النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
كتاب الإيمان
في مجالس أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي بإسنادنا إليه عن
عبد الجبار بن العلاء، ثنا وكيع، عن مسعر، عن جامع بن شداد به)(١).
وأما أثر ابن مسعود فأخرجه أيضًا عن أبي زهير، حدثنا الأعمش،
عن أبي ظبيان، عن علقمة عنه قَالَ: الصبر نصف الإيمان، واليقين
الإيمان كله(٢). وهذا أيضًا إسنادٌ صحيح.
= قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨/١: التعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر بسند
صحیح إلى الأسود بن هلال.اهـ
وقال الألباني في تحقيقه لكتاب ((الإيمان) لأبي عبيد، وكتاب ((الإيمان)) لابن أبي
شيبة: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(١) من (ج)، والأثر رواه الخلال في ((السنة)) (١١٢١) من طريق وكيع، عن مسعر.
(٢) روي هذا الأثر موقوفًا، ومرفوعًا، أما الموقوف فرواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه))
٣/ ١٠٠ (٣٩٩٣) من طريق أبي معاوية، ورواه الحاكم ٤٤٦/٢ من طریق جرير،
ورواه البيهقي في ((الشعب)) ٧/ ١٢٣ من طريق وكيع، كلهم عن الأعمش، عن أبي
ظبيان، عن علقمة، عن عبد الله به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.اهـ وقال الذهبي: صحيح. اهـ
وقال البيهقي في ((الآداب)) ص٣٠٧ (٩٣٢): روي مرفوعًا وموقوفًا عن ابن مسعود
والموقوف أصح.اهـ وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٤/ ١٤٠: رواه
الطبراني ورواته رواة الصحيح، وهو موقوف ورفعه بعضهم.اهـ
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٧/١: رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال
الصحيح.اهـ
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨/١: وصله الطبراني بسند صحيح.اهـ.
وأما المرفوع فرواه ابن الأعرابي في ((المعجم)) (٥٩٢)، وأبو القاسم تمام بن
محمد في ((الفوائد)) ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤/٥، والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) ١٢٦/١ - ١٢٧، والبيهقي في ((الشعب)) ٧/ ١٢٣، والخطيب
في ((تاريخ بغداد)» ٢٢٦/١٣، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٣٣٠/٢-
٣٣١، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن
سفيان، عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا.
=
٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثم قَالَ: ونا عبد الله، نا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان
بمثله، وروى أحمد في كتاب ((الزهد)» عن وكيع، عن شريك، عن
هلال، عن ابن عكيم قَالَ: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم
زدنا إيمانًا(١) (ويقينًا وفقهًا(٢).
وأما أثر مجاهد فرواه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن شبابة، عن
ورقاء عنه، وهذا إسناد صحيح ورواه ابن المنذر بإسناده بلفظة: وصاه
وأنبياءه كلهم دينًا واحدًا(٣).
= قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد، ولا من
حديث الثوري.اهـ
وقال أبو نعيم والخطيب: تفرد به المخزومي عن الثوري.اهـ
وقال البيهقي: تفرد به يعقوب عن المخزومي، والمحفوظ عن ابن مسعود.اهـ
وقال ابن الجوزي: تفرد به محمد بن خالد عن الثوري، ومحمد مجروح، قال
يحيى والنسائي: يعقوب ليس بشيء. اهـ وقال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨/١: ولا
یثبت رفعه.اهـ
وقال الملا عليّ القاري في: ((الأسرار المرفوعة)) (٦٢٣): موضوع على ما ذكره
الصغاني.اهـ وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٩٩): منکر.اهـ
(١) يبدأ من هنا سقط طويل من (ج) سنشير إلى نهايته.
(٢) لم أجده في ((الزهد)) للإمام أحمد، ورواه عبد الله في ((السنة)) ٣٦٩/١ (٧٩٧). قال
الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٤٨/١ إسناده صحيح.
(٣) عزاه لـ ((تفسير عبد بن حميد)) السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٣٩/٧. والحديث رواه
الطبري في ((تفسيره)) ١٣٥/١١ من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
به. وبه علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المؤلف ابن أبي نجيح، فليعلم.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨/١: قال شيخ الإسلام البلقيني: وقع في أصل
الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قلَّ من تعرض لبيانه،
وذلك أن لفظه: وقال مجاهد: شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدًا.
والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه. كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري
وابن المنذر في تفاسيرهم. وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح =
٤٤٣
كتاب الإيمان
=
وأما أثر ابن عباس فرواه الأزهري في ((تهذيبه)) عن ابن ماهك عن
حمزة، عن عبد الرزاق، عن أبي إسحاق، عن التميمي -يعني: أربدة- عن
ابن عباس(١)، وأنا: عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
= وحده مع أن في السياق ذكر جماعة. انتهى. ولا مانع من الإفراد في التفسير، وإن كان
لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطب والباقون تبع، وإفراد الضمير لا يمتنع؛
لأن نوحًا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفاسير
بخلاف لفظه أن يكون مذكورًا عند المصنف بالمعنى. والله أعلم. اهـ
(١) لم أجد في ((تهذيب اللغة)) مادة [نهج] هذا الأثر، وفي مادة [شرع] ١٨٥٧/٢: قال
أبو إسحاق: في قوله: ﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ قال بعضهم: الشرعة في الدين،
والمنهاج: الطريق والأثر.
رواه: سفيان الثوري في ((تفسيره)) ص ١٠٣ ومن طريقه عبد الرزاق في ((تفسيره)
١٨٧/١ (٧٢١) عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةً
وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيل وسنة.
ومن هذا الطريق علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المصنف سفيان الثوري؛
لأن عبد الرزاق لا يروي عن أبي إسحاق السبيعي مباشرة، فعبد الرزاق ولد سنة
ست عشرين ومائة، وأبو إسحاق توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: ست
وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وعشرين ومائة، وقيل: تسع وعشرين ومائة، وعلى
کلِّ لا یصح سماعه منه،
انظر: ((تهذيب الكمال)) ٦١/١٨، ١١٢/٢٢. ورواه الطبري في ((تفسيره)) ٤/ ٦١١
من طرق عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال:
سنة وسبيلا.
ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١١٥١/٤ (٦٤٨٢) من طريق يوسف بن أبي
إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةٌ﴾. قال: سبيلًا،
ورواه أيضًا في ١١٥٢/٤ (٦٤٨٥) من طريق سفيان عن أبي إسحاق، عن
التميمي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمِنْهَاجَأَ﴾. قال: سنة.
قال ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)) ٦٧/٢: وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء
الخراساني: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾. أي: سنة وسبيلا، والأول أنسب -أي: سبيلا
وسنة- فإن الشرعة وهي الشريعة أيضًا هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال : =
٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
شرعة ومنهاجًا قال: الدين واحد والشريعة مختلفة (١). وروى ابن المنذر
بسنده إليه أنه قال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]: لولا إيمانكم(٢).
الوجه السابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:
قوله: ((الْبُغْضُ فِ اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ)) (في) هنا للسبية -
أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله عليه الصلاة والسلام: ((في النفس
المؤمنة مائة من الإبل))(٣) وكقوله في التي حبست الهرة فدخلت النار
فيها(٤)، أي: بسببها وأصل (في) للظرفية.
وقوله: (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَّنًا). قال ابن المرابط:
الفرائض: ما فُرِضَ علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشرائع
كالتوجه إلى القبلة، وصفاف الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد
القاذف، وعدد الطلاق إلى غير ذلك، والسنن: ما أمر به الشارع من
فضائل الأعمال، فمتى أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع، فهو
مؤمن كامل.
= شرع في كذا: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة، وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما المنهاج،
فهو الطريق الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله: ﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾.
بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم. اهـ
(١) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١٨٧/١ (٧٢٠)، والطبري ٦١٠/٤ (١٢١٣٣)،
وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١١٥٢/٤ (٦٤٨٧)، ووقع فيه عمر، وهو خطأ،
والصواب معمر.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٦٥) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء.
(٣) رواه النسائي ٥٨/٨- ٦٠، والمروزي في ((السنة)) (٢٤٤ - ٢٤٦)، والحاكم ١/
٣٩٥ - ٣٩٧، وابن حبان ١٤/ ٥٠١ - ٥١٠ (٦٥٥٩)، والبيهقي في ((الكبرى)) ٨/
٧٣ من طرق عن عمرو بن حزم.
(٤) سيأتي برقم (٣٣١٨).
٤٤٥
= كتاب الإيمان
وقوله: (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كل
أحد وإنما أخر بيانها؛ لاشتغاله بما هو أهم منها ولم يعلم أنهم يجهلون
مقاصدها، ومعنى: ﴿لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىِ﴾: [البقرة: ٢٦٠] ليزداد(١)، وهو
المعنى الذي أراده البخاري.
وقيل: بالمشاهدة، كأن نفسه طالبته بالرؤية(٢). والشخص قد يعلم
الشيء من جهة، ثم یطلبه من أخرى.
