النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
كتاب الإيمان
أو أنه رواه عَلَى الأمرين.
لكنه لما رد عليه الرجل قَالَ: لا ترد ما لا علم لك به، كما رواه في
أحدهما. أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان في الثانية
والحج بعده، إما في سنة خمس أو ستٍّ أو تسع(١).
(١) بهامش النسخة: (بلغ ... قراءة على المصنف، ... ) وسماع غير واضح.
٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣- باب أُمُورِ الإِيمَانِ
◌َّيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اُلْمَشْرِقِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿﴾
وَالْمَغْرِدٍ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلْبَكَةِ وَالْكِنَبِ
وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُونُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اُلْبَأْسِنَّ أُوْلَكَ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
[البقرة: ١٧٧].
وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [المؤمنون: ١] الآيَةَ.
٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدِ الجعفي: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ
قَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)). [مسلم ٣٥ - فتح
٥١/١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجعفي، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
◌ُ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ
الإِيمَانِ».
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: التعريف برواته.
أما أبو هريرة فاختلف في اسمه واسم أبيه عَلَى أقوال كثيرة، أفرد
في جزء، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
وهو أول من كُنَّي بهذِه الكنية؛ لهرةٍ كان يلعب بها كناه النبي وَّل
بذلك، وقيل: والده، وكان عريف أهل الصفة، أسلم عام خيبر
٤٦٣
كتاب الإيمان
===
بالاتفاق وشهدها مع رسول الله لو، وسيأتي -حيث ذكره البخاري-
ما يدل عَلَى أنه حضر فتحها (١).
وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه البخاري من طريق ثور (٢)، وقال
موسى بن هارون: وَهِمَ ثور، إنما قدم بعد خروجه ثمَّ لزمه وواظب
عليه، وحمل عنه علمًا جمًّا، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع.
روي له خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً. أتفقا
عَلَى ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم
بمائة وتسعين. روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع
منهم: ابن عباس وجابر وأنس. وهو أزدي دوسي يماني ثمَّ مدني،
كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، لَّهُ بها دار تصدَّق بها عَلَى مواليه.
ومن الرواة عنه ابنه المحرر -بحاء مهملة ثمَّ راء مكررة- مات
بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. ودفن بالبقيع،
وتوفيت عائشة تلك السنة، وصلى عليها أبو هريرة، وتوفي وهو ابن
ثمان وسبعين سنة، ومناقبه جَمَّةٌ (٣).
فائدة :
ما اشتهر أن قبره بقرب عَسْقلان(٤) لا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم، هناك
(١) سيأتي برقم (٤٢٠٣-٤٢٠٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٣٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) انظر: ((معرفة الصحابة)) ١٨٤٦/٤ (١٨٦٠)، ((الاستيعاب)) ٢٣٢/٤ - ٢٣٥
(٣٢٤١)، ((أسد الغابة)) ٤٦١/٣ (٣٣٢٨)، ((الإصابة)) ٢٠٢/٤ (١١٩٠).
(٤) قال ياقوت: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم قاف وآخره نون، وهي مدينة بالشام من
أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين، ويقال لها: عروس
الشام. انظر: ((معجم البلدان)) ٤/ ١٢٢ بتصرف.
٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قبر خيْشَنة بن خَنْدَرَةَ (١) الصحابي فاعلمه، وقد نبهت عَلَى ذَلِكَ في ((شرح
العمدة)»(٢).
فائدة ثانية :
أبو هريرة من الأفراد، ليس في الصحابة من أكتنى بهُذِه الكنية سواه.
وفي الرواة آخر أكتنى بهُذِه الكنية، يروي عن مكحول، وعنه
أبو المليح الرقي لا يعرف، وآخر اسمه محمد بن فراس الضبعِيُّ روى
لَهُ الترمذي، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين (٣).
وفي أصحابنا الشافعية: آخر أكتنى بهُذِه الكنية واسمه: ثابت بن
(سنبل)(٤)، قَالَ (عبد القادر)(٥) في حقه: شيخ فاضل مناظر، ذكرته
عنه في ((الطبقات))(٦).
وأما الراوي عنه فهو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان
يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس
الغطفاني، ووقع في شرح شيخنا أنه مولى جويرية بنت الحارث،
أمرأة من قيس.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين
منهم: عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضًا بنوه:
(١) في (ف): خيشنة بن جندرة. وهو خطأ، واختلف في ضبط أسمه وإعجامه، أنظر:
((معجم الصحابة)) للبغوي ٥٦٨/١، و((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٥١/١
(١٥٨)، و((معرفة الصحابة)) ٦٤٤/٢-٦٤٥ (٥٤٢)، و((أسد الغابة)) ٣٦٤/١.
