النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب بَدْء الوَحْي رفرف بين السماء والأرض، وفي رواية: واقفًا بينهما، وفي رواية: عَلَى عرش بين السماء والأرض(١). وفي رواية لمسلم: فإذا هو عَلَى العرش في الهواء(٢). وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر ((الجامع)) أنه حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال -أي: عاليها- يهم بأن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى لَهُ بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٣). ثالثها: نقلنا عن ((السيرة)) فيما مضى أن ورقة قَالَ: ليكذبنه وليؤذینه، وينبغي أن يعلم أنه لا ينطق بهذه الهاء إلا ساكنة؛ لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار كما نبه عليه السهيلي (٤)، وقال الخشني (٥): كذا الرواية وقد كان يحتمل أن يكون ضمير أنتصب بالفعل. رابعها: في ((السيرة)) من حديث عمرو بن شرحبيل أن الصديق دخل عَلَى خديجة وليس رسول الله، ثمَّ ذكرت خديجة لَهُ ما رآه فقالت: يا عتيق، أذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل ◌َل و أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال: ((ومن أخبرك؟))، فقال: خديجة، (١) رواه مسلم (٢٥٨/١٦١). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٣) سيأتي برقم (٦٩٨٢) كتاب: التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله وَطلقة من الوحي الرؤيا الصالحة. (٤) ((الروض الأنف)) ٢٧٣/١. (٥) هو الإمام الحافظ المتقن اللغوي العلامة، أبو الحسن، محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني الأندلسي القرطبي، صاحب التصانيف، أريد على قضاء الجماعة فامتنع، وتصدر لنشر الحديث، وكان أحد الثقات الأعلام، توفي الخشني سنة ست وثمانين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين رحمه الله انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٥٩/١٣ (٢٢٧)، ((تذكرة الحفاظ)) ٦٤٩/٢. ٣٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: ((إِذَا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض)»، فقال له: لا تفعل إِذَا أتاك فائبت حتَّى تسمع ما يقول ثمَّ أتتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ قل: ﴿يَسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيَةِ [الفاتحة: ١-٢] حتَّى بلغ ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذَلِكَ له، فقال لَّهُ ورقة: أبشر ثمَّ أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، إنك عَلَى مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذَلِكَ لأجاهدن معك، فلما توفي ورقة قَالَ وَّهِ: ((لقد رأيتُ القسَّ في الجَنَّةِ عليه ثياب الحرير، لأنه آمَنَ بي وصدَّقني))، يعني: ورقة(١). وروينا في (سير سليمان بن طرخان التيمي)) أنها ركبت إلى بحيرا بالشام فسألته عن جبريل فقال لها: قدوس يا سيدة قريش، أنَّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال: ما علم به إلا نبي فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن یتمثل به ولا أن یتسمی باسمه. وفي ((الأوائل)) لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد: حَدَّثَنَا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن خديجة خرجت إلى الراهب وورقة وعداس فقال ورقة: أخشى أن يكون أحد [القلم: ١] شبه بجبريل فرجعت وقد نزل: ﴿تَّ وَالْقَلَّمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾﴾ فلما قرأ وَّ هُذا عَلَى ورقة قَالَ: أشهد أن هذا كلام الله. فيجمع بين هذِه الأخبار بأن خديجة رضي الله عنها ذهبت به مرة، وأرسلته مع (١) ((سيرة ابن إسحاق)) ص١١٢ - ١١٣ (١٥٧). ٣٠٣ = كتاب بَدْء الوَحْي الصديق أخرى وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى، وهذا لشدة أعتنائها بسيد المرسلين صلوات الله وسلامه (عليه)(١). خامسها: روى ابن إسحاق في (السيرة)) من حديث عبد الله بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبيها لتختبر الملك بذلك لنفسها لا لَهُ وَلِّ، وقيل: إن ورقة أمرها أن تختبر الأمر بذلك (٢). سادسها: قوله فيما مضى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] قَالَ أبو عبيدة المعنى: أقرأ اسم ربك والباء زائدة، قَالَ المفسرون يعني: أذكر اسمه مفتتحًا به قراءتك، وإنما قَالَ: ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾؛ لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم، والإنسان ههنا: ابن آدم، والعلق: جمع علقة وهي دم عبيط جامد، وقيل: إنما سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، ولما كان الإنسان في معنى الجماعة ذكر العلق جمعًا، وقوله: ﴿اقْرًا﴾ [العلق: ٣] تكرير للتأكيد ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهو الذي لا يوازيه كريم ﴿الَّذِى عَلَّمَ هو: الخط بِالْقَلِ ﴾﴾ يعني: الكتابة، ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ والصنائع. ٠ (١) في (ف): عليهما. (٢) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ١١٤. ٣٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤- باب ٤- قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَبِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَخِي فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ: (بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَّلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَأَتُهَا الْمُدَّثُِّ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴾﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّهْزَ فَاهْجُرْ ﴾﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بنُ رَدَّادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ. [٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٢٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ - مسلم ١٦١ - فتح ١/ ٢٧] الحديث الرابع : قَالَ البخاري رحمه الله : قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي فَقَالَ - فِي حَدِيثِهِ: ((بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًّا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصِّرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَىْ كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيُّهَا الْمُدَّتِرُ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴿﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُزْ ﴾﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. ٣ الكلام علیه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أتفقا عليه، أخرجه البخاري هنا وفي الأدب(١)، وفي التفسير أتم من هذا، وأوله عن يحيى بن أبي كثير قَالَ: سألت (١) سيأتي برقم (٦٢١٤) باب: رفع البصر إلى السماء. ٣٠٥ كتاب بَدْء الوَحْي = أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِّرُ فقال أبو سلمة : قُلْتُ: يقولون: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (5 سألت جابر بن عبد الله عن ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ مثل الذي قُلْتَ. فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حَدَّثَنَا رسول اللهِ وَلِّ، قَالَ: ((جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري)) ثمَّ ذكر نحوه(١). وقال في التفسير: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ح، و(ثنا)(٢) عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري أخبرني فذكره (٣)، وأخرجه مسلم بألفاظ (٤). ثانيها: في التعريف برجاله: أما جابر بن عبد الله فهو أبو عبد الله ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالحاء المهملة والراء- (٥) بن عمرو بن شاردة بن تزيد -بالتاء المثناة فوق- بن جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن الخزرج الأنصاري السلمي -بفتح السين واللام وحكي في لغة كسرها - المدني أحد الستة المكثرين. رُوي لَهُ عن النبي ◌َّر ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، أخرجا لَهُ مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها عَلَى ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وهو من فضلاء الصحابة وكبارهم. روى عنه بنوه محمد (١) سيأتي برقم (٤٩٢٢). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب (١). (٢) في (ج): حدثني. (٣) سيأتي برقم (٤٩٢٥) باب: ﴿وَتَبَكَ فَطَهِّرْ ﴾. (٤) مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وكله. (٥) في (ف): ابن حزام- بالحاء المهملة والزاي، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب. ٣٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم. شهد العقبة مع أبيه- يعني: الثانية- مع السبعين وكان أبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكان جابر أصغرهم يومئذ. وقال عن نفسه: غزوت مع النبي ◌ُّر تسع عشرة غزوة لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي. أخرجه مسلم (١)، واستغفر لَهُ النبي ◌َّ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة (٢)، أمه نُسَيْبة بنت عقبة بن عدي. مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين وقيل: سنة ثلاث وستين وكان عمره أربعًا وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة. وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس. وكان يحفي شاربه ويؤم قومه وهو أعمى، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتًا بالمدينة(٣)، وقال يعقوب بن (١) مسلم (١٨١٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: عدد غزوات النبي ◌َّر. (٢) حديث رواه الترمذي (٣٨٥٢)، والطيالسي ٢٩٧/٣ - ٢٩٨ (١٨٤٠)، والنسائي في «الكبرى» ٦٩/٥ (٨٢٤٨)، وابن حبان ٩١/١٦ (٧١٤٢)، والحاكم ٥٦٥/٣، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ١/ ٣٠٨ من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر به. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في ((المشكاة)) (٦٢٣٨): على شرط مسلم، وفيه عنعنة أبي الزبير اهـ. قلت: فلعله لهُذِه العلة أشار إلى ضعفه في ((ضعيف الترمذي)). ورواه أيضًا الطبراني في ((الأوسط)) ٩٢/٦ (٥٨٩٤)، ((الصغير)) ٨٧/٢ - ٨٨ (٨٣٢) من طريق جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر به. قلت: جابر ضعيف، قال الحافظ في ((التقريب)) (٨٧٨): ضعيف رافضي. (٣) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٥٢٩/٢، انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٤٣٨/١، و((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٣٦/١ (١٤٠)، ((الاستيعاب)) ٢٩٢/١ - ٢٩٣ (٢٩٠)، («أسد الغابة)) ٣٠٧/٣ - ٣٠٨ (٦٤٧)، ((الإصابة)» ٢١٣/١ (١٠٢٦). ٣٠٧ كتاب بَدْء الوَحْي = سفيان الفسوي(١) : آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان(٢) ، لا جابر هذا. فائدة : جابر بن عبد الله في الصحابة ثلاثة: هذان، وجابر بن عبد الله الراسبي، نزيل البصرة (٣) ، وأما جابر في الصحابة فأربعة وعشرون نفرًا. فائدة ثانية : جابر بن عبد الله في غير الصحابة خمسة: أحدهم: سلمي يروي عن أبيه، عن كعب الأحبار. ثانيهم: محاربي عنه الأوزاعي. ثالثهم: غطفاني روى عن عبد الله بن الحسن العلوي. رابعهم: مصري، عنه يونس بن عبد الأعلى. (١) هو الإمام الحافظ الحجة الرحال، محدث إقليم فارس، أبو يوسف، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل مدينة فسا، لهُ تاريخ كبير جم الفوائد، و((مشيخته)) في مجلد، قال النسائي: لا بأس به، توفي في سنة سبع وسبعين ومائتين، مات قبل أبي حاتم الرازي بشهر. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٢٠٨/٩، (تهذيب الكمال)) ٣٢٤/٣٢ (٧٠٨٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٨٠/١٣ (١٠٦)، ((شذرات الذهب)) ١٧١/٢. (٢) جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي. شهد بدرًا وأُحدًا والخندق وسائر المشاهد. انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٤٤٩/١، و((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٣٩/١٢ (١٤٤)، و((الاستيعاب)) ٢٩٢/١ (٢٨٩)، و(«أسد الغابة)) ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (٦٤٦). (٣) أنظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٢٩٣/١ (٢٩١)، («أسد الغابة» ٣٠٦/١ (٦٤٥)، ((الإصابة)) ٢١٤/١ (١٠٢٨). ٣٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == خامسهم : يروي عن الحسن البصري وكان كذابًا. فائدة ثالثة : جابر يشتبه بجائر -بالمثلثة بدل الموحدة-، وبخاتر -بخاء معجمة ثُمَّ ألف ثمَّ مثناة فوق ثمَّ راء- فالأول: القبيلة التي بعث الله منها صالحًا وهم ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح وأخوه جَديس بن جائر، والثاني: سابر خاتر مغن لَّهُ أخبار وحكايات مشهورة. وأما أبو سلمة فهو عبد الله أو إسماعيل -أو أسمه كنيته أقوال- بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق عَلَى إمامته وجلالته وثقته، وهو أحد الفقهاء السبعة عَلَى أحد الأقوال كما سلف في ترجمة عروة، سمع جمعًا من الصحابة والتابعين، وعنه خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم، قَالَ ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث(١). وقال الزهري فيما حكاه ابن