وقيل: ﴿لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىِ﴾ أي: إذا سألتك أجبتني(٣).
وقوله: (اجلس بنا نؤمن ساعة) أي: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة
وأمور الدین، فإن ذلك إیمان.
وقال ابن المرابط: نتذاكر ما يُصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان
هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى.
وقوله: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)، قال أهل اللغة: اليقين: هو العلم
وزوال الشك، يقال: منه يقنت الأمر بالكسر - يقنًا، وأيقنت
واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه، وذلك عبارة عن
التصديق وهو أصل الإيمان فعبر بالأصل عن الجميع كقولهم: الحج
عرفة، وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض؛ لأن كُلَّا وأجمعَ لا يؤكد
بهما إلا ما يتبعض حسًّا أو حكمًا كما قاله أهل العربية.
(١) رواه الطبري ٥٢/٣ عن سعيد بن جبير (٥٩٧٧، ٥٩٨٢)، والضحاك (٥٩٧٨)،
وقتادة (٥٩٧٩، ٥٩٨٠)، والربيع (٥٩٨١)، ومجاهد وإبراهيم (٥٩٨٤)، ورواه
ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٢/ ٥١٠ (٢٦٩٨) عن سعيد بن جبير فقط.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢/ ٥١٠ (٢٧٠١) عن الضحاك.
(٣) رواه الطبري ٥٣/٣ (٥٩٨٦)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٥٠٩/٢ (٢٦٩٥،
٢٦٩٦) عن ابن عباس.
٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
و(حاك) بالحاء المهملة، وفتح الكاف المخففة: ما يقع في القلب،
ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه: حاك يحيك، وحك
يحك، وأحاك يحيك، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث النواس بن
سمعان -- قال سألت رسول الله وَ ل عن البر والإثم فقال: ((البرُّ
حُسْنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسِكَ، وكرهتَ أن يطلعَ عليه
الناسُ))(١) فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة الإيمان سالمة
من الشكوك. وعبّر هنا بالصدر عن النفس والخلد.
وقوله: (﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]):
أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا) معناه أن هذا الذي تظاهرت عليه
أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصه، هو شرع الأنبياء قبل
نبينا كما هو شرع نبينا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الِينِ مَا
وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية. ويقال: جاء نوح بتحريم الحرام وتحليل
الحلال(٢)، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات
والأخوات، ونوح أول نبي جاء بعد إدريس القيمه.
وقوله في: (﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾) [المائدة: ٤٨] سبيلًا وسنة.
﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): يعني: أن ابن عباس فسر قوله تعالى:
﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾ بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَؤُا بِكُتْ رَبِّ
لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] قال المراد بالدعاء: الإيمان، فمعنى
(دعاؤكم): إيمانكم.
قال ابن بطال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ الذي هو زيادة في إيمانكم(٣).
(١) مسلم (٢٥٥٣) كتاب البر والصلة والآداب، باب: تفسير البر والإثم.
(٢) رواه الطبري ١٣٥/١١ (٣٠٦٣٥) عن قتادة.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٦١/١.
٤٤٧
= كتاب الإيمان
وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن، أي: فإن أصل الدعاء النداء
والاستغاثة ففي ((الجامع)): سئل ثعلب عنه، فقال: هو النداء.
ويقال: دعا اللهَ فلانُ بدعوة فاستجاب له، وقال ابن سيده: هو
الرغبة إلى الله تعالى، دعاهُ دعاءً ودعوى حكاها سيبويه(١)، وفي
(الغريبين)) الدعاء: الغوث، وقد دعا، أي: استغاث قَالَ تعالى:
﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
ثم أعلم أنه يقع في كثير من نسخ البخاري هنا باب: دعاؤكم
إيمانكم، ثم ساق حديث ابن عمر السالف، وعليه مشى شيخنا في
((شرحه))، وليس ذَلِكَ بجيد؛ لأنه ليس مطابقًا للترجمة؛ ولأنه ترجم
أولًا لقوله وَاج: ((بني الإسلام على خمس)) ولم يذكره قبل هذا؛ إنما
ذكره بعده، والصواب ما أسلفناه، وحكى أبو إسحاق عن بعضهم أن
الشرعة: الدين.
والمنهاج: الطريق. وقيل: هما جميعًا الطريق، والطريق هنا :
الدين. لكن اللفظ إذا اختلف أتي فيه بألفاظ للتأكيد(٢).
وقال محمد بن يزيد(٣): شرعة معناها: ابتداء الطريق. والمنهاج
(١) ((المحكم)) ٢٣٤/٢.
