النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
= كتاب بَدْء الوَحْي
من الصحابة أكثر فتيا منه، ومناقبه في ((الصحيح)) وغيره جمة أفردت
بالتأليف منها: أنه وَّهِ حنكه بريقه(١).
روى عن النبي ◌ّر ألف حديث وستمائة وستين حديثاً، أتفقا منها
عَلَى خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة
وأربعين(٢) .
ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي ◌َّ وهو ابن ثلاث
عشرة سنة. وقال أحمد: خمس عشرة، والأول هو المشهور. وروئ
مجاهد عنه أنه قَالَ: رأيت جبريل مرتين(٣).
(١) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ١٧٠١/٣ (٤٢٥٧) عن مجاهد، وذكره
ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٢٩١/٣.
(٢) قال السيوطي: أكثرهم حديثًا أبو هريرة، روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة
وسبعين حديثًا، أتفق الشيخان منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد
البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين.
ثم ابن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثًا، ثم أنس بن مالك روی
ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا، ثم عائشة روت ألفين ومائتين وعشرة، ثم
ابن عباس روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا، وجابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسمائة
وأربعين حديثًا. أهـ ((تدريب الراوي)) ٣١٠/٢ - ٣١١ بتصرف.
وانظر: ((علوم الحديث)) ص٢٩٦ - ٢٩٧، و((المقنع)) ٤٩٤/٢ - ٤٩٥.
(٣) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) ١٢٣٣/٢- ١٢٣٤ (١٩١١)، والطبري في
((تهذيب الآثار)) (٢٥٩)، والطبراني ٢٦٤/١٠ (١٠٦١٥) من طريق ليث بن
أبي سلیم عن مجاهد عن ابن عباس به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف ليث بن أبي سليم، قال الحافظ في ((التقریب)) (٥٦٨٥):
صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك، ورواه الترمذي (٣٨٢٢)، وابن سعد
٢/ ٣٧٠، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) ١٠٦٨/٢ - ١٠٦٩ (١٥٦١)، والطبري
في ((تهذيب الآثار)) مسند ابن عباس (٢٦٠) من طريق ليث عن أبي الجهضم عن
ابن عباس به.
=

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وابن عمر وخلق من
التابعين. روى عنه أيضًا أخوه كثير بن العباس(١).
مات بالطائف، وقبره بها مشهور يزار. سنة ثمان وستين ابن إحدى
وسبعين سنة عَلَى الصحيح في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن
الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذِه الأمة. وهو أحد أولاد العباس
العشرة، وليس في الصحابة عبد الله بن عباس غيره، فهو إذًا من
الأفراد(٢).
فائدة :
عبد الله هُذا أحد العبادلة، وثانيهم: عبد الله بن الزبير، وثالثهم:
عبد الله بن عمر، ورابعهم: عبد الله بن عمرو بن العاص. وحذف
الجوهري في ((صحاحه))(٣) ابن الزبير (٤).
ووهم النووي في ((مبهماته)»(٥)، والقطعة التي لَهُ عَلَى هذا الكتاب
= وإسناده ضعيف أيضًا؛ لضعف ليث، ولأنه مرسل، قال الترمذي: حديث مرسل
ولا نعرف لأبي جهضم سماعًا من ابن عباس، وقد روي عن عبيد الله بن
عبد الله بن عباس أهـ قال الألباني في ((ضعيف الترمذي)): ضعيف الإسناد.
(١) ستأتي ترجمته عند شرح حديث (١٠٤٦).
(٢) انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٤٨٢/٣ - ٤٨٩، و((معجم الصحابة))
لابن قانع ٦٦/٢ (٥٠٢)، و(«أسد الغابة)) ٢٩٠/٣- ٢٩٤ (٣٠٣٥)، و«الإصابة))
٣٣٠/٢- ٣٣٤ (٤٧٨١).
(٣) ورد بهامش (ف): في باب: عبد. وأثبته فيها في باب: الألف اللينة بدل
ابن عمرو، ذكره في آخر ((الصحاح».
(٤) (الصحاح)) ٥٠٥/٢.
.
(٥) ((الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات)» للنووي ص (٦٠٩) المطبوع مع كتاب
((الأسماء المبهمة)) للخطيب.

٣٤٣
كتاب بَدْء الوَحْي
=
عليه، حيث زعم أنه أثبت ابن مسعود منهم وحذف ابن عمرو، وهذا
غلط عليه، فإنه لم يذكر ابن مسعود وأثبت ابن عمرو، وقد (ذكر)
ابن الزبير كما نبهنا عليه.
