النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ = كتاب بَدْء الوَحْي فإن قلت: الحديث المذكور عام مخصوص فإن أداء الدين، ورد الودائع، والأذان، والتلاوة، والأذكار، وهداية الطريق، وإماطة الأذى عبادات، وتصح بلا نية، فتضعف دلالته حينئذ، ويخص عدم أعتبارها في الوضوء أيضًا. فالجواب: أن ما عُدَّ وادُّعِيَ فيه الصحة بلا نية إجماعًا ممنوع حَتَّى يثبت الإجماع، ولن يقدر عليه، ثم نقول: النية تلازم هذِه الأعمال، فإنَّ مؤدي الديَّن قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذا الوديعة، والأذكار، والتلاوة والأذان بصورتهن عبادة، ولا ينفك تعاطيهن عن القصد، وذلك نية. ومتى خَلَوْنَ عن القصد لم يعتد بهن عبادة، والهداية والإماطة مترددة بين القربة وغيرها، وتتميز بالقصد. تتمات تتعلق بالنية : الأولى: لو وطئ أمرأة يظنها أجنبية، فإذا هي مباحة له أَثِمَ، ولو أعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم(١)، وكذا لو شرب مباحًا يعتقدہ حرامًا أَثِمَ، وبالعكس لا يأثم، ومثله: ما إذا قَتل من يعتقده معصومًا، فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف مالًا يظنه لغيره فكان ملكه. قال الشيخ عز الدين في ((قواعده)): ويجري عليه حكم الفاسق لجرأته على ربه تعالى. وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب (تعذيبَ)(٢) زانٍ، ولا قاتلٍ ولا آكلٍ مالًا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على رتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على رتب المصالح في الغالب، قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيبَ من ارتكب صغيرة (١) ورد بهامش (ف): قال الخضري: إن كانت زوجته حرة؛ فالولد حر، وإلا فرقيق. (٢) في (ج): عذاب. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة(١). الثانية: لو قال لامرأته: أنت طالق. يظنها أجنبية (طلقت)(٢) زوجته المصادفة محله، وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه النظر إلى النية أو إلى فوات المحل، ولو قال لرقيقه: أنت حرٌّ. يظنه أجنبيًّا عتق، وفي عكسه التردد المذكور. وعلى هذا القياس في مسائل الشريعة والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة. الثالثة: ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة ولزوم النذر بها؛ اعتمادًا على هذا الحديث ولا يرد على هذا حديث: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به))(٣) لأن (المعفو) (٤) عنه في هذا الحديث هو الخطرات والهمم الضعيفة، بخلاف ما (عقدت)(٥) به العزائم، وهم إنما يوقعون الطلاق ونحوه بالنية إذا قويت وصارت عزيمة أكيدة. الرابعة: إذا نذر اعتكاف مدة (متتابعة)(٦) لزمه، وأصح الوجهين عند أصحابنا أنه لا يجب التتابع بلا شرط(٧). (١) ((قواعد الأحكام)) ٢٦/١. (٢) في (ج): خلفت. (٣) سيأتي رقم (٢٥٢٨) كتاب: العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، و(٥٢٦٩) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، و(٦٦٦٤) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم (١٢٧) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر. (٥) في (ج): عقد. (٤) في (ج): العفو. (٦) في (ج): مستأنفة. (٧) انظر: ((روضة الطالبين)) ٣٣٩/٢، ((فتح الوهاب)) ١٣١/١، ((مغني المحتاج)) ١/ ٤٥٥. ١٨٣ = كتاب بَدْء الوَحْي فعلى هذا لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه وجهان: أصحهما لا كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه، كذا نقله الرافعي(١) عن تصحيح البغوي(٢) وغيره. قال الروياني وهو ظاهر نقل المزني، قال: والصحيح عندي اللزوم؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت كما لو قال: أنت طالق. ونوی ثلاثًا. الخامسة: في اشتراط النية في الخطبة وجهان للشافعية كما في الأذان، قاله الروياني في ((البحر)) وفي الرافعي في الجمعة: أن القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة(٣) ، ونقله في ((الشرح الصغير)) عن بعضهم. السادسة: عدة الوفاة من حين الموت حَتَّى لو بلغها موته بعد تقضيها حلت للأزواج عندنا، وبه قال مالك والكوفيون. ولو أعتق عبده عن غيره (١) ((العزيز)) ٣/ ٢٦٥ والرافعي هو شيخ الشافعية إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة من تصانيفه: ((شرح مسند الشافعي)) (طُبع بتحقيق دار الفلاح)، ((الفتح العزيز في شرح الوجيز))، ((التذنيب)). توفي سنة ٦٢٣. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٥. (٢) ((التهذيب)) ٢٢٦/٣ وهو الشيخ الإمام، العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسر، صاحب التصانيف كـ((شرح السنة))، و((معالم التنزيل))، و((المصابيح))، و((التهذيب)) وغيرها من التصانيف المفيدة النافعة. كان يلقب بمحيي السنة، وبركن الدين، توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة و خمسمائة. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ١٣٦/٢ - ١٣٧، ((سير أعلام النبلاء)) ١٩/ ٤٣٩ - ٤٤٣، ((الوافي بالوفيات)) ٢٦/١٣ (٣) ((العزيز)) ٢٩٣/٢. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - في كفارة الظهار بغير إذنه أجزأه عند ابن القاسم، وخالفه أشهب تبعًا الشافعي وأبي حنيفة (١). السابعة: إذا أخذ الخوارج الزكاة أعتد بها على الأصح عندنا. ثالثها(٢): إن أخذت قهرًا فنعم، وإلا فلا، وبه قال مالك. الثامنة: قال الشافعي في البويطي كما نقله الروياني، عن القاضي أبي الطيب عنه: قد قيل: إن من صرح بالطلاق، والظهار، والعتق ولم يكن له نية في ذَلِكَ لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق، ولا ظهار ولا عتق، ويلزم في الحكم. وحجته هذا الحديث و((رفع القلم عن ثلاثة)» (٣). والإجماع على المجنون والنائم إذا تلفظا بصريح الطلاق لا يلزمهما. وقال: قال مالك: من طلق، أو أعتق، أو ظاهر بلا نية يلزمه ذَلِكَ في الحكم فيما بينه وبين الله تعالى. والحجة فيه لمن ذهب إليه ما ذكر الله من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن من أتلف مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمساكين حق في الظهار. ولم يتعرض البويطي لواحد (منهما) (٤). فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين. (١) أنظر: ((المنتقى)) ٤٢/٤. (٢) على اعتبار أن في مسألة أخذ الخوارج للزكاة ثلاثة أوجه . (٣) رواه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي ١٥٦/٦، وابن ماجه (٢٠٤١)، وأحمد ٦/ ١٠٠ - ١٠١، وأبو يعلى ٣٣٦/٧ (٤٤٠٠)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ((تحفة)) ٥٨٢/١ (٥٧٩)، والحاكم ٥٩/٢ وصححه على شرط مسلم، من حديث عائشة، والحديث صححه الألباني في (الإرواء)) (٢٩٧). (٤) في (ج): منها. ١٨٥ كتاب بَدْء الوَحْي التاسعة: روينا في ((مسند أبي يعلى)) من حديث ( ... ) (١) أنه العلي قال: ((يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا لم نحفظ ذَلِكَ عنه ولا هو في صحفنا فيقول: إنه نواه، إنه نواه))(٢). ولهذا المعنى ونحوه ورد الحديث الآخر: ((نية المؤمن خير من عمله))(٣) وللناس فيه تأويلات ذكرت منها في ((شرح (١) بياض في (جـ)، و(ف). والحديث بهذا النص مروي عن أبي عمران الجوني من قوله، وروي مرفوعًا عن أبي عمران الجوني عن أنس، بلفظ مقارب لهذا النص. أما قول أبي عمران فقد رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخلاص والنية)) ص٧٥، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢/ ٣١٣. وأما حديث أنس فقد رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٩٧/٣. وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران إلا الحارث. اهـ والبزار (٣٤٣٥) وقال: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، والدارقطني في ((السنن)) ٥١/١، من طريق الحارث بن غسان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تبارك وتعالى، فيقول تبارك وتعالى: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله : إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل من العمل إلا ما أبتغي به وجهي)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٥٠/١٠: رواه الطبراني في ((الأوسط)) بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار. اهـ والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥١٥٤). قلت: وقع عند الطبراني أن الحارث هو ابن عبيد وهو خطأ، بل الصواب ابن غسان كما عند البزار، والدارقطني والله أعلم. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخلاص والنية)) ص ٧٥، وأبو نعيم في «الحلية)) ٢/ ٣١٣. (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٨٥/٦ (٥٩٤٢)، وأبو نعيم في («الحلية)) ٢٥٥/٣ من طريقه، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٩/ ٢٣٧، عن سهل بن سعد الساعدي، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٦١: رجاله موثقون إلا حاتم بن عباد بن دينار الجرشي لم أر من ذكر له ترجمة.