(٢) كذا بالأصل، وجاء في ((تهذيب اللغة)) ١٨٥٧/٢ مادة: شرع، ولكن اللفظ إذا
اختلف أُتي به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر.اهـ
(٣) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، البصري، أبو العباس، المبرِّد إمام
النحو، كان إمامًا، علامة، جميلا، فصيحًا، مفوّها، موثّقا، صاحب نوادر
وطرف.
قال الذهبي: له تصانيف كثيرة، يقال: إن المازني أعجبه جوابه، فقال له: قم
فأنت المبرِّد، أي: المثبت للحق، ثم غلب عليه: بفتح الراء. اهـ مات في أول سنة
ست وثمانين ومائتين.
=
٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الطريق المستمر (١).
وقال ابن عرفة: الشرعة والشريعة سواء، وأصل الشريعة: مورد
الماء. وذكر الواحدي وغيره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ
مِنَ الْأَمْرِ فَتَِّعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] قَالَ: الشريعة: الدين والملة والمنهاج
والطريقة والسنة والقصد(٢)، قالوا: وبذلك سميت شريعة النهر؛ لأنه
يتوصل منها إلى الانتفاع(٣).
والشارع: الطريق الأعظم، وقال مجاهد في معنى الآية السالفة:
ما يفعل بكم ربي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه(٤). وقيل: معناه:
ما يعبأ بخلقكم لولا توحيدكم إياه.
ومعنى: ((بني الإسلام)): أسس.
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٨٠/٣- ٣٨١، ((المنتظم)) ٩/٦- ١١، ((وفيات
=
الأعيان)) ٣١٣/٤ - ٣٢٢، (الوافي بالوفيات)) ٢١٦/٥ - ٢١٨، ((السير)) ١٣/
٥٧٦.
(١) انظر: ((معاني القرآن)) لأبي جعفر النحاس ٣١٩/٢، ((تهذيب اللغة)) ١٨٥٧/٢
مادة ((شرع)).
(٢) ((تفسير الواحدي)) ٤/ ٩٧.
(٣)
أنظر: ((تفسير البغوي)) ٧/ ٢٤٣، ٢٤٤، ((زاد المسير» ٣٦٠/٧.
((تفسير مجاهد)» ٤٥٧/٢ وفيه: لولا دعاؤكم إياه. قال الحافظ ابن رجب في
(الفتح)) ٢١/١: وأما قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَؤُّأْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:
٧٧] فيه للمفسرين قولان:
(٤)
أحدهما: أن المراد لولا دعاؤكم إياه، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة، كما ذكرنا.
والثاني: لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ اَلِنَّ
وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: لأدعوهم إلى عبادتي.
وإنما اختلف المفسرون في ذلك لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى
المفعول أخرى. اهـ
٤٤٩
كتاب الإيمان
وقوله: ((على خمس)) أي: خمس دعائم أو قواعد، وفي رواية
لمسلم: ((على خمسة))(١) بالهاء وهو صحيح أيضًا، أي: خمسة أشياء
أو أركان أو أصول، وتحتمل الرواية السالفة وجهًا آخر وهو أن
المراد خمسة أشياء، وإنما حذف الهاء؛ لكون الأشياء لم تذكر كقوله
تعالى: ﴿يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمعنى:
عشرة أشياء، وكقوله ◌َّهِ: ((من صام رمضان وأتبعه سنًّا))(٢) ونحو ذَلِكَ.
وقوله: ((وإقام الصلاة)): أصله: إقامة الصلاة، حذفت التاء، وقوله:
((وإيتاء الزكاة)) أي: أهلها، فحذف المفعول، والإيتاء: الإعطاء.
الوجه الثامن :
مقصود الباب بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وإطلاقه على الأعمال
كالصلاة والصيام والذكر وغيرها، ومذهب السلف والمحدثين
وجماعات من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص،
ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، وعلى النطق باللسان،
وعلى الأعمال بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد بزيادة هذِه وينقص
بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا: متى قَبِل
الزيادة والنقص كان شكًا وكفرًا، قَالَ المحققون منهم: نفس التصديق
لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته
ونقصانها وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة
بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه
المتكلمون.
(١) مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٢) رواه مسلم (١١٦٤) كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال أتباعًا
لرمضان، من حديث أبي أيوب.
٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
قَالَ النووي: وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر
المختار خلافه، وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر
الأدلة، وانشراح الصدر، واستنارة القلب؛ ولهذا يكون إيمان الصديقين
أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشُّبه، ولا يتزلزل إيمانهم
لعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت الأحوال
علیهم.
وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا
مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفسَ تصديقِ الصديق
لا يساوي تصديق آحاد الناس، ولهذا ذكر البخاري كما سيأتي في
بابه عن ابن أبي مليكة قَالَ: أدركت ثلاثين من الصحابة كلهم يخاف
النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل(١).
ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الآيات: التي ذكرهن
البخاري وغيرهن، ومن السنة: أحاديث كثيرة في ((الصحيح)) ستأتي في
مواضعها كحديث: ((يخرج من النار من كان في قلبه وزن شعيرة من
إيمان)) وكذا: ((من كان في قلبه وزن برة من إيمان)) وكذا: (من كان
في قلبه وزن ذرة)»(٢) فهذا هو الصحيح الموافق لظواهر النصوص
القطعية ولما قاله سلف الأمة، ولما يقضي به الحسُ، وأما إطلاق
اسم الإيمان عَلَى الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله
لا تحصى من الكتاب والسنة.
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ١٤٨/١ - ١٤٩، وحديث ابن أبي مليكة سيأتي معلقًا قبل
حديث (٤٨) باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٢) سيأتي برقم (٤٤) كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه.
٤٥١
كتاب الإيمان
=
قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي:
صلاتكم، بإجماع (١).
ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الأحاديث، وأما الأحاديث
فَسَتمرُّ بها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى أراد البخاري
في ((صحيحه)) بالأبواب الآتية بعد هذا كقوله: باب أمور الإيمان،
الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الجهاد من الإيمان، وسائر
أبوابه.
وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد: إن الإيمان قول
بلا عمل، وبيّن غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة
والإجماع.
قَالَ ابن بطَّال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن
الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص(٢). فالمعنى الذي يستحق به العبد
المدح والولاية من المؤمن هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق
بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف
بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو أعتقد وعمل وجحد
بلسانه لا يكون مؤمنًا، وكذا إِذَا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض
لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢-٤].
فأخبرنا تعالى أن المؤمن لا يكون إلا مَنْ هُذِهِ صفتُه؛ ولهذا قَالَ
وَلَه: ((لا يَسْرِقُ السَّارِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤمِنٌ))(٣).
(١) أنظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١٤٩/١.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٥٦/١.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب المظالم، باب: النُّهبى بغير إذن صاحبه.
٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فالحاصلُ أنَّ الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أن من صدق بقلبه،
ونطق بلسانه بالتوحيد ولكنه قصر في الأعمال الواجبة كترك الصلاة،
وشرب الخمر لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو عاصٍٍ فاسق
يستحق العذاب، وقد يُعْفَى عنه، وقد يُعَذَّب، فإن عُذب ختم له
بالجنة، وسيأتي بيان هذا في بابه - إن شاء الله- وأبعد بعضهم فقال:
إِذَا أعتقد بقلبه، ولم ينطق بلسانه من غير عذر يكون فائزًا في الآخرة
حكاه في ((الشفا))(١) .
وقد ساق الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي(٢) في كتاب ((شرح
أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) عن عمر بن الخطاب وخمسةَ عشرَ
من الصحابة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وعن خلق من التابعين وأتباعهم فوق الخمسين (٣).
وقال سهل بن المتوكل: أدركت ألف أستاذ كلهم يقول: الإيمان
قول وعمل ویزید وينقص.
وقال يعقوب بن سفيان: أدركت أهل السنة والجماعة عَلَى ذَلِكَ
بمكة، والمدينة والبصرة والشام والكوفة منهم: عبد الله بن يزيد
المقرئ وعددهم فوق الثلاثين (٤).
(١) ((الشفا)) ٥/٢.
(٢) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري، وكنيته: أبو القاسم صاحب
كتاب: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) طبري الأصل نسبة إلى
طبرستان، ثم قدم بغداد واستوطنها، توفي سنة ٤١٨ هـ، أنظر ترجمته في: ((تاريخ
بغداد» ١٤/ ٧٠ (٧٤١٨)، و((سير أعلام النبلاء)» ٤١٦/١٧.
(٣) ((شرح أصول آعقاد أهل السنة والجماعة)) ٩٦٢/٥ - ٩٦٣.
(٤) رواهما اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) ١٠٣٥/٥-
١٠٣٦.
٤٥٣
كتاب الإيمان
وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب ((الإيمان)) ذَلِكَ(١)
عن خلق قَالَ: ولو كان الإيمان قولًا لكان المنافقون مؤمنين؛ لأنهم قد
تكلموا بالقول.