وأما سعيد بن جبير فهو الإمام المجمع عَلَى جلالته وثقته وعلو
مرتبته في العلوم تفسيرًا وحديثًا وفقهًا، أبو محمد سعيد بن جبير بن
هشام الكوفي الأسدي الوالبي -بكسر اللام وبالباء الموحدة- نسبة
إلى ولاء بني والبة. ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان بدالين
مهملتين -بضم الدال الأولى- (بن أسد بن خزيمة)(١)، سمع سعيد
خلقًا من الصحابة منهم العبادلة غير ابن عمرو.
وعنه خلق من التابعين منهم الزهري، وممن روى عنه ابناه
عبد الملك وعبد الله، مات سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين
سنة، قتله الحجاج صبرًا.
قَالَ خلف بن خليفة: حَدَّثَنَا بواب الحجاج قَالَ: رأيت رأس
سعيد بن جبير بعدما سقط من الأرض يقول: لا إله إلا الله (٢)، وقال
خلف عن رجل: إنه لما نَدَر رأسه هلل ثلاث مرات يفصح بها(٣).
وقيل: إن الحجاج قَالَ له: اختر أي قتلة شئت قَالَ: اختر أنت
لنفسك، القصاص أمامك. ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا (٤)، ولما
(١) ساقطة: من (ج).
(٢) رواه أسلم بن سهل الواسطي في ((تاريخ واسط)) ص٩١، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) ٤/ ٢٩١.
(٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ٢٦٥/٦، والطبري في ((تاريخه)) ٢٤/٤.
(٤) رواه مطولًا أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٩١/٤-٢٩٤، وذكرها الذهبي في ((السير)) ٤/
٣٢٣، وقال: هُذِه حكاية منكرة، غير صحيحة.اهـ

٣٤٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قدم أصبهان لم يحدث ثم لما رجع الكوفة حدث، فقيل له في ذَلِكَ،
فقال: أنشر بزك حيث تعرف(١).
وأما الراوي عن سعيد فهو موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي
الهمداني -بالمهملة- مولى آل جعدة بن هبيرة، روى عن كثيرين من
التابعين، وعنه الأعلام الثوري وغيره ووثقه السفيانان ويحيى بن معين
وذكره ابن حبان في («ثقاته))(٢)، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه
فقال: صالح الحديث. قُلْتُ: يحتج بحديثه؟ قَالَ: يكتب حديثه(٣)،
وقال جرير: رأيته لا يخضب وكان إِذَا رأيته ذكرت الله لرؤيته. ولما
ساقه البخاري في التفسير عنه قَالَ: وكان ثقة (٤).
وأما الراوي عنه فهو أبو عوانة -بفتح العين- واسمه الوضاح بن
عبد الله اليشكري -ويقال: الكندي- الواسطي مولى يزيد بن عطاء
وقيل: عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان.
رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا
واحدًا، وسمع خلقًا بعدهم من التابعين وأتباعهم.
(١) رواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان))٣١٦/١، أبو نعيم في ((تاريخ
أصبهان)) ٣٢٤/١، وانظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٥٦/٦ - ٢٦٧،
و((التاريخ الكبير)) ٤٦١/٣ - ٤٦٢ (١٥٣٣)، و((معرفة الثقات)) ٣٩٥/١ (٥٧٨)،
و((الجرح والتعديل)) ٩/٤- ١٠ (٢٩)، و((تهذيب الكمال)) ٣٥٨ - ٣٧٦ (٢٢٤٥).
(٢) ((الثقات)) ٤٠٤/٥.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ١٥٧/٨.
(٤) سيأتي برقم (٤٩٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ
پِهِچ
وانظر ترجمة موسى بن أبي عائشة في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٢٦/٦، ((التاريخ
الكبير)) ٢٨٩/٧ (١٢٣٤)، ((الجرح والتعديل)) ١٥٦/٨ (٧٠٠)، ((ثقات ابن حبان))
٤٠٤/٥، ((تهذيب الكمال)» ٩٠/٢٩ (٦٢٧١).

٣٤٥
= كتاب بَدْء الوَحْي
وروى عنه الأعلام منهم: شعبة ووكيع وابن مهدي.
قَالَ عفان: كان صحيح الكتاب ثبتًا، وهو في جميع حاله أصح
حديثًا عندنا من شعبة. وقال أحمد: إِذَا حدث من كتابه فهو أثبت من
شريك، وإذا حدث من غير كتابه وهم، وقال أبو زرعة: بصري ثقة
إِذَا حدث من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث
من حفظه غلط كثيرًا وهو صدوق ثقة(١).
مات سنة ست وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وسبعين.
قَالَ الخطيب: حدث عنه شعبة والهيثم بن سهل التستري، وبين
وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة أو أكثر(٢).
وأما الراوي عنه فهو أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري- بكسر
الميم وإسكان النون وفتح القاف- نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس
البصري الحافظ المكثر الثقة الثبت، التبوذكي -بفتح التاء المثناة
فوق، ثم موحدة مضمومة، ثم واو، ثمَّ ذال معجمة مفتوحة- سمع
المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا
وطبقتهم.