(٢) انظر ترجمته في: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢١٥/١.
((الجرح والتعديل)) ٦٠/٨ (٢٧٢)، ((تهذيب الكمال)» ٢٧٢/٢٦ - ٢٧٤ (٥٥٤١).
(٣)
(٤) في (ف): شبل، والمثبت كما في ((الذيل)).
(٥) كذا في (ف)، وفي ((الذيل)) عبد الغافر.
(٦) ((الذيل على العقد المذهب)) لابن الملقن ص (٤٤٤).
٤٦٥
= كتاب الإيمان
عبد الله وسهيل وصالح، واتفقوا عَلَى توثيقه. مات بالمدينة سنة إحدى
ومائة(١).
فائدة :
أبو صالح في الرواة جماعة سلف بيانهم في الحديث الرابع من
باب: بدء الوحي.
فائدة :
في الصحيحين أيضًا ذكوان، أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين(٢)،
وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما.
وأما الراوي عن أبي صالح فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار،
أخو عمرو بن دينار ذكره النووي في ((شرحه)) القرشي العدوي المدني،
مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه: ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو
ثقة باتفاق. مات سنة سبع وعشرين ومائة (٣).
فائدة :
في الرواة أيضًا عمرو بن دينار (البصري)(٤) ليس بالقوي، وليس في
الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما.
(١) أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٢٦/٦، ((تاريخ الدارمي)) (٩٥٦)، ((التاريخ الكبير))
٢٦٠/٣-٢٦١ (٨٩٥)، ((والأنساب)) ٣٣٢/٦، ((تهذيب الكمال)) ٥١٣/٨-٥١٧
(١٨١٤)، ((تهذيب التهذيب)) ٥٧٩/١، ٥٨٠.
(٢) أنظر: ((طبقات ابن سعد)) ٢٩٥/٥، ((التاريخ الكبير)) ٢٦١/٣ (٨٩٦)، ((الجرح
والتعدیل)» ٤٥١/٣ (٢٠٤٠).
(٣) أنظر: ((تاريخ الدارمي) (٥٢٢)، ((التاريخ الكبير)) ٨١/٥ (٢٢١)، ((معرفة الثقات))
٢٧/٢ (٨٧٥)، ((الثقات)) لابن شاهين (٦١٧)، ((تهذيب الكمال)) ٤٧١/١٤-
٤٧٦ (٣٢٥١)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٣/٥ - ٢٥٥ (١١٧).
(٤) في (ف): الحمصي والصواب ما أثبتناه.
=
٠
٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما الراوي عن عبد الله فهو أبو محمد، ويقال: أبو أيوب سليمان
ابن بلال القرشي التيمي المدني مولى آل الصديق.
سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التابعين وعنه الأعلام: كابن
المبارك وغيره. قَالَ محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة
عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين
وسبعين ومائة، وقال البخاري عن هارون بن محمد: سنة سبع
وسبعين ومائة(١).
فائدة :
ليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا.
وأما الراوي عن سليمان فهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس
العَقَدي -بفتح العين والقاف- البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه:
أحمد والناس، واتفق الناس عَلَى ثقته وجلالته، مات سنة خمس،
وقيل: أربع ومائتين(٢).
والعقد: قوم من قيس وهم بطن من الأزد كذا في ((التهذيب)) (٣)
انظر: ((تاريخ الدارمي)) (٤٤٩)، ((التاريخ الكبير)) ٣٢٩/٦ (٢٥٤٥)، («التاريخ
=
الصغير)) ٣٠٣/١، ((المجروحين)) ٧١/٢، ((تهذيب الكمال)) ١٣/٢٢ - ١٦
(٤٣٦١)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٠٧/٥، ٣٠٨ (١٤٥).
(١) انظر: ((طبقات ابن سعد)) ٤٢٠/٥، ((التاريخ الكبير)) ٤/٤ (١٧٦٣)، ((الجرح
والتعديل)) ٤/ ١٠٣ (٤٦٠)، ((تهذيب الكمال)) ٣٧٢/١١ (٢٤٦٩)، ((سير أعلام
النبلاء)» ٤٢٥/٧- ٤٢٧ (١٥٩)، ((شذرات الذهب)) ٢٨٠/١.
(٢) انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٩/٧، ((التاريخ الكبير)) ٤٢٥/٥ (١٣٨٢)، ((الجرح
والتعديل)) ٣٥٩/٥ (١٦٩٨)، ((تهذيب الكمال)) ٣٦٤/١٨ - ٣٦٩ (٣٥٤٥)، ((سير
أعلام النبلاء)) ٤٦٩/٩ - ٤٧١ (١٧٣)، ((شذرات الذهب)) ١٤/٢.