وأيضًا فلم يبعث الله نبيًّا قط إلا دعا قومه إلى القول والعمل وأمر
بالقول والعمل، أولهم آدم، ثمَّ ساق ذَلِكَ، وأما توقف مالك عن
القول بنقصان الإيمان؛ فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج.
فوائد :
الأولى: أتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين -على
ما قَالَ النووي - عَلَى أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يُخلد
في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من
الشكوك، ونطق مع ذَلِكَ بالشهادتين، قَالَ: فإن اقتصر عَلَى أحدهما لم
يكن من أهل القِبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق
بخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذَلِكَ،
فإنه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ، وإذا نطق بهما لم يشترط
معهما أن يقول: وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام عَلَى الأصح،
إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب فلا يحكم
بإسلامه حتَّى يتبرأ، ومن أصحابنا من شرط التَبرُّؤ مطلقًا وهو غلط؛
لقوله {وَله: ((أمرتُ أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله))(٢).
ومنهم من استحبه مطلقًا كالاعتراف بالبعث، أما إِذَا أقتصر الكافر
(١) بهامش (ف) تعليق نصه: قائله هو رسته.
(٢) سيأتي برقم (٢٥) كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة. عن ابن عمر.
٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عَلَى قوله: لا إله إلا الله ولم يقل: محمد رسول الله. فالمشهور من
مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قَالَ:
يصير مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإنْ أبى جعل مرتدًا،
واحتج له بقوله وَّل في روايات: ((أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا:
لا إله إلا الله))(١) وحجة الجمهور الرواية السالفة وهي مقدمة عَلَى
هُذِهِ؛ لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وأيضًا فإن
فيها تنبيهًا عَلَى الأخرى(٢).
وأغرب القاضي الحسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر
بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه.
الثانية: أشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي
الشهادة في صحة الإسلام فيقدم الإقرار بالله عَلَى الإقرار برسوله، ولم أر
من وافقه ولا من خالفه(٣).
وذكر الحليمي في (منهاجه)) ألفاظًا تقوم مقام لا إله إلا الله، في
بعضها نظر؛ لانتفاء ترادفها حقيقة، فقال: ويحصل الإسلام بقوله:
لا إله غير الله، ولا إله سوى الله، أو ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن
أو البارئ، أو لا رحمن أو لا باري إلا الله، أو لا ملك أو لا رازق
إلا الله، وكذا لو قَالَ: لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحليم أو
الكريم أو القدير، قَالَ: ولو قَالَ: أحمد أو أبو القاسم رسول الله فهو
كقوله: محمد رسول الله(٤).
(١) سيأتي برقم (٢٩٤٦) في الجهاد، باب: دعاء النبي وَّ الناس. عن أبي هريرة.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ١٤٩/١.
(٣) انظر: ((المجموع)) ٤٧٦/١.
(٤) انظر: ((الشرح الكبير)) ١١٨/١١، ((روضة الطالبين)) ٨٥/١٠.
٤٥٥
= كتاب الإيمان
الثالثة: لو أقرَّ بوجوب الصلاة، أو الصوم أو غيرهما من أركان
الإسلام وهو عَلَى خلاف ملته التي كان عليها، فهل يصير بذلك مسلمًا؟
فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: لا؛ لظاهر الحديث. ومن قَالَ:
يصير، قَال: (كل ما)(١) يَكْفُر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به
مسلمًا(٢).
الرابعة: يصح الإسلام بالعجمية مع العجز عن العربية قطعًا، وكذا
مع القدرة عَلَى الأصح؛ لوجود الإقرار والاعتقاد(٣).
الخامسة: اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان: أنا مؤمن
مقتصرًا عليه. فمنعت طائفة ذَلِكَ وقالوا: يقرنه بالمشيئة، وحكي هذا
عن أكثر المتكلمين، وجوزته أخرى وهو المختار، وقول أهل التحقيق.
وذهبت طائفة ثالثة إلى جواز الأمرين وهو حسن، والمقالات
الثلاث صحيحة باعتبارات مختلفة. فمن أطلق نظر إلى الحال؛ فإن
أحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن استثنى أراد التبرك أو
اعتبار العاقبة، ومن خير نظر إلى الحالين ورفع الاختلاف(٤).
(١) في (ف): كلما، وفي (ج): كما، والمثبت هو الصحيح إن شاء الله.
(٢) أنظر: ((الوسيط)) ٤٨/٦.
(٣) أنظر: (روضة الطالبين)) ٢٨٢/٨.
