النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ = كتاب بَدْء الوَحْي المفتي، الثقة الواسع العلم، روى عن مالك والليث وابن الماجشون وغيرهم، وعنه: البخاري ويحيى بن معين والذهلي وأبو زرعة وخلائق، وهو راوي ((الموطأ)) عن مالك، وقد تكلم أهل الحديث في سماعه منه(١) كما نبه عليه الباجي(٢)، ولد سنة أربع وقيل: خمس وخمسين ومائة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، واعلم أن البخاري روى عن يحيى هذا في مواضع(٣)، وروى عن محمد بن عبد الله - هو الذهلي- عنه، قاله أبو نصر الكلاباذي. قَالَ المقدسي : نسبه إلى جده يدلسه، وتارة يقول: ثنا محمد ولا يزيد عليه، وتارة: محمد بن عبد الله، وإنما هو محمد بن عبد الله (بن خالد بن فارس)(٤) (١) قلت: والعلة في ذلك ما ذكره الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٣٦٨/٤ قال: قال الساجي: قال ابن معين: سمع يحيى بن بكير ((الموطأ)) بعرض حبيب كاتب الليث، وكان شر عرض، كان يقرأ على مالك خطوط الناس ويصفح ورقتين ثلاثة أهـ ولكن قال بقي بن مخلد- كما في ((تذكرة الحفاظ)) ٢/ ٤٢٠ -: سمع يحيى بن بكير ((الموطأ)) من مالك سبع عشرة مرة أهـ (٢) ((التعديل والتجريح)) ١٢١٣/٣. والباجي: هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، الأندلسي، القرطبي، الباجي، الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون، القاضي، صاحب التصانيف ولد في سنة ٤٠٣هـ وتفقه به أئمة واشتهر اسمه، وصنف التصانيف النفيسة، قال الأمير أبو نصر: أما الباجي ذو الوزارتين فقيه متكلم، أديب شاعر، سمع بالعراق ودرس الكلام وصنف، إلى أن قال: وكان جليلا رفيع القدر والخطر، قبره بالمرية مات سنة أربع وسبعين وأربعمائة. أنظر ترجمته في: ((الإكمال)) ٤٦٨/١، ((وفيات الأعيان)) ٤٠٨/٢ - ٤٠٩، ((البداية والنهاية)) ١٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٣٧/١٨. (٣) منها ما سيأتي برقم (١٣٦، ١٤٦، ٢٠٨، ٥٦٦، ١٨٩٠، ٢٣٤٥، ٢٧٥٧، ٣١٧٤) وغيرها. (٤) فى الأصل: ابن خالد بن عبد الله بن فارس، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر الترجمة. ٢٤٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ابن ذؤيب الذهلي، وتارة ينسبه إلى جده فيقول: محمد بن عبد الله، وتارة محمد بن خالد بن فارس فتنبَّه لذلك(١). وروى مسلم عن أبي زرعة(٢) عنه -أعني: عن ابن بكير- حديثًا(٣)، وروى ابن ماجه عن رجل عنه(٤). (١) ((الجمع بين رجال الصحيحين)) لابن طاهر المقدسي ٤٦٥/٢ (١٧٨٧). قلت: أما قول البخاري: ثنا محمد، ولا يزيد عليه فانظر حديث رقم: (١٢٤٠، ١٨٠٩، ٢٠٧١، ٣٤٦٤، ٤٤٣٨، ٤٥٤٥، ٤٦٧٧، ٤٨٧٥، ٥٩٣٠، ٦١٠٣، ٦٦٦٥). وأما قوله: ثنا محمد بن عبد الله، فانظر حديث رقم: (٢٦٩٣، ٢٨٠٩، ٤٢٧٣، ٤٧٢٩، ٤٨٠٧، ٦٧٢٢، ٦٧٨٥، ٦٩٠٨). وأما قوله: ثنا محمد بن خالد، فانظر حديث رقم: (١٩٥٢، ٥٧٣٩، ٧١٥٥، ٧٥١١). وسبب ذلك أن البخاري لما دخل نيسابور شغب عليه محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه فلم يترك الرواية عنه ولم يصرح باسمه. ولمزيد بيان ينظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٥٣/١٢ - ٤٦٣. (٢) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، محدث الري، ولد بعد نيف ومائتين، قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي زرعة فقال: إمام. توفي سنة ستين ومائتين وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل: توفي وهو ابن ست وخمسين سنة، أنظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٢٨/١ - ٣٤٩، (تاريخ بغداد)) ٣٢٦/١٠- ٣٢٧، ((طبقات الحنابلة) ١٩٩/١ - ٢٠٣، (البداية والنهاية)) ٣٧/١١، ((سير أعلام النبلاء)) ٦٥/١٣ (٤٨). ١٠ (٣) مسلم (٢٧٣٩) كتاب: الرقاق، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم - أبو زرعة- حدثنا ابن بكير، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: كان من دعاء رسول الله وَّل: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)). قال النووي في ((شرح مسلم)) ٥٤/١٧: هذا الحديث رواه مسلم عن أبي زرعة الرازي أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظًا، ولم يرو مسلم في ((صحيحه)) عنه غير هذا الحديث، وهو من أقران مسلم، توفي بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين ا. هـ (٤) قلت: روى له ابن ماجه بواسطة عن ثلاث: ٢٤٣ - كتاب بَدْء الوَحْي قَالَ أبو حاتم: كان يفهم هذا الشأن ولا يحتج به، يُكْتب حديثه(١). وقال النسائي: ليس بثقة. ووثقه غيرهما، وقال الدارقطني: عندي ما به بأس. وأخرج لَهُ مسلم عن الليث(٢)، وعن يعقوب بن عبد الرحمن(١٣)، والمغيرة(٤)، ولم يخرج لَّهُ عن مالك شيئًا؛ ولعله - والله أعلم- للعلة السالفة عن الباجي قَالَ -أعني الباجي -: وكان ثبتًا في الليث، وكان جاره، وكان عنده ما ليس عند غيره(٥)، ووثقه الخليلي(٦) أيضًا في (٧) ((إرشاده))(٧). فائدة: هذا الإسناد عَلَى شرط الستة إلا يحيى هذا، فعلى شرط البخاري ومسلم وابن ماجه، وكلهم ما بين مصري ومدني كما عرفته، = الأول: سهل بن أبي سهل عنه، حديث رقم (٣٨٧). الثاني: محمد بن يحيى عنه، حديث رقم (٢٠٨١، ٢١٣٣). الثالث: حرملة بن يحيى عنه، حديث رقم (٣٣١١). (١) ((الجرح والتعديل)) ١٦٥/٩. حديث رقم: (١٨٥١). (٢) حديث رقم: (٢٧٣٩). (٣) حديث رقم: (٢٧٨٥، ٢٩٤٢). (٤) ((التعديل والتجريح)) ١٢١٣/٣. (٥) (٦) هو القاضى، العلامة الحافظ أبو يعلى، الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل، الخليلي القزويني، مصنف كتاب ((الإرشاد في معرفة المحدثين)) كان ثقة حافظًا، عارفًا بالرجال والعلل، كبير الشأن، وله غلطات في ((إرشاده)) توفي بقزوين في آخر سنة ست وأربعين وأربعمائة وكان من أبناء الثمانين. انظر ترجمته في: ((الإكمال)) ١٧٤/٣، ((تذكرة الحفاظ)) ١١٢٣/٣ - ١١٢٥، ((شذرات الذهب)) ٢٧٤/٣، («سير أعلام النبلاء» ١٧ / ٦٦٦. (٧) ((الإرشاد))١/ ٢٦٢. وانظر ترجمة يحيى بن بكير في: ((التاريخ الكبير)) ٢٨٥/٨ (٣٠١٩)، ((الجرح والتعديل)) ١٦٥/٩ (٦٨٢)، ((الثقات)) ٢٦٢/٩، (تهذيب الكمال)) ٤٠١/٣١ (٦٨٥٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٢/١٠ (٢١٠). ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفيه أيضًا من طُرَفِ الإسناد رواية تابعي عن تابعي وهما: الزهري عن عروة. الوجه الثالث: في الكلام عَلَى مفرداته وفوائده: الأول: قولها: (مِنَ الوَحْيِ) في (من) هنا قولان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. وثانيهما: للتبعيض(١)، قَالَ القزاز(٢) بالأول، كأنها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتَّى تكون (من) للتبعيض، ورده القاضي(٣)، وقال: بل يجوز أن تكون للتبعيض، لأنها من (١) مجيء (من) لبيان الجنس قال به أكثر النحويين، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَاجْتَكِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ﴾ [الكهف: ٣١] قالوا: وعلامتها أن يحسن مكانها (الذي). وأنكر أكثر المغاربة مجيء (من) لبيان الجنس. أما مجيئها للتبعيض فكثير ومنه قوله تعالى: ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وعلامتها وقوع (بعض) موقعها. (٢) هو أبو عبد الله، محمد بن جعفر، التميمي القيرواني النحوي العلامة إمام الأدب، مؤلف كتاب ((الجامع)) في اللغة وهو من نفائس الكتب وكان مهيبًا عالي المكانة، محببًا إلى العامة، لا يخوض إلا في علم دين أو دنيا، وله نظم جيد، وشُهْرةُ بمصر. عمَّرَ تسعين عاما، قيل: مات بالقيروان سنة أثنتي عشرة وأربعمائة. أنظر ترجمته في: ((معجم الأدباء)) ١٨/ ١٠٥ - ١٠٩، ((وفيات الأعيان)) ٣٧٤/٤- ٣٧٦، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٦/١٧. (٣) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن عياض اليحصبي، الأندلسي، الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل. ولد سنة ٤٧٦هـ، قال عنه ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، ومن تصانيفه: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم))، و((مشارق الأنوار)) و((التنبيهات)). توفي في ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، ودفن بمراكش سنة ٥٠٤هـ انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٤٨٣/٣، ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٢/٢٠ (١٣٦)، (تذكرة الحفاظ)) ١٣٠٤/٤، ((شذرات الذهب)) ١٣٨/٤. ٢٤٥ كتاب بَدْء الوَحْي = الوحي، كما جاء في الحديث أنها جزء من النبوة(١). والوحي: الإعلام كما سلف، فرؤيا المنام إعلام وإنذار وبشارة، ورؤيا الأنبياء حق وصدق. الثاني: جاء هنا: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)، وفي ((صحيح مسلم)) : (الصادقة)(٢)، وكذا رواه البخاري في كتاب التعبير أيضًا (٣)، وساقه شيخنا في ((شرحه)) هنا بلفظ: (الصادقة) وهما بمعنى(٤)، وكأن ما وقع في ((شرح شيخنا)) من طغيان القلم، فإنه بعد أن ساقه قَالَ: جاء هنا: (الصالحة) وفي مسلم: (الصادقة) وقد زدنا عليه أن البخاري ساقه في التعبير كما ساقه مسلم، ورأيته أيضًا في تفسير سورة: ﴿اقْرأْ﴾(٥)، [العلق: ١] وذكر ابن المرابط (٦) أن رواية معمر ويونس: (الصادقة). (١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٤٧٩/١. والحديث سيأتي برقم (٦٩٨٧) كتاب: التكبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. (٢) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٣) سيأتي برقم (٦٩٨٢). كتاب التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله وَل من الوحي الرؤيا الصالحة. (٤) قال الحافظ في ((الفتح)) ١٢/ ٣٥٥: وهما بمعنّى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص؛ إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في ((التعبير القادري)»: الرؤية الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام أو يخبر به ما لا يكذب، والصالحة ما يسر أهـ (٥) سيأتي برقم (٤٩٥٦). كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٦) هو الإمام مفتي مدينة المرِيَّة وقاضيها، أبو عبد الله محمد بن خلف بن سعيد بن وهب الأندلسي، ابن المرابط، صاحب ((شرح صحيح البخاري))، توفي في شوال = ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال المهلب(١) : الرؤيا الصالحة هي تباشير النبوة؛ لأنه لم يقع فيها ضغث، قال: وهي التي لم يسلط عليه فيها ضغث ولا تلبيس شيطان (فيتساوى)(٢) مع الناس في ذَلِكَ بل خص وَّ بصدقها كلها، قَالَ ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ: ﴿إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾(٣) [الصافات: ١٠٢] وكان ◌َّلفي تنام عينه دون قلبه(٤)، فكان صدق الرؤيا في النوم في أبتداء النبوة مع رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام = سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وقد شاخ، من كبار المالكية. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٦٦/١٩ (٣٦)، ((الوافي بالوفيات)) ٤٦/٣، «شذرات الذهب)) ٣٧٥/٣. (١) هو المهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله، الأسدي الأندلسي المريبي، أبو القاسم، مصنف ((شرح صحيح البخاري)) وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء، ولي قضاء المرية. توفي في شوال سنة ٤٣٥هـ. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٥٧٩/١٧ (٣٨٤)، ((شذرات الذهب)) ٣/ ٢٥٥. (٢) في (ف): فتساوى. (٣) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٤٦٣)، والطبراني عن ٦/١٢ (١٢٣٠٢) عن ابن عباس، دون ذكر الآية. قال الهيثمي في «المجمع» ١٧٦/٧: رواه الطبراني عن شیخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.اهـ قال الألباني في تعليقه على ((السنة)) (٤٦٣): إسناده حسن. أهـ ورواه ابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)) ٣٨/١٢ - ٤٩ عن ابن عباس مرفوعًا به. قال ابن كثير: ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه أهـ. قال الألباني في تعليقه على ((السنة)): رجاله ثقات غير أبي عبد الملك الكرندي فلم أعرفه، ولا عرفت نسبته أهـ وسيأتي برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء. من قول عبيد بن عمير. (٤) سيأتي برقم (١٣٨)، ورواه مسلم (٧٦٣/ ١٨٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه. ٢٤٧ كتاب بَدْء الوَحْي = الحجر والشجر عليه(١) بالنبوة، ثمَّ أكمل الله لَهُ النبوة بإرسال الملك في اليقظة، وكشف لَّهُ عن الحقيقة كرامةً لَّهُ منه وَلـ قَالَ القاضي وغيره: وإنما أبتدئ ◌َّهِ بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة فلا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا مع سماع الصوت وغيره(٢). الثالث: الرؤيا: قَالَ أهل اللغة: يقال: رأى في منامه رؤيا، بلا تنوين عَلَى وزن فُعلى كحبلى، وجمعها: رؤّى بالتنوين عَلَى وزن رُعَّى، قاله الجوهري وغيره(٣). (١) من ذلك ما رواه مسلم (٢٢٧٧) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي ◌َّل وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، وأحمد ٨٩/٥ من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله وَله: ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أُبْعث، إني لأعرفه الآن)). ومن ذلك ما رواه الترمذي (٣٦٢٦)، والدارمي ١٧١/١ (٢١)، وأبو نعيم في («الدلائل» (٢٨٩)، والحاكم ٢/ ٦٢٠، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٥٣/٢ - ١٥٤ من طريق الوليد بن أبي ثور، عن السدي، عن عباد بن أبي يزيد، عن علي بن أبي طالب قال: كنت مع النبي وَ لّه بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه غير واحد عن الوليد بن أبي ثور، وقالوا: عن عباد أبي يزيد، منهم فروة بن أبي المغراء. اهـ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٦٧٠). (٢) ((إكمال المعلم)) ١ / ٤٧٩ (٣) ((الصحاح)) ٢٣٤٧/٦، مادة (رأى). والجوهري: هو أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي، مصنف كتاب ((الصحاح)) وأحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة، وفي الخط المنسوب، يُعد مع ابن مُقلة، وابن البواب ومهلهل والبريدي. وللجوهري نظم حسن ومقدمة في النحو، قال جمال الدين القفطي: مات الجوهري مترديا من سطح داره في سنة ٣٩٣هـ. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٨٠/١٧-٨٢، ((تاريخ الإسلام)» ٩١/٤، ((شذرات الذهب»١٤٢/٣. ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= الرابع: في هذا تصريح من عائشة رضي الله عنها بأن رؤيا النبي وَل من جملة أقسام الوحي، وهو محل وفاق. الخامس: قولها: (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح): مثل: منصوب عَلَى الحال أي: جاءت الرؤيا مشبهة فلق الصبح أي: ضياءه إِذَا أنفلق وانماز عن ظلام الليل، وذلك حتَّى يتضح فلا يشك فيه. قَالَ أهل اللغة والغريب: فَلَق الصبح وفَرَقه - بفتح أولهما وثانيهما -: ضياؤه. أي: إنارته وإضاءته وصحته، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البين، يقال: هو أبين من فلق الصبح، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]: ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، حكاه البخاري في كتاب التعبير عنه (١) وإنما عبرت عن صدق الرؤيا بفلق الصبح ولم تعبر بغيره؛ لأن شمس النبوة كان مبادئ أنوارها الرؤيا، إلى أن تم برهانها وظهرت أشعتها. السادس: قولها: (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ) هو بالمد أي: الخلوة، وهو شأن الصالحين، والحب: الميل. قَالَ الخطابي(٢): إنما حبب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب، وهي معينة عَلَى الفكر، والبشر (١) سيأتي معلقًا بعد حديث (٦٩٨٢) باب: أول ما بُدِئَ به رسول الله وَّ من الوحي الرؤيا الصالحة، ووصله الطبري في ((تفسيره)) ٢٧٨/٥ (١٣٦٠٣)، ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٤/ ١٣٥٣ (٧٦٧٠). (٢) هو أبو سليمان، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف، الإمام العلامة، ولد سنة بضع عشرة وثلاثمائة وله ((شرح أسماء الله الحسنى))، ((معالم السنن))، ((أعلام الحديث))، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ٣٨٨هـ. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٢١٤/٢، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣/١٧ (١٢)، ((تذكرة الحفاظ)) ١٠١٨/٣، ((شذرات الذهب)) ١٢٧/٣. ٢٤٩ كتاب بَدْء الوَحْي = لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، فحبب إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مرادًا سهلًا لا حزنًا وعِرًا، ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة الملك لَهُ بالقراءة وضغطه(١). وقال ابن المرابط: تحبيبها لَهُ قيل: إنه من وحي الإلهام (فكان)(٢) يخلو بغار حراء اعتبارًا وفكرة، كاعتبار إبراهيم لمناجاة ربه، والضراعة إليه، ليريه السبيل إلى عبادته عَلَى صحة إرادته. "بع: الغار: النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف، وجمعه: غيران، وتصغيره غوير، والمغار والمغارة بمعنى الغار. حراء: بكسر المهملة وتخفيف الراء والمد، وهو مصروف عَلَى الصحيح، ومنهم من منع صرفه، مذكر عَلَى الصحيح أيضًا، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضًا فَهُذِه ست لغات. قَالَ القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه ومن أنثه لم يصرفه، يعني: عَلَى إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، وضبطه الأصيلي بفتح الحاء والقصر وهو غريب(٣)، وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسارك إِذَا سرت إلى منّى (٤). ١٠) ((أعلام الحديث)) ١/ ١٢٧. (٢) في (ج): فكأنه. (٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٨٠. (٤) ((معجم البلدان)) ٢٣٣/٢. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فائدة : (حراء)(١) هو الذي نادى رسول الله وَّهِ - حين قَالَ له ثبير: أهبط عني فإني أخاف أن تقتل عَلَى ظهري فأعذب -: إليَّ يا رسول الله(٢). فلعل هذا هو السر في تخصيصه التحنث به من بين سائر الجبال، وقال سيدي (أبو عبد الله) (٣) ابن أبي جمرة(٤): لأنه يرى بيت ربه منه، وهو عبادة، وکان منزویًا مجموعًا لتحنثه(٥). فائدة ثانية : ذكر الكلبي(٦) أن حراء وثبيرا سميا بابني عم من عاد الأولى. (٢) انظر «الروض الأنف)) ٢٦٨/١. (١) ساقطة من (ج). (٣) كذا في الأصول وهو عبد الله بن أبي جمرة أبو محمد كما في ترجمته. (٤) هو عبد الله بن سعد بن أبي جمرة، أبو محمد، محدث مقرئ، من مصنفاته: ((مختصر صحيح البخاري))، و(شرح بهجة النفوس)) انظر: ((معجم المؤلفين)) ٢/ ٢٣٤ (٧٨٦٥). وذكره المصنف - رحمه الله - هنا فكناه أبا عبد الله، وفيه نظر؛ لأن کنیته أبو محمد، وسیذكره المصنف بعد ذلك ویکنیه بأبي محمد. (٥) (بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة ٩/١، قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٥/١٢: قال ابن أبي جمرة: الحكمة في تخصيصه بالتخلي فيه أن المقیم فیه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. قلت: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف، وقد تقدم أن الزمن الذي کان یخلو فیه كان شهر رمضان وأن قريشا كانت تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، ويزاد هنا أنهم إنما لم ينازعوا النبي ◌َّر في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره؛ لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظمونه لجلالته و کبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله، فكان ◌َلليه يخلو بمكان جده، وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم أهـ. (٦) هو العلامة الأخباري، أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر، وكان أيضًا رأسًا في الأنساب، إلا أنه شيعي متروك الحديث، يروي عنه ولده هشام وطائفة. انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٢٤٩/٦، ((التاريخ الكبير)) ١/ ١٠١، = ٢٥١ كتاب بَدْء الوَحْي التاسع: قولها: (وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ). هذا هو الذي نعرفه (هنا)(١) في البخاري، وأبدل بعض شيوخنا لفظة: (يخلو) بـ (يجاور) ثمَّ تكلم عَلَى مادة جاور وشَرَعَ ينقل الفرق بينه وبين الاعتكاف، بأن المجاورة قَدْ تكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف ولا حاجة إلى ذَلِكَ كله فتنبه له، نعم لفظ الجوار ورد في حديث جابر الآتي في كتاب: التفسير كما ستعلمه(٢)، وفي ((صحيح مسلم)) فيه: ((جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي)) الحديث(٣). العاشر: قولها : (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ). هو بحاء مهملة ثمَّ نون ثمَّ مثلثة، وقد فسر في الحديث بأنه التعبد، وهو صحيح، وأصله اجتناب الحنث -وهو: الإثم- وكأنّ المتعبد يلقي بعبادته عن نفسه الإثم، وقال ابن هشام: التحنث: التحنف يبدلون الفاء من الثاء يريدون الحنيفية (٤)، وقال أبو (أحمد)(٥) العسكري: رواه بعضهم: يتحنف - بالفاء - ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: سألت أبا عمرو الشيباني عن ذَلِكَ فقال: لا أعرف يتحنث، إنما هو يتحنف من الحنيفية أي: يتتبع دين الحنيفية، = ((الجرح والتعديل)) ٧/ ٢٧٠، ((وفيات الأعيان)) ٣٠٩/٤، ((سير أعلام النبلاء)» ٦/ ٢٤٨ (١١١)، ((الوافي بالوفيات)) ٨٣/٣. (١) ساقطة من (ج). (٢) سيأتي برقم (٤٩٢٢). كتاب التفسير، سورة المدثر باب (١). (٣) مسلم (١٦١/ ٢٥٧) كتاب: الإيمان، باب: بدء نزول الوحي إلى رسول الله وَلـ (٤) ((السيرة النبوية)) ٢٥٤/١. (٥) في (ف): محمد، والمثبت هو الصواب، وهو الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، أبو أحمد المحدث الأديب من كتبه: ((التصحيف))، ((الحكم والأمثال))، (راحة الأرواح))، توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. أنظر ترجمته في: ((المنتظم)) ٧/ ١٩١، ((وفيات الأعيان))٢/ ٨٣-٨٥، ((سير أعلام النبلاء)) ٤١٣/١٦-٤١٥. ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وهو دين إبراهيم القيا (١). وقال المازري وغيره: يتحنث: يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، والحنث: الذنب كما أسلفناه ومثله: تَحَرَّجَ، وَتَأَثَّمَ، وتَحَوَّبَ، إِذَا ألقى ذَلِكَ عن نفسه، وفعل فعلًا يخرج به (عن) (٢) الحرج والإثم والحوب، ومنه قوله: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (٣)، ومنهم من ألحق بها تهجد إِذَا خرج من الهجود -وهو النوم- بالصلاة، كما يقال: تحنث إِذَا أحتنثه وتنجس إِذَا فعل به فعلًا يخرج به من النجاسة. وهُذِه الأفعال التي ذكرت جاءت مخالفة لسائر الأفعال؛ لأن غيرها من الأفعال إنما يكون بفعل فيه بمعنى: تكسب، لا بمعنى ألقى، وكذا قَالَ السهيلي: التحنث: التبرر، تفعُّل من البر، وتفعل يقتضي الدخول في الشيء وهو الأكثر فيها مثل: تَفَقَّه وتَعَبَّد وتَنَسَّك، وقد جاءت ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه، كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء المثلثة؛ لأنه من الحنث، والحنث: الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر، وأما التحنف بالفاء فهو من باب التبرر؛ لأنه من الحنيفية دين إبراهيم، وإن كانت الفاء مبدلة من الثاء فهو من باب التقذر والتأثم، وهو قول ابن هشام (٤)، كما سلف. وقال أبو المعالي (٥) في (المنتهى)): تحنث: تعبد مثل: تحنف، (١) لم نقف عليه في كتابه ((تصحيفات المحدثين)). (٢) في (ج): من. (٣) سيأتي برقم (١٢٨) كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ورواه مسلم (٣٢) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. كلاهما من حديث أنس. (٤) ((الروض الأنف)) للسهيلي ٢٦٧/١. (٥) هو محمد بن تميم البرمكي أبو المعالي اللغوي، له كتاب ((المنتهى في الفروع)» وهو منقول من ((الصحاح)) وزاد عليه أشياء قليلة وأغرب في ترتيبه، ذكر أنه صنفه = ٢٥٣ - كتاب بَدْء الوَحْي وفلان يتحنث من كذا بمعنى: يتأثم فيه، وهذا أحد ما جاء تفعّل إِذَا تحنث تجنب الحنف والجور، وتحوب: تجنب الحوب، وقال الثعالبي(١): فلان يتهجد: إِذَا كان يخرج من الهجود، وتنجس إِذَا فعل فعلًا يخرج به عن النجاسة. قُلْتُ: والحاصل من ذَلِكَ ثمانية ألفاظ: تحنث، وتأثم، وتحرج، وتحوب، وتهجد، وتنجس، وتقذر، وتحنف. الحادي