روى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود، وغيرهم من
الأعلام، وروىُ لَهُ مسلم والترمذي وأبو داود عن رجل عنه، والذي
رواه مسلم حديث واحد: حديث أم زرع رواه عن الحسن الحلواني
(١) ((الجرح والتعديل)) ٤١/٩.
(٢) ((السابق واللاحق)) ص ٣٢٥ (٢٠٦).
وانظر ترجمة أبي عوانة في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٨٧/٧، ((التاريخ الكبير)) ٨/
١٨١ (٢٦٢٨)، ((الجرح والتعديل)) ٤٠/٩ (١٧٣)، ((ثقات ابن حبان)) ٧/ ٥٦٢،
((تهذيب الكمال)) ٤٤٢/٣٠ (٦٦٨٨).

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عنه(١). قَالَ الدوري: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. مات سنة
ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة.
واختلف في سبب نسبته التبوذكي عَلَى أقوال:
أحدها: لأنه أشترى دارًا بتبوذك، قاله أبو حاتم الرازي (٢).
ثانيها: لأنه نزل داره قوم منها فنسب إليها، قَالَ ابن أبي خيثمة :
سمعته يقول: لا جُزِي خيرًا من سماني تبوذكيًّا، أنا مولى بني منقر،
إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك، سموا تبوذكيًا.
ثالثها: (أنها)(٣) نسبة إلى بيع السماد، قاله السمعاني(٤)، والسماد
-بفتح السين -: سرجين يوضع في الأرض ليجود نباته.
رابعها: أنها نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب
والقانصة، قاله ابن ناصر، وذكر النووي في ((شرحه)) هُذِهِ الأقوال ثمَّ
قَالَ: الصحيح المعتمد ما قدمناه(٥).
فائدة :
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة، ورواته ما بين مكي وكوفي
وبصري وواسطي، وكلهم من الأفراد لا (أعلم)(٦) من شاركهم في
(١) مسلم (٢٤٤٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: ذكر حديث أم زرع.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ١٣٦/٨ (٦١٥).
(٣) في (ج): أنه.
(٤) أنظر: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) لابن الأثير ١/ ٢٠٧.
(٥) أنظر ترجمة أبي سلمة التبوذكي في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٦/٧، و((التاريخ
الكبير)» ٢٨٠/٧ (١١٨٦)، و((معرفة الثقات)) ٣٠٣/٢ (١١٨٠)، و((الثقات)) ٩/
١٦٠، و((تهذيب الكمال)» ٢١/٢٩- ٢٧ (٦٢٣٥).
(٦) في (ج): أعرف.

٣٤٧
- كتاب بَدْء الوَحْي
اسمهم مع اسم أبيهم، وفيه من طرف الإسناد رواية تابعي عن تابعي،
وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد.
الوجه الثالث:
قيل: كان يتعجل به حتَّى يكتب لئلا ينسى(١)، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا
تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وقال:
﴿سَنُفْرِتُكَ فَلَا تَسَّ ﴾﴾ [الأعلى: ٦]، وعن الشعبي: إنما يعجل بذكره
من حبه له وحلاوته في لسانه(٢)، فنهي عن ذَلِكَ حتَّى يجتمع؛ لأن
بعضه مرتبط ببعض وبإسكان الميم مع فتح العين- قَالَ ابن قرقول(٣):
جمعه لك صدرك - بسكون الميم عند الأصيلي مع ضم العين ورفع
الصدر- وعند أبي ذر: جمعه لك في صدرك. وعند النسفي: جمعه
لك صدرك. وقيل: تحفظه وتقرأه. وقيل: ﴿وقرآنه﴾: تأليفه(٤).
الوجه الرابع: في فوائده:
الأولى: هذا الحديث حصل في إسناده نوع من علوم الحديث وهو
(١) رواه الطبري في تفسيره)) ٣٣٩/١٢-٣٤٠ عن جماعة، منهم: ابن عباس،
ومجاهد، والحسن، وقتادة.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٣٩/١٢ (٣٥٦٢١).
(٣) هو الإمام العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن
باديس بن القائد، المعروف بابن قرقول، كان رحالًا في العلم نقالا فقيهًا، نظارًا
أديبًا نحويًّا، عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة، وكان من أوعية العلم، له
كتاب ((المطالع على الصحيح)) غزير الفوائد، توفي في شعبان سنة تسع وستين
وخمسمائة، وله أربع وستون سنة.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٦٢/١، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٠/٢٠،
((الوافي بالوفيات)) ١٧١/٦، ((شذرات الذهب)) ٢٣١/٤.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤٠/١٢ (٣٥٦٣٢، ٣٥٦٣٣) عن قتادة.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
التسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله، وقَلّ في المسلسل
الصحيح(١).
