تلقط الولد فيَتبناه. وقال الخطابي: معناه هنا قذف
المحصنات وهو من الكبائر(٦).
(١) من (ج) وهي توافق ما في ((الصحاح)) وفي (ف): (لا).
(٢) ((الصحاح)) ٢٤٤/١، مادة: (بهت).
(٣) قرأ ابن السَّمَيفَع: (فَبَهَتَ الذي كفر) وكذا قرأ نعيم بن ميسرة. وقرأ أبو حيوة شريح
ابن يزيد: (فَبَهُت). أنظر ((المحتسب)) لابن جني ١٣٤/١.
(٤) ((جمهرة اللغة)) ١/ ٢٥٧ مادة (بهت).
(٥) ((المحكم)) ٢٠١/٤ مادة (بهت).
(٦) ((أعلام الحديث)) ١٥١/١.

+
٥٤٩
كتاب الإيمان
التاسع :
إنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البهت
لو جھین :
أحدهما: أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال
والأكساب إليهما. قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وثانيهما: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيب كفاحا كما يقال: فعلت
هذا بين يدي فلانٍ أي: بحضرته.
العاشر :
قوله: ((ولا تعصوا في معروف)) هو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ
فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: في طاعة الله؛ وقيل: في كل بِرٌّ وتقوى.
قَالَ الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما (تأمرهن)(١) به؛
فإنك لا تأمر بغير المعروف.
قَالَ النووي: ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني (ولا أحدًا
ولي عليكم)(٢) من تباعي إِذَا أمرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدًا إلى
التباع. ولهذا قَالَ: ((تعصوا)) ولم يقل: تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه
فقط، (وقيد)(٣) بالمعروف تطييبًا لنفوسهم؛ لأنه لا يأمر إلا بالمعروف.
الحادي عشر:
قوله: «فمن وفی منکم)) أي ثبت عَلَى ما بايع به، يقال: بتخفيف
الفاء وتشديدها، وَفَى بالعهد وأَوْفَى ووفَّى ثلاثي ورباعي. ووَفَى
(١). في (ج): تأمر.
(٢) في (ج): والأول أولى عليكم.
(٣) في (ج): وقيل.

٥٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الشيءُ - ثلاثي - تَمَّ. ووَفَتْ ذمتك أيضًا، وأَوْفَى الشيءَ، ووَفَّى، وأَوْفَى
الكيل، ووَفّاه. ولا يقال فيها: وَفِيَ ثلاثي.
الثاني عشر:
قوله: ( ((ومن أصاب من ذَلِكَ شيئا فعوقب به)) ) ... إلى آخره
المراد: غير الشرك.
أما الشرك: فلا يسقط عنه عذابه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل
وغيره، ولا يعفى عمَّن مات عليه بلا شك.
قَالَ النووي: فعموم (الحديث)(١) مخصوص (٢)، قُلْتُ: أو يؤوَّل
قوله: ((ومن أصاب من ذَلِكَ شيئًا)) أي: غير الشرك المذكور أولًا.
الثالث عشر:
في الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة ومات ولم
يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. وحاصله أن من مات
صغیرًا أو کبیرًا ولا ذنب لَهُ، بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل
إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، ولا يدخل النار
ولكن يَرِدُها.
كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وفي الورود:
ج
الخلاف المشهور. وسيأتي إيضاحه في موضعه - إن شاء الله -. وإن مات
مُصِرًّا عَلَى كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فدخل الجنة في أول
مرة، وإن شاء عاقبه بالنار، ثمَّ أخرجه فأُدخل الجنة، ولا يخلد أحد في
النار مات عَلَى التوحيد، وأخطأ من كَفَّر بالذنب وهم الخوارج، ومن
(١) من (ج).
(٢) ((شرح مسلم)) للنووي ٢٢٣/١١.

٥٥١
- كتاب الإيمان
قَالَ: لا بد من عقاب الفاسق وهم المعتزلة.
الرابع عشر:
فيه دلالة لمذهب الأكثرين. كما نقله القاضي عياض(١) أن الحدود
كفارة لأهلها ومنهم من (وقف)(٢) لحديث أبي هريرة أنه وَ لّ قَالَ:
((لا أدري الحدود كفارات))(٣) لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن
أن يكون حديث أبي هريرة أولًا، قبل أن يعلم ثمَّ أُعلم، واحتج
من وقف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمُ﴾ [المائدة: ٣٥]. والجواب عن ذَلِكَ من وجهين:
أحدهما: أن الآية في الكفار عَلَى من قَالَ ذَلِكَ.