عشر: قولها: (وَهُوَ التَّعَبُّدُ). يحتمل أن يكون من تفسير عائشة وأن يكون من تفسير من دونها(٢). = سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، توفي أبو المعالي سنة إحدى عشرة وأربعمائة. أنظر ترجمته في ((هدية العارفين)) ص (٤٧٧) ((كشف الظنون)) ١٨٥٨/٢. ملحوظة: في الأصول الخطية لهذا الشرح: (أبو المعاني) بالنون بدل اللام وذكرناه في مواضعه من الكتاب وفي الترجمة باللام تبعًا للمصادر التي ترجمت له. (١) هو العلامة شيخ الأدب، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري، الشاعر، مصنف كتاب ((يتيمة الدهر في مجالس أهل العصر)) وله كتاب ((فقه اللغة)) وكتاب ((سحر البلاغة)) وكان رأسًا في النظم والنثر، مات سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ثمانون سنة. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ١٧٨/٣، (سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٤٣٧ (٢٩٢)، ((شذرات الذهب)) ٢٤٦/٣. (٢) قلت: هذا يسمى في مصطلح الحديث: المدرج، وهو: ما غير سياق إسناده. أو أضيف وأدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل، وهو ينقسم إلى قسمين، الأول: مدرج السند، وهو ما غير سياق إسناده، وله عدة صور منها: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ، فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف، ومنها: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راوٍ عنه مختصرًا على أحد الإسنادین. القسم الثاني: مدرج المتن، وهو أن يقع في المتن كلام ليس منه، مثل دمج موقوف بمرفوع، فتارة يكون في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره وهو الأكثر، فمثال الإدراج في أثناء الحديث، حديثنا هذا، فتفسير التحنث بالتعبد ليس = ٢٥٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح الثاني عشر: قولها: (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ). هو متعلق بيتحنث أي: يتحنث الليالي لا بالتعبد؛ لأنه يفسد المعنى حينئذ؛ فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل يطلق عَلَى القليل والكثير، والليالي منصوب عَلَى الظرف، (وذوات)(١): بكسر التاء فيه علامة (عَلَىْ)(٢) النصب. الثالث عشر: عبادته الَّة قبل البعثة هل كانت بشريعة أحد أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم وعزي الثاني إلى الجمهور، وإنما كان يتعبد بما يُلقى إليه من نور المعرفة. واختار ابن الحاجب(٣) والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع. واختلف القائلون بالثاني: هل ينتفي ذَلِكَ عنه عقلًا أم نقلًا فقيل بالأول؛ لأن في ذَلِكَ تنفيرًا عنه ومن كان تابعًا فبعيد منه أن يكون من كلام عائشة، قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٣/١: قوله: (وهو التعبد) هذا مدرج = في الخبر، وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطبيي ولم يذكر دليله، نعم في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الإدراج ا. هـ انظر: ((علوم الحديث)) ص ٩٥ - ٩٨، ((المقنع)) ٢٢٧/١ - ٢٣١، ((نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)» ص ٦٥ - ٦٧، ((تدريب الراوي)) ٣٤٠/١ - ٣٤٧. وللخطيب البغدادي فيه مصنف، وهو كتاب ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) وهو مطبوع. (١) في (ج): ذوات العدد. (٢) ساقطة من (ج). (٣) هو الشيخ الإمام العلامة المقرئ الأصولي النحوي جمال الأئمة والملة والدين، أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي، المالكي، صاحب التصانيف، كان من أذكياء العالم، رأسًا في العربية وعلم النظر، توفي في السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٢٤٨/٣ (٤١٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣/ ٢٦٤ (١٧٥)، ((شذرات الذهب)) ٢٣٤/٥. ٢٥٥ - كتاب بَدْء الوَحْي متبوعًا وهذا خطأ كما قَالَ المازري(١) فالعقل لا يحيل ذَلِكَ، وقال حذاق أهل السنة بالثاني؛ لأنه لو فعل لنقل؛ لأنه مما تتوفر الدواعي عَلَى نقله ولافتخر به أهل تلك الشريعة. والقائل بالأول اختلف فيه عَلَى ثمانية أقوال: أحدها: أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم. ثانيها : بشريعة موسى. ثالثها : بشريعة عيسى. رابعها: بشريعة نوح حكاه الآمدي(٢). خامسها: بشريعة آدم كما نقل عن حكاية ابن برهان. سادسها: أنه كان يتعبد بشريعة من قبله من غير تعيين. (١) ((إيضاح المحصول من برهان الأصول)) للمازري ص٣٦٩، والمازري: هو الشيخ الإمام العلّامة البحر المتفنن، أبو عبد الله، محمد بن علي بن عمر التميمي، المالكي، ولد سنة (٤٥٣هـ)، ومات سنة (٥٣٦هـ). من تصانيفه: ((المعلم بفوائد شرح مسلم))، ((إيضاح المحصول في الأصول))، وشرح كتاب ((التلقين)) لعبد الوهاب المالكي في عشرة أسفار، وهو من أنفس