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٢٥١٢/٣ مادة (عقد).
٤٦٧
كتاب الإيمان
وتبعه النووي في ((شرحه)) وشيخنا أيضًا. ونقل شيخنا في ((تاريخه)) عن
أهل النسب أن العقد بطن من بجيلة، وقيل: من قيس بالولاء.
قَالَ أبو الشيخ الحافظ: إنما سموا عقدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا. وقال
الحاكم: العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة،
وقال صاحب ((العين)): العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن
سعد، وجمل عقدي: قوي.
وأما الراوي عن أبي عامر فهو: أبو جعفر (خ ت) عبد الله بن
محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي
البخاري المسنَدي -بفتح النون -. سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب
المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات.
قَالَ صاحب ((الإرشاد)): كان يتحرى المسانيد من الأخبار(١)،
وقال الحاكم أبو عبد الله: عرف بذلك؛ لأنه أول من جمع مسند
الصحابة عَلَى التراجم مما وراء النهر وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن
جعفر بن اليمان.
واليمان هذا: هو مولى أحد أجداد البخاري، ولاء إسلام كما
سلف أول الكتاب، سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره من
الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، وانفرد البخاري [به](٢) عن
أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه(٣).
(١) ((الإرشاد)» ٩٥٩/٣.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ١٨٩/٥ (٥٩٧)، ((الجرح والتعديل)) ١٦٣/٥ (٧٤٥)، («تهذيب
الكمال» ٥٩/١٦ (٣٥٣٦)، ((سير أعلام النبلاء)) ٦٥٨/١٠، (٢٣٨)، ((شذرات
الذهب)) ٦٧/٢.
٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فائدة :
هُذا الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فبصري، وإلا المسندي وكلهم
عَلَى شرط الستة إلا المسندي كما بيناه، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو
عبد الله بن دينار، عن أبي صالح.
الوجه الثاني :
هُذِهِ الترجمة ساقها البخاري للدلالة عَلَى إطلاق اسم الإيمان عَلَى
الأعمال كما أسلفناه في الحديث قبله. وأراد به الرد عَلَى قول المرجئة:
إن الإيمان قول بلا عمل فلا تضر المعصية مع الإيمان، ومقابله قول
الخوارج أنها تضر ويكفر بها، وغالت المعتزلة فقالت: يخلد بها
فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق،
والحق مذهب الأشعرية أنه مؤمن، وإن عذب فلا بد من دخول الجنة(١).
الوجه الثالث :
هذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله كما سلف، ورواه مسلم
في الإيمان عن عبيد الله بن سعيد وعبد بن حميد، عن العقدي به، وقال
فيه: ((بضع وسبعون))(٢)، ورواه أيضًا، عن زهير، عن جرير، عن
سهيل بن عبد الله، عن ابن دينار عنه، وقال فيه: ((بضع وسبعون أو
بضع وستون))(٣) عَلَى الشك.
(١) وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة لا مذهب الأشاعرة تحديدًا. وانظر: ((الحجة
في بيان المحجة)) ٤٧٨/١-٤٨٠، ((شرح العقيدة الواسطية)) ٦٤٤/٢.
(٢) مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.
(٣) مسلم (٥٨/٣٥) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.
٤٦٩
كتاب الإيمان
=
الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه.
الأول: البرُّ: اسم جامع للخير كله.
قَالَ ابن سيده: إنه الصدق والطاعة (١).
وقال الهروي: هو الاتساع في الإحسان والزيادة منه، ومنه يقال:
أبر فلان عَلَى فلان بكذا أي: زاد عليه، ومنه سميت البرية؛
لاتساعها (٢).
وقال السدي: في قوله تعالى: ﴿لَن نَّنَالُواْ الْبِرَّ﴾ يعني: الجنة(٣).
والبر أيضًا: الصلة، وهو اسم جامع للخير كله. وفي ((الجامع))
و((الجمهرة)): إنه ضد العقوق (٤)، وقال ابن السيد في ((مثلثه)): إنه
الخير (٥)، وكذا ذكره ابن عديس عنه، ونقل صاحب ((الواعي)) عنه أنه
الإكرام.