الثانية: المعالجة: المحاولة وسبب حصولها عظم ما يلاقيه من هيبة
الوحي الكريم والملك، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا
٥
[المزمل: ٥].
الثالثة: قوله (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) معناه: كثيرًا ما كان يفعل
ذَلِكَ، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه، حكاه القاضي، فجعل (ما)
كناية عن ذَلِكَ - ومثله قوله في كتاب الرؤيا: كان مما يقول
لأصحابه: ((من رأى منكم رؤيا))(٢)، أي هذا من شأنه - وأدغم النون
في ميم (ما)، وقيل: معناها: ربما، وهو قريب من الأول؛ لأن ربما
قد تأتي للتكثير (٣).
الرابعة: فيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه
الصورة بفعله إِذَا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول؛ لقول
ابن عباس: (فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله (صل﴾ يحركهما).
الخامسة: قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي: قراءة جبريل عليك،
وفيه كما قَالَ القاضي إضافة ما يقول من أمره تعالى إليه ويحتج به في أمر
التنزيل وغيره من الظواهر المشكلة إلى الله تعالى(٤).
(١) قال الحافظ الذهبي في ((الموقظة)) ص (٤٤): وعامة المسلسلات واهية وأكثرها
باطلة لكذب رواتها، وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل
بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب أهـ.
(٢) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. من
حدیث سمرة بن جندب.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٣٦٠.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٣٥٩/٢. وفيه: فيحتج به في حديث التنزل.
=

٣٤٩
: كتاب بَدْء الوَحْي
وقوله: (فاتبع قرآنه) أي: فاستمع له وأنصت(١) ، وقيل: أَتَبع حلاله
واجتنب حرامه ٢) .
[القيامة: ١٩] أي: أن تقرأه، وفي
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
مسلم: أن نُبِيِّنَهُ بلسانك(٣) ، وقيل: بحفظك إياه، وقيل: ببيان ما فيه من
حلال وحرامٌ(٤) حكاه القاضي قَالَ: وقد اختلف السلف في الهذّ )
والترتيل، فمن رأى الهذَّ أراد استكثار الأجر بعدد الكلمات، ومن
رأى الترتيل ذهب إلى فهم معانيه وتدبره، والوقوف عند حدوده
وتحسين تلاوته، وما أمر الله تعالى نبيه وَ له حيث قَالَ: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ
تّرِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وهو اختيار الأكثر، ولا خلاف أن الهذَّ الذي
ینتهي إلى ترك إقامة حروفه غير جائز.
وقال مالك: من الناس من إِذَا هذَّ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ،
ومنهم من لا يحسن يَهُذَّ، والناس في ذَلِكَ عَلَىْ قدر حالاتهم وما يَخِفُّ
عليهم(٦) . قَالَ القاضي: وما قاله مالك وغيره من إجازة الهذّ لمن أراد
قلت: لعله يقصد حديث: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ... الحديث.
=
وسيأتي الكلام عليه في حديث (١١٤٥).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤١/١٢ (٣٥٦٣٤، ٣٥٦٣٥) عن ابن عباس.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤١/١٢ (٣٥٦٣٨،٣٥٦٣٧) عن قتادة.
(٣) مسلم (٤٤٨ / ١٤٧).
رواه الطبري في تفسيره» ٣٤١/١٢ (٣٥٦٤١) عن ابن عباس، (٣٥٦٤٢) عن قتادة.
(٤)
(٥) الهَذّ: سرد القراءة، ومداركتها في سرعة واستعجال. وقيل: سرعة القطع. أنظر:
((النهاية)) ٢٥٥/٥، ((المصباح المنير)) ص٢٣٤، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨١/٣.
(٦) انظر: ((المنتقى)) ٣٤/١، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: ومعنى ذلك عندي أنه
يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف
طبعه ويشق عليه ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا مما يخالف
ما قدمناه من تفضيل الترتيل لمن تساوى في حاله الأمران اهـ.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مجرد التلاوة وفضل القراءة، أما من فتح الله تعالى عليه بعلمه وفهم
معاني القرآن (واستنارة)(١) حكمه فتلاوته وإن كانت قليلة أفضل من
ختمات لغيره هذا (٢).
السادسة: همزة (وأنصت) همزة قطع، هذا هو الفصيح الذي جاء به
القرآن العظيم، وفيه ثلاث لغات ذكرهن الأزهري: أنصت، ونصت،
وانتصت (٣).
والإنصات: السكوت. والاستماع: الإصغاء (٤).
السابعة: أعاد (كان) في قوله: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ) مع تقدمها
في قوله: (كَانَ يُعَالِجُ)، وهو جائز إِذَا طال الكلام كما في قوله
تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (٢٥)﴾ الآية
[المؤمنون: ٣٥] وغيرها.
الثامنة: في الحديث أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله وَمَّهِ
وفَضْلِهِ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
[القمر: ١٧].