اهـ، وقال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)» ٢/ = ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عمدة الأحكام)) تسعة على (تقدير)(١) صحته، منها: أن نيته خير من خیرات عمله. ومنها: أن النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عنها(٢). الوجه الرابع بعد العشرين : قوله عليه الصلاة السلام: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوىٌ)) يقال: أمْرؤْ وَمَرء. قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] (يقال)(٣) هذا مرء، وهذان أمرآن، ولا يجمع إلا قومًا ورجالا، ومنهم من يقول: هذا مرآن، وأنثى أمرئ أمرأة، وأنثى مرء مرأة ومرة = ١١٧١ : رواه الطبراني من حديث سهل بن سعد، ومن حديث النواس بن سمعان وكلاهما ضعيف. اهـ والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٦٠٤٥). ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ١١٩/١ (١٤٨) عن النواس بن سمعان. قال الحافظ في ((الفتح)) ٢١٩/٤: والحديث ضعيف. اهـ وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) ٣٢٤/٢: وللعسكري بسند ضعيف عن النواس بن سمعان: ((نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله)). اهـ وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٧٨٩): موضوع، فيه عثمان بن عبد الله الشامي كان يضع الحديث. اهـ ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ١١٩/١ (١٤٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٤٣/٥، عن أنس. قال البيهقي: وهذا إسناد ضعيف. اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح)» ٢١٩/٤: والحديث ضعيف. اهـ، وقال العجلوني في ((كشف الخفاء)) ٤٣٠/٢ في إسناده يوسف بن عطية ضعيف. اهـ. ورواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٢/ ٢٦٥ عن عليّ بن أبي طالب. ورواه الربيع بن حبيب! في ((مسنده)) ص٢٣ عن ابن عباس، والحديث ضعف إسناده الألباني في ((الضعيفة)) (٢٧٨٩) وقال: فيه مسلم بن أبي كريمة مجهول كما قال أبو حاتم والذهبي، والربيع بن حبيب إباضي مجهول، ومسنده هذا هو ((صحيح الإباضية)) وهو مليء بالأحاديث الواهية والمنكرة. اهـ (١) في (ف): تقرير. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٩٣/١ - ١٩٤. (٣) في (ف): تقول. ١٨٧ كتاب بَدْء الوَحْي = -بغير همز- و(ما) بمعنى: الذي، وصِلَتُه: نوى، والعائد محذوف، أي: نواه. فإن قدرت ما مصدرية لم تحتج إلى حذف؛ إذ ما المصدرية عند سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل امرئ نیته. الوجه الخامس بعد العشرين: قوله: (((وَإِنَّمَا لِكُلِّ أَمْرِئٍ مَا نَوى))). مقتضاه أن من نوى شيئًا يحصل له، وما لم يَنْوِه لا يحصل له؛ ولهذا عظموا هذا الحديث، وجعلوه ثلث العلم، والمراد بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلا فالعمل قد حصل لكنه غير معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: (((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا (يُصِيبُهَا)(١) .. ))) إلى آخره، فإن قلت: فما فائدة ذكر هذا بعد الأول وهو يقتضي التعميم؟ قلت: له فوائد: الأولى: اشتراط تعيين المنوي، فمن كانت عليه مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل لابد أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذَلِكَ، قاله الخطابي (٢). الثانية: منع الاستنابة في النية، فإن اللفظ إنما يقتضي اشتراط النية في كل عمل، وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو نوى واحد عن غيره صدق عليه أنه عمل بنية وذلك ممتنع، فأفاد بالثاني مَنْعَ ذلك. وقد أستثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته (١) من (ج). (٢) ((أعلام الحديث)) ١١٣/١ - ١١٤. ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الذمية عند طُهْرِهَا من الحيض على القول بذلك، وحَجُّ الإنسان عن غيره، وكذا إذا وكَّل في تفرقة الزكاة، وفوض إليه النية ونوى الوكيل، فإنه يجزئه كما قاله الإمام والغزالي و((الحاوي الصغير)). الثالثة: أنه تأكيد لقوله: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) فنفى الحكم بالأول، وأكده بالثاني تنبيها على شرف الإخلاص (وتحذيرًا من الرياء المانع من (الإخلاص)(١). فائدة: إذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء، فاختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان له (أجر)(٢) بقدره، وإن تساويا تساقطا. واختار الشيخ عز الدين ابن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقًا سواء تساوى القصدان أو اختلفا(٣). وقال المحاسبي: إذا كان الباعث الديني أقوى بطل عمله وخالف في ذَلِكَ الجمهور. وقال محمد بن جرير الطبري: إذا كان أبتداء العمل الله لم يضره ما عرض بعده في نفسه من عجب. هذا قول عامة السلف. الوجه السادس بعد العشرين : مقتضى قوله العَيْر: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ أَمْرِئٍ مَا نَوى)) أن من نوى شيئًا لم يحصل له غيره ومن لم ينوٍ شيئًا لم يحصل، وهُذِه قاعدة مطردة في جميع (١) من (ف) وفيها: الخلاص، والمثبت هو الصواب. (٢) في (ف): الأجر. (٣) ((قواعد الأحكام)) ١٢٤/١. ١٨٩ = كتاب بَدْء الوَحْي مسائل النية، نعم شذّ عن ذَلِكَ مسائل يتأدى الفرض فيها بنية النفل، محل الخوض فيها كتب الفروع، وقد أوضحتها في كتاب ((الأشباه والنظائر)) فلتراجع منه (١). الوجه السابع بعد العشرين : الهجرة في اللغة: الترك. والمراد بها هنا: ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله إلى ما يحب. ووقعت الهجرة في الإسلام عَلَى خمسة أوجه: أحدها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة. ثانيها: من مكة إلى المدينة بعد الهجرة. الثالثة: هجرة القبائل إلى المدينة قبل الفتح للاقتباس والتعلم لقومهم عند الرجوع. الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة؛ ليأتي النبي وَّ ثمَّ يرجع إليها. كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح. الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، وهي أهمها، وقد أوضحتها بفوائد (جمة)(٢) في كتابنا ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) فلابد لك من مراجعته (٣). وأما حديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) (٤) فمؤول كما ستعلمه في موضعه حيث ذكره البخاري -إن شاء الله - فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة من دار الكفر - إِذًا لم يمكنه إظهار دينه- إلى دار الإسلام، (١) ((الأشباه والنظائر)) لابن الملقن ٢٤٨/١ - ٢٥٢. (٢) في (ج): خمسة. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ١٩٨ - ٢٠١. (٤) سبق تخريجه. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وينبغي أن تعدُّ سادسة(١). ثمَّ أعلم أن معنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن الحديث ورد عَلَى سبب كما سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ. الوجه الثامن بعد العشرين: قوله وَله: (((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا .. ))) إلى آخره، هو تفصيل لما سبق في قوله: ( ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أُمْرِئٍ مَا نَوىُ)))، وإنما فرض الكلام في الهجرة؛ لأنها السبب الباعث عَلَى هذا الحديث كما سيأتي. الوجه التاسع بعد العشرين : قوله وَّر في الرواية الأخرى في الإيمان: ( ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ .. ))). إلى آخره لابد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لابد من تغايرهما، وهنا وقع الاتحاد، (فالتقدير)(٢): فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وعقدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا(٣). الوجه الثلاثون : قوله ◌َّه: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا))) الدنيا بضم الدال عَلَى (١) زاد الحافظ أبو زرعة العراقي في ((طرح التثريب)) ٢٢/١: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإنهم هاجروا إلى أرض الحبشة مرتين كما هو معروف في السير ولا يقال: كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتفي بذكر الهجرة إليها مرة فإنه قد عدد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها. ثم قال: والهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن. اهـ (٢) في (ج): والتقديرين. (٣) ورد تعليق بهامش (ف) نصه: وقد يقصد بالخبر المفرد بيان الشيء وعدم التغيير فيتحد بالمبتدأ لفظًا كقوله: أنا أبو النجم، وشعري شعري. ١٩١ كتاب بَدْء الوَحْي المشهور(١)، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها(٢)، وجمعها دُنَا ككبرى وكُبَر وهي من دنوت لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها دنيوي ودُنْيِيُّ، وقال الجوهري(٣) وغيره: ودنياوي وقوله: ((دُنْيَا)) هو مقصور غير منون عَلَى المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوز في لغة غريبة تنوينها (٤). الوجه الحادي بعد الثلاثين : في حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين: أحدهما: ما عَلَى الأرض مع الجو والهواء، (وأظهرهما)(٥): كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. الوجه الثاني بعد الثلاثين: المراد بالإصابة: الحصول، شَبَّهَ تحصيل الدنيا بإصابة العرض بالسهم بجامع حصول المقصود. (١) الدنيا انقلبت فيها الواو ياءً، لأن فُعْلَى إذا كانت اسمًا من ذوات الواو أبدلت واوها ياءً، كما أُبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى، فأدخلوها في فُعْلَى ليتكافاً في التغيير. (أدب الكاتب)» ص٣٢٨. (٢) ((الصحاح)) ٢٣٤١/٦. مادة: (دنو). (٣) (٤) قال الحافظ أبو زرعة العراقي في ((طرح التثريب)) ٢٥/١: وحكى بعض المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة قريبة بالتنوين وليس بجيد، فإنه لا يعرف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيتم الكشميهني، وأنكر ذلك عليه ولم يكن ممن يرجع إليه في ذلك فأخذ بعضهم يحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في خلوف فم الصائم فحكوا فيه لغتين، وإنما يعرف أهل اللغة الضم وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة.اهـ. (٥) في (ف): أظهرها. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الثالث بعد الثلاثين : قوله وَله: ((أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا)) ) هو بمعنى: ينكحها كما جاء في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أي: قرناهم، قاله الأكثرون. وقال مجاهد والبخاري وطائفة: أنكحناهم (١). الرابع بعد الثلاثين : إن قُلْتَ: كيف ذكرت المرأة مع الدنيا مع أنها داخلة فيها، فالجواب عنه من أوجه : أحدها: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأن (لفظة)(٢) دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات. فلا يلزم دخول المرأة فيها. الثاني: أن هذا الحديث ورد عَلَى سبب، وهو أنه لما أُمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمَّهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ◌َالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧] ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فَعَذَرهُم واسْتَثْنَاهُم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اُلْرِّجَالِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية، وهاجر المخلصون إليه، فمدحهم في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين، منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين يقال لها: أم قيس (٣)، وادعى ابن دحية: أن أسمها قيلة، (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٤٨/١١، ٢٤٩ (٣١١٧٦). (٢) في (ج): لفظ. (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٠٣/٩ (٨٥٤٠) من طريق سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله ومن طريقه المزي في ((تهذيب الكمال)» ١٢٦/١٦، والذهبي في ((السير)) ٥٩٠/١٠، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠١/٢ (٢٥٨٠): رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال الصحيح. أهـ = ١٩٣ كتاب بَدْء الوَحْي = فسمي مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه بعد البحث عنه، ولعله للستر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة (بنية) (١) التزوج بها لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي وَ﴿ ذَلِكَ، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية؛ لأجل تبيين السبب، وإن كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا قَالَ وَّه: ((ما تركت بعدي فتنة أضر عَلَى الرجال من النساء))(٢)، وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص عَلَى السبب، كما أنه لما سُئِلَ عن طهورية ماء البحر زاد: ((حل ميتته)) (٣) ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره لتحصيل دنيا من جهة ما، فعرض بها. الثالث: أن ذكرها من باب التنبيه عَلَى زيادة التحذير منها كذكر الخاص بعد العام؛ تنبيهًا عَلَى مزيته، كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة وغير ذَلِكَ، وليس منه قوله تعالى: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨] بعد ذكر الفاكهة، وإن غلط فيه بعضهم؛ لأن فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، (لكن وردت في معرض الامتنان) (٤)، وقد جاء أيضًا في القرآن عكس هذا وهو ذكر العام بعد الخاص = وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٠/١: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.