وفي ((الشريعة)) للآ جري من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذرٍّ :
أن رجلًا سأله عن الإيمان، فقرأ عليه ﴿لَيْسَ آلْبرّ﴾ الآية، فقال الرجل:
ليس عن البر سألتُك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي ◌َّر فسأله كما
سألتني، فقرأ عليه كما قرأتُ عليك، فأبى أن يرضى كما أبيتَ أن
ترضى، فقال: ((ادن مني)) فدنا منه. فقال: ((المؤمن الذي يعمل حسنة
فتسره، ويرجو ثوابها، وإن عمل سيئة تسوؤه، ويخاف عاقبتها))(٦).
(١) ((المحكم)) ١١/ ٢١٣.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٣١٠ مادة: برر.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤٥/٣ (٧٣٨٦).
(٤) ((جمهرة اللغة)) ١/ ٦٧ مادة: [برر].
(٥) ((المثلث)) ٣٥٧/١ - ٣٥٨.
(٦) ((الشريعة)) ٢ / ٦١٧.
٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الثاني: معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ أي: ليس البر كله أن
تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]
الآية. أي: بِرُّ من آمن(١) كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج: ولكن ذا
البر فحذف المضاف كقوله: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]
أي: ذوو درجات.
والأول فيه حذف المضاف كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ
اٌلْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] وما قدره سيبويه أولى؛ لأن المنفي هو البر،
فيكون هو المستدرك من جنسه. وبقية تفسير الآية محل الخوض فيها
كتب التفسير، فلا نطول به، وكذا الآية التي بعدها.
الثالث: قوله: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)) كذا وقع هنا في بعض
الأصول ((بضع)) وفي أكثرها ((بضعة)) بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا
الموضع: ((بضع)) بلا هاء، وهو الجاري عَلَى اللغة المشهورة، ورواية
الهاء صحيحة أيضًا عَلَى التأويل.
الرابع: البضع والبضعة - بكسر الباء عَلَى اللغة المشهورة- وبها جاء
القرآن العظيم، ويجوز فتحها في لغة قليلة(٢) كما في قطعة اللحم (٣)،
وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة.
هذا هو الصحيح المشهور في معناه، وفيه أقوال أخر.
(١) أنظر: ((إعراب القرآن)) للنحاس ٢٣٠/١.
(٢) البَضْع والبِضْعُ بالفتح والكسر، ولم ينص كثيرٌ على أنها بالفتح قليلة، لكن قال
الجوهريُّ: وبعض العرب يفتحها.
(٣) يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ يَبْضَعُهُ بَضْعًا وبَضَّعَهُ تَبْضِيْعًا: قَطَّعَهُ، والبَضْعَةُ، بالفتح: القطعة
منه، تقول: أعطيته بَضْعَةً من اللحم، إذا أعطيته قطعة مجتمعة منه.
٤٧١
كتاب الإيمان
قَالَ ابن التياني في ((الموعَب))(١) عن الأصمعي: يقال: بضعة عشر
في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث، وقال قطرب: أنا الثقة
عن النبي ◌َّهِ أنه قَالَ: ((﴿فِي بِضْعٍ سِنِينٌ﴾ [الروم: ٤] ما بين خمس إلى
سبع)) وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقال الفراء: البضع: نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، كذلك رأيت
العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ولا يذكر
إلا مع عشر أو مع العشرين إلى التسعين.
وقال الزجاج (٢): معناه القطعة من العدد، ويجعل لما دون العشرة
من الثلاث إلى التسع وهو الصحيح، وقال أبو عبيدة: هو ما بين الواحد
إلى الأربعة(٣)، وفي ((المحكم)): البضع ما بين الثلاث إلى العشر وبالهاء
من الثلاثة إلى العشرة(٤).
وقال قوم في قوله تعالى: ﴿فَلَِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:
٤٢] يدل عَلَى أن البضع سبع؛ لأن يوسف العَّ لبث كذلك فيه، وفي
((الصحاح)): لا تقول: بضع وعشرون(٥).
(١) قال محمد صديق حسن خان في ((البلغة)) ص (٥١٤ - ٥١٥: ((الموعَب)) بفتح العين
على صيغة اسم المفعول للإمام ابن التياني أبي غالب، واسمه تمام، المتوفي سنة
٤٣٦ بالأندلس. كتاب عظيم الفائدة، أتى فيه بما في ((العين)) من صحيح اللغة
مقتصرًا على الشواهد الصحيحة، طارحًا ما فيه من الشواهد المختلفة والأبنية
المختلفة والكلمات المصحفة، ثم قال: و((الموعب)) قليل الوجود؛ لأن الناس
تركوا نقله مع كونه من أصح ما ألف في اللغة على حروف المعجم.
(٢) ((معاني القرآن وإعرابه)) ١١٢/٣.
(٣) ((مجاز القرآن)) ١١٩/٢.
(٤) ((المحكم)) ٢٥٩/١.