التاسعة: معنى أمر الله تعالى نبيه أن لا يحرك بالقرآن لسانه ليعجل
به، وعدته له أن يجمعه في صدره، لكي يتدبره ويتفهمه وتبدو له عجائب
القرآن وحكمته وتقع في قلبه مواعظه فيتذكر بذلك، ولتتأسئ به أمته في
تلاوته، فينالوا بركته ولا يُخْرموا حكمته، وقد ذكر الله هذا المعنى فقال:
(١) في (ج): واستبان.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٥٩/٢ - ٣٦٠.
(٣) (تهذيب اللغة)) مادة: (نصت) ٤/ ٣٥٨٢.
(٤) قال الحافظ في ((فتح الباري)) ٦٨٣/٨: ولا شك أن الاستماع أخص من
الإنصات؛ لأن الاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولا يلزم من السكوت
الإصغاء اهـ
=

٣٥١
كتاب بَدْء الوَحْي
﴿مُبَّكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾(١) [ص: ٢٩].
= وتعقب هذا القول المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) ٨/٣ فقال: قلت: الإنصات
هو السكوت مع الإصغاء لا السكوت المحض. أهـ.
(١) آخر الجزء الثالث من تجزئة المصنف.
وورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه ولده
نور الدين علي والحاضري ... والبرموي وعلاء الدين الحموي والبكري والعاملي
... شيخنا شمس الدين الصفدي .... الفخر الرزازي وسراج الدين عمر الحريري،
وسمع شيئًا يسيرًا آخرون.

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٦ - باب
٦- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَبِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلُّ
لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ بَّهِ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ.
[١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧ - مسلم ٢٣٠٨ - فتح ٣٠/١]
الحدیث السادس :
قال البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَبْنَا عَبْدُ اللهِ، أنبا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدَّثَنَا بِشْرُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ أنَبَا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ نحوه، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنبا
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَجْوَدَ
النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ
يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ وَّهِ أَجْوَدُ
بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
الکلام علیه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في خمسة مواضع: أخرجه هنا كما
ترى، وفي صفة النبي ◌َله، عن عبدان أيضًا، عن ابن المبارك، عن
يونس(١)، وفي الصوم، عن موسى، عن إبراهيم (٢)، وفي فضائل
(١) سيأتي برقم (٣٥٥٤) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي وَلـ
(٢) سيأتي برقم (١٩٠٢) باب: أجود ما كان النبي ◌َّقد يكون في رمضان.

٣٥٣
كتاب بَدْء الوَحْي
=
القرآن، عن يحيى بن قزعة، عن إبراهيم(١)، وفي بدء الخلق، عن
ابن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري(٢)، وأخرجه مسلم
في فضائل النبي ◌َل﴿، عن أربعة، عن منصور بن أبي مزاحم، وأبي
عمران محمد بن جعفر، عن إبراهيم، وعن أبي كريب، عن ابن
المبارك، عن يونس، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر
ثلاثتهم، عن الزهري به(٣).
الوجه الثاني: في التعريف بحال رواته:
وقد سلف منهم ابن عباس والزهري ومعمر ويونس. وأما عبيد الله بن
عبد الله فهو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن
غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن فار - بالفاء
وتخفيف الراء- بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل -بكسر الهاء- بن
الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي
المدني الإمام الجليل التابعي، أحد الفقهاء السبعة كما أسلفناه في ترجمة
عروة، وكاهل قبائل منها هذِه، ومنها: كاهل بن أسد بن خزيمة بن
مدركة، منهم الأعمش، والكاهل في اللغة: الحارك بين الكتفين.
سمع خلقًا من الصحابة، منهم: ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة،
وعنه جمع من التابعين، وهو مُعَلِّم عمر بن عبد العزيز، وكان قد ذهب
بصره. روي عنه أنه قَالَ: ما سمعت حديثًا قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته (٤).
(١) سيأتي برقم (٤٩٩٧) باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي تَله.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٢٠) باب: ذكر الملائكة.
(٣) مسلم (٢٣٠٨) في الفضائل، باب كان النبي ◌َّر أجود الناس بالخير من الريح
المرسلة.
(٤) رواه يعقوب في ((المعرفة والتاريخ)) ١/ ٥٦٠، وابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) ٣٢٠/٥ (١٥١٧)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٩/٩.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الزهري: ما جالست عالمًا إلا رأيت أني أتيت عَلَى ما عنده
ما خلا عبيد الله بن عبد الله، فإني لم آته إلا وجدت عنده علمًا
طريقًا، وقال العجلي: رجل صالح جامع للعلم تابعي ثقة(١)، وقال
أبو زرعة: ثقة مأمون(٢).
مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس أو ثمان أو تسع
(٣)
وتسعين(٣).