أبي خيثمة: كان (أبو سلمة)(٢) يماري ابن عباس فحُرم من ذَلِكَ علمًا كثيرًا(٣). وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب: قدم علينا أبو سلمة وكان صبيحًا كأن وجهه دينار هرقلي (٤)، أمه تُماضر - بضم التاء المثناة فوق وكسر المعجمة- بنت الأصبغ الكلبية من أهل دومة الجندل، وهي أول كلبية نكحها قرشي وهي التي طلقها عبد الرحمن بن عوف في (١) ((الطبقات الكبرى)) ١٥٧/٥. (٢) في (ف): الزهري، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب. (٣) ((التاريخ الكبير)) لابن أبي خيثمة ١٣٨/٢. (٤) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ١٥٦/٥. ٣٠٩ = كتاب بَدْء الوَحْي مرضه فورثها عثمان، وخالفه ابن الزبير. وروى ابن سعد بإسناده أنه وَّلل بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب وقال له: ((إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم)) فلما قدم عبد الرحمن دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الإصبغ بن عمرو ملكهم(١)، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة. مات بالمدينة سنة أربع وتسعين عن اثنتين وتسعين في خلافة الوليد، قَالَ ابن سعد: وهذا أثبت من قول من قَالَ: إنه توفي سنة أربع ومائة(٢). وأما الزهري فسلف في الحدیث قبله. فائدة : هذا الإسناد كله مدنيون، وفيه أيضًا رواية تابعي عن تابعي. الوجه الثالث: الأنصاري سلف في الحديث الأول بيان نسبة الأنصار وسبب تسميتهم. الرابع: في ألفاظه ومعانيه وفوائده: الأول: فترة الوحي احتباسه بعد متابعته وتواليه في النزول كما سلف في آخر الحديث قبله. الثاني: قوله: ( ((بَيْنَا أَنَا أَمْشِي)) ) قَالَ الجوهري: (بينا) فَعْلَىْ، أشبعت الفتحة فصارت ألفا ويزاد عليها (ما) فيقال: بينما والمعنى (١) ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٨/٨. (٢) أنظر ترجمة أبي سلمة في: ((الطبقات الكبرى)) ١٥٧/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٣٠/٥ (٣٨٥)، ((الجرح والتعديل)) ٩٣/٥ (٤٢٩)، (تهذيب الكمال)) ٣٧٠/٣٣ (٧٤٠٩). ٣١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == واحد تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، وكان الأصمعي يخفض بعد بينا إِذَا صلح في موضعه بين، وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما عَلَى الأَبتداء(١). الثالث: قوله: ( ((فَرُعِبْتُ مِنْهُ))) هو بضم الراء وكسر العين ويجوز فتح الراء وضم العين قَالَ القاضي عياض(٢): قيده الأصيلي بهذا وغيره بالأول عَلَى ما لم يسم فاعله وهما صحيحان، حكاهما الجوهري(٣). قاَلَ يعقوب: رَعُبَ، ورُعِبَ. واقتصر النووي في القطعة التي لَهُ عَلَى هذا الكتاب، عَلَى الأول وقال بعضهم: الرواية بضم العين واللغة بفتحها حكاه السفاقسي(٤)، والرعب: الخوف، تقول: رعبته فهو مرعوب إِذَا أفزعته، ولا يقال: أرعبته، تقول: رَعَبَ الرجل عَلَىْ وزن فعل كضرب بمعنى خوفه، هذا إِذَا عديته فإن ضممت العين قُلْتَ: رَعُبْتُ منه وإن بنيته لما لم يسم فاعله ضممت الراء فقلت: رُعِبْتُ منه، وفي البخاري في التفسير(٥) ومسلم هنا: ((فجُئِثْتُ منه)) بالجيم ثمَّ همزة مكسورة بعدها مثلثة(٦)، قَالَ القاضي: كذا هو للكافة في الصحيحين، ولبعضهم بجيم ثمَّ مثلثتين قَالَ: ومعناها فرعبت (١) ((الصحاح)) ٢٠٨٤/٥ - ٢٠٨٥، مادة (بين). (٢) ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ٢٩٤/١. (٣) ((الصحاح)) ١٣٦/١. (٤) هو العدل المعمر المسند الفقيه شرف الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن عتيق بن محمد التميمي السفاقسي، المالكي، ابن أخت الحافظ علي بن المفضل المقدسي، يقال: إنه ناب في القضاء بالثغر وقتًا، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٢٩٥/٢٣ (٢٠٢)، («الوافي بالوفيات)) ٣٥٢/٢ (٨١٦)، ((شذرات الذهب)) ٢٦٦/٥. (٥) سيأتي برقم (٤٩٢٥). كتاب: التفسير، سورة المدثر، باب: وثيابك فطهر. (٦) مسلم (٢٥٥/١٦١). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. ٣١١ - كتاب بَدْء الوَحْي منه(١)، وفي بعض الروايات: ( ((حتَّى هويت إلى الأرض)) ) أي: سقطت، أخرجها مسلم (٢)، وفي بعضها ((فأخذتني رجفة))(٣) وهي كثرة الاضطراب، والمعنى في كلها متقارب. الرابع: قوله: ( ((فَقُلْتُ زَمِّلُونِ زَمِّلُونِي)) ) كذا هو في أكثر الأصول. وفي بعضها: ((زَمِّلُونِي)) مرة، وللبخاري في التفسير(٤)، ولمسلم أيضًا: (دثروني))(٥) وهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الخامس: قوله ((فَأَنْزَلَ اللهُ رَكْ ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ ﴾))) وهذا مما أغتر به جماعة فزعموا أن أول ما نزل من القرآن ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّرُ ﴾﴾ وقد سلف بيان ذَلِكَ في الحديث قبله، وأنه أيضًا مما أنزل من القرآن أول. قَالَ أبو حاتم ابن حبان في ((صحيحه)): ليس بين الخبرين تضاد إذ الله أنزل: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، فأنزل عليه في بيتها: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾(٦). وكذا قَالَ أبو العباس القرطبي: إن حديث جابر أولى من حديث عائشة؛ إذ حديثها بحراء وحديثه بعد أن رجع إلى خديجة فدثروه (٧). والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى، وسماه تعالى بذلك (١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٩٠ - ٤٩١. (٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٦). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٣) مسلم (١٦١ / ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٤) سيأتي برقم (٤٩٢٢، ٤٩٢٤). (٥) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٦) ((صحيح ابن حبان)) ٢٢١/١. (٧) ((المفهم)) ٣٧٦/١ - ٣٧٧. ٣١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إيناسًا وتلطفا، ثمَّ الجمهور عَلَى أن معناه: المدثر بثيابه. وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها (١). ﴾﴾: حذر العذاب من لم يؤمن، وفيه دلالة ومعنى: ﴿قُرْ فَأَذِرْ عَلَى أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التعقيب، وإنما أمر بالإنذار دون البشارة وهو رقمله قد أرسل بشيرًا ونذيرًا؛ لأن البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، [المدثر: ٣] أي: عَظّمه ونَزّهه عما لا يليق به. ﴿وَرَبَّكَ فَكَّتِزْ (٣)﴾ وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤] إما من النجاسة -عَلَى مذهب الفقهاء- وإما تقصيرها، وقيل المراد بالثياب: النفس أي: طهرها من كل نقص أي: اجتنب النقائص. ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص عن عاصم بضمها(٢)، وهي: الأوثان في قول الأكثر، وفي مسلم التصريح به (٣)، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به(٤)، وقيل: الشرك وقيل: الذنب وقيل: الظلم، وأصل الرجز في اللغة: العذاب، وسمي عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزًا؛ لأنه سبب العذاب. السادس: قوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر، وحَمِي -بفتح الحاء وكسر الميم - معناه: كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي: كثرت حرارتها، ومنه قولهم: حمي الوطيس. والوطيس: التنور، أستعير للحرب، وإنما عبرت (١) ((تفسير الماوردي)) ١٣٥/٦. وروى الطبري نحوه مسندًا ٢٩٧/١٢ (٣٥٣/٣). (٢) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٣٣٨/٦. (٣) مسلم ١٦١/ ٢٥٥. كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٤) سيأتي (٤٩٢٦). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب: قوله: والرجز فاهجر. ٣١٣ = كتاب بَدْء الوَحْي بقولها: فحمي تتميمًا منها للتمثيل الذي مثلت به أولًا، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح؛ فإن الضوء لا يشتد إلا مع قوة الحر وألحقت ذَلِكَ بقولها: وتتابع، لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات؛ لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما وشمس الشريعة باقية عَلَى حالها لا يلحقها نقص. السابِ : قوله: ( (فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ)) ) الكرسي معروف، وضَمُّ كافِهِ أفصح، والأشهر من كسرها، وجمعه: كراسي بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وكذا كل ما كان من هذا النحو مفرده مشددًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كسرية وعارية ونظائرهما، كما نبه عليه ابن السكيت(١) في ((إصلاحه))، ورواية العرش التي أسلفناها في أواخر الحديث الذي قبله يفسرها الكرسي المذكور. وقال أهل اللغة: العرش: السرير، وقال الماوردي في ((تفسيره)): أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم: كراسة (٢). وقيل في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: علمه(٣)، من (١) هو شيخ العربية، أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت البغدادي النحوي