(٥) ((الصحاح)) ١١٨٦/٣ مادة (بضع).
٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال المطرز في ((شرحه)): المختار أنه من أربعة إلى تسعة، والنيف
من واحد إلى ثلاثة.
وقال ابن السيد في ((مثلثه)): البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى
خمسة في قول أبي عبيدة. وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة. وهو
الصحيح(١).
الخامس: الشعبة -بضم الشين -: القطعة والفرقة، وهي واحد
الشعب، وهي: أغصان الشجرة.
قَالَ ابن سيده: الشعبة: الفرقة والطائفة من الشيء(٢). وكذا قَالَ
القاضي: إن أصلها الفرقة والقطعة، ومنه شعب الآباء، وشعوب
القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعب القبائل: شعب - بفتح الشين
وقيل بكسرها- وهم العظام، وكذا شَعب الإناء: صدعه - بالفتح
أيضًا-، ومنه قوله في الحديث: فاتخذ مكان الشعب سلسلة(٣) وقال
الخليل: الشعب: الاجتماع والافتراق(٤) أي: فهما ضدان. والمراد
بالشعبة في الحديث: الخصلة. أي أن الإيمان ذو خصال متعددة.
السادس: قوله: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً)). كذا وقع هنا من طريق
أبي زيد المروزي، وثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث سهيل عن
عبد الله بن دينار: (بضع وسبعون أو بضع وستون))(٥) كما سلف. ورواه
(١) ((المثلث)) ٣٥٥/١ - ٣٥٦.
(٢) ((المحكم)) ٢٣٥/١.
(٣) سيأتي برقم (٣١٠٩) كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر في درع النبي ◌ِّر.
(٤) ((العين)) ١/ ٢٦٣.
(٥) رواه مسلم (٣٥/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها
وأدناها وفضيلة الحياء كونه من الإيمان.
٤٧٣
كتاب الإيمان
=
أيضًا من حديث العقدي عن سليمان: ((بضع وسبعون شعبة))(١).
وكذا وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي، ورواه أبو داود(٢)
والترمذي(٣) وغيرهما من رواية سهيل: ((بضع وسبعون)) بلا شك.
ورجحها القاضي عياض(٤) وقال: إنها الصواب، وكذا رجحها
الحليمي وجماعات منهم النووي (٥)؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت
وقدمت. وليس في رواية الأقل ما يمنعها، وقال ابن الصلاح: الأشبه
ترجيح الأقل؛ لأنه المتيقن والشك من سهيل، كما قاله البيهقي (٦)،
وقد روي عن سهيل عن جرير: ((وسبعون)) من غير شك، وكذا رواية
سليمان بن بلال في مسلم وفي البخاري: ((بضع وستون))(٧).
السابع: قد بين رَّ ر أعلى هذِه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح
من قوله ◌َّية: ((أعلاها لا إله إلا الله))(٨)، وفي لفظ أنه ((أفضلها))(٩) وفي
(١) رواه مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها ..
(٢) أبو داود (٤٦٧٦)، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (٢٦٢٧).
(٣) الترمذي (٢٦١٤)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن
الترمذي)) (٢١٠٨).
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٢٧٢.
(٥) ((شرح مسلم)) ٥٠٣/٢.
(٦) ((شعب الإيمان)) ٣٤/١.
(٧) قال ابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) ص١٩٦: والأشبه بالإتقان والاحتياط
ترجيح رواية الأقل. أهـ وإلى ذلك ذهب الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ٥٢
قائلًا : وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة كما ذكرهُ الحليمي ثم عياض،
لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع أتحاد المخرج.
وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري اهـ
(٨) رواه ابن حبان (١٩١).
(٩) مسلم (٣٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ..
٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
آخر أنها (أرفعها)»(١) وآخر («أقصاها))، وآخر «أعظمها))(٢). (وأدناها إماطة
الأذى عن الطريق)). ولفظ اللالكائي(٣): ((العظم)) (٤) بدل ((الأذى)) ورواه
محمد بن عجلان عن ابن دينار عن أبي صالح: ((الإيمان ستون بابًا أو
سبعون أو بضع))(٥) واحد من العددين.
ورواه قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، عن أبي صالح:
(الإيمان أربع وستون بابًا)(٦).
وروى المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن جدي
-وكانت لَهُ صحبة- أنه وََّ قَالَ: ((الإيمان ثلاثمائة وثلاثون شريعة، من
وافى الله بشريعة منها دخل الجنة))(٧).