فائدة :
روى البيهقي بإسناده، عن عبد الله والد عبيد الله هذا قَالَ: أذكر أن
النبي ◌ّ أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره، ومسح
رأسي، ودعا لي ولذريتي بالبركة(٤). وفي هذا منقبة لعبد الله وذريته،
وفيه أيضًا فائدة لغوية، وهي صحة إطلاق لفظ سداسي في الآدمي
كما في خماسي، وقد منع ذَلِكَ بعضهم.
وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن
واضح الحنظلي التميمي، مولاهم المروزي شيخ الإسلام، ذو الفنون،
الحجة، الثبت.
روى عن سليمان التيمي وعاصم الأحول وحميد، وعنه ابن مهدي
وابن معين وابن عرفة، أبوه تركي مولى (تاجر)(٥) من همذان من بني
(١) ((معرفة الثقات)) ١١١/٢- ١١٢ (١١٦١).
(٢) أنظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٢٠/٥ (١٥١٧).
(٣) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٥٠/٥، و((التاريخ الكبير)) ٣٨٥/٥ - ٣٨٦
(١٢٣٩)، و((تهذيب الكمال)) ١٩/ ٧٣ - ٧٧ (٣٦٥٣).
(٤) البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٦/ ٢١٥. ورواه أيضًا: الطبراني في ((الأوسط)) ٩٩/١
(٣٠٣)، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٩٩/٣ (١٦٠٩٧): فيه من لا أعرفهم. اهـ.
(٥) في (ج): رجل.

٣٥٥
= كتاب بَدْء الوَحْي
حنظلة وأمه خوارزمية، ولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات في رمضان
سنة إحدى وثمانين ومائة، وقبره بهيت، مدينة على شاطئ الفرات،
سميت بذلك؛ لأنها في هوة أي منخفض وقبره يزار(١)، قَالَ الخطيب
الحافظ: حدث عنه معمر بن راشد والحسين بن داود، وبين وفاتيهما
مائة واثنان وثلاثون سنة، وقيل: مائة وثلاثون (سنة)(٢) وقيل: مائة
وتسع وعشرون(٣). ولعمار بن (الحسن) (٤) يمدح عبد الله بن المبارك:
إِذَا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها
إِذَا ذكر الأحبار (من)(٥) كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها (٦)
وكان كثيرًا ما يتمثل:
ذا حياء وعفاف وكرم
وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا
قوله للشيء: لا إن قُلْتَ: لا
وإذا قُلْتَ: نعم قَالَ: نعم
فائدة :
عبد الله بن المبارك هذا من أفراد الكتب الستة، ليس فيها من يسمى
بهذا الاسم غيره، نعم في الرواة خمسة غيره، ذكرهم الخطيب في
((المتفق والمفترق)) أحدهم: بغدادي حدث عن همام، ثانيهم:
خراساني وليس بالمعروف، ثالثهم: شيخ روى عنه الأثرم، رابعهم:
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٧٢/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢١٢/٥ (٦٧٩)،
(معرفة الثقات)) ٥٤/٢ - ٥٦ (٩٥٩)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٩/٥- ١٨١ (٨٣٨)،
((تهذيب الكمال)) ١٦/ ٥ - ٢٤ (٣٥٢٠).
(٢) من (ج).
(٣) ((السابق واللاحق)) ص٢٥٢.
(٤) في (ج): (الحسين).
(٥) في (ج): (في).
(٦) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٦٣/١٠.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
بزار روى عنه سهل البخاري، وخامسهم: جوهري، روى عن أبي الوليد
الطيالسي.
وأما الراويان عن ابن المبارك فأحدهما: عبدان وهو أبو عبد الرحمن
عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن العتكي
المروزي، وعبدان لقب له وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، سمع
مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام، وعنه الذهلي والبخاري
وغيرهما، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأخرج لَهُ
الترمذي أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين أو عشرين ومائتين
عن ست وسبعين سنة.
قَالَ أحمد بن عبدة (الآملي)(١): تصدق عبدان بن عثمان في حياته
بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ عبد الله بن المبارك بقلم واحدٍ، وقال
أحمد: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان خراسان. وقال أحمد السالف
عنه: ما سألني أحد حاجة إلا قمت لَهُ بنفسي، فإن تم وإلا قمت له
بمالي، فإن تم وإلا استعنت بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت
بالسلطان(٢).
فائدة :
عبدان هذا لَهُ أخ اسمه عبد العزيز بن عثمان المعروف بشاذان(٣)،
وعبدان أيضًا هو ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد، وكلهم موالي المهلب
كما سلف.
(١) في (ج): (الأيلي).
(٢) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٤٧/٥ (٤٤٩)، و((الجرح والتعديل)) ١١٣/٥
(٥١٨)، و((الثقات)) ٣٥٢/٨، و((تهذيب الكمال)) ٢٧٦/١٥ - ٢٧٩ (٣٤١٦).