(٤) قال ابن أبي العز في ((شرح العقيدة الطحاوية)) ص٣٣٩:
والناس فیه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه،
ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال. اهـ ثم ذكر قول من
یوجبه ومن یمنعہ وأجاب عن حججھم ثم قال: وأما من يُجوّز الاستثناء وتركه،
فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك
في أصل إیمانه مُنع من الآستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد أنه مؤمن من
المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ =
٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فرع: الكافر أجرى أصحابنا الخلاف فيه أيضًا، وهو غريب،
والمختار الإطلاق ولا نقول: هو كافر إن شاء الله.
السادسة: مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب،
ولا يكفر أهل البدع والأهواء.
الوجه التاسع:
أدخل البخاري في هذا الباب حديث ابن عمر؛ ليبين أن الإسلام
يطلق عَلَى الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قَدْ يكونان بمعنَى. وهذِهِ
المسألة فيها خلاف شهير للسلف، فقيل: معناهما واحد، وهو مذهب
البخاري وغيره، وقيل: بينهما عموم وخصوص.
قَالَ الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذِه المسألة. فأما الزهري
فقال: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل (١)، واحتج بقوله تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤].
وقال غيرهما بمعنّى، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ [الذاريات: ٣٦].
وقد تكلم في هذِه المسألة رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل
= وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ ﴾﴾ [الأنفال: ٢: ٤]. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[الحجرات: ١٥]. فالاستثناء حينئذ جائز. وكذلك من استثنى وأراد عدم
علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئة الله، لا شكّا في إيمانه،
وهذا القول في القوة كما ترى.اهـ
(١) رواه الطبري في تفسيره)) ١١/ ٤٠٠ (٣١٧٧٦).
٤٥٧
= كتاب الإيمان
واحد إلى قول من هذين القولين، ورد الآخر عَلَى المتقدم، وصنف عليه
كتابا يبلغ عدد أوراقه مائتين.
قَالَ الخطابي: والصحيح في هذا أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم
قَدْ يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن
مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم ولا عكس(١).
وإذا تقرر هذا أستقام تأويل الآيات واعتدل القول فيها، وأصل
الإيمان التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون
المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في
الباطن غير منقاد في الظاهر.
وقال البغوي في حديث جبريل: جعل النبي ◌َّرِ الإسلام اسمًا لما
ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ؛
لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من
الإسلام، بل ذَلِكَ تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها
الدين؛ ولهذا قَالَ وَّر: ((أتاكم جبريل يعلمكم دينكم)) (٢).
والتصديق، والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا يدل
عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]
و﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيّرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(٣) [آل عمران: ٨٥].
(١) ((أعلام الحديث)) ١٦٠/١ - ١٦١.
(٢) أنظر: ((شرح السنة)) ١٠/١، والحديث رواه مسلم (٨) كتاب الإيمان، باب: بيان
الإسلام والإيمان.
(٣) أنقطع الكلام في (ف) بسبب سوء التصوير وتمام الكلام كما في ((شرح السنة))
للبغوي: فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون =
٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وسيكون لنا عودة إليه إن شاء الله حيث ذكره البخاري رحمه الله قريبًا.
وقال أبو عبد الله محمد بن الإسماعيلي الأصبهاني في ((شرح
مسلم)): الإيمان لغةً: التصديق. فإن عني به ذَلِكَ فلا يزيد ولا ينقص؛
لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتَّى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى،
والإيمان في لسان الشرع هو: التصديق بالقلب، والعمل بالأركان،
وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص، وهذا مذهب أهل السنة.
فالخلاف إذًا إنما هو إِذَا صدق بقلبه ولم يضم إليه العمل بموجب
الإيمان هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟
الوجه العاشر:
اختلف في الأسماء الشرعية(١) كالصلاة، والصوم، والإيمان هل
هي واقعة أم لا؟
فالمشهور وقوعها، وأبعد القاضي وأبو نصر القشيري فصمما عَلَى
إنكارها، وأغرب أبو الحسين فحكى عن بعضهم أنه منع من إمكانها وهو
(٢)
واهٍ (٢).
= الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل أهـ
(١) قال الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٤/٣: من الأصوليين من ترجم هذه المسألة
بأن الحقيقة الشرعية هل هي واقعة أم لا؟ كما في ((المحصول))، ومنهم من ترجمها
بالأسماء الشرعية كما عبر به ابن الحاجب في ((المنتهى)) والبيضاوي في
(منهاجه))، وهو الصواب؛ ليشمل كلا من الحقائق الشرعية، والمجازات
الشرعية؛ فإن البحث جارٍ فيهما وفاقًا وخلافًا . اهـ
والحقيقة الشرعية هي: اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع.