(١) رواه الترمذي (٢٦١٤) وابن ماجه (٥٧)، وأحمد ٣٧٩/٢، ٤٤٥/٢، والمروزي
في ((تعظيم قدر الصلاة)) ٤٢٥/١ (٤٢٤)، ٤٢٦/١-٤٢٧ (٤٢٧)، وابن حبان
(١٨١)، والطبراني في ((الأوسط)) ٧٥/٥ (٤٧١٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٣/١
(٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي))
(٢١٠٨).
(٢) ورد في هامش (ف): ذكره ابن شاهين في ((خصال الإيمان)).
والحديث رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢١٣/٥، (٢٥٣٣٠) والمروزي في
((تعظيم قدر الصلاة)) ٤٢٩/١ (٤٢٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٤/٩-٢٣٥.
(٣) ورد في هامش (ف) حاشية: ذكره اللالكائي.
(٤) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) ٩٧٨/٥ (١٦٢٩).
(٥) رواه ابن ماجه (٥٧)، وابن أبي شيبة ٣٠٦/٥، (٢٦٣٣٤)، والمروزي في ((تعظيم
قدر الصلاة)) ٤٢٦/١ (٤٢٥)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٥/٩ - ٢٣٦،
والشجري في ((الأمالي)) ١٨/١، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه)) (٤٨).
(٦) رواه الترمذي (٢٦١٤)، والطبراني في ((الأوسط)) ٧٥/٥ (٤٧١٢)، وقال
الألباني: شاذ بهذا اللفظ.
(٧) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢١٥/٧ (٧٣١٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٦٦/٦
(٨٥٤٩) وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٦/١: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفي =
٤٧٥
= كتاب الإيمان
وروى ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن راشد مولى
عثمان بن عفان عن أبي سعيد مرفوعًا: ((إن بين يدي الرحمن مكّ لوحًا
فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول لك: لا يجيئني عبد من عبادي
لا يشرك بي شيئا فيه واحد منهن إلا أدخلته الجنة(١))).
ومن حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن مولاه
عثمان مرفوعًا: ((إن الله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل
الجنة))(٢).
قَالَ لنا أحمد: سُئِلَ إسحاق: ماذا في الأخلاق؟ قَالَ: يكون في
الإنسان حياء، يكون فيه رحمة، يكون فيه سخاء، يكون فيه تسامح،
هذا من أخلاق الله تعالی.
وروى أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد(٣) من حديث ابن
مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة:
الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم،
= إسناده عيسى بن سنان القسملي وثقه ابن حبان وابن خراش، وضعفه الجمهور،
وعبد الله بن عبيد لم أر من ذكره.
(١) رواه أبو يعلى ٢/ ٤٨٤ (١٣١٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٦٧/٦ (٨٥٥١)
بلفظ: ((خمس عشرة شريعة))، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٦/١: في إسناده
عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٢) رواه الطيالسي في ((مسنده)) ٨٢/١ (٨٤)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق))
ص ٦ (٢٧) والبزار في مسنده ٩١/٢-٩٢ (٤٤٦) بلفظ: ((لله مائة وسبع عشرة
شريعة من وافاه)) والبيهقي في ((الشعب)) ٣٦٦/٦ (٨٥٥٠).
قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ إلا من هذا الوجه، وعبد
الواحد بن زيد ليس بالقوي، وعبد الله بن راشد لا نعلم حدث عنه إلا عبد الواحد.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٦/١: في إسناده عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٣) المعروف برُسْته.
٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف
سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له(١).
الثامن: بين ◌ّ في الحديث الذي سقناه أن أَعْلَى الشعب التوحيد
المتعين عَلَى كل مكلّفٍ، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد
صحته، وأن أدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام
العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده،
كما نؤمن بالأنبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، وإن لم
نعرف أعيانهم وأسماءهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتبًا كبيرة، من أغزرها
فوائد، وأعظمها محلًّا: كتاب ((المنهاج)) لأبي عبد الله الحليمي (٢)،
ثُمَّ كتاب البيهقي(٣) .
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٧/٤ (١٩٥٥٤) عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق به،
موقوفًا، والبزار في «مسنده)) ٣٣٠/٧ (٢٩٢٧) من طريق يزيد بن عطاء قال:
أخبرنا أبو إسحاق به مرفوعا، ومن طريق شعبة، عن أبي إسحاق به موقوفا،
وقال: هذا الحديث لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء عن أبي إسحاق، والبيهقي في
((الشعب)) ٩٤/٦ (٧٥٨٩) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به، وقال: هذا
موقوف، وأورد الهيثمي في ((المجمع)) ٣٨/١ وقال: فيه يزيد بن عطاء، وثقه
أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
(٢) الحليمي: هو القاضي العلامة، رئيس المحدِّثين والمتكلمين بما رواء النهر، أبو
عبد الله الحسين بن الحسن بن حليم البخاري الشافعي، ولد سنة (٣٣٨هـ)، ومات
سنة (٤٠٣ هـ). من تصانيفه: ((المنهاج في أصول الديانة)). انظر: ((المنتظم)) ٢٦٤/٧
(٤١٦)، ((اللباب)) ٣٨٢/٣-٣٨٣، ((وفيات الأعيان)) ١٣٧/٢-١٣٨ (١٨٦)،
(سير أعلام النبلاء)) ٢٣١/١٧-٢٣٤، (الأعلام)) ٢٣٥/٢.