(٣) أنظر: ((ثقات ابن حبان)) ٣٩٥/٨، ((تهذيب الكمال)) ١٧٢/١٨ (٣٤٦٣).

٣٥٧
كتاب بَدْء الوَحْي
فائدة ثانية :
عبدان لقب لجماعة أكبرهم هذا، قَالَ ابن طاهر: إنما قيل لَهُ ذَلِكَ؛
لأن كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله، فاجتمع في اسمه وكنيته
العبدان، وهذا لا يصح بل ذَلِكَ من تغيير العامة للأسامي وكسرهم
لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذَلِكَ، كما قالوا في علي: (عليان)(١)،
وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره: حمدان، وفي وهب بن بقية
الواسطي: وهبان(٢).
الراوي الثاني عن ابن المبارك: بشر بن محمد، أبو محمد المروزي
السختياني، روى عنه البخاري منفردًا به عن باقي الكتب الستة هنا وفي
التوحيد، وفي الصلاة وغيرها. ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وقال: كان
مرجثًا (٣). مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وأهمل المزي وفاته (٤)،
(١) في (ف): (علان).
(٢) تعقب هذا القول العيني في ((عمدة القاري)) ١/ ٨٣ حيث قال: قلت: والذي قاله
ابن طاهر هو الأوجه؛ لأن عبدان تثنية عبد، ولما كان أول اسمه عبد وأول كنيته
عبد قيل: عبدان أهـ
قلت: وقد ذكر الذهبي في ((السير)» ٢٠/ ٤٦٤ - ٤٦٥ قصة طريفة عن سبب تسمية
عبدان، قال: السمعاني: كنت أنسخ بجامع بُرُوجِرد، فقال شيخ رث الهيئة:
ما تكتب؟ فكرهت جوابه، وقلت: الحدیث.
فقال: كأنك طالب حديث؟ قلت: بلى، قال: من أين أنت؟ قلت: من مرو. قال:
عَمَّن روى البخاري من أهل مرو؟ قلت: عن عبد الله بن عثمان وصدقة بن الفضل.
قال: لم لقب عبد الله بعبدان؟ فتوقفت، فتبسم، فنظرت إليه بعين أخرى، وقلت:
يفيد الشيخ. قال: كنيته أبو عبد الرحمن، واسمه عبد الله، فاجتمع فيه العبدان،
فقيل: عبدان. فقلت: عمن هذا؟ قال: سمعته من محمد بن طاهر. أهـ
(٣) ((الثقات)) ١٤٤/٨.
(٤) (تهذيب الكمال)) ١٤٥/٤-١٤٦.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكر ابن أبي حاتم بشر بن محمد الكندي، روى عن ابن أبي رزمة، وعنه
علي بن خشرم(١)، وجعله غير السختياني هذا ويحتمل أن يكونا
واحدًا(٢).
فائدة:
هذا الإسناد اجتمع فيه عدة مراوزة: ابن المبارك وراوياه كما علمته.
الوجه الثالث:
قوله: (وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ). هذِه واو التحويل من إسناد إلى
آخر، ويعبر عنها غالبًا بصورة ح مهملة مفردة ولها ثلاث فوائد:
الأولى: الانتقال من إسناد إلى آخر.
ثانيها: رفع توهم أن إسناد هذا الحديث سقط(٣).
ثالثها: عدم تركيب الإسناد الثاني عَلَى الأول.
وكتب جماعة من الحفاظ موضعها صح، وقيل: إنها رمز إلى قولنا :
الحديث، وإن أهل المغرب كلهم يقولون إِذَا وصلوا إليها: الحديث،
والمختار (أن يقول)(٤): ح ويمر كما سلف في القواعد أول الكتاب(٥).
وقوله: (ومعمر نحوه) أي: نحو حدیث یونس.
(١) ((الجرح والتعديل)) ٣٦٥/٢ (١٤٠٦).
(٢) أنظر ترجمته في بشر بن محمد في: ((التاريخ الكبير)) ٨٤/٢ (١٧٧٢)، و((الجرح
والتعديل)) ٣٦٤/٢ - ٣٦٥ (١٤٠٢)، و(تهذيب الكمال)) ١٤٥/٤- ١٤٦ (٧٠٥)،
و((تهذيب التهذيب)) ٢٣١/١.
(٣) كذا (ف)، وهو خطأ، وصوابه: رفع توهم أن حديث هذا الإسناد سقط.
انظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) ص (٢٠٣)، وكتبها المصنف على الصواب في
((المقنع)) ١ / ٣٦٤.
(٤) في (ف): (أنه يقول).
(٥) انظر: ((علوم الحديث)) ص٢٠٣ - ٢٠٤، و(المقنع)) ٣٦٤/١.