الثاني: أن حديث عبادة مخصص لها، وحكي عن القاضي
إسماعيل: أن قتل القاتل حد وردع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب
للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حق، وقيل: يبقى لَّهُ حق التشفي.
الخامس عشر:
قَالَ ابن التين في شرح البخاري(٤): قوله: ((فعوقب في الدنيا)) يريد
القطع في السرقة والحد في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة
إلا أن يريد قتل النفس، فكنى بالأولاد عنه.
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٥٠/٥.
(٢)
في (ج): توقف.
(٣) رواه الحاكم ١٤/٢، والبيهقي ٣٢٩/٨. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) من (ف).

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَغْصَعَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَه : ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمْ يَتَّبِعِ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ
القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). [٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨ - فتح: ٦٩/١]
نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُوشِك أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَبعُ بِهَا شَعَفَ
الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)).
(ولما كان الفرار صيانة للدين أطلق عليه البخاري (دينًا)(١))(٢).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أنفرد به البخاري عن مسلم رواه هنا عن القعنبي، وفي
الفتن عن (ابن)(٣) يوسف(٤)، وفي أثناء الكتاب عن إسماعيل(٥)،
ثلاثتهم عن مالك به، وفي الرقاق(٦) وعلامات النبوة(٧) عن أبي
نعيم، عن الماجشون، عن عبد الرحمن به، وهو من أحاديث مالك
(١) في (ج): الدين.
(٢) في (ف) هُذِه الجملة بعد قوله: الكلام عليه من وجوه.
(٣) في (ج): أبي، وهو خطأ.
(٤) سيأتي برقم (٧٠٨٨) باب: التعرب في الفتنة.
(٥) سيأتي برقم (٣٣٠٠) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم ..
(٦) سيأتي برقم (٦٤٩٥) باب: العزلة راحة من خلاط السوء.
(٧) سيأتي برقم (٣٦٠٠) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.

٥٥٣
كتاب الإيمان
=
في ((الموطأ))(١).
وزعم الإسماعيلي في ((مستخرجه)) أن إسحاق بن موسى الأنصاري
رواه عن معن، عن مالك فجعله من قول (أبي سعيد)(٢) لم يجاوزه.
قَالَ الإسماعيلي: قُلْتُ: أسنده ابن وهب والتنيسي وسويد وغيرهم،
وأخرج مسلم معناه من حديث أبي سعيد أن رسول الله وَّهُ سُئِلَ: أي
الناس أفضل؟ قَالَ: ((مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله))، قَالَ:
ثمَّ من؟ قَالَ: ((ثُمَّ رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع
الناس من شره))(٣).
وفي حديث له: ((من خير معاش الناس لهم)).
ثَمَّ ذكر: ((رجلًا في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن وادٍ
من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتَّى يأتيه اليقين
ليس من الناس إلا في خير)) (٤).
الوجه الثاني: ذكر الخطيب في كتابه: ((رافع الارتياب)) أن
الصواب: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة(٥).
(١) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٦٠١.
(٢) بياض في (ف)، والمثبت من (ج).
(٣) مسلم (١٨٨٨) كتاب الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط.
(٤) مسلم (١٨٨٩) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد الرباط، من حديث أبي هريرة.
(٥) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢٣/١٩: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال:
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بکر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا
يحيى، عن مالك بن أنس، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة،
عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌َّه قال: ((إذا أذنت فارفع صوتك، فإنه
لا يسمع مدى صوت المؤذن شيء إلا شهد له))، وقد وهم ابن عيينة في اسم هذا
الشيخ، شيخ مالك، إذ روى عنه هذا الحديث.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ ابن المديني: ووهم ابن عيينة حيث قَالَ: عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة. وقال الدارقطني: لم يختلف عَلَى مالك
في اسمه، قُلْتُ: في ((الثقات)) لابن حبان: خالفهم مالك فقال:
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة(١). وفي ((طبقات ابن سعد)):
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة.
واسمه: عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن
مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج(٢).