(٣) البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الإمام الحافظ، العلامة، شيخ
خراسان، من أكابر فقهاء الشافعية في عصره، ولد في ٣٨٤هـ نشأ في بيهق، ورحل =
٤٧٧
= كتاب الإيمان
وصنف عبد الجليل القصري(١) فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم
القرطبي (٢) في ((النصائح)).
وقال أبو حاتم ابن حبان(٣) - بكسر الحاء المهملة- في كتاب
((وصف الإيمان وشعبه)): تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت
الطاعات، فإذا هي تزيد عَلَى هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى
السنن، فعددت كل طاعة عدها الشارع من الإيمان، فإذا هي تنقص
= إلى بغداد، ثم الكوفة، ومكة، وغيرها. صنَّف زُهاء ألف جزء لم يُسبق إليها،
منها: ((شعب الإيمان)) و((السنن الكبرى))، و((السنن الصغرى))، و((دلائل النبوة))،
وغيرها. توفي سنة ٤٥٨هـ.
انظر ترجمته في: ((الأنساب)) ٣٨١/٢-٣٨٣، ((وفيات الأعيان)) ٧٥/١، ٧٦
(٢٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٨/ ١٦٣ -١٧٠ (٨٦٠)، ((البداية والنهاية)) ١٢/
٥٥٦، ((معجم المؤلفين)) ١٢٩/١ (٩٦٧)، ((الأعلام)) ١١٦/١.
(١) هو العلامة الزاهد أبو محمد عبد الجليل بن عموسى الأنصاري الأندلسي
القصري، له ((تفسير القرآن))، و((شعب الإيمان)). واختلف في سنة وفاته فقال
الذهبي مرة سنة ٦٠٨هـ، ومرة سنة ٦٠١هـ انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٠/٢١
(٢١٥)، ((معجم المؤلفين)) ٥٠/٢.
(٢) هو الإمام الزاهد العابد أحد أعلام قرطبة، وكان فقيهًا مهيبًا حافظًا للمسائل
صاحب الديوان الشريف المسمى ((النصائح)). توفي سنة ٣٥٢هـ، وقيل: سنة
٣٥٤هـ. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ١٠٧/١٦-١٠٨، (كشف الظنون)» ٢/
١٤٦٧، ((شجرة النور الزكية)) ص ٩٠ (١٩٩).
(٣) هو الإمام الحافظ الفاضل المتقن المحقق الحافظ العلامة محمد بن حبَّان بن
أحمد بن حبَّان أبو حاتم التميمي البُستي السجستاني، ونسبته التميمي نسبة إلى
تميم جد القبيلة المشهورة، الذي يرتفع نسبهُ إلى عدنان، فهو عربي الأرومة،
إلا أنه أفغاني المولد. توفي سنة ٣٥٤هـ.
انظر ترجمته في: ((الأنساب)) ٢٠٩/٢، ((معجم البلدان)) ٤١٥/١ - ٤١٩،
((الكامل في التاريخ)) ٥٦٦/٨، ((اللباب)) ١/ ١٥١، ((سير أعلام النبلاء)) ١٦/ ٩٢ -
١٠٤ (٧٠)، ((الوافي بالوفيات)) ٣١٧/٢، ٣١٨ (٧٦٨) ((شذرات الذهب)) ١٦/٣.
٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، وقرأته بالتدبر،
وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن
البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السنةَ وأسقطت المُعَاد، فإذا
كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها
ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي ◌َّر أن هذا العدد في الكتاب والسنة.
التاسع: الحديث ناصٌّ عَلَى إطلاق اسم الإيمان الشرعي عَلَى
الأعمال وقد سلف بیان هذا.
العاشر: قوله {َّه: (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))، وفي رواية أخرى
في (الصحيح)): ((الحياء من الإيمان))(١)، وفي أخرى: ((الحياء لا يأتي
إلا بخير)) (٢)، وفي أخرى: ((الحياء خير كله))(٣). فالحياء: ممدود هو
الاستحياء(٤).