انظر: ((المعتمد)) ١٨/١، ((البحر المحيط)) ١٣/٣، ((الإبهاج)) ٢٧٥/١، ((إرشاد
الفحول)) ١٣٦/١.
(٢) أنظر: ((المعتمد)) ١٨/١- ١٩، ((الإبهاج)) ٢٧٦/١ - ٢٧٧، ((الإحكام)» للآمدي =
٤٥٩
كتاب الإيمان
=
واختلف القائلون بالوقوع هل هي حقائق مبتكرة (١) أو مأخوذة من
الحقائق اللغوية؟ فذهبت المعتزلة إلى الأول، وغيرهم إلى الثاني،
وقالوا: إنها مجازات لغوية، حقائق شرعية(٢)، ومحل الخوض في
هُذِه المسألة كتب الأصول.
قَالَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هُذِه أول مسألة نشأت في
الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان، ونشأت الفتنة، ثمَّ جاءت المعتزلة
قدحوا في الصحابة، وقالوا: لا نجعلهم مؤمنين بل منزلة بين
منزلتين، قيل لهم: إنهم مؤمنون، لأن الإيمان هو التصديق، قالوا:
اسم الإيمان نقل لمن لم يعمل كبيرة. قَالَ الشيخ: يمكننا أن نقول:
إن الأسماء منقولة إلا هذه المسألة فيحترز عنها(٣).
الوجه الحادي عشر:
حديث ابن عمر هذا حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام وجوامع
الأحكام ولم يُذكر فيه الجهاد؛ لأنه لم يكن فرض إذ ذاك، أو لأنه
من فروض الكفايات، وتلك فرائض الأعيان.
قَالَ الداودي: لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بَعُدَ من
= ٥٦/١، ((شرح غاية السول)) ص١٢٤ - ١٢٥، ((إرشاد الفحول)) ١٣٦/١ - ١٣٧.
(١) أي وضعها الشارع مبتكره لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلا، وليس للعرب فيها
تصرف. انظر: ((البحر المحيط)) ١٨/٣.
(٢) أنظر: ((شرح اللمع)) ١٨٣/١، ((الإحكام)» للآمدي ٥٦/١-٦٩، ((إرشاد الفحول))
١٣٦/١-١٣٧، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٢٩٨/٧:
والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما
يستعمل نظائرها. اهـ ثم استفاض في الكلام عليها كعادته رحمه الله، فليراجع.
ولمزيد بيان أيضًا يراجع كتاب: ((شرح العمدة)) لابن تيمية ٢٧/٢-٣٢.
(٣) ((شرح اللمع)) ١/ ١٧٢-١٧٣.
٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الكفار، وبقي فرضه عَلَى من يليهم، وكان أولًا فرضًا عَلَى الأعيان،
وقيل: إنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن شبرمة إلا أن ينزل العدو
فيأمر الإمام بالجهاد.
وجاء في البخاري لما أورده في التفسير أن رجلًا قَالَ لابن عمر:
ما حملك عَلَى أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد؟ وفي بعضها
في أوله: أن رجلًا قَالَ لابن عمر: ألا تغزو؟! فقال: إني سمعت
رسول الله وَيه يقول: ((إن الإسلام بني على خمسة))(١) الحديث.
فهذا دال عَلَى أن ابن عمر كان لا يرى فرضه إما مطلقًا -كما نقل
عنه - أو في ذَلِكَ الوقت، وجاء هنا: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةٍ أَنْ
لا إله إِلَّ الله). وجاء في بعض طرقه: ((عَلَى أن يوحد الله)) وفي أخرى:
((عَلَى أن يعبد الله، ويكفر بما دونه)) (٢) بدل الشهادة، والظاهر أن ما عدا
الأولى من باب الرواية بالمعنى.
وجاء هنا تقديم الحج عَلَى رمضان وفي طريقين لمسلم، وفي بعض
الطرق عكسه، وفي بعضها فقال رجل (٣): الحج وصيام رمضان. فقال
ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعته من رسول الله
وَلِ﴾ (٤). فأبعد بعضهم وَوَهَّمَ رواية تقديم الحج وهو بعيد.
والصواب التأويل، إما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى عند
الإنكار، أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، أو أن الواو للترتيب،
(١) سيأتي برقم (٤٥١٤) في التفسير، باب: قوله: ﴿وَقَائِلُهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
(٢) رواه مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٣) ورد في بهامش الأصل: هذا الرجل اسمه: يزيد بن بشر السكسكي، نبه عليه
الخطيب في «مبهماته)».
(٤) روىُ هُذِه الطرق مسلم (١٦) الموضع السابق.