٣٥٩
- كتاب بَدْء الوَحْي
الوجه الرابع: في ضبط ألفاظه ومعانيه:
قوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ) رفع الدال من أجود أصح وأشهر، أي: كان أجود
أكوانه في رمضان -أي: أحسن أيامه فيها - (فهو)(١) مبتدأ مضاف إلى
المصدر، وخبره رمضان، والنصب عَلَى أنه خبر كان وفيه بُعْد؛ لأنه
يلزم منه أن يكون خبرها هو أسمها ولا يصح إلا بتأويل بعيد.
وقوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) هو تكرار يسمى عند أهل البيان
التوشيح، والجود: كثرة الإعطاء. وقوله: (فَلَرَسُولُ اللهِ مَّد) بفتح
اللام وقوله: (مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يعني: إسراعًا وعمومًا، وقيل:
عطاؤه عام كالريح. وقوله: (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) وكذا هو لبعض رواة مسلم،
وهو المحفوظ، ووقع في مسلم: (في كل سنة في رمضان حتَّى ينسلخ)(٢)
وهو بمعنى الأول، لأن قوله: (حتّى ينسلخ) بمعنى كل ليلة.
الوجه الخامس: في فوائده:
الأولى: فيه كما قَالَ القاضي: تجديد الإيمان واليقين في قلبه
بملاقاة الملك، وزيادة ترقيه في المقامات بمدارسته، وهذا منه ورَله-
آمتثال لقوله تعالى في تقدیم الصدقة بين يدي نجوی الرسول التي كان أمر
الله بها عباده، (فامتثله)(٣) وَ لقل بين يدي مناجاة الملك، وإن كان الله قد
نسخه عن أمته(٤). فكان ◌َليه يلتزم أشياء في طاعة ربه كالوصال(٥)،
وخص بذلك رمضان لوجوه:
(١) في (ج): (فهي).
(٣) في (ج): فأمسكه.
(٢) مسلم (٢٣٠٨).
(٤) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٢٧٣.
(٥) يدل على هذا عدة أحاديث منها ما سيأتي (١٩٦١ - ١٩٦٤) كتاب: الصوم،
باب: الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام، و(١٩٦٥ - ١٩٦٦) باب:
التنكيل لمن أكثر الوصال.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أحدها: أنه شهر فاضل وثواب الصدقة فيه مضاعف، وكذلك
العبادات، قَالَ الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره (١).
ثانيها: أنه شهر الصوم، فإعطاء الناس والإحسان إليهم إعانة لهم
عَلَى (الفطر)(٢) والسحور.
ثالثها: أن الإنعام يكثر فيه، فقد جاء في الحديث أنه يزاد فيه في
رزق المؤمن(٣)، وأنه يعتق فيه كل يوم ألف ألف عتيق من النار(٤)،
فأحب الشارع أن يوافق ربه في الكرم.
رابعها: أن كثرة الجود كالشكر لترداد جبريل إليه في كل ليلة.
(١) رواه الترمذي (٣٤٧٢)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٥٦/١٦، والمزي في ((تهذيب
الكمال» ٧٨/٣٣-٧٩، من طريق الحسن بن صالح عن أبي بشر عن الزهري، ولفظه:
تسبيحة في رمضان، أفضل من ألف تسبيحة في غيره، قال الذهبي في ((الميزان)) ٧/
١٦٩: أبو بشر عن الزهري لا يعرف، تفرد عنه الحسن بن صالح بن حي. أهـ. والحديث
ضعفه الألباني في (ضعيف سنن الترمذي))، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٦/ ١٠٧
(٢٩٨٣١) من طريق يحيى بن آدم عن حسين بن أبي بشر عن الزهري بنحوه.
(٢) في (ج): الفطور.
(٣) قطعة من حديث رواه الحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) (٣١٨)،
والمحاملي في ((أماليه)) (٢٩٣)، وابن خزيمة (١٨٨٧)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣/
٣٠٥ - ٣٠٦ (٣٦٠٨)، وفي ((فضائل الأوقات)) (٣٧) من طرق عن سعيد بن
المسيب عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله وَل آخر يوم من شعبان فقال:
((أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم .. )) الحديث.
قال أبو حاتم في ((العلل)) ٢٤٩/١: حديث منكر، وأشار ابن خزيمة إلى ضعفه
فقال: إن صح، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٨٧١): منكر.
(٤) قطعة من حديث رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٣١٤/٢ - ٣١٧ (١٥٧٥)، والبيهقي
في (شعب الإيمان)) ٣٣٥/٣ - ٣٣٧ (٣٦٩٥)، والديلمي كما في ((الفردوس))
(٤٩٦٠)، وابن الجوزي في ((العلل)) (٨٨٠) من حديث الضحاك بن مزاحم عن
ابن عباس قال: إنه سمع النبي ◌َّه يقول: ((إن الجنة لتنجد وتزخرف .. )) الحديث . =