اهـ. (١) ساقطة من: ج. (٢) سيأتي برقم (٥٠٩٦) كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة، ورواه مسلم (٢٧٤٠) كتاب: الرقاق، من حديث أسامة بن زيد. (٣) رواه أبو داود (٨٣) عن أبي هريرة أن رجلاً سأل .. ، والترمذي (٦٩) عن أبي هريرة، وفي الباب عن جابر والفراسي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/ ٥١ عن أبي هريرة سأل رجل .. ، وابن ماجه (٣٨٧) عن الفراسي. (٤) ساقط من : (ج). = ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم العليّ: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقوله تعالى إخبارًا عن نوح العَّ: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]. الخامس بعد الثلاثين : إن قُلْتَ لم ذم عَلَى طلب الدنيا وهو أمر مباح والمباح لا ذم فيه ولا مدح؟ قُلْتُ: إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا. وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة فأبطن خلاف ما أظهر. السادس بعد الثلاثين : إنما لم يعد ◌َّرُ ما بعد الفاء الواقعة جوابًا للشرط بقوله: ((فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ولم يعده باللفظ الأول في الرواية الأخرى: ((فهجرته إلى الله ورسوله) للإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض منها وعدم الاحتفال بأمرها؛ ولئلا يجمع بين ذكر الله ورسوله في الضمير (فقد نهى عنه)(١) في حديث الخطيب (٢). السابع بعد الثلاثين : هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها عَلَى عشرة أقوال ذكرتها مجموعة في كتابنا ((الإعلام بفوائد = وما قاله المصنف فيه نظر؛ لأن النكرة فى سياق الإثبات إن كانت للامتنان عمت كما قاله جماعة من الأصوليين. انظر: ((التمهيد)) للإسنوي ص٣٢٥، ((القواعد والفوائد الأصولية)) ص٢٠٤. وقال العيني في ((عمدة القاري)) ١/ ٣٠: الفاكهة أسم لما يتفكه به: أي يتنعم به زيادة على المعتاد، وهذا المعنى موجود في النخل والرمان فحينئذ يكون ذكرهما بعد ذكر الفاكهة من قبيل عطف الخاص على العام. اهـ (١) من (ج). (٢) رواه مسلم (٧٨٠) عن عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي وَلّهر ... ١٩٥ كتاب بَدْء الوَحْي = عمدة الأحكام)) (١) فراجعه (منها)(٢) فإنه من المهمات، نذكر منها هنا أربعة : أحدها: أنها ثلاثة: هذا الحديث، وحديث: ((حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٣)، وحديث: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن)) (٤). ثانيها: أنها أربعة بزيادة حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله))(٥)، وقد نظمها بعضهم فقال: (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٥٣/١ - ١٥٧. (٢) في (ج): منه. (٣) كذا في الأصول والحديث رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان (٢٢٩) من حديث أبي هريرة، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌ٍَّ إلا من هذا الوجه.اهـ والحديث صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٩١١). (٤) سيأتي برقم (٥٢) كتاب: الإيمان، ورواه مسلم (١٥٩٩) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات. (٥) رواه ابن ماجه (٤١٠٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ١١/٢، والطبراني في ((الكبير)) ١٩٣/٦ (٥٩٧٢)، والحاكم ٣١٣/٤، وأبو نعيم ١٣٦/٧، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ٣٧٣/١، من طريق خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.اهـ وتعقبه الذهبي فقال: خالد وضاع. اهـ وقال العقيلي: ليس له من حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذ عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا.اهـ . وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٥٣١ : إسناد حديث سهل بن سعد ضعيف، خالد بن عمرو متفق على ضعفه، واتهم بالوضع. اهـ وخالد هذا قال عنه أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة يروي أحاديث بواطيل.اهـ وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. اهـ وقال مرة: كان كذابًا يكذب.