الوجه الثالث: في التعريف برواته غير ما سلف.
أما أبو سعيد: فهو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد - وقيل: عبد- بن
ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج
الأنصاري، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر.
استُصغر(٣) يوم أحد فَرُدَّ، وغزا بعد ذَلِكَ اثنتي عشرة غزوة مع
= ثم روى الحديث من طريق آخر عن الشافعي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت
عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة، قال: سمعت أبي .. الحديث. وقال: ثم ذكر
الشافعي حديث مالك هذا بإسناده سواء كما ذكرناه عن مالك، ثم قال الشافعي:
مالك أصاب اسم الرجل فيما أرى، وقد أخطأ فيه ابن عيينة.
(١) (الثقات)) ٦٤/٧. وقال في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة من
((مشاهير علماء الأمصار)) (١٠١٢): هو الذي يخطئ ابن عيينة في اسمه ويقول:
عبد الله بن عبد الرحمن، من متقني أهل المدينة.
(٢) ((الطبقات الكبرى)) (القسم المتمم) (٣٨، ١٨٥). قال المزي في ((تهذيب الكمال))
٢١٦/١٧ (٣٨٧٠): عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن، بن أبي صعصعة
الأنصاري المازني المدني، ومنهم من يقول فيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي
صعصعة فينسب عبد الله إلى جده، ومنهم من يقول فيه: عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي صعصعة، فيقلب اسمه، والجميع لرجل واحد.
(٣) ورد بهامش (ف): وكان عمره ثلاث عشرة.

٥٥٥
كتاب الإيمان
=
=
رسول الله ◌َالله، واستشهد أبوه يوم أحد.
روي لَّهُ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى ستة
وأربعين (١)، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين. روى
عن جماعة من الصحابة منهم: الخلفاء الأربعة، ووالده مالك،
وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وعنه: جماعة من الصحابة منهم: ابن
عمر وابن عباس، وخلق من التابعين. وكان من الحفاظ المكثرين
(العلماء)(٢) الفضلاء، العقلاء، أحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع
حداثة سنه، وكان يلبس الخز، ويحفي شاربه ولا يخضب، كانت
لحيته بيضاء خُصَلًا. وبايع النبي ◌َ ◌ّ عَلَى أن لا يأخذه في الله لومة
لائم مع جماعة، واستقال غيره. فأقيل(٣)، ويقال لَهُ: عفيف المسألة؛
لأنه عف فلم يسأل أحدًا، ولما مات والده لم يترك لَهُ مالًا، فأتى
رسول الله الر؛ ليسأله فقال حين رآه: ((من يستغن أغناه الله، ومن
يستعفف أعفه الله))، فقال: ما يريد غيري، فرجع(٤). وكذا والده
أيضًا؛ لأنه طوى ثلاثًا فلم يسأل، فقال الكلي: ((من أراد أن ينظر إلى
(١) ورد بهامش (ف): قال ابن الجوزي: اتفقا على ثلاثة وأربعين حديثًا.
(٢) من (ف).
(٣) قال الحافظ في ((الإصابة)) ٢/ ٣٥: روى الهيثم بن كليب في ((مسنده)) من طريق عبد
المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: بايعت النبي وَلّ أُنا
وأبو ذر وعبيدة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدري وسادس على أن
لا تأخذنا في الله لومة لائم، فاستقال السادس فأقاله.
(٤) رواه النسائي ٩٨/٥، وأحمد ٩/٣، ٤٧، والطيالسي ٦١٨/٣ (٢٢٧٥)، أبو
يعلى ٣٦٧/٣ - ٣٦٨ (١١٢٩) و٤٥٥/٣ (١٢٦٧)، والبغوي في ((معجم
الصحابة)) ١٩/٣ (٩٢٧)، وابن حبان ١٩١/٨ - ١٩٢ (٣٣٩٨) من طرق عن أبي
سعيد الخدري. والحديث أصله في الصحيحين، وسيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب:
الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ورواه مسلم (١٠٥٣).

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(العفيف)(١) المسألة فلينظر إلى هذا)) (٢).
في وفاته ثلاثة أقوال: (أحدها : سنة أربع وسبعين. ثانيها : سنة أربع
(٣) (٤)
وستين. ثالثها : سنة خمس (٣) (٤).