الكتب. أنظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٤/ ٢٨٥، (سير أعلام النبلاء)) ١٠٤/٢٠- ١٠٧ (٦٤)، ((الوافي بالوفيات)) ١٥١/٤ (١٦٨)، ((معجم المؤلفين)) ٥٢٥/٣. (٢) ((الإحكام)) ١٤٥/٤. والآمدي: هو العلامة المصنف، فارس الكلام، سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الحنبلي ثم الشافعي، ولد سنة (٥٥٠هـ)، ومات سنة (٦٣١ هـ). من تصانيفه: ((الإحكام في أصول الأحكام))، ((أبكار الأفهام))، ((منتهى السول في الأصول». انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٢٩٣/٣، ٢٩٤ (٤٣٢)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٦٤/٢٢-٣٦٧ (٢٣٠)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٤٠/٢١-٣٤٦ (٢٢٣)، ((شذرات الذهب)) ١٤٤/٥، ١٤٥. ٢٥٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح سابعها: أن جميع الشرائع شرع له. حكاه بعض شراح ((المحصول)) عن المالكية. ثامنها: الوقف في ذَلِكَ وهو مذهب أبي المعالي الإمام، واختاره الآمدي(١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٤] المراد: في توحيد الله تعالى وصفاته، (أو)(٢) المراد أتباعه في المناسك، كما علم جبريل إبراهيم، ولا خلاف بين أهل التحقيق كما قَالَ القاضي عياض أنه وَّر قبل نبوته وسائر الأنبياء منشرحو الصدر بالتوحيد والإيمان، فإنهم لا يليق بهم الشك في شيء من ذَلِكَ ولا الجهل به، ولا خلاف في عصمتهم من ذَلِكَ(٣). فإن قُلْتَ: ما كان صفة تعبده؟ قُلْتُ: لم أر فيه نقلًا بخصوصه، وسمعت بعض مشيختنا يقول: سمعت الشيخ أبا الصبر أيوب السعودي يقول: سألت سيدي أبا السعود: بم كان ◌ّيو يتعبد في حراء؟ فقال: بالتفكر. وقد أسلفنا هذا في الوجه السادس أيضًا. فرع : اختلف الأصوليون: هل كُلِّف بعد النبوة بشرع أحد من الأنبياء؟ والأكثرون عَلَى المنع، واختاره الإمام والآمدي وغيرهما (٤). وقيل: بل كان مأمورًا بأخذ الأحكام من كتبهم ويعبر عنه بأن شَرْعَ (١) ((البرهان)» للجويني ٣٣٤/١، ((الإحكام)) ١٤٥/٤. (٢) في (ف): إذ. (٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٨١. (٤) («الإحكام)) ١٢٣/٤، ((منتهى السول)) للآمدي ١٥/٣. ٢٥٧ كتاب بَدْء الوَحْي = مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا، واختاره ابن الحاجب(١)، وللشافعي في المسألة قولان، أصحهما الأول، واختاره الجمهور (٢). الرابع عشر: قولها: (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ). هو بكسر الزاي أي: يرجع، وقد رواه مسلم كذلك فقال: نزع إلى أهله (٣) إِذَا حَنّ إليهم فرجع إليهم، ونزعوا إليه: حنوا إليه، وهل نزعك غيره؟ أي: هل جاء بك وجذبك سواه! وناقة نازع: إِذَا حنت إلى أوطانها ومرعاها، ونزع بالفتح ينزع بكسر ثالثه قَالَ صاحب ((الأفعال))(٤): والأصل في فعل يفعل إِذَا كان صحيحًا وكانت عينه ولامه حرف حلق أن يكون مضارعه مفتوحًا إلا أفعالًا يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل: جنح يجنح، ودبغ يدبغ، وإلا ما جاء من قولهم نزع ينزع بالفتح والكسر، وهنا يهنئ(٥). وقال غيره: (هنَّأَني)(٦) الطعام، يَهْنُؤُني ويَهْنِتُني بالفتح والكسر. الخامس عشر: قولها: (ثُمَّ يَّتَزَوَّدُ لِذَلِكَ). قَالَ أهل اللغة: الزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر ويقال: زودته فتزود. (١) ((المنتهى)) لابن الحاجب ص ١٥٣. (٢) أنظر: ((التمهيد)) للإسنوي ص٤٤١، ((الإبهاج)) ٢٧٦/٢. (٣) مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٤) هو العلامة شيخ اللغة، أبو القاسم علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلي، ابن القطاع، نزيل مصر، من مصنفاته: ((الأفعال))، ((أبنية الأسماء)»، توفي سنة خمس عشرة وخمسمائة، عن اثنتين وثمانين سنة. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٣٢٢/٣، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٣٣/١٩ (٢٥٣)، ((الوافي بالوفيات)) ١٨/١٢، ((شذرات الذهب)) ٤٥/٤. (٥) ((الأفعال)) ١/ ١١. (٦) في (ج): وهناني. ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = السادس عشر: فيه مشروعية اتخاذ الزاد ولا ينافي التوكل، فقد اتخذه سيد المتوکلین. السابع عشر: قولها: (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) الضمير في مثلها يعود إلى الليالي، وخديجة ذكر البخاري في المناقب قطعة من مناقبها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله الوصول إليه. وهي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها و9َّ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده كلهم، خلا إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها حتَّى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين عَلَى الأصح، وقيل: بخمس وقيل: بأربع فأقامت معه أربعًا وعشرين سنة وأشهرًا، ثمَّ توفيت، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام(١). وروى