المؤدب، له كتاب ((إصلاح المنطق)) (يِّن خَيِّرٍ، حجة في العربية، وله من التصانيف نحو من عشرين كتابًا. انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٢٧٣/١٤، ((وفيات الأعيان)) ٣٩٥/٦، ((سير أعلام النبلاء)) ١٢/ ١٦ (٢)، (شذرات الذهب)) ٢/ ١٠٦. (٢) ((تفسير الماوردي)) ٣٢٥/١. (٣) رواه ابن جرير في تفسيره)) ١١/٣ (٥٧٨٨)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٢٥٩٩)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ٣٠٨/١ - ٣٠٩ (٢٣٣)، من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : = ٣١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قولهم: كرس الرجل إِذَا ازدحم علمه عَلَى قلبه، وقرأ طاوس كرسيه بالكسر (١). الثامن: قوله: ( ((جَالِسٌ)) ) كذا الرواية في البخاري، وفي مسلم ((جالسًا))(٢)، قَالَ النووي: كذا هو في الأصول وهو منصوب على الحال(٣). التاسع: قَالَ القاضي: في هذا الحديث تحقيق العلم بتصور الملائكة على صور مختلفة وإقدار الله لهم عَلَى التركيب في أي شكل شاءوا من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صورًا في أصل خلقهم مخصوصة بهم، كل منهم عَلَى ما خلق عليه (٤). وقد جاء في مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ [النجم: ١٣] قَالَ: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح(٥). وذكره البخاري في = ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: كرسيه علمه، قلت: وزاد السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ٥٨٠ عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (١) وهي إحدى روايات يعقوب ﴿وَسْعُ كُرْسِيُّهُ﴾. أنظر ((مختصر في شعراء القرآن)) لابن خالويه ص٢٢. (٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٥). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٤) ((إكمال المعلم)) ٤٩٣/١. (٣) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٩/٢. (٥) مسلم (١٧٤) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. لكن بدون ذكر هذِه الآية، بل ذكر مسلم قول ابن مسعود ثلاث مرات في كل مرة آية غير التي ذكر وهذه الآيات هي: ﴿فَكَانَ قَابَ فَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴾﴾ [النجم: ٩]، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَّ [النجم: ١١]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرَىَ ﴾﴾. [النجم: ١٨]، أما ما ذكره المصنف من أنها: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ﴾. [النجم: ١٣] فقد جاءت عند أحمد: ٤١٢/١، ٤٦٠، ٢٤١/٦، والبزار في ((مسنده)) ٢٠٧/٥ (١٨٠٩)، وأبي يعلى في («مسنده) ٢٤٣/٩-٢٤٤ (٥٣٦٠)، والشاشي في («مسنده» ٢/ ١٢٥ (٦٦٢)، والطبراني في ((الكبير)) ٢١٧/٩ (٩٠٥٥) وروى مسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى. قال رأى جبريل. ٠ ٣١٥ كتاب بَدْء الوَحْي بدء الخلق أيضًا (١)، قَالَ العلماء: رآه عَلَىْ هُذِه الصورة مرتين، قَالَ تعالى: ﴿رُسُلَّا أُوْلِيِّ أَجْنِحَةٍ مَّثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعَّ يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَّةٍ، إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] قَالَ أهل التفسير: أي: في خلق الملائكة في الأجنحة كجبريل ونحوه من الملائكة، وكذا جاء في البخاري في بدء الخلق، عن ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] قَالَ: رأى جبريل له ستمائة جناح(٢). وفي حديث عائشة: رأى جبريل سادًّا ما بين الأفق(٣). العاشر: فيه إظهار لقدرة الله تعالى؛ إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا، فهو ممسكهما بقدرته وأراه ذلك بقوته له؛ حتَّى يرجع إلى عين اليقين (٤). قَالَ البخاري -رحمه الله -: تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ. الكلام علیه من وجوه : الضمير في: (تابعه) أولًا يعود عَلَى يحيى بن بكير شيخ البخاري، الأول : (١) سيأتي برقم (٣٢٣٢) باب: إذا قال أحدكم: آمين. (٢) سيأتي برقم (٣٢٣٢). باب: إذا قال أحدكم: آمين. (٣) سيأتي برقم (٣٢٣٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (١٧٧) كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى وهل رأى النبي ◌ّ ربه ليلة الإسراء؟ (٤) بهامش (ف): بلغ إبراهيم بن محمد الحلبي قراءة على المصنف بالمدرسة الشافعية وسمعه الحاضري وابن المصنف نور الدين والعاملي وابن رمح والبرموي [ ... ]، علاء الدین الحموي والفخر الررزازي ومحب الدين ومحمد الميدومي وآخرون. ٣١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ومعناه: أن عبد الله وأبا صالح تابعا يحيى بن بكير. فرواه عن الليث ثلاثة يحيى وعبد الله وأبو صالح، والضمير في قوله: (وتابعه) ثانيًا يعود على عقيل أي: تابع هلال عقيلًا، رواه عن الزهري أيضًا، وهو متابعتان (في مرتين)(١)، والمتابعة الأولى أقوى كما أسلفناه في الفصول أول هذا الشرح. وطريقتك في معرفة المتابعة الأولى: أن تنظر طبقة المتابع -بكسر الباء- فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته؛ بحيث يكون صالحًا لذلك، ولهذا لم يُسم البخاري هنا المتابع عليه بخلاف الثانية فإنه سماه. الثاني : قوله: (وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.) مراده: أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذِه اللفظة، فروى عقيل، عن الزهري في الحديث: يرجف فؤاده. كما سلف(٢)، وتابعه عَلَى هَذِه اللفظة هلال بن رداد(٣)، وخالفه يونس ومعمر فرويا عن الزهري: ترجف بوادره(2). الثالث: في التعريف بأحوال هؤلاء الرواة: وقد سلف التعريف بالزهري في الحديث الثالث، وبعبد الله بن يوسف في الحديث الثاني. (١) سقط من (ج). (٢) الحديث السالف (٣)، وسيأتي أيضًا برقم (٣٣٩٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصًا .. ﴾. وكذا رواه مسلم ١٦٠/ ٢٥٤. (٣) روىُ هُذِه المتابعة الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٥/٢ بسنده من طريق الذهلي، وقال في ((الفتح)) ٢٨/١: حديث هلال بن رداد في ((الزهريات)) للذهلي. (٤) رواية يونس ستأتي برقم (٤٩٥٣) كتاب: التفسير، ورواها مسلم (١٦٠/ ٢٥٣). ٣١٧ = كتاب بَدْء الوَحْي وأما أبو صالح فاسمه عبد الغفار بن داود بن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها، فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه فسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش، و(بالجزيرة) (١) موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدث بها فروى عنه جماعة من أهلها ومن الغرباء، وكان يكره أن يقال له: الحراني، وإنما قيل له: الحراني؛ لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها، وحران مدينة بالجزيرة من ديار بكر، سميت بحران بن آزر أخي إبراهيم القَّ (٢). روى عنه يحيى بن معين والبخاري. وروى أبو داود عن رجل عنه وخرج له النسائي، وابن ماجه أيضًا. مات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين(١). فائدة : أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة بزيادة أربعة عشر، هذا وأبو صالح الأشعري الشامي، وأبو صالح الأشعري أيضًا ويقال: الأنصاري، وأبو صالح الجهني المصري - كاتب الليث بن سعد- أسمه عبد الله بن صالح- وأبو صالح الحارثي، وأبو صالح الحنفي اسمه عبد الرحمن بن قيس، ويقال: إنه ماهان، وأبو صالح الخوزي لا نعرف أسمه، وأبو صالح السمان ذكوان، وأبو صالح الغفاري (١) في (ج): بالحيرة. (٢) انظر: ((معجم ما استعجم)) ٤٣٥/٢، ((معجم البلدان)) ٢٣٥/٢ - ٢٣٦. (٣): أنظر: ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ١٢١/٦ (١٩٠٤)، ((الجرح والتعديل)) ٥٤/٦ (٢٨٩)، ((الثقات)) ٤٢١/٨، ((تهذيب الكمال)) ١٨/ ٢٢٥- ٢٢٨ (٣٤٨٦). ٣١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == سعيد بن عبد الرحمن، وأبو صالح المكي محمد بن زنبور، روى عن عيسى بن يونس، وأبو صالح مولى طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وأبو صالح مولى عثمان بن عفان، وأبو صالح مولى ضباعة اسمه مينا، وأبو صالح مولى أم هانئ أسمه باذان، وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث، وبعضهم عدَّ الأخير صحابيًّا وله حديث رواه الحسن بن سفيان(١) في ((مسنده))، وليس في الصحابة عَلَى تقديرها من يكتني بهذِه الكنية غيره، واحترزت بقولي: في الكتب الستة بزيادة عن أبي صالح الواقع في غيرها فإنهم جماعات فوق العشرة وقد بين ذَلِكَ الرامهرمزي في ((فاصله))(٢). وأما هلال بن رداد (٣) فبراء في أوله وبدالين الأولى مشددة، وهو طائي حمصي الكناني الكاتب، أخرج له البخاري هنا متابعة لعقيل، وليس لَهُ ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة، روى عن الزهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمد. قَالَ الذهلي: كان كاتبًا لهشام، ولم يذكره البخاري في ((تاريخه)»، ولا ابن (١) هو الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، الإمام الحافظ الثبت، أبو العباس الشيباني الخراساني النسوي، صاحب ((المسند)) ولد سنة بضع وثمانين ومائتين، وهو أسن من بلديه الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وماتا معًا في عام، قال الحاكم: كان الحسن بن سفيان -محدث خراسان في عصره- مقدمًا في الثبت والكثرة والفهم والفقه والأدب، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الرازي: ليس للحسن في الدنيا نظير. انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣/ ١٦، ((سير أعلام النبلاء)) ١٥٧/١٤ (٩٢)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٢/١٢. (٢) ((المحدث الفاصل)) ص ٢٨٧ - ٢٩٣. (٣) انظر ترجمته في: (تهذيب الكمال)) ٣٣٣/٣٠ (٦٦١٧)، ((ميزان الاعتدال)) ٥٪ ٤٣٨ (٩٢٦٦)، ((لسان الميزان)) ٤١٦/٥ (٨٢٢٧). ٣١٩ كتاب بَدْء الوَحْي أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمدٌ(١) ، وليس لَهُ ذكر في الكتب الستة، قَالَ ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول. ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا. وأما يونس فهو أبو يزيد يونس بن يزيد، ويقال بعد يزيد: ابن مشكان بن أبي النجاد - بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وبالمثناة- القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأخو أبي علي بن يزيد، وعم عبسة بن خالد بن يزيد سمع خلقًا من التابعين، منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام جرير بن حازم وهو تابعي فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق، وكان الزهري إِذَا قدم أيلة نزل عليه وإذا سار إلى المدينة زامله يونس، وقال أحمد: ما أجد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء. وقال يحيى: يونس أسند من معمر وهما ثقتان وكان معمر أَجَل، وفي رواية عنه: يونس أسند من الأوزاعي -يعني: عن الزهري- وقال يحيى أيضًا: أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وابن عيينة، وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا. وأما وكيع فقال: ذاكرت يونس بأحاديث الزهري المعروفة فجهدت أن يقيم لي حديثًا فما أقامه، وفي لفظ: فلم يكن يحفظ. حكاه العجلي(٢) . (١) ((الجرح والتعديل)) ١١٦/٨ (٥١٥) حيث قال: محمد بن هلال بن رداد الكناني الشامي، سمع أباه، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول. (٢) ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢/ ٣٨٠، والعجلي هو الإمام الحافظ الأوحد الزاهد، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل مدينة = ٣٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال خالد بن نزار(١) فيما حكاه المنتجالي: كان الأوزاعي يحصي على يونس بن يزيد. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة (٢). فائدة : في يونس ستة أوجه بتثليث النون مع الهمزة وعدمه، والضم بلا همز أفصح(٣). وأما معمر فهو أبو عروة معمر بن أبي عمرو، راشد الحداني الأزدي مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقًا من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأيوب وقتادة، وعنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وأيوب ويحيى بن أبي كثير وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، وعنه أيضًا جماعات غيرهم منهم: ابن جريج وشعبة وابن المبارك، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وآخر من حدث عنه محمد بن كبير = طرابلس المغرب، قال بعض العلماء: لم يكن له بالمغرب شبيه، ولا نظير في زمانه في معرفة الغريب وإتقانه، وفي زهده وورعه، وسئل ابن معين عنه فقال: هو ثقة ابن ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائتين. أنظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٤/ ٢١٤، ((سير أعلام النبلاء)) ١٢/ ٥٠٥ (١٨٥)، ((الوافي بالوفيات)) ٧٩/٧. (١) هو ابن المغيرة بن سليم الغساني مولاهم، أبو يزيد الأيلي، والد طاهر بن خالد بن نزار، روى له أبو داود والنسائي، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٨٤/٨ (١٦٥٧). (٢) أنظر ترجمة يونس في: ((الطبقات الكبرى)) ٧/ ٥٢٠، ((التاريخ الكبير)) ٤٠٦/٨ (٣٤٩٦)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ٣٧٩/٢ (٢٠٦٨)، ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٢٤٧ (١٠٤٢)، ((تهذيب الكمال)» ٥٥١/٣٢ (٧١٨٨). (٣) ذكره النووي في ((شرح مسلم)) ١/ ٧٤.