(ذكره العسكري(٥) بالمدينة يوم جمعة، ودفن والده أيضًا بالبقيع،
وفي سنه -أعني: سن أبي سعيد- قولان: أحدهما: ابن أربع وسبعين،
والثاني: ابن ثلاث وسبعين،)(٦) ووهم من قَالَ: سنه أربع وتسعين (٧).
(١) في (ج): الضعيف.
(٢) قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)) في ترجمة مالك بن سنان ٢٧/٥ (٤٥٩٥): طوى
مالك بن سنان ثلاثًا، ولم يسأل أحدًا شيئًا، فقال النبي ◌َّ: ((من أراد أن ينظر إلى
العفيف المسألة، فلينظر إلى مالك بن سنان)). اهـ وقال الحافظ في ((نزهة الألباب))
(١٩٨٩): عفيف المسألة هو مالك بن سنان الخدري، والد أبي سعيد الخدري،
الصحابي المشهور، قال الجهيمي: قيل له ذلك؛ لأنه طوى ثلاثًا لم يسأل.
(٣) يعني وستين، كما في ((الإصابة)) ٣٥/٢.
(٤) في (ج): أحدها : سنة أربع وسبعين. ثانيها : سنة أربع وتسعين. ثالثها: سنة ثلاث
وسبعین.
(٥) هو الإمام المحدث الأديب العلامة، أبو أحمد، الحسن بن عبد الله بن سعيد
العسكري، صاحب التصانيف. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: كان أبو أحمد
العسكري من الأئمة المذكورين بالتصرف في أنواع العلوم. والتبحر في فنون
الفهوم، ومن المشهورين بجودة التأليف وحسن التصنيف، ألف كتاب ((الحكم
والأمثال))، ((التصحيف)) وعاش حتى علا به السن واشتهر في الآفاق، قيل: إنه
توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((المنتظم)) ١٩١/٧، ((وفيات الأعيان)) ٨٣/٢، ((سير أعلام
النبلاء)) ٤٢٣/١٦ (٣٠١)، ((تاريخ الإسلام)» ٤٩/٢٧، ((الوافي بالوفيات)) ١٢/
٧٦، ((شذرات الذهب)) ١٠٢/٣.
(٦) من (ف).
(٧) أنظر ترجمة أبي سعيد الخدري في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ١٨/٣، ((معجم
الصحابة)) لابن قانع ٢٥٨/١ (٢٩٧)، ((معرفة الصحابة)) ١٢٦٠/٣ (١١١٠)، =

٥٥٧
كتاب الإيمان
=
تنبيهات :
أحدها: (ما)(١) ذكرناه من اسم أبي سعيد هو المشهور. وقيل:
اسمه سنان، وسنان (والد)(٢) مالك يقال له: الشهيد، والخزرج:
هو (ابن حارثة)(٣) بن ثعلبة بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس
ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وأسقط أبو عمر عبيدًا الأول (٤)،
وهو الصواب، كما نبه عليه (الرشاطي) (٥) (٦)، وخالف ابن الكلبي (٧)،
= ((الاستيعاب)) ١٦٧/٢ (٩٥٩) و٢٣٥/٤ (٣٠٢٧)، ((أسد الغابة)) ٣٦٥/٢
(٢٠٣٥) و١٤٢/٦ (٥٩٥٤)، ((الإصابة)) ٣٥/٢ (٣١٩٦).
وانظر ترجمة أبيه مالك بن سنان في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٢٤٢/٥، ((معرفة
الصحابة)) ٢٤٥٥/٥ (٢٥٩٣)، ((الاستيعاب)) ٤٠٧/٣ (٢٢٩٧)، («أسد الغابة» ٥٪
٢٧ (٤٥٩٥)، ((الإصابة)) ٣٤٥/٣ (٧٦٣٥). وستأتي ترجمته.
(١) من (ف).
(٣) في (ج): بن خزيمة.
(٢) في (ج): والده.
(٤) ترجم أبو عمر لأبي سعيد الخدري في ((الاستيعاب)) مرتين، مرة في الأسماء ٢/
١٦٧ (٩٥٩) وفيها أثبت عبيد الأول، ومرة في الكنى ٢٣٥/٤ (٣٠٢٧) وفيها
أُسقط - كما ذكر المصنف-، وأثبتها أيضًا في ترجمة أبيه مالك بن سنان ٣/ ٤٠٧
(٢٢٩٧)، فأثبتها في موضعين، وأسقطها في موضع واحد.