البخاري في مناقب خديجة عن عروة، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله * بعد خديجة بثلاث سنين(٢)، وفيه أيضًا في باب: مناقب عائشة، عن عروة أنه ◌ّي لبث بعد موت خديجة سنتين أو قريبًا منها فنكح عائشة(٣) ، واسم أم خديجة: فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي، وخديجة أول من آمن من النساء باتفاق، بل (١) انظر ترجمتها في: ((معرفة الصحابة)) ٣٢٠٠/٦ - ٣٢٠٨ (٣٧٤٦)، ((الاستيعاب)) ٣٧٩/٤ - ٣٨٦ (٣٣٤٧)، ((أسد الغابة)) ٧٨/٧ - ٨٥ (٦٨٦٧)، ((الإصابة)» ٤/ ٢٨١- ٢٨٣ (٣٣٥). (٢) سيأتي برقم (٣٨١٧) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي ◌َّر خديجة وفضلها. (٣) سيأتي برقم (٣٨٩٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي ◌ّل عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ورواه مسلم (١٤٢٢) كتاب: النكاح، باب: تزويج الأب البكر الصغيرة. ٢٥٩ كتاب بَدْء الوَحْي أول من آمن مطلقًا على قولٍ. وفي ((الصحيح)) من حديث علي مرفوعًا: ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))(١)، وفي البخاري في حديث عن جبريل أنه قَالَ للنبي وَلَه : «هذِهِ خَدِيجَةُ، فَإِذَا أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ))(٢). ووقع في كتاب الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن زيد قَالَ آدَمِ التَّ: مما فضل الله به ابني عليَّ أن زوجه كانت عونًا لَهُ عَلَى تبليغ أمر الله، وأن زوجي كانت عونًا لي عَلَى المعصية(٣). (١) سيأتي برقم (٣٨١٥)، ورواه مسلم (٢٤٣٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. (٢) سيأتي برقم (٣٨٢٠)، ورواه مسلم (٢٤٣٢). (٣) أورده السيوطي بهذا اللفظ في ((الدر المنثور)) ١٠٩/١ عن عبد الرحمن بن زيد من قوله، وعزاه لابن عساكر. وروى البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٨٨/٥، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣٣١/٣، وفي ((تالي التلخيص)) ٤١١/٢ (٢٤٨)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٢٨٠) من طريق أبي بكر محمد بن حمويه السراج، عن محمد بن الوليد القلانسي، عن إبراهيم بن صرمة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا : فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله علیه فأسلم، وكن أزواجي عونًا لي، وكان شيطان آدم كافرًا وكانت زوجته عونًا له على خطيئته. قال ابن الجوزي: حديث لا يصح عن رسول الله وض ﴾. قال ابن عدي: محمد بن الوليد كان يضع الحديث، ويوصله، ويسرق، ويقلب الأسانيد والمتون، وسمعت الحسين بن أبي معشر يقول: هو كذاب اهـ وأورده الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ١٨٤/٥ - ١٨٥، والحافظ في ((لسان الميزان)) ٤١٨/٥ كلاهما في ترجمة: محمد بن الوليد القلانسي، ونقلا قول ابن عدي فيه، وقال المناوي في ((فيض القدير)) (٥٨٨٥): هذا الحديث من أباطيل محمد بن الوليد. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١١٠٠): موضوع. ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الثامن عشر: قولها: (حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ). أي: الأمر الحق وهو الوحي الكريم، (وللبخاري)(١) في التفسير، ولمسلم: (حتَّى فجئه الحق)(٢). أي: أتاه بغتة، يقول: فجئ يفجأ بكسر الجيم في الأول وفتحها في المضارع، وفَجَأ يفجَأ بالفتح فيهما، وقوله: (فجاءه الملك) يعني : جبريل. فائدة : روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك عليه بحراء يوم الأثنين، لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله وَله يومئذٍ ابن أربعين سنة(٣). التاسع عشر: قوله وَّجِ: (((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))) ما هنا نافية، واسمها ((أنا)) وخبرها: ((بِقَارِئٍ)) والباء زائدة لتأكيد النفي أي: ما أُحْسِن القراءة، وقد جاء في رواية: ((ما أُحْسِن أن أقرأ)) وغلط من جعلها استفهامية لدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل عَلَى ما الاستفهامية، واحتج من (قَالَ)(٤) استفهامية بأنه جاء في رواية لابن إسحاق: ((ما أقرأ؟)) (٥) أي: أيُّ أقرأ؟ ولا دلالة فيه؛ (لجواز أن تكون ما)(٦) هنا نافية أيضًا. وقال السهيلي في ((روضه)): قوله: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)) أي: أنا أميٍّ، فلا أقرأ الكتب، قالها ثلاثا، فقيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ أي: إنك لا تقرؤه بحولك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك، ولكن (١) في (ج): وفي البخاري. (٢) سيأتي برقم (٤٩٥٣)، ورواه مسلم ٢٥٢/١٦٠. (٣) ((الطبقات الكبرى)) ١٩٤/١ عن أبي جعفر. (٤) في (ج): جعلها. (٥) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ١٠٠ - ١٠١ (١٤٠). (٦) في (ج): لجواز ما أن تكون.