اهـ وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف.اهـ وأما متابعة محمد بن كثير فقد رواها ابن عدي في ((الكامل)) ٤٥٨/٣ - ٤٥٩، والخليلي في ((الإرشاد)) ٤٧٩/٢، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٤٤/٧. قال ابن عدي : = ١٩٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح أربع من كلام خير البرية عمدة الدين عندنا كلمات ما ليس يعنيك واعملنَّ بنية (١) اتق الشبهات وازهد ودع الثالث: أنها أثنان. الرابع: أنها واحد وهو حديث: ((الحلال بَيِّن)). = لا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ثقة وهذا الحديث عن الثوري منكر. اهـ وذكر ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٢/ ١٠٧: أنه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان فذكر هذا الحديث فقال: هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد. اهـ وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسل خرجه ابن منده في («مسند إبراهيم بن أدهم)) ص٢٩ - ٣٠ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا المفضل بن يونس، عن إبراهيم، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد به. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٨/ ٤١ من طريق أبي أحمد إبراهيم بن محمد بن أحمد الهمداني، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم المستملي، ثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ثنا الحسين بن الربيع، ثنا المفضل بن يونس، ثنا إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، عن أنس به. قال أبو نعيم: ذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد؛ فقد رواه الأثبات عن الحسن بن الربيع فلم يجاوز فيه مجاهدًا.اهـ وبالجملة فالحديث حسنه النووي في ((أربعينه)) كما في ((جامع العلوم والحكم)) ٢/ ١٧٤ فقال: حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. اهـ. وكذلك العراقي كما في ((المقاصد الحسنة)» ص٧٥، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٤/ ٧٤ - ٧٥: رواه ابن ماجه، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بُعد لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل، وخالد هذا قد تُرك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي واله قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني، عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد. اهـ والحديث حسنه الألباني في ((الصحيحه)) (٩٤٤). (١) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ٦٣. ١٩٧ كتاب بَدْء الوَحْي = الثامن بعد الثلاثين : هذا الحديث عظيم الموقع كثير الفائدة أصل من أصول الدين، قَالَ أبو داود: إنه نصف الفقه، وقال الشافعي فيما رواه البويطي عنه: يدخل في هذا الباب ثلث العلم (١)، وقال في رواية الربيع: هذا الحديث ثلث العلم؛ وسببه كما قَالَ البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاث وأرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين؛ ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية (٢)، فهذا الحديث يتضمن النية، وحديث: ((من حسن إسلام المرء) يتضمن القول، وحديث: ((الحلال بين))(٣) يتضمن العمل فكمل بالمجموع الإسلام؛ لأنه قول وعمل ونية، وقال عبد الرحمن بن مهدي: يدخل هذا الحديث في ثلاثين بابًا من الإرادات والنيات. وقال أبو عبيد: ليس شيء من أخبار النبي بَّر حديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث. وقال البخاري في (صحيحه)) في أواخر الإيمان فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام. وقال ابن دحية: لم أجد فيما أرويه من الدينيات أنفع من قوله: ( ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) )، إذ مدار العلم عليه، وهو نور یسعی بین یدیه. (قُلْتُ:) (٤) وقول إمامنا الشافعي السالف: إن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من الفقه، مراده الأبواب الكلية كالطهارة بأنواعها (١) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ١٤/٢. (٢) ((السنن الصغرى)) للبيهقي ٢٠/١. (٣) سبق تخريج الحديثين. (٤) ساقطة من (ج). ١٩٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح والصلاة بأقسامها والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأيمان والنذور والأضحية والهدي والكفارة والجهاد والطلاق والخلع والظهار والعتق والكتابة والتدبير والإبراء ونحوها والبيع والإجارة وسائر المعاملات والرجعة والوقف والهبة وكناية الطلاق وغيرها عند من يقول: كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح، وكذلك إِذَا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فأوفاه ألفا صرفه إلى ما نواه منهما وشَبَهِ ذَلِكَ. وذكر القاضي حسين من أصحابنا في آخر حَدِّ الخمر أنه لابد للإمام في إقامة الحدود من النية حتَّى لو ضربه لمصادرة أو لمعنى آخر وعليه حدود لا تحسب عنه. وأما المسائل الجزئية فلا تحصى، ثمَّ يحتمل أن يكون أراد بالسبعين التحديد. ويحتمل أن يكون أراد المبالغة في التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذَلِكَ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ [التوبة: ٨٠]. ومن المسائل الجزئية التي ينبغي استحضار النية فيها: الصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وابتداء السلام ورده، وتشميت العاطس وجوابه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، وزيارة الأخيار، والقبور، والنفقة عَلَى الأهل والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه وتكراره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه، والفتوى، والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والنصيحة، والإعانة عَلَى البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ذَلِكَ، حتَّى ينبغي ١٩٩ - كتاب بَدْء الوَحْي استحضارها عند إرادة الأكل والشرب والنوم ويقصد بها التقوِّي عَلَى الطاعة، وإراحة البدن لينشط لها، وكذا إِذَا جامع موطوءته بقصد المعاشرة بالمعروف وإيصالها حقها، وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى، وإعفاف الزوجة، وإعفاف نفسه وصيانتها، من التطلع إلى حرام أو الفكر فيه أو مكابدة المشاق بالصبر، وهذا معنى قوله اَية: ((وفي بضع أحدكم صدقة))(١)، وكذا ينبغي لمن عمل حرفة للمسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة فرض الكفاية ونفع المسلمين، كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش المسلمین. والضابط لحصول النية أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع وبتركه الانتهاء بنهي الشرع كانت حاصلة مثابًا عليها وإلا فلا، وإن لم يقصد ذَلِكَ كان عملًا بهيميًّا، ولهذا قَالَ السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية(٢). الوجه التاسع بعد الثلاثين: هذا الحديث من أجل أعمال القلوب والطاعة المتعلقة بها وعليه مدارها، وهو قاعدتها، فهو قاعدة الدين لتضمنه حكم النيات التي محلها القلب بخلاف الذكر الذي محله اللسان، ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم يصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم (١) رواه مسلم (١٠٠٦) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٢٧)، والترمذي (١٩٥٦)، وابن حبان (٥٢٩)، كلهم عن أبي ذر. (٢) قلت: ومصداق هذا ما قاله بعض العلماء من أن الله لو كلفنا عملًا بلا نية لكلفنا ما لا يطاق، والله أعلم. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يصح، فهو أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما (سلف)(١) عن الجمهور. الوجه الأربعون : هُذا الحديث أصل في الإخلاص أيضًا، فهو إرادة تمثيل الفعل إلى وجه الله تعالى وحده خالصًا، والنية هي القصد المتعلق بتمثيل الفعل إلى وجه الله تعالى، وللإخلاص مرجع إلى الكتاب والسنة، أما الكتاب فكل آية تضمنت مدح الإخلاص وذم الرياء، وقد ذكرت جملة منها في الوجه التاسع، وكذا من السنة أيضًا. الوجه (الحادي بعد الأربعين)(٢): استنبط من الحديث أنه لا يجوز الإقدام عَلَى الفعل قبل معرفة حكمه، ووجهه أنه لابد للمكلَّف من الإتيان بما أمر به عَلَى وجهه، وقد نفى أن يكون العلم منتفعًا به إلا بالنية أي: بنية التقرب لما طلبه الله من العبد ولا يتصور ذَلِكَ إلا بعد معرفة المطلوب. الوجه (الثاني بعد الأربعين)(٣): قد يستدل به بَعْدَ العبادات في أحكام المعاملات كالإكراه عَلَى الطلاق والعتاق، وفي باب الأيمان حتَّى لو حلف: والله ما رأيت زيدًا، وهو ينوي أنه لم يصب رئته، وما كلمت محمدًا يريد ما جرحته، كان عَلَى ما نوى. وكذلك يدل عَلَى أن من باع واشترى بغش وخلابة أو ربا بحيلة، فإنه محظور في حق الدين. فأما طلاق (١) في: (ف): سلفت. (٢) في (ج): الحادي والأربعون. (٣) في (ج): الثاني والأربعين.