(٥) في (ج): الواسطي.
(٦) هو الشيخ الإمام الحافظ المتقن النسابة، أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن
علي بن أحمد اللخمي الأندلسي المَرِئِي الرشاطي، من مصنفاته: ((اقتباس الأنوار
والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار)) وكتاب ((الإعلام بما في كتاب المختلف
والمؤتلف للدارقطني من الأوهام» وغير ذلك، وكان ضابطًا محدثًا متقنًا إمامًا،
ذاكرًا للرجال حافظًا للتاريخ والأنساب، فقيهًا بارعًا، أحد الجلة المشار إليهم،
توفي في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. انظر ترجمته في: ((وفيات
الأعيان)) ١٠٦/٣، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٨/٢٠ (١٧٥)، («تذكرة الحفاظ)» ٤/
١٣٠٧، («البداية والنهاية)) ٧٣٠/١٢.
(٧) سلفت ترجمته في المقدمة.

٥٥٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وخليفة بن خياط(١)، فأثبتاه.
الثاني: في الصحابة أيضًا سعد بن أبي وقاص مالك(٢)، وسعد بن
مالك العذري قدم في وفد عذرة(٣).
الثالث: لا خلاف في إهمال دال الخدري، وهو نسبة إلى خدرة كما
أسلفناه، وقال ابن حبان في ((ثقاته)) في ترجمة أبي سعيد: إن خدرة من
اليمن(٤)، ومراده أن الأنصار من اليمن فهم بطن من الأنصار، وهم نفر
قليل بالمدينة. وقال أبو عمر: خدرة وخدارة بطنان من الأنصار، فأبو
مسعود الأنصاري من خدارة، وأبو سعيد من خدرة، وهما ابنا
عوف بن الحارث(٥)، كما سلف.
قُلْتُ: وضبط أبو عمر خدارة -بضم الخاء المعجمة-(٦) وهو خلاف
ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم، أي: المكسورة (٧)، وصوبه
(١) ((الطبقات)) لخليفة بن خياط (٦٠٢). وخليفة ابن خياط هو ابن خليفة بن خياط،
الإمام الحافظ العلامة الأخباري، أبو عمرو العصفري البصري، ويلقب بشباب،
صاحب (التاريخ))، و((الطبقات)) وغير ذلك، كان صدوقًا نسابة، عالمًا بالسير
والأيام والرجال، وثقه بعضهم، وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٩١/٣، ((الجرح والتعديل)) ٣٧٨/٣،
((الكامل)) لابن عدي ٥١٧/٣ (٦١٤)، ((تهذيب الكمال)) ٣١٤/٨ (١٧١٩)، ((سير
أعلام النبلاء)» ٤٧٢/١١ (١٢٢)، ((شذرات الذهب)) ٩٤/٢.
(٢) ستأتي ترجمته مفصلة في حديث رقم (٢٧).
(٣) أنظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ١٦٧/٢ (٩٦٠)، ((أسد الغابة» ٣٦٦/٢ (٢٠٣٦)،
((الإصابة)) ٣٣/٢ (٣١٩٣).
(٤) ((الثقات)) ١٥٠/٣.
(٥) ((الاستيعاب)) ٢٣٥/٤.
(٦) المصدر السابق.
(٧) قال الدار قطني: باب: خِذْرَة، وخُدْرَة، وجَدَرَة، وجِذْرَة، وجُذْرَة، وحَدْرَة، وأما =

٥٥٩
كتاب الإيمان
=
الرشاطي (١)، وكذا نص عليه العسكري في ((الصحابة)) والحافظ
أبو الحسن المقدسي، قُلْتُ: وفي (سلمى)(٢) خدرة بن كاهل، قاله
ابن حبیب.
الرابع: يشتبه (الخُذْري)(٣) بالخِذْري - بكسر الخاء وسكون الدال-
نسبة إلى (خدرة) (٤) بطن من ذهل بن شيبان، وبالخَدَري -بفتحهما - وهو
محمد بن الحسن، متأخر روى عن أبي حاتم(٥)، وبالجدري -بفتح
الجيم والدال- وهو عمير بن سالم، ويكسر وسكون نسبة إلى جدرة
بطن من كعب.
الخامس: قَدْ ذكرنا أن خدرة تشتبه بأربعة أشياء: خِدْرة وخَدَرة
وجَدَرة (وجِدْرة)(٦)، وتشتبه أيضًا بثلاثة أشياء أُخَرَ (ذكرتهم)(٧) في
((مشتبه النسبة)) فراجعها منه.
قَالَ ابن دريد: خدرة فعلة، إما من الخَدَر أو من الخُدْرة حكاه
خِدرَة فذكر ابن حبيب، قال: في ربيعة بن نِزار: خِذْرَة، وهو عمرو بن ذُهْل بن
=
شيبان بن ثعلبة. وأما خُذرة، فهو قبيل من الأنصار، وهم بنو خُذْرَة بن عون بن
الحارث بن الخزرج بن حارثة، منهم: أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك. واسم
خُذْرَة الأبجر.اهـ ((المؤتلف والمختلف)) ٨٩١/٢. قلت: ذكر الدارقطني هنا
خُذْرَة، بضم الخاء المعجمة، وهذا بخلاف ما ذكره المصنف عنه!
(١) مظنه كتابه ((الإعلام بما في كتاب المختلف والمؤتلف للدارقطني من الأوهام))
وهو غير مطبوع.
(٢) في (ج): سلمان.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) في (ج): خدارة.
(٥) انظر: ((المشتبه)) للذهبي ٢٦٣/١.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) في (ج): ذكرهم.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
الرشاطي عنه (١).
السادس: أبو سعيد هذا صحابي (ابن صحابي)(٢) أسلم والده،
وقتل يوم أحد كما سلف، قتله عرار بن سفيان الكلابي(٣). ولم يُرْوَ
عنه شيء كما نص عليه العسكري فيما زعم، قَالَ: (وذكر)(٤) بعضهم
(أن أبا شيبة أخاه)(٥) لا يعرف اسمه، وذكره أبو حاتم فيمن لا يعرف
اسمه، مات في أيام يزيد بن معاوية غازيًا، ودفن في بلاد الروم.
وروى أبو سعيد الأشج حديثًا قَالَ فيه: عن أبي سلمة الخدري،
-ولست أعرفه- وأحسبه: عن أبي سلمة، عن الخدري فوهم (٦) - فهذه
مهمات في ترجمة أبي سعيد لا يُسأم منها؛ فإنه يرحل إليها.
وأما عبد الرحمن ووالده عبد الله فأنصاريَّان مازنيَّان مدنيَّان ثِقِتَان،
وقد (سقنا نسبهما)(٧) فيما مضى، وجدُّ عبد الرحمن الأعلى الحارث،
شهد أحدًا، وقتل يوم اليمامة شهيدًا مع خالد بن الوليد(٨)، وكان عمرو
(١) للمزيد في هذا الباب ينظر ((المؤتلف والمختلف)) ٨٩١/٢ - ٨٩٣، ((الإكمال)) ٣/
١٢٧ - ١٣٠، ((الأنساب)) ٥٨/٥ - ٥٩، ((المشتبه)) للذهبي ٢٦٣/١، ((توضيح
المشتبه)) لابن ناصر الدين ٤٠٥/٣ - ٤٠٩، ((تبصير المنتبه بتحرير المشتبته)»
للحافظ ٢/ ٥٢٧.
(٢) من (ف).
(٣) كذا في (ف)، (ج)، وفي ((معجم الصحابة)) ٢٤٢/٥، ((الاستيعاب)) ٤٨٠/٣،
((أسد الغابة)) ٢٧/٥: عراب بن سفيان الكناني.
(٤) في (ج): وزعم.
(٥)
في (ج): أن أباه.
(٦) قال الحافظ في ((الإصابة)) ١٠٠/٤ (٦٠٣): أبو سلمة الخدري ... ذكره بعضهم في
الصحابة، وهو خطأ نشأ عن سقط، والصواب: عن أبي سلمة، وهو ابن عبد
الرحمن، عن الخدري وهو أبو سعيد، فسقطت (عن) من السند -فالله أعلم -.
(٧) في (ج): سبق نسبتهما.
(٨) انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٣٦٠/١ (٤٣٢)، (أسد الغابة» ٣٩٨/١ (٩٠٢).