قَالَ الواحدي(٥) عن أهل اللغة: الاستحياء من الحياء، واستحيا
(١) ستأتي برقم (٢٤) كتاب الإيمان، باب: الحياء من الإيمان.
(٢) ستأتي برقم (٦١١٧) كتاب الأدب، باب: الحياء.
(٣) رواه مسلم (٣٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان.
(٤) قاله الجوهريُّ في ((الصحاح)) ٢٣٢٤/٦.
(٥) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن على الواحدي
النسابوري، ولد بنيسابور، سمع التفسير من أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي،
وسمع النحو من أبي الحسن الضرير، وأخذ اللغة عن أبي الفضل أحمد بن محمد
بن يوسف العروضي، ومن تلاميذه أحمد بن عمر الأرغياني، وعبد الجبار بن
محمد الخواري، وطائفة أخرى. له من المصنفات: في التفسير ثلاثة كتب:
(الوجيز))، ((الوسيط))، ((البسيط)) و((أسباب النزول))، وله كتاب ((الدعوات))،
((المحصول))، ((المغازي)) وغيرها الكثير، توفي بنيسابور سنة ٤٦٨هـ.
انظر: ((الكامل في التاريخ)) ١٠١/١٠، ((وفيات الأعيان)) ٣٠٣/٣ - ٣٠٤ (٤٣٨)
و((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٩/١٨ - ٣٤٢ (١٦٠)، ((مرآة الجنان)) ٩٦/٢ - ٩٧، =
٤٧٩
= كتاب الإيمان
الرجل من قوة الحياء لشدة علمه بمواقع العيب. قَالَ: فالحياء من قوة
الجبن ولطفه.
وقال الجنيد: حيي حياء رؤية الآلاء أي: النعم ورؤية التقصير،
فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء(١). وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن
كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد
يكون غريزة، ولكن استعماله عَلَى قوة قانون الشرع يحتاج إلى
أكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا عَلَى أفعال
الخير، ومانعًا من المعاصي، ورُب حياء يمنع من الخير، ويجبن عن
قول الحق وليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء من
إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقي، وإنما
حقيقته خلق يبعث عَلَى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق
ذي الحق ونحوه.
فائدة: الحياء أيضًا بالمد والقصر: الفرج من إناث الخف والظلف
والسباع، وخصَّ ابن الأعرابي الشاة والبقرة والظبية، وبالقصر: الخصب
والمطر، وحكي المد فيها أيضًا(٢).
= ((شذرات الذهب)» ٣٣٠/٣.
(١) أورده ابن القيم في ((مدارج السالكين)) ٢٥٩/٢.
(٢) قال الجوهري: والحياء أيضًا: رحم الناقة، وقال الليث: حَيَا الناقة يُقْصَرُ ويُمَدُّ
لغتان. وقال الأزهري: حياء الناقة والشاة وغيرهما ممدود إلا أن يقصره شاعر
ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودًا، وإنما سُمِّي حياءً باسم الحياء من
الاستحياء، لأنه يُستر من الآدمي ويكنى عنه من الحيوان ويُستفحش التصريح
بذكره واسمه الموضوع له، ويُستحى من ذلك ويُكنى عنه. وقال الليث: يجوز قَصْرُ
الحياء ومدُّه. قيل: وهو غلط لا يجوز قصره لغير الشاعر؛ لأن أصله الحياء من
الاستحياء، أنظر: ((الصحاح)) ٢٣٢٤/٦، ((تهذيب اللغة)) ٩٥٦/١.
٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ
وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ:
((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ
عَنْهُ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَّةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ- هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ - وهو ابن عمرو - عَنِ النَّبِيِّ بََّ. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَىَ، عَنْ دَاوُدَ
عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. [٦٤٨٤ - مسلم ٤٠ - فتح ١ / ٥٣].
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي السَّفَرِ
وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا
نَهَى اللهُ عَنْهُ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ - هو
ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ - وهو ابن عمرو- عَنِ
النَّبِيِّ وَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَىَ، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَالتّد.
الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أنه يجوز في قوله: (باب:
المسلم) التنوين والإضافة. وكذا نظائر هذا الباب مما هو كلام
مستقل، وتكون الإضافة إلى الجملة.
أحدها: التعريف برواته غير من سلف.
أما عبد الله (ع) بن عمرو فهو : أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن،
وقيل: أبو نُصير - بضم النون- عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن
هاشم بن سُعَيد -بضم السين وفتح العين- بن سهم بن عمرو بن هُصيص
-بضم الهاء وبصادين مهملتين- بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي