النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب بَدْء الوَحْي وغيرهم. روى عنه نحو خمسين صحابيًّا منهم: عثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وخلائق من التابعين. ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة أشهر قولان، واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاس وابن نمير: سنة أربع وهو ابن ثلاث وستين عَلَى الصحيح كسن سيدنا رسول الله ◌َل﴾ وسن الصديق. وقيل: ابن ستين، قَالَ الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا، وقيل: ابن إحدى وستين، وقيل: ابن أثنتين وخمسين، وقيل: ابن أربع، وقيل: ابن خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع وخمسين حكاهن الصُّرَيْفِيْنِيُّ، فَهُذِه ثمانية أقوال في سنه. وغسله ابنه الزاهد أبو عبد الرحمن عبد الله الأكبر، أفضل أولاده الذكور العشرة، وعاصم -أمه جميلة بنت عاصم- وعبيد الله قتل بصفين مع معاوية، وعبد الله الأصغر وعبد الرحمن الأكبر وعبد الرحمن الأوسط وعياض، وزيد الأكبر -أمه أم كلثوم بنت علي- وزيد الأصغر والعقب من الثلاثة الأولى الذكور، وكان لَهُ من الإناث حفصة وزينب، وكفنه عبد الله أيضًا في ثوبين سحوليين، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي، ودفن في الحجرة النبوية، عَلَى ساكنها أفضل الصلاة والسلام. قتله أبو لؤلؤة غلام نصراني، وقيل: مجوسي للمغيرة بن شعبة، وهو في صلاة الصبح، طعنه ثلاث طعنات بسكين مسموم ذات طرفين فقال: قتلني -أو أكلني الكلب- وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا، فمات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذَلِكَ رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، فصار إلى لعنة الله وغضبه، ثمَّ ١٤٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح === حُمل عمر إلى منزله، وبقي ثلاثة أيام وقيل: سبعة، ومات -﴾ وعنَّا- به وكان وافر العلم. قَالَ ابن مسعود حين توفي عمر: ذهب تسعة أعشار العلم(١). ومن زهده وتواضعه أنه كان في قميصه أربع عشرة رقعة إحداها من أدم. فائدة : ليس في الصحابة من اسمه عمر بن الخطاب غيره، فهو من الأفراد(٢) -أحد أنواع علوم الحديث- وفي الصحابة عمر ثلاثة وعشرون نفسًا عَلَى خلاف في بعضهم، وربما يلتبس بعمرو بزيادة واو في آخره، وهم خلق فوق المائتين بزيادة أربعة وعشرين عَلَى خلاف في بعضهم فائدة ثانية : في الرواة عمر بن الخطاب غير هذا الإمام ستة: (أحدهم)(٣): كوفي(٤) روى عن خالد بن عبد الله الواسطي. ثانيهم: راسبي(٥) روى (عن سويد أبي حاتم) (٦). (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٩/ ١٦٢، ١٦٣ (٨٨٠٨، ٨٨٠٩)، وقال الهيثمي ٩/ ٦٩ : رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة. (٢) أنظر ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص ٣٢٥ - ٣٣٩، النوع التاسع والأربعون. (٣) في (ف): أحدها، وهو ما أثبتناه هو المناسب للسياق. (٤) عمر بن الخطاب الكوفي، أنظر: ((إكمال تهذيب الكمال)) ٤٥/١٠ (٣٩٦٥). (٥) عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، أبو حفص البصري. انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣١٥/٢١ (٤٢٢٤)، ((تهذيب التهذيب)) ٢٢١/٣، ((التقريب)) ص٤١١ (٤٨٨٧). (٦) في (ف): (عنه سويد أبو حاتم)، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر الترجمة. ١٤٣ كتاب بَدْء الوحي = ثالثهم: سكندري(١) روى عن ضمام بن إسماعيل. رابعهم: عنبري(٢) روى عن أبيه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. خامسهم: سجستاني (٣) روى عن محمد بن يوسف الفريابي. سادسهم: سدوسي(٤) بصري روى عن معتمر بن سليمان. فائدة ثالثة : عمر هذا ثاني العشرة، وهاك سرد وفاتهم عَلَى سبيل الاختصار لتستحضره فإنه مهم: الصديق مات سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وأبو عبيدة سنة ثمان عشرة، وعمر سنة ثلاث وعشرين كما سلف مع الخلاف فيه. وعثمان سنة خمس وثلاثين، وطلحة والزبير بعده بسنة، وابن عوف سنة اثنتين وثلاثين، وعلي سنة أربعين، وسعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين على الأصح، وهو آخرهم موتا ( .... )(٥) خمسين(٦). (١) عمر بن الخطاب بن حليلة - بمهملة ولامين، بوزن عظيمة- بن زياد بن أبي خالد الإسكندراني، مولى كندة، يكنى أبا الخطاب. انظر: ((تهذيب الكمال)» ٣١٢/١٣ في ترجمة ضمام بن إسماعيل، ((إكمال التهذيب)) ٤٥/١٠ (٣٩٦٦)، ((تهذيب التهذيب)) ٢٢٢/٣ - ٢٢٣. (٢) عمر بن الخطاب العنبري الكوفي، يعرف بابن أبي خيرة. انظر: ((إكمال التهذيب)) ٤٥/١٠ (٣٩٦٧). و((تهذيب التهذيب)) ٢٢٢/٣. (٣) عمر بن الخطاب السجستاني القشيري، نزيل الأهواز. انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٢٦/٢١ (٤٢٢٦). و((تهذيب التهذيب)) ٢٢٢/٣، و((تقريب التهذيب)» ص٤١٢ (٤٨٨٩). (٤) عمر بن الخطاب شيخ بصري سدوسي انظر: ((تهذيب التهذيب)) ٢٢١/٣. (٥) بياض بالأصل. (٦) هو تاريخ وفاة سعيد بن زيد، وهو عاشر العشرة. انظر: ((الاستيعاب)) ١٨٢/٢. ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما راويه عن عمر فهو أبو واقد - بالقاف - علقمة بن وقاص الليثي، نسبة إلى ليث بن بكر المدني العتواري، ولد على عهد النبي وَالر فيما ذكره الواقدي. وروى ابن منده أنه شهد الخندق، وكان في الوفد الذين قدموا على النبي ◌ّل، روى عن عمر وعائشة ومعاوية وغيرهم، وعنه ابناه عمر وعبد الله والزهري ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهم. وروى له مع البخاري مسلم وباقي الستة، ذكره ابن منده وأبو عمر في الصحابة(١) والجمهور في التابعين، كما نبه عليه النووي في ((إملائه)) على هذا الحديث. وليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث وحديث الإفك عن عائشة(٢)، كما نبه عليه شيخنا قطب الدين في ((شرحه)). مات بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، قاله الواقدي (١). فائدة : ليس في الكتب الستة من أسمه علقمة بن وقاص غيره. وأما راويه عن علقمة فهو أبو عبد الله محمد (ع) بن إبراهيم بن الحارث، وكان -أعني: الحارث- من المهاجرين الأولين، وهو (١) ((الاستيعاب)) ١٩٥/٣ - ١٩٦. (٢) سيأتي برقم (٢٦٣٧) كتاب: الشهادات، باب: إذا عدَّل رجل أحدًا. (٣) علقمة بن وقاص بن محسن بن كلدة بن عبد ياليل بن طريف بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثي العتواري المدني. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وله دار بالمدينة في بني ليث وله به عقب، وثقه النسائي، وقال الحافظ ابن حجر: ثقة ثبت، أخطأ من قال: له صحبة. أنظر ترجمته في : ((الطبقات الكبرى)) ٦٠/٥، ((التاريخ الكبير)) ٤٠/٧ (١٧٦)، ((الجرح والتعديل)) ٤٠٥/٦ (٢٢٥٩)، (الثقات)) ٢٠٩/٥، (تهذيب الكمال)) ٣١٣/٢- ٣١٤ (٤٠٢١)، ((تقريب التهذيب)) (٤٦٨٥). ١٤٥ = كتاب بَدْء الوَحْي ابن عم الصديق ابن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي المدني التابعي. سمع ابن عمر وأنسًا وغيرهما من الصحابة، وعنه ابنه موسى المحدث الفقيه والزهري وخلق. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وقال: أمه حفصة بنت أبي يحيى واسمه عمير، وكان من قدماء موالي بني تيم. قال: وكان ثقة، كثير الحديث(١)، وقال يحيى بن معين: ثقة، وكذا وثقه النسائي وأبو حاتم(٢) وابن خراش، وأخرج له مسلم أيضًا في ((صحيحه)) مع باقي الستة. وأما أحمد فقال فيما نقله العقيلي عن عبد الله بن أحمد عنه: في حديثه شيء، روى أحاديث مناكير(٣). مات سنة عشرين ومائة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة تسع عشرة، وهو ابن أربعٍ وسبعين(4). وأما راويه عن محمد فهو الإمام أبو سعيد يحيى (ع) بن سعيد بن قيس بن عمرو، وقيل: فهد بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن الخزرج الأكبر الأنصاري النجاري -بالنون والجيم- المدني قاضيها، وأقدمه (١) ((الطبقات الكبرى)) الجزء المتمم ص٩٩. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٧/ ٨٤. (٣) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي ٢٠/٤. (٤) انظر ترجمته في: ((الثقات)) ٣٨١/٥، (تهذيب الكمال)) ٣٠١/٢٤ - ٣٠٥ (٥٠٢٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٤/٥ - ٢٩٦ (١٤٠)، ((تقريب التهذيب)) (٥٦٩١)، ((شذرات الذهب)) ١٥٧/١١. ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == المنصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية ومات بها، وقيل: إنه ولي قضاء بغداد ولم يصح. وهو تابعي صغير. سمع أنسًا والسائب بن يزيد وغيرهما. وعنه جماعة من التابعين منهم: هشام بن عروة وحميد الطويل وغيرهما. واتفقوا على جلالته وعدالته وحفظه وإتقانه وورعه، وقال أحمد في حقه: إنه أثبت الناس. وقال أبو حاتم: هو يوازي الزهري(١). وقال أيوب: ما تركت بالمدينة أفقه منه. وقال ابن حبان: كان خفيف الحال، فلما استقضاه أبو جعفر ارتفع شأنه ولم يتغير حاله، فقيل له في ذَلِكَ، فقال: من كانت نفسه واحدة لم يغيره المال(٢). مات سنة أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (٣). فائدة : في الرواة يحيى بن سعيد جماعة في ((الصحيح))، لكن لا التباس لهم بهذا. يحيى (ع) بن سعيد بن أبان الأموي الحافظ(٤)، يحيى (ع) بن سعيد بن حيان أبو حيان التيمي الإمام(٥)، يحيى (حم) بن سعيد بن العاص الأموي تابعي (٦)، يحيى (عم) بن سعيد بن فروخ (١) ((الجرح والتعديل)) ١٤٩/٩. (٢) ((الثقات)) ٥٢١/٥ ((تهذيب الكمال)) ٣٥٧/٣١. (٣) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٧٥/٨، ٢٧٦ (٢٩٨٠)، ((معرفة الثقات)) ٣٥٢/٢، ٣٥٣ (١٩٧٧)، ((تهذيب الكمال)) ٣٤٦/٣١ (٦٨٣٦)، ((تقريب التهذيب)) (٧٥٥٩). (٤) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١١). (٥) ستأتي ترجمته في حديث رقم (٥٠). (٦) يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو أيوب، ويقال: أبو الحارث المدني. = ١٤٧ = كتاب بَدْء الوَحْي القطان التميمي الحافظ أحد الأعلام(١). ولهم يحيى بن سعيد العطار - براءٍ في آخره- واهٍ فاعلمه(٢). وجملة من أسمه يحيى بن سعيد في الحديث ستة عشر كما بينهم الخطيب في ((المتفق والمفترق)). فائدة أخرى: النجار الذي سلف في نسب يحيى بن سعيد لقب، واسمه تيم اللات، سمي النجار؛ لأنه أختتن بالقدوم وقيل: ضرب وجه رجل به فنجره، أي: نحته. وأما راويه(٣) عن يحيى بن سعيد فهو الإمام العلامة أبو محمد سُفيان (ع) -بضم السين على المشهور، وحكي كسرها وفتحها أيضًا- ابن عيينة : -بضم العين، وحكى النووي في ((إملائه)) [ ... ](٤) كسرها - ابن أبي عمران الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي. واسم أبي عمران: ميمون، مولى محمد بن مزاحِم أخي الضحاك، وقال الواقدي: مولى بني عبد الله بن رؤيبة من بني هلال بن عامر، وكان بنو عيينة عشرة خزازين، حدَّث منهم خمسة: محمد وإبراهيم وسفيان وآدم وعمران، وأجلهم وأشهرهم سُفيان هذا، وهو من تابعي التابعین، سکن مکة، ومات بها. = وثقه النسائي وابن حبان. انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٢٣٨/٥، ((التاريخ الكبير)) ٢٧٧/٨ (٢٩٨٧)، ((الجرح والتعديل)) ١٤٩/٩ (٦٢١)، ((تهذيب الكمال)» ٣٢٥/٣١ - ٣٢٩ (٦٨٣٣). (١) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١٣). (٢) يحيى بن سعيد العطار الأنصاري أبو زكريا الشامي الحمصي، ويقال: الدمشقي ضعفه الجمهور. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٢٧٧/٨ (٢٩٨٥)، ((الجرح والتعديل)) ٩/ ١٥٢ (٦٢٨)، ((تهذيب الكمال)) ٣٤٣/٣١ - ٣٤٦ (٦٨٣٥). (٣) أي: حديث النية. (٤) بياض في (ف) بمقدار كلمة. ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وسمع جماعات من التابعين منهم: الزهري. وعنه: مسعر وخلق، وروى الثوري عن يحيى القطان عنه، وهو من الظُّرَف. وكان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين، ومن العلماء بكلام رب العالمين وسند سيد المرسلين، قرأ القرآن وهو ابن أربع، وكتب الحديث وهو ابن سبع، ولما بلغ خمس عشرة قال له أبوه: يا بني، قد انقطعت عنك شرائع الصبى فاخْتَلِطْ بالخير تكن من أهله، واعلم أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم فأطعهم واخدمهم تقتبس من علمهم. قال: فجعلت لا أعدل عن وصية أبي(١). وكان كثير التلاوة والحج، حج نيفًا وسبعين حجة كما قال ابن حبان(٢). وقال الحسن بن عمران بن عيينة: إن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله ك من كثرة ما أسأله. فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة(٣)، ودفن بالحجون، وكان مولده سنة سبع ومائة(٤). روئ له الجماعة. ومناقبه جمة، ومنها ما حكاه أبو يوسف الغسُّولي، عنه قال: دخلت (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) ١١١/٢ - ١١٢. (٢) ((الثقات)) ٤٠٤/٦. (٣) رواه الخطيب في ((تاريخه)) ٩/ ١٨٣ - ١٨٤. (٤) انظر: ((طبقات ابن سعد)) ٤٩٨/٥، ((التاريخ الكبير)) ٩٤/٤ (٢٠٨٢)، ((معرفة الثقات)) ٤١٧/١ (٦٣١)، ((الجرح والتعديل)) ٢٢٥/٤ - ٢٢٧ (٩٧٦)، ((تاريخ بغداد)) ٩/ ١٥٤، ((تهذيب الكمال)» ١٧٧/١١ - ١٩٧ (٢٤١٣). ١٤٩ - كتاب بَدْء الوَحْي عليه وبين يديه قرصان من شعير فقال: يا أبا يوسف، إنهما طعامي منذ أربعين سنة(١). وکان ینشد: خَلتِ الدِّارُ فَسُدتُ غير مُسوَّدٍ ومن الشَّقاءِ تَفَرُّدِي بالسُّؤدِ(٢) قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز(٣). وقال أبو حاتم هما أثبت أصحاب الزهري. وقال الشافعي أيضًا: ما رأيت أحدًا فيه آلة العلم ما في سفيان، وما رأيت أحدًا أحسن لتفسير الحديث منه ولا أكف عن الفتيا منه (٤). وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه(٥). وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى أحمد بن النضر الهلالي قال: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة، فنظر إلى صبي دَخل المجلس، فكأن أهل المجلس تهاونوا به لصغره، فقال سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]. ثم قال لي: يا نضر، لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار، (١) رواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ٣/ ١٨٠ (٣٠٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وجاء فيهما أبو يوسف الفسوي. والله أعلم. (٢) رواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ٢٧٧/٢ (١٧٣)، والخطيب في ((تاريخه)) ١٧٨/٩، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٧٤/٧، ٢٩٠. (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١٢/١، ٣٢، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٦/ ٣٢٢، والخطيب في ((تاريخه)) ١٧٩/٩، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦٣/١. (٤) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٣٢/١ - ٣٣، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد)) ٣٦٨/١. (٥) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٣٣/١. ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - مثل: الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قال: أوسعوا للشيخ الصغير. قال: ثم تبسم ابن عيينة وضحك(١). فائدة : سفيان هذا أحد مشايخ الشافعي، ومن ينتهي إليه سلسلة أصحابنا في الفقه، ومنه إلى النبي ◌ّر، وكان إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا (٢). وقيل عن الشافعي: إنه مات في غشية له. فقال: إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه(٣). وأما راويه عن سفيان فهو: الإمام أبو بكر عبد الله (ع) بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حُميد - بضم الحاء - الحُميدي القرشي الأسدي المكي الثقة، رئيس أصحاب ابن عيينة وأثبتهم. جَاَلسَه عشرين سنة، ومن الفضلاء الآخذين عن الشافعي وأحد رفقائه في الرحلة. وهو أول من حدَّث عنه البخاري في ((صحيحه))، وروى مسلم في مقدمة ((صحيحه)) عن سلمة بن شبيب عنه(٤)، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، والترمذي وابن ماجه في التفسير. مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين وقيل: سنة عشرين(٥). (١) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص٦١، وذكره الذهبي في ((السير)) ٤٥٩/٨ وقال: وفي صحة هذا نظر، وإنما سمع -يعني: سفيان- من المذكورين -يعني: الزهري، وعمرو بن دينار- وهو ابن خمس عشرة سنة أو أكثر. (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٩١/٩ - ٩٢. (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٩/ ٩٥. (٤) ((صحيح مسلم)) ١٦/١. (٥) انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٥٠٢/٥، ((التاريخ الكبير)) ٩٦/٥ - ٩٧ = ١٥١ كتاب بَدْء الوَحْي فائدة : في الكتب الستة عبد الله بن الزبير ثلاثة هذا أحدهم، وثانيهم الصحابي(١)، وثالثهم البصري(٢): روى له ابن ماجه والترمذي في ((الشمائل)). وفي الصحابة أيضًا عبد الله بن الزبير بن [عبد](٣) المطلب بن هاشم(٤)، وليس لهما ثالث في الصحابة. = (٢٧٦)، ((الجرح والتعديل)) ٥٦/٥، ٥٧ (٢٦٤)، ((الثقات)) ٣٤١/٨، ((تهذيب الكمال)» ٥١٢/١٤- ٥١٥ (٣٢٧٠). (١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، يكنى أبا بكر، أبوه حواري الرسول وَلير، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالته عائشة أم المؤمنين، وعمته خديجة أم المؤمنين، وجدته صفية عمة رسول الله وَّ﴾، وهو أول مولود يولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، بايع النبي ◌َّ﴿ وهو ابن ثمان، وكان فصيحًا، وذا شجاعة وقوة، وكان صوامًا قوَّامًا، بالحق قوالًا، وللرحم وصالًا شديدًا على الفجرة، ذليلًا للأتقياء البررة. بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية فكانت خلافته تسع سنين، قتله الحجاج بن يوسف في أيام عبد الملك بن مروان وصلبه بمكة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين. انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٥١٤/٣، ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٢٦/٢ (٥٨٩)، ((معرفة الصحابة)) ١٦٤٧/٣ (١٦٣٧)، ((الاستيعاب)) ٣٩/٣ (١٥٥٣)، ((أسد الغابة)) ٢٤٢/٣ (٢٩٤٧). (٢) عبد الله بن الزبير بن معبد الباهلي أبو الزبير، ويقال: أبو معبد البصري، قال أبو حاتم: مجهول لا يُعرف. وقال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول. ((تهذيب الكمال)» ٥١٦/١٤ (٣٢٧١)، ((الكاشف)) ٥٥٢/١ (٢٧٢٢)، ((تقريب التهذيب)» (٣٣٢١). (٣) ساقط من (ف)، ومثبت من مصادر الترجمة. (٤) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم النبي ◌ُّر، وأمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن = ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فائدة ثانية : الحُمَيدي هذا - بضم الحاء وفتح الميم - قال السمعاني: وهي نسبة إلى حُميد بطن من أسد بن عبد العزى بن قصي، وقال النووي في ((إملائه)): هو نسبة إلى جده حميد المذكور وهو ما ذكر ابن طاهر في ( ... )(١)، وقال السمعاني: سمعت شيخي أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: هو منسوب إلى الحميدات وهي قبيلة. فائدة ثالثة : الحميدي هذا قد يشتبه بالحميدي المتأخر صاحب ((الجمع بين الصحيحين)) وهو العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل - بمثناة تحت ثم صاد مهملة مكسورة ثم لام- الأندلسي، الإمام (ذو) (٢) التصانيف في فنون، سمع الخطيب وطبقته، وبالأندلس ابن حزم وغيره، وعنه الخطيب وابن ماكولا وخلق، وكان ثقة صالحًا إمامًا حافظًا متقنًا، متفقًا على جلالته وإمامته، سكن ببغداد مدة، ومات بها سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، قال السمعاني: والحميدي هذا نسبة إلى جده حميد(٣). = مخزوم، لا عقب له، وهو أخو ضباعة بنت الزبير، وكان الزبير أخا عبد الله أبي رسول الله وَّر لأبيهما وأمهما. وشهد عبد الله قتال الروم في خلافة أبي بكر الصديق # وقتل يوم أجنادين، ووجد حوله عصبة من الروم قتلهم، ثم أثخنته الجراح فمات. انظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٥٢٢/٣، ٥٢٣، ((الاستيعاب)) ٣٨/٣، ٣٩ (١٥٥٢)، («أسد الغابة)) ٢٤١/٣ (٢٩٤٦). (٢) في (ف): ذوا. (١) مقدار كلمة غير واضحة. (٣) أنظر ترجمته في: ((اللباب)) ٣٩٢/١، ((تذكرة الحفاظ)) ١٢١٨/٤ - ١٢٢٢ (١٠٤١)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٠/١٩ (٦٣)، ((شذرات الذهب)) ٣٩٢/٣. ١٥٣ - كتاب بَدْء الوَحْي فائدة رابعة : الحُميدي -بالضم - يشتبه بالحَمِيدي -بالفتح وكسر الميم - نسبة لإسحاق بن تَكِيْنَك الحميدي، مولى الأمير الحميد الساماني، سمع من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سلم وغيره، نبه عليه السمعاني(١). قلت: وأبو بكر عتيق بن علي الصنهاجي الحَميدي -بالفتح أيضًا- ارتحل وسمع من نصر الله القزاز وتفقه، وله دیوان شعر، ثم ولي قضاء عدن، ومات باليمن، وذكر ابن ماكولا مع الحُميدي -بالضم- الجنيدي، وقال: يروي عنه ابن عَدِي ولا يُلبس، وما ذكرناه من الضم مع الفتح أولى، وكذا سُقْتُهُ في مختصري في المؤتلف والمختلف. فائدة : هذا الحديث على شرط مسلم أيضًا من هذا الوجه، فإنه أخرج لرجاله كلهم في ((صحيحه)) فتنبَّه له. الوجه الرابع: في لطائف إسناده : من لطائفه أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني، فالأولان مكيان والباقون مدنيون. ومن لطائفه رواية تابعي عن تابعي وهما يحيى ومحمد التيمي، وهذا كثير، وإن شئت قلت: فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة، على قول الجمهور كما سلف أنه تابعي لا صحابي(٢). (١) انظر: ((اللباب)) ٣٩٢/١. (٢) قلت: هذا يسمى: المدبج أو رواية الأقران بعضهم عن بعض، كما هو مقرر في مصطلح الحديث. = ١٥٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ومن لطائفه أيضًا: رواية صحابي عن صحابي على قول من عدّه صحابيًّا، ويقع أيضًا رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض أيضًا، وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصبهاني جزءًا لرباعي الصحابة وخماسيهم، وقد لخصته بحذف أسانيده، وسيأتي لك بعضه عند التوغل في هذا الشرح في أَمَسِ المواضع به إن شاء الله. ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء وجمع اختلاف طرقه، وهو حديث (منصور)(١) بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ◌َّ في أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص: ١]، تعدل ثلث القرآن(٢). = فالمدبج هو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر، والقرينان هما المتقاربان في السن والإسناد، المشتركان في الأخذ عن الشيوخ. فمثال المدبج في الصحابة: عائشة وأبو هريرة، روى كل واحد منهما عن الآخر، وفي التابعين: رواية الزهري عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عمر، عن الزهري، وفي أتباع التابعين: رواية مالك عن الأوزاعي ورواية الأوزاعي عن مالك. أما رواية الأقران: فهي أن يروي أحد القرينين عن الآخر فقط، مثاله: رواية سليمان التيمي عن مسعر بن كدام، فهما قرينان، ولا يعلم لمسعر رواية عن سليمان. انظر: ((علوم الحديث)) ص٣٠٩ - ٣١٠، ((المقنع)) ٥٢١/٢ - ٥٢٣، ((تدريب الراوي)) ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٦. (١) في (ف): المنصور، والصواب ما أثبتناه، كما في مصادر التخريج. (٢) رواه الترمذي (٢٨٩٦)، والنسائي ١٧٢/٢، وأحمد ٤١٨/٥، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٢٢٣/١ (٢٢٢)، والطبراني ١٦٧/٤ (٤٠٢٨، ٤٠٢٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٥٥/٧ - ٢٥٦. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال = ١٥٥ كتاب بَدْء الوَحْي = قال يعقوب بن شيبة: وهذا أطول إسناد روي. قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا الحديث أيضًا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الربيع، عن عبد الرحمن، فذكره. الوجه الخامس: في بيان الأنساب الواقعة فيه: وقع فيه الحميدي والأنصاري والليثي والتيمي، أما الأول: فقد سلف بيانه، وأما الثاني: فنسبته إلى الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف، وبه جزم النووي، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب وهم قبيلتان: الأوس، والخزرج ابنا حارثة -بالحاء المهملة- بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن مُزَيْقِيَاء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن قيس بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان بن عامر بن صالح بن أرفخشد بن سام بن نوح العقلية. وقحطان أصل العرب -أعني: عرب اليمن- واسم قحطان: يقطن وقيل: يَقطان؛ وسمي به لأنه كان أول من قحط أموال الناس من ملوك العرب. وقال ابن ماكولا اسمه: مهرّم (١) .. وأما عرب الحجاز وهم العرب المستعربة فمن ذرية إسماعيل، وأما شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحاديث المأثورة عن النبي وَّ﴿ في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ = أَحَدُّ ﴾﴾، وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها، حتى قال طائفة من الحفاظ كالدارقطني: لم يصح عن النبي ◌ّ في فضل سورة من القرآن أكثر مما صح عنه في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾. ((تفسير سورة الإخلاص)) ص٢٦، وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٣٩٧٨). (١) ((الإكمال)) ٣٤١/١، ٥٦٦/٢، ٣٠٥/٧. ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == العرب العاربة فهم: عاد وثمود وجرهم والعماليق وأمم سواهم، وقيل: إن جميع العرب ينسبون إلى إسماعيل، والمشهور ما ذكرناه. والخزرج أشرف من الأوس؛ لكون أخوال النبي ◌َّ منهم، وهو وصفٌ لهم إسلامي، وقيل لهم ذَلِكَ؛ لنصرتهم رسول الله وَّر وفي ((الصحيح)) كما سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك: أرأيتم اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله به؟ قال: بل سمانا الله (١). وتفرعوا بطونًا وأفخاذًا كثيرة. وأما الليثي فنسبة إلى ليث بن بكر - كما أسلفناه- بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، وقد ينسب في غير هذا إلى الجد دون القبيلة وإلى نزوله فيهم، ويشتبه الليث بأشياء ذكرتها في ((المؤتلف)). وأما التيمي فنسبه إلى عدة قبائل اسمها تيم قريش، ومنها خلق كثير من الصحابة فمن بعدهم، منها: محمد بن إبراهيم السالف، ومنها تيم اللات بن ثعلبة، وتيم الرباب، وتيم ربيعة. ويشتبه التيمي بالتيمي -بفتح الياء- بطن ابن غافق، منهم الماضي بن محمد سمع منه (٢) ابن وهب (٢). الوجه السادس : هذا الحديث أحد أركان الإسلام وقواعد الإيمان، ولا شك في صحته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه حفاظ الإسلام وأعلام الأئمة إمام دار الهجرة مالك (خ، م) بن (١) سيأتي برقم (٣٧٧٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب الأنصار. (٢) هو أبو مسعود، الماضي بن محمد بن مسعود التيمي الغافقي، روى ((الموطأ)» عن مالك، روى عنه ابن وهب، وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومئة. انظر: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٣٢/١ - ٢٣٣. ١٥٧ كتاب بَدْء الوَحْي = أنس، وشعبة بن الحجاج، والحمادان: حماد (خ) بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانان: سفيان الثوري وابن عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الوهاب (خ)، وخلائق لا يحصون كثيرة. وقد ذكره البخاري من حديث سفيان ومالك وحماد بن زيد وعبد الوهاب كما سلف. قال أبو سعيد محمد بن على الخشَّاب الحافظ(١): روى هذا الحدیث عن یحیی بن سعید نحو مائتين وخمسين رجلاً. قلت: وبلغهم ابن منده(٢) في ((مستخرجه)) فوق الثلاثمائة. ولولا خشية الملالة لعددتهم، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني : سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل (محمد) (٣) يقول في المذاكرة: (١) هو الإمام المحدث المفيد الثقة، أبو سعيد محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حبيب النيسابوري، الخشاب، الصافر، ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. قال عبد الغافر في سياق تاريخ نيسابور: كان محدثًا مفيدًا، من خواص خدم أبي عبد الرحمن السلمي، وكان صاحب کتب حتى صار بُندار كتب الحديث بنيسابور. توفي في ذي القعدة سنة تس وخمسين وأربعمائة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء» ١٥٠/١٨- ١٥١، («شذرات الذهب» ٣٠١/٣. (٢) هو الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الإمام أبي عبد الله محمد بن المحدث أبي يعقوب إسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده، العبدي الأصبهاني، أبوه صاحب تصانيف منها ((معرفة الصحابة)). ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وسمع أباه وأبا بكر بن مردويه وغيرهم، وكان كبير الشأن جليل القدر کثیر السماع، سافر إلى الحجاز وبغداد وهمذان وخراسان، وكتابه المذكور هو ((المستخرج من كلام الناس)) قيد التحقيق بدار الفلاح. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٣٤٩/١٨، ((شذرات الذهب» ٣٣٧/٣ -٣٣٨. (٣) في (ف): أحمد، والمثبت هو الصواب. وهو الشيخ الإمام الحافظ المتقن محدث أصبهان، أبو مسعود، عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بن محمد الأصبهاني كُوتاه، ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة . = ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظان: أبو موسى المديني(١)، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: إنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل(٢). ثم تنبه بعد ذَلِكَ لقولين ساقطين: الأول: ما رأيته في أول كتاب ((تهذيب مستمر الأوهام)) لابن ماكولا أنه يقال: إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي. الثانية: ذكرها هو أيضًا في موضع آخر أنه يقال: لم يسمعه التيمي من علقمة(٣). وبيان وهن هاتين المقالتين رواية البخاري السالفة أول (صحيحه)) فإن فيها: عن يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم = قال الحافظ أبو موسى: هو أوحد وقته في علمه مع حسن طريقته وتواضعه. مات في شعبان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. انظر ترجمته في: ((المنتظم)) ١٨٢/١٠، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٩/٢٠ - ٢٣١، ((شذرات الذهب)) ٤/ ١٦٧. (١) أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي صاحب التصانيف، إمام علامة، حافظ كبير، ثقة شيخ المحدثين، ولد سنة ٥١١هـ، ومات سنة ٥٨١هـ. انظر: ((وفيات الأعيان)) ٢٨٦/٤ (٦١٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٥٢/٢١ - ١٥٩ (٧٨)، ((الوافي بالوفيات)) ٢٤٦/٤، ٢٤٧ (١٧٨٤)، ((شذرات الذهب)) ٤/ ٣٧٣. (٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ١١/١: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المائة. اهـ وقال في ((التلخيص الحبير)) ١/ ٥٥: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعین طریقًا .اهـ (٣) ((تهذيب مستمر الأوهام)) ص٦١ - ٦٢ بتصرف. ١٥٩ كتاب بَدْء الوَحْي التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص فذكره، وكذا صرح بذلك في كتاب: الأيمان والنذور كما سلف لك، وإنما ذكرت هاتين المقالتين لأَنَبِّه على وَهنهما وشذوذهما وأنهما لا يقدحان في الإجماع السالف على صحته، ومثلهما في الوهن قول ابن جرير الطبري في ((تهذيب الآثار)): إن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودًا؛ لأنه حديث فرد (١). الوجه السابع: هذا الحديث قد رواه عن النبي ◌َّلر غير عمر، من الصحابة ﴿، وإن كان الحافظ أبو بكر البزار قال: لا نعلم رُوِيَ هذا الحديث إلا عن عمر، عن رسول الله بهذا الإسناد(٢). وكذا ابن السكن في كتابه المسمى بـ((السنن الصحاح المأثورة)) حيث قال: لم يروه عن النبي ◌َّ بإسناد غير عمر بن الخطاب، وكذا الإمام أبو عبد الله محمد بن عتَّاب، حيث قال: لم يروه عن النبي ◌َّر غير عمر. وذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه ((الإرشاد)) من حديث عبد المجيد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَالَ : ((الأعمال بالنية))(٣). ثم قال: ورواه عنه نوح بن حبيب وإبراهيم بن عتيق، وهو حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه. فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة، وإنما هو حديث آخر أُلصق بهذا، وهذا مما غلط فيه عبد المجيد (٤). ورواه الدار قطني في ((أحاديث مالك التي ليست في الموطأ)) ولفظه: (١) ((تهذيب الآثار)) ص٧٨٦، مسند عمر بن الخطاب، السفر الثاني. (٢) ((البحر الزخار)) ٣٨٠/١ (٢٥٧). (٣) ((الإرشاد)) ٢٣٣/١ (٢٨). (٤) ((الإرشاد)) ١٦٧/١. ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ولَكُلِّ أَمْرِئٍ مَا نَوى)) إلى آخره، ثم قال: تفرد به عبد المجيد، عن مالك، ولا نعلم حدث به عن عبد المجيد غیر نوح بن حبيب وإبراهيم بن محمد العتيقي. قلت: وعبد المجيد هو ابن (عبد العزيز)(١) بن أبي رواد المكي، وهو من رجال مسلم مقرونًا، ووثّقه يحيى وغيره. وقال أحمد: ثقة يغلو في الإرجاء. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه(٢). وقال الدارقطني: لا يحتج به(٣). وأما الخطابي فإنه أحال الغلط على الراوي عنه فقال: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن هذا الحديث لا يصح مسندًا إلا من حديث عمر، وقد غلط فيه نوح بن حبيب(٤)، ونوح هذا ثقة صاحب سنة، وأخرج له أبو داود والنسائي وقال: لا بأس به(٥)، وقال الخطيب: هو ثقة، أمر أحمد بن حنبل أن يكتب حديثه(٦). وقال ابن منده الحافظ: رواه عن النبي وَّ غير عُمَرَ سعدُ بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن عبد السلمي (وهزال بن (١) في (ف): عبد الله، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر الترجمة. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٦/ ٦٥. (٣) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٥٠٠/٥، (التاريخ الكبير)) ١١٢/٦ (١٨٧٥)، ((تهذيب الكمال)) ٢٧١/١٨ - ٢٧٦ (٣٥١٠). (٤) ((أعلام الحديث)) ١/ ١١١. وتعقبه العراقي في ((طرح التثريب)) ٤/٢- ٥، فقال: وما قاله الخطابي ليس بجيد، فإنه لم ينفرد به نوح عنه بل رواه غيره عنه وإنما الذي تفرد به ابن أبي رواد كما قال الدارقطني وغيره.اهـ (٥) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٣٢١/١٣. (٦) ((تاريخ بغداد)) ٣٢